مصادر لـ«الشرق الأوسط»: «حماس» أجّلت انتخاب رئيس انتظاراً لاستقرار الأوضاع

الحركة تعاني فراغات بالأداء الحكومي وتسعى لترتيب وضعها الداخلي والعسكري

يحيى السنوار مع خليل الحية في صورة تعود لعام 2017 (أ.ف.ب)
يحيى السنوار مع خليل الحية في صورة تعود لعام 2017 (أ.ف.ب)
TT

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: «حماس» أجّلت انتخاب رئيس انتظاراً لاستقرار الأوضاع

يحيى السنوار مع خليل الحية في صورة تعود لعام 2017 (أ.ف.ب)
يحيى السنوار مع خليل الحية في صورة تعود لعام 2017 (أ.ف.ب)

دفعت الهدنة الهشة السارية في قطاع غزة بين إسرائيل و«حماس» الحركة إلى تأجيل انتخاب رئيس لمكتبها السياسي العام. وقالت مصادر من الحركة لـ«الشرق الأوسط» إن «التقديرات داخل صفوف قيادات (حماس) كانت تذهب إلى إجراء انتخابات بعد سريان وقف إطلاق النار في القطاع» الذي تم إعلانه الشهر الماضي.

ومنذ اغتيال إسرائيل زعيم «حماس» إسماعيل هنية في يوليو (تموز) 2024، ثم قتلها، مصادفة، لخليفته يحيى السنوار، في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، تُدار الحركة بصيغة «المجلس القيادي» الذي يترأسه محمد درويش الذي لم يكن معروفاً خارج أوساط الحركة سابقاً ونادر الظهور إعلامياً، كما يبرز فيه باستمرار اسم القيادي خليل الحية بوصفه واجهة فعلية للحركة، ويترأس معظم وفودها.

(من اليسار) نزار عوض الله وخليل الحية ومحمد درويش خلال استقبال المرشد الإيراني علي خامنئي وفداً من «حماس» في 8 فبراير الحالي (موقع خامنئي - أ.ف.ب)

وتحدثت المصادر كذلك عن وجود «إجماع داخل صفوف (حماس) على الحاجة لانتخاب أو تعيين رئيس للمكتب السياسي في غزة»، مشيرةً إلى أن «خليل الحية فعلياً يؤدي هذا الدور بشكل مؤقت، لكن هذا (الانتخاب) لا يعني أنه سيترك منصبه بل قد يبقى فيه، ويستمر لكن بطريقة تجمع عليها جميع المؤسسات التابعة للحركة ومختلف المستويات فيها».

ترتيبات متشابكة

وتتوزع ترتيبات «حماس»، وفق المصادر، على 3 مستويات متشابكة: داخلية تنظيمية (سياسية)، وعسكرية، وحكومية.

وتقول المصادر إنه «نظراً للتأجيل الذي فرضته التطورات المختلفة على «حماس»، فإن المجلس القيادي الحالي هو الذي سيقود ويبقى في مستوى اتخاذ القرارات لحين وجود فرصة لاستقرار سياسي وأمني تتيح إجراء أي انتخابات».

وعلى المستوى الحكومي، أفادت بأن «الترتيبات جارية حالياً لإعادة تنظيم الهيكلية العاملة في غزة بشكل خاص، للمضي قدماً في إدارة الملفات المختلفة لاختيار شخصية تقود العمل الحكومي لحين التوصل لاتفاق بشأن مستقبل القطاع».

أطفال فلسطينيون في مخيم جباليا شمال قطاع غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

واستدركت المصادر أن «هذه الترتيبات بشأن إدارة العمل الحكومي، لا علاقة لها بموضوع (اليوم التالي) للحرب بما في ذلك إمكانية الاتفاق مع حركة (فتح) على إدارة شؤون القطاع».

وتمثل مسألة انخراط «حماس» في مستقبل إدارة غزة معضلة محلية وإقليمية ودولية، في وقت تقول مصادر بالحركة إن «(حماس) ستقدم كل مرونة ممكنة من أجل المضي قدماً باتفاق وقف إطلاق النار والمرحلة الثانية ووقف الحرب كاملة، بما يحقق مصلحة الشعب الفلسطيني، والسماح بإعادة إعمار القطاع، بما يضمن حياة مستقرة للسكان».

مَن فقدت «حماس»؟

ومُنيت «حماس» بخسائر فادحة خلال الحرب على غزة على مستويات سياسية وعسكرية وإدارية، ولا تخفي المصادر ذلك وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «لقد تأثرت مفاصل الحركة، لكن ذلك لم يقلل من إدارتها وبقيت متماسكة، وحتى الآن تحافظ على بعض مصادر قوتها».

وعلى المستوى السياسي، فإن «حماس» فقدت رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية، ونائبه صالح العاروري، ورئيس مكتبها بغزة، الذي أصبح رئيساً عاماً، يحيى السنوار، الذي تتهمه إسرائيل بأنه المهندس والمسؤول الأول لهجوم 7 أكتوبر 2023، كما قتلت إسرائيل قيادات كبيرة من «حماس» في غزة منهم: روحي مشتهى، وسامح السراج، وزكريا أبو معمر، وغيرهم من قيادات سياسية أخرى سواء داخل أو خارج قطاع غزة.

وعلى المستوى العسكري، فقدت «كتائب عز الدين القسام» الذراع العسكرية لـ«حماس»، قائدها الأبرز محمد الضيف بعد ملاحقة إسرائيلية استمرت لنحو 4 عقود، كما خسرت نائبه مروان عيسى، وأعضاء المجلس العسكري، رائد ثابت، وغازي أبو طماعة، وأحمد الغندور، وأيمن نوفل، إلى جانب العشرات من قيادات الكتائب والسرايا والمجموعات والوحدات وغيرها، ممن تمكنت إسرائيل من قتلهم خلال 15 شهراً من الحرب.

الترتيبات العسكرية

وتشرح المصادر أنه على مستوى الترتيبات والهيكلة العسكرية فإنه «رغم الخسائر الكبيرة على مستوى القيادات؛ فإن (القسام) حافظت على استمرارية القتال حتى آخر لحظة وكبّدت في الأشهر الثلاثة الأخيرة من القتال، القوات الإسرائيلية في شمال قطاع غزة، ما لا يقل عن 43 ضابطاً وجندياً، كما جنّدت آلاف المقاتلين الجدد حتى خلال الحرب».

وكان وزير الخارجية الأميركي السابق، أنتوني بلينكن، في آخر خطاباته بمنصبه، في 14 يناير (كانون الثاني) الماضي، قد قال: «تشير تقديراتنا إلى أن (حماس) جندت عدداً من المسلحين الجدد يساوي تقريباً عدد مَن فقدتهم».

ومع ذلك تعود المصادر لتقول إن «عز الدين الحداد أبرز قادة (القسام)، وقائد لواء مدينة غزة ومسير قائد لواء الشمال مؤقتاً، قد اجتمع بالقيادات والعناصر التابعة للكتائب وأشاد بما قاموا به، وبحث معهم ترتيبات الهيكلية التنظيمية، واختيار قيادات جدد لكل كتيبة وسرية وغيرها من التي فقدت قياداتها».

وتقول المصادر إنه «في بعض فترات الحرب بعد تصفية قادة بعض الكتائب والسرايا وغيرها من القيادات، كان يتم العمل بشكل جماعي ومنسق ضمن تكليف لشخص معين بقيادة منطقة ما بأكملها، ولكن مع وقف إطلاق النار بدأت عملية جديدة لترتيب الصفوف».

الفراغ الحكومي... والمعارضون

وعلى المستوى الحكومي، ما زالت حركة «حماس» تعاني من فجوات في قدرتها على سد فراغات كبيرة تركت بعد قتل وتصفية عدد كبير من العاملين في مجال العمل الحكومي، كما أنها فقدت المئات إن لم يكن الآلاف من عناصر شرطتها وأجهزتها الأمنية المختلفة، ما أفقدها نوعاً من السيطرة على بعض مفاصل العمل الحكومي.

وخلال جولة في مناطق عدة من قطاع غزة، يمكن رصد حالة من الفوضى في الأسعار وعدم قدرة وزارة الاقتصاد التابعة لـ«حماس» على السيطرة عليها في بعض الأحيان.

وتعمل «حماس»، ولكن بشكل مؤقت، على إظهار القدرة على نشر قوات كبيرة في الشوارع، لكن ذلك لم يمنع من ظهور بعض إشارات الفوضى، بينما تستقبل مراكز شرطتها التي فتحت مؤقتاً في أماكن أخرى بديلة شكاوى المواطنين وتحاول التعامل معها، وتضبط في بعض الأحيان متهمين بقضايا جنائية مختلفة.

فلسطينيون في سوق قرب أنقاض المباني التي دمرتها الضربات الإسرائيلية في غزة (رويترز)

وتحاول «حماس» حكومياً إظهار قوتها من خلال إعلامها الحكومي، لكن يبدو أن الأمور ما زالت بحاجة للكثير من العمل من أجل استعادة قدراتها في بسط سيطرتها وقوتها التي كانت معتادة سابقاً، كما رصدت «الشرق الأوسط» من داخل القطاع.

وفي وسط تلك الهدنة الهشة، تظهر تعليقات بين مواطنين وأحاديث مختلفة، نمواً لأصداء أصوات المعارضة العلنية لـ«حماس» بشكل كبير، إذ بات السكان ينتقدونها بعد أن كانوا لسنوات يخشون ذلك، كما أن بعض مؤيدي الحركة قد تراجعوا عن تأييدهم لها، ويرون أنها أخطأت خطأً كبيراً في تقديرها للخطوة التي قامت بها في هجوم 7 أكتوبر 2023.


مقالات ذات صلة

عصابة مسلحة مدعومة إسرائيلياً تحرق منازل في غزة

المشرق العربي امرأة فلسطينية نازحة تقف على شرفة داخل مبنى مهدم في جامعة الأقصى جنوب غزة يُستخدم كمأوى (رويترز) p-circle

عصابة مسلحة مدعومة إسرائيلياً تحرق منازل في غزة

في تصعيد لافت، أفاد سكان في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، بأن عناصر تابعة لعصابات مسلحة موالية لإسرائيل أحرقت، يوم الخميس، أراضي ومنازل ثابتة، وصوبات زراعية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية ينظر ابن الصحافي محمد وشاح نحو سترة وميكروفون موضوعين على جثمان والده خلال جنازته في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يقول إن صحافي قتله في غزة ينتمي إلى «حماس»

قال الجيش الإسرائيلي إن الصحافي محمد وشاح، مراسل قناة «الجزيرة مباشر» الذي قتله في غارة جوية على غزة الأربعاء، كان عنصراً في حركة «حماس» يعمل بغطاء مراسل صحافي.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص فلسطينيون يتفقدون الأضرار بعد قصف إسرائيلي في مدينة غزة يوم الاثنين (رويترز)

خاص هل تعوِّل «حماس» على مفاوضات إيران لحل أزمة «نزع السلاح»؟

فرضَ وقف النار الذي أعلنته أميركا وإيران لأسبوعين والتفاوض لإبرام اتفاق نهائي، تساؤلات حول تعويل «حماس» على مخرجاته لإرجاء أو تعديل مسار «نزع السلاح» من غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون بجوار جثامين ضحايا غارة جوية إسرائيلية في وسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle 02:23

خاص محاولة لاختطاف نشطاء من «القسام» تنتهي بمجزرة وسط غزة

أسفرت محاولة عناصر عصابة مسلحة موالية لإسرائيل اختطاف نشطاء من «كتائب القسام» الذراع العسكرية لـ«حماس» وسط غزة عن مقتل ما لا يقل عن 10 فلسطينيين وإصابة 15.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا أطفال يبحثون عن مواد قابلة للتدوير في ساحة نفايات بمخيم البريج للاجئين الفلسطينيين بغزة (أ.ف.ب) p-circle

خبراء: رفض «القسام» نزع السلاح «توزيع أدوار»

دخلت «كتائب القسام» الذراع العسكرية لحركة «حماس» للمرة الأولى منذ أشهر في جدل تسليم السلاح، بعد دخول ذلك الملف مراحل متقدمة في النقاشات مع الوسطاء.

محمد محمود (القاهرة )

ستارمر: هجوم إسرائيل على لبنان خطأ

ستارمر
ستارمر
TT

ستارمر: هجوم إسرائيل على لبنان خطأ

ستارمر
ستارمر

أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الخميس، أن ضرب إسرائيل للبنان خطأ، بغضّ النظر عن التفاصيل الدقيقة لأي اتفاق مبرم، وفق ما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

ونقلت الوكالة عن ستارمر قوله، الخميس: «ينبغي ألا يحدث ذلك، ويجب أن يتوقف. هذا هو موقفي الثابت. الأمر ليس مجرد سؤال تقنيّ عما إذا كان ذلك خرقاً للاتفاق أم لا، بل هو بالنسبة لي مسألة مبادئ».

وذكرت وكالة الأنباء البريطانية «بي إيه ميديا» أن ستارمر يزور الدول الحلفاء في المنطقة لإجراء مباحثات بشأن تثبيت وقف إطلاق النار والخطوات اللازمة لإعادة الثقة لاستعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز.


«حزب الله» يعلن استهداف مستوطنة إسرائيلية وثكنة ودبابة

جنود إسرائيليون يقودون سياراتهم في جنوب لبنان كما يُرى من شمال إسرائيل 9 أبريل 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون يقودون سياراتهم في جنوب لبنان كما يُرى من شمال إسرائيل 9 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

«حزب الله» يعلن استهداف مستوطنة إسرائيلية وثكنة ودبابة

جنود إسرائيليون يقودون سياراتهم في جنوب لبنان كما يُرى من شمال إسرائيل 9 أبريل 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون يقودون سياراتهم في جنوب لبنان كما يُرى من شمال إسرائيل 9 أبريل 2026 (أ.ب)

أعلن «حزب الله» في 5 بيانات، الخميس، أن عناصره استهدفوا دبابة ميركافا على طريق بلدتي الطيبة دير سريان في جنوب لبنان بمسيّرة انقضاضية. كما استهدفوا مستوطنة مسكاف عام للمرة الثانية وثكنة هونين الإسرائيلية، بصليات صاروخية، ردّاً على خرق إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وكان «حزب الله» قد أعلن في بيانات سابقة، الخميس، أن عناصره استهدفوا مستوطنة المنارة الإسرائيلية بصلية صاروخية، واستهدفوا آلية «نميرا» إسرائيلية بصاروخ موجّه، وقوة إسرائيلية متموضعة داخل منزل بمسيّرة في بلدة الطيبة، جنوب لبنان. واستهدفوا مستوطنتي كريات شمونة والمطلة الإسرائيليتين بصليات صاروخية. كما أعلن «حزب الله» في بيانات سابقة، اليوم (الخميس)، أن عناصره استهدفوا جنوداً إسرائيليين في موقع المرج الإسرائيلي بصليات صاروخية.

كما استهدفوا مستوطنات أفيفيم وشوميرا وشلومي وموقع هضبة العجل الإسرائيلي، بصليات صاروخية.

وكذلك أعلن «حزب الله» في بيانات سابقة، الخميس، أن عناصره استهدفوا بنى تحتية تابعة للجيش الإسرائيلي في مستوطنة يسود همعلاه. وأعلن أن عناصره اشتبكوا مع قوة إسرائيلية حاولت التقدم باتجاه مدينة بنت جبيل، جنوب لبنان، واستهدفوا جرافة «دي 0» إسرائيلية في بلدة الطيبة.


المساعي الفرنسية لوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان تواجه حائطاً أميركياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)
TT

المساعي الفرنسية لوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان تواجه حائطاً أميركياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)

جاء الردّ على المساعي التي تبذلها فرنسا لحماية لبنان من الضربات الإسرائيلية القاتلة سريعاً، وذلك على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي أعلن الخميس أن إسرائيل تستهدف «(حزب الله) في كل مكان يكون ذلك ضرورياً». وجاء في تغريدة له على منصة «إكس»، الخميس، ما حرفيته: «رسالتنا واضحة: كل من يستهدف المدنيين الإسرائيليين سيتعرض للضرب. سنواصل ضرب (حزب الله) في كل مكان يكون ذلك ضرورياً، حتى نتمكن من استعادة الأمن بشكل كامل لسكان شمال إسرائيل». مضيفاً: «سنواصل ضرب (حزب الله) بقوة ودقة وعزم».

وجاء كلام نتنياهو بعد الاتصال الذي جرى الأربعاء بين الرئيس إيمانويل ماكرون، ونظيره اللبناني جوزيف عون، الذي كشف أن الأول أبلغه باستعداد باريس لتشغيل أدواتها الدبلوماسية حتى يكون لبنان مشمولاً باتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة باكستانية بالدرجة الأولى.

مساعي ماكرون

ولتنفيذ وعده، اتصل ماكرون الأربعاء بالرئيسين الأميركي دونالد ترمب، والإيراني مسعود بزشكيان، للدفع باتجاه ضم لبنان إلى الاتفاق المذكور، بعد النهار الأسود الذي شهد مقتل ما يزيد عن 200 شخص، وجرح عدة مئات. ولم يكشف قصر الإليزيه أي تفاصيل عن الاتصالين. إلا أنه فُهم من مصادر متابعة في باريس أن الغرض كان مزدوجاً: الأول، التعرف على المضمون «الحقيقي» لاتفاق وقف النار لأسبوعين، والثاني حضّ ترمب على الضغط على إسرائيل لوضع حدّ لهجماتها الأعنف على لبنان، وخصوصاً على العاصمة بيروت.

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس متحدثاً للصحافة قبل مغادرته بودابست العاصمة المجرية وأكد أن لبنان ليس مشمولاً باتفاق وقف القتال مع إيران (أ.ب)

أما اتصال ماكرون ببزشكيان، وهو الوحيد بين القادة الغربيين، الذي لم يقطع التواصل معه، فلاستكناه المقاربة الإيرانية للمرحلة الراهنة، وطلب منه العمل لدى «حزب الله» لتهدئة الوضع. وشدّد بزشكيان، في سياق موازٍ، على أن لبنان جاء مشمولاً بوقف النار، ما يعدّ أحد «الشروط الأساسية لخطة النقاط العشر» التي قدّمتها إيران، وتتمسك بها وبقراءتها لها.

بيد أن التجاوب مع مساعي ماكرون جاء سلبياً، ولم يحمل من الجانب الأميركي أي تشجيع. وجاء الردّ من خلال تصريحات لترمب شخصياً، وأيضاً لنائبه جيه دي فانس، وكلاهما أكد أن الاتفاق مع إيران لا يشمل لبنان، وهو ما شدّدت عليه الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، الأربعاء، في مؤتمرها الصحافي.

ونبّه فانس، من بودابست، التي كان في زيارة لها، أنه «إذا أرادت إيران أن تدع هذه المفاوضات تنهار بسبب لبنان الذي لا علاقة له بها، والذي لم تقل الولايات المتحدة يوماً إنه جزء من وقف إطلاق النار، فهذا في النهاية خيارها». مضيفاً أنه «لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل قالتا إن هذا سيكون جزءاً من وقف إطلاق النار... ما قلناه هو أن وقف إطلاق النار سيركز على إيران وعلى حلفاء أميركا، سواء إسرائيل أو دول الخليج العربية». ومن المرجح أن يترأس فانس الوفد الأميركي إلى المفاوضات في إسلام آباد نهاية الأسبوع الحالي.

خيبة فرنسية من واشنطن

ما سبق يفسر الخيبة الفرنسية من الطرف الأميركي. فباريس تشكو من أن كافة الجهود المضاعفة التي بذلتها لدفع واشنطن حتى تلجم اليد الإسرائيلية في لبنان لم تجدِ نفعاً. وما فهمه دبلوماسيّوها أن ضوءاً أخضر أعطي لإسرائيل لتتابع هجماتها على «حزب الله»، وأنها غير مستعدة للضغط عليها في الوقت الحاضر.

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجينا ميلوني متحدثة إلى النواب في البرلمان في جلسته ليوم الخميس (أ.ب)

لكن مصادر سياسية غير حكومية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن إسرائيل تريد الاستفادة من «الوقت الضائع» لإنزال أكبر الخسائر بـ«حزب الله»، قبل أن تشتد الضغوط عليها، وإن نتنياهو الذي واجه انتقادات عنيفة في إسرائيل بسبب الاتفاق بين واشنطن وطهران يريد «التعويض» عن خيبته الأميركية بمضاعفة استهداف «حزب الله» غير عابئ بمن يسقط من الضحايا. ومن جانب آخر، لا يأمل الجانب الفرنسي، رغم الجهود التي يبذلها لـ«ترطيب» علاقاته بإسرائيل، أن تستجيب تل أبيب لما يطلبه منها. فالاتصالات بين ماكرون ونتنياهو مقطوعة، والزيارة التي قام بها وزير الخارجية جان نويل بارو إلى إسرائيل يوم 20 مارس (آذار) الماضي، عقب حلوله في بيروت، لم تفضِ لأي نتيجة إيجابية بخصوص الترويج لخطة فرنسية مفصلة تفضي إلى إطلاق محادثات سياسية مباشرة ورفيعة المستوى بين لبنان وإسرائيل، هدفها المعلن إنهاء حال الحرب بين البلدين.

ثمة حجة منطقية ورئيسية ترفعها باريس لإقناع الرافضين بضمّ لبنان إلى اتفاق وقف النار، وكتب ماكرون في تغريدة على منصة «إكس»: «أعربت عن أملي في أن تحترم جميع الأطراف المتحاربة وقف إطلاق النار بشكل كامل، على كل جبهات الحرب، بما في ذلك لبنان. وهذا شرط أساسي لكي يكون وقف إطلاق النار مستداماً». وبنظره، فإن هذا الاتفاق «يجب أن يمهد الطريق لمفاوضات شاملة لضمان سلامة الجميع في الشرق الأوسط».

ومن جانب آخر، عاد ماكرون للمطالبة بتفعيل آلية الرقابة على اتفاق وقف النار (الميكانيزم) لخريف عام 2024. داعياً، في كلمة له بمناسبة اجتماع لمجلس الدفاع والأمن في قصر الإليزيه، إلى «تعزيز دعم القوات المسلحة اللبنانية» لتصبح قادرة على «استعادة السيطرة على أراضيها والتصدي لـ(حزب الله) بشكل فاعل».

رئيس الأركان الفرنسي الجنرال فنسنت جيرو سال إلى اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ف.ب)

إجماع أوروبي ولكن...

في اليومين الأخيرين، كان لبنان الشغل الشاغل للمسؤولين الفرنسيين الذين يرون أن الوضع في لبنان «خطير للغاية». ونقطة الانطلاق في القراءة الفرنسية أن «حزب الله»، كما قال ماكرون ووزيرا الخارجية والدفاع «ارتكب خطأ استراتيجياً عندما هاجم إسرائيل (في 2 مارس الماضي) وجرّ لبنان إلى أزمة إقليمية».

وقال جان نويل بارو، وزير الخارجية صباحاً في حديث لإذاعة «فرانس أنتير» إنه «ليس من مصلحة إسرائيل قصف لبنان»، معتبراً أن الضربات الإسرائيلية «لا يمكن قبولها»، وأن باريس «تدينها بشدة». ورمى الوزير الفرنسي المسؤولية على «حزب الله» الذي «أشعل فتيل النزاع» في بداية مارس، داعياً إيران لأن «تتوقّف عن ترهيب إسرائيل بواسطة (حزب الله) الذي ينبغي له بصورة ملحّة أن يلقي السلاح ويسلّمه إلى الدولة اللبنانية». وبنظره، فإن لبنان «تحول إلى كبش فداء» في نزاع لم يختره.

ومن جانبها، وصفت كاترن فوتران، وزيرة الدفاع، يوم الأربعاء بـ«المأساوي»، وأن هدف باريس من توفير الدعم العسكري للبنان «مساعدة جيشه للتخلص من (حزب الله)». وقالت أليس روفو، الوزيرة المنتدبة لدى وزارة الدفاع، التي زارت لبنان نهاية مارس، إن باريس «تقوم بما يتوجب القيام به في هذه المرحلة» لجهة الوقوف إلى جانب لبنان، مشيرة إلى أن ما حصل في لبنان مؤخراً «أمر لا يمكن القبول به». ورأى بارو أن «(حزب الله) يتحمل مسؤولية إدخال لبنان إلى النزاع».

ما تدعو إليه باريس تتشارك به مع الدول الأوروبية الأخرى، مع تنويعات بسيطة. فالأوروبيون مجمعون على ضرورة أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان. وكايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، حثّت إسرائيل على وقف غاراتها على لبنان، محذرة من أنها تهدد الاتفاق الأخير. وهو حال جيورجينا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، التي دعت إسرائيل إلى وضع حدّ لعملياتها العسكرية في لبنان. وطالبت إيفيتكوبر، وزيرة الخارجية البريطانية، الخميس، في حديث تلفزيوني، بأن «يمدد وقف إطلاق النار» ليشمل لبنان، معبرة عن «قلق بالغ» إزاء الهجمات الإسرائيلية. وانفردت ألمانيا عن بقية الأوروبيين بدعوتها إسرائيل إلى حصر عملياتها العسكرية «في إطار الدفاع عن النفس... وعدم تجاوز هذا الحدّ».

يقول مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إنه طالما بقي الحراك الأوروبي محصوراً ببيانات المؤاساة والتنديد، ولم يصل أبداً إلى اتخاذ قرارات تنفيذية وجريئة بحقّ إسرائيل، مثل وقف العمل باتفاقية الشراكة التي تربط الطرفين، فإن كلمة أوروبا تبقى بلا وزن وعديمة التأثير، وهو حالها منذ عشرات السنوات.