قطع الكهرباء عن غزة... معاناة فوق المعاناة

القرار يوقف عمل محطة تحلية المياه المركزية في القطاع

رجل يملأ صهريجاً على ظهر شاحنة في محطة تحلية المياه بجنوب غزة التي توقفت عن العمل بعد أن قطعت إسرائيل الكهرباء عن القطاع (أ.ف.ب)
رجل يملأ صهريجاً على ظهر شاحنة في محطة تحلية المياه بجنوب غزة التي توقفت عن العمل بعد أن قطعت إسرائيل الكهرباء عن القطاع (أ.ف.ب)
TT

قطع الكهرباء عن غزة... معاناة فوق المعاناة

رجل يملأ صهريجاً على ظهر شاحنة في محطة تحلية المياه بجنوب غزة التي توقفت عن العمل بعد أن قطعت إسرائيل الكهرباء عن القطاع (أ.ف.ب)
رجل يملأ صهريجاً على ظهر شاحنة في محطة تحلية المياه بجنوب غزة التي توقفت عن العمل بعد أن قطعت إسرائيل الكهرباء عن القطاع (أ.ف.ب)

اضطر الفلسطيني علاء بركة، أحد سكان دير البلح في وسط قطاع غزة، للانتظار خلال ساعات الصيام في نهار يوم الاثنين لنحو ثلاث ساعات مع نجله الوحيد البالغ من العمر 8 سنوات، حتى وصلت سيارة مياه محلاة إلى منطقته، ثم الانتظار مجدداً في طابور لأكثر من ساعة حتى حصل على 4 لترات من المياه الصالحة للشرب.

أما نسرين أبو عمرة، التي تعيش في مخيم النصيرات بوسط القطاع، فلم يتمكن أبناؤها الثلاثة مجتمعين من الحصول على مياه صالحة للشرب إلا بصعوبة بالغة، وكان كل ما أمكنهم الحصول عليه 4 لترات.

فقد أعلن وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين، مساء الأحد، قطع الكهرباء عن القطاع بهدف الضغط على حركة «حماس»، وقال: «كفى حديثاً، لقد حان وقت العمل». وأضاف في رسالة مصورة بالفيديو: «سنستخدم كل الوسائل المتاحة لدينا لضمان عودة جميع الرهائن، وسنحرص على ألا يكون لـ(حماس) وجود في غزة في اليوم التالي» لانتهاء الحرب.

ورغم أن القطاع يعيش بلا كهرباء منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أي منذ بدأت إسرائيل حربها، مع منع إدخال الوقود لمحطة الكهرباء الوحيدة في القطاع، فإن القرار الأخير يزيد من معاناة الغزيين.

وأوضح المكتب الإعلامي الحكومي بغزة أن القرار يهدف في الأساس لقطع خط كهرباء أعادت إسرائيل توصيله قبل شهرين لتزويد محطة التحلية المركزية بالقطاع، والممولة من دول أوروبية وجهات أممية.

وأشار المكتب إلى وجود شح كبير وأزمة خانقة في مياه الاستخدام المنزلي، وأزمة أكبر في مياه الشرب، بسبب منع الوقود الذي يشغّل الآبار ومحطات التحلية.

وبحسب نزار عياش رئيس بلدية دير البلح التي تقع بها المحطة، فإن قطع الكهرباء عن محطة التحلية سيُفقد مناطق جنوب ووسط القطاع ما لا يقل عن 70 في المائة من مصادر المياه العذبة، مشيراً إلى أن المحطة كانت تنتج نحو 16 ألف كوب من المياه المحلاة الصالحة للشرب يومياً.

وتصل قدرة خط الكهرباء الإسرائيلي الذي تم تزويد المحطة به إلى ما يقرب من 5.3 ميغاواط.

وبيَّن عياش، في تصريحات للصحافيين من أمام المحطة، أنه ستكون هناك صعوبة في تشغيل ما يتوفر لدى البلدية من مولدات صغيرة لعدم توفر كميات كبيرة من السولار الذي تُدار به، إلى جانب أن بعضها تالف وخرج من الخدمة بفعل الاستهداف المتكرر لمقار البلديات في القطاع ومنها مقر بلدية دير البلح.

وأضاف أن توقف عمل المحطة بدأ فعلياً في إحداث تراجع كبير في كمية وجودة المياه المتوفرة، نظراً لانعدام مصادر المياه النظيفة، ما يعني تعريض حياة المواطنين للخطر.

المتضرر الأكبر

رغم ما يردده الجانب الإسرائيلي من أن الهدف من قطع الكهرباء هو الضغط على «حماس»، فإن الواقع على الأرض يبيّن على نحو لا لبس فيه أن المواطن الفلسطيني هو المتضرر الأكبر من هذه العملية.

ويقول بركة (29 عاماً) الذي يعيش في دير البلح إن محطة التحلية كانت تساعد المواطنين في الحصول على المياه بسهولة، مشيراً إلى أن سكان وسط القطاع وجنوبه كانوا يعتمدون عليها في الحصول على مياه صالحة للشرب منذ إعادة تشغيلها قبل شهرين، «أما الآن مع توقفها، فسنعود للمعاناة الشديدة التي كنا فيها من قبل».

وقالت نسرين أبو عمرة (52 عاماً)، إنه لم يعد أمام الغزيين في مناطق وسط وجنوب القطاع، سوى الاعتماد على بعض محطات التحلية الخاصة في الحصول على المياه من خلال مركبات تُسيرها لهم مؤسسات ومبادرات شبابية، وهي كميات ضئيلة جداً على حد قولها.

وأضافت أن المحطة كانت تزودهم بالمياه يومياً من خلال الضخ في سيارات صهاريج تصل للمنازل وتعبئ المياه بسهولة، مشيرة إلى أنه في اليوم الواحد كانت تصلهم خمس سيارات على الأقل محملة بالمياه الصالحة للشرب، وهو ما كان يكفيهم على عكس مناطق أخرى من القطاع.

نازحة فلسطينية تعد إفطاراً للصائمين من أسرتها وجيرانها في خان يونس بجنوب قطاع غزة يوم الأحد (رويترز)

وكان سكان القطاع يعتمدون سابقاً على محطات مركزية أو تابعة للقطاع الخاص كانت تعمل بالكهرباء، إلا أن انقطاعها وقصف بعض هذه المحطات أوقف خدماتها.

وأعربت شركة كهرباء غزة عن استغرابها من القرار الأخير، مشيرة إلى أن قطاع الكهرباء مدمر بالفعل نتيجة الحرب الإسرائيلية، وأنه لا يوجد فعلياً أي خطوط إسرائيلية سوى تلك التي مُدَّت لتشغيل محطة تحلية المياه المركزية بوسط القطاع.

وبيَّنت الشركة أن خسائر قطاع الكهرباء وصلت إلى 450 مليون دولار، إلى جانب تدمير أكثر من 70 في المائة من شبكات توزيع الكهرباء، مشيرة إلى أن 90 في المائة من مستودعاتها دُمرت، و80 في المائة من آلياتها أصبحت خارج الخدمة بعد قصفها.

«سياسة العقاب الجماعي»

قالت حركة «حماس» إن الإعلان الإسرائيلي بمثابة «إمعان في ممارسة سياسة العقاب الجماعي بحق الفلسطينيين»، وإنه يُعد «جريمة حرب مكتملة الأركان» بعد وقف المساعدات والإغاثة والوقود، معتبرة ذلك محاولة يائسة للضغط عبر سياسة «الابتزاز الرخيص والمرفوض».

وأضافت أن «ممارسات الاحتلال شكلت انتهاكاً صارخاً للاتفاقات الموقعة، وتجاوزاً لكل القوانين والأعراف الإنسانية، في تأكيد جديد على أن الاحتلال لا يحترم التزاماته».

واتهمت الحركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالسعي لتعطيل اتفاق وقف إطلاق النار ومحاولة فرض خريطة طريق جديدة «تخدم مصالحه الشخصية على حساب حياة أسرى الاحتلال، ودون اكتراث لمطالب عائلاتهم».

كما أدانت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية القرار الإسرائيلي، واعتبرت أنه يأتي «تعميقاً لحرب الإبادة والتهجير والكارثة الإنسانية في قطاع غزة على مستويات حياة الغزيين كافة، خاصة في ظل إمعان الاحتلال في منع وصول المساعدات الإنسانية لأكثر من مليوني فلسطيني في القطاع يعانون أبشع أشكال التطهير العرقي»، كما ذكرت في بيان لها.

فلسطيني يمشي في محطة لتحلية المياه بجنوب قطاع غزة يوم الاثنين (رويترز)

من جانبها، قالت المقررة الأممية الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، إن قطع إمدادات الكهرباء عن قطاع غزة ينذر بإبادة جماعية.

وأضافت عبر حسابها على منصة «إكس»، أن «قطع إسرائيل لإمدادات الكهرباء عن غزة يعني عدم وجود محطات تحلية مياه عاملة، وبالتالي عدم وجود مياه نظيفة، وهو إنذار بإبادة جماعية».

وكانت إسرائيل قد قررت مع نهاية المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، الأسبوع الماضي، وقف إدخال المساعدات الإنسانية كافة إلى غزة، وإغلاق المعابر مع القطاع، إلى أن أتبعت ذلك بوقف تزويد محطة التحلية الوحيدة في غزة بالكهرباء.


مقالات ذات صلة

غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

غزو القوارض والحشرات يفاقم معاناة النازحين في غزة

يواجه النازحون في غزة داخل المخيمات المكتظة الكثير من المشاكل والتحديات قد يتمثل أكثرها إلحاحاً في غزو القوارض والحشرات لخيامهم الرثة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون نازحون يحملون جثمان أيمن أبو حسنة خلال جنازته في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة أمس والذي أفادت التقارير بمقتله ليلاً في غارة إسرائيلية أثناء قيادته دراجة نارية (أ.ف.ب)

مقتل 5 في غارات إسرائيلية متفرقة على قطاع غزة

مسعفون يفيدون بمقتل 5 في غارات إسرائيلية منفصلة، وسكان يفيدون بوقوع اشتباك بين «حماس» ومجموعة مسلحة مدعومة من إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جانب من الدمار في قطاع غزة جراء الحرب (رويترز - أرشيفية)

«مجلس السلام»: خطة غزة تحتاج إلى إحراز تقدم سريع والمحادثات «ليست سهلة»

قال كبير مبعوثي «مجلس السلام» إلى غزة، اليوم (الاثنين)، إنه «متفائل إلى حد ما» بإمكان التوصل إلى اتفاق بشأن خطة نزع سلاح حركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يخوض الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» مناوشات «قواعد الاشتباك»، إذ يُظهر تبادل إطلاق النار في جنوب لبنان محاولات لحصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني الحدودية مع إسرائيل، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية ضمن المناطق التي تسيطر عليها، في مقابل اقتصار عمليات الحزب على هذه المنطقة مترافقة مع ردود محدودة على خروق الهدنة ضمن نطاق شمال إسرائيل.

وأعلن «حزب الله»، أمس، أنه استهدف بمسيّرة، مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة داخل لبنان، «ردّاً على الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار».

وعشية لقاء سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، في لقاء ثانٍ، اليوم (الخميس)، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات، قائلاً إنه يتمثل بتثبيت وقف النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، كما حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة ومنع المظاهر المسلحة.


واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

ذكرت مصادر أن الولايات المتحدة أوقفت «شحنة مالية» تُقدَّر قيمتها بنصف مليار دولار كانت متجهة إلى العراق، وأنها علّقت أجزاء من تعاونها الأمني مع بغداد، في خطوة تهدف إلى الضغط على الحكومة العراقية بشأن تصرفات الميليشيات المدعومة من إيران، وفق «رويترز». وقالت مصادر غربية، لـ«الشرق الأوسط»، إن التنسيق بين واشنطن وبغداد «في أدنى مستوياته خلال الوقت الراهن».

واتهمت حركة «عصائب أهل الحق»، أحدُ أبرز أقطاب التحالف الحاكم، واشنطن بالسعي لعرقلة صرف رواتب الموظفين، مشيرة إلى أن «الأميركيين يتبعون أساليب ضغط مباشرة وغير مباشرة؛ بهدف جعل الحكومة العراقية تابعة لهم».

وأفادت تقارير بأن الولايات المتحدة «هددت في وقت سابق بوقف التعاون مع بغداد في حال لم تُقدِم الحكومة على اعتقال مسلحين ينتمون إلى فصيل موالٍ لإيران، كان قد نفّذ هجوماً قرب مطار بغداد مطلع الشهر الحالي استهدف دبلوماسيين أميركيين».


«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
TT

«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

باتت منطقة الجزيرة السورية بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية، لاختبار قدرات تنظيم «داعش»، في ظل تغيير أولوياته وسباقه غير المعلن مع الحكومة السورية على اكتساب الحواضن الاجتماعية والجغرافيا.

فبعد الانسحاب الأميركي الأخير والتفاهمات الرامية لدمج قوات «قسد»، يراهن التنظيم على «التناقضات» التي قد تنجم عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي، ويستغل المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، ويعمل على التجنيد داخل المخيمات.

وإذا كان التنظيم دخل اليوم في مرحلة «كمون»، فلأنه اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي ثغرات تمهيداً لاستئناف النشاط.

وبذلك يبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود، تبقى قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، قائمة.