منصوري لـ«الشرق الأوسط»: سعر صرف الليرة اللبنانية مستقر... ولا اقتصاد بلا مصارف

انتخاب الرئيس اللبناني ضخ 300 مليون دولار في احتياطات المصرف المركزي

حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري (الشرق الأوسط)
حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري (الشرق الأوسط)
TT

منصوري لـ«الشرق الأوسط»: سعر صرف الليرة اللبنانية مستقر... ولا اقتصاد بلا مصارف

حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري (الشرق الأوسط)
حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري (الشرق الأوسط)

شكّل قرار حاكم مصرف لبنان بالإنابة، الدكتور وسيم منصوري، إزالة العوارض الأسمنتية من أمام المقر الرئيس للبنك المركزي في أول «شارع الحمراء» الشهير في قلب بيروت، وإعادة فتح متحف العملات واللوحات أمام الجمهور، رسالة إيجابية مضافة تعكس برمزيتها استعادة هيبة الدولة وحضورها المحوري في إدارة البلد، والمترجم تباعاً بانتهاء حقبة الفراغات والشلل العام عبر استكمال انتظام السلطات الدستورية والتحولات الاستثنائية الواعدة التي يشهدها لبنان على المستويات السياسية والاقتصادية.

ولا يتردّد الحاكم «بالإنابة» في جلسات نقاش مع «الشرق الأوسط»، في إبداء استعداده وارتياحه إلى «تسليم أمانة قيادة صناعة القرار النقدي بأحوال أفضل للموقع والمؤسسة والدور والفاعلية إلى الخلف، عقب تأليف الحكومة الجديدة وافتراض إقرار التعيينات الأساسية في المراكز الحساسة، وبما يطابق المغزى المقصود لقرار (تحرير) المقر المركزي من حصاره الذاتي الذي فرضته المواجهات المتكررة والخاطئة مع المودعين وأصحاب الحقوق في البنوك، جراء انحرافات سابقة ساهمت في تعميق حدة الانهيارات المالية والنقدية».

ويصارح منصوري اللبنانيين من دون لبس: «إحدى مشاكل لبنان الكبيرة هي أنه حين يكون شخص في موقعه، يبدأ النظر إلى مواقع أخرى. وبالتالي، أؤكد أنني أتحضر فقط للقيام بواجبي في المكان الذي أشغله، وسوف أكمل هذا الأمر حتى اللحظة الأخيرة، وآمل أن يكون وجودي في منصبي مؤقتاً؛ لأن انتخاب حاكم أصيل لـ(المركزي) هو إعادة لانتظام المؤسسات في لبنان، وهذا ما طالبت به قبل تسلمي مهامي في الأول من أغسطس (آب) من عام 2023، وهو ما أؤكد عليه اليوم».

إعادة بناء الثقة

وفي الخلفية، يختصر الحاكم الهدف المنشود بعبارة: «إعادة بناء الثقة». ذلك بدءاً، وبالضرورة البديهية، من ترميم كيان الدولة وتعزيز حضورها اللازم وغير القابل للتعويض أو التغطية في الميادين السيادية، والذي يستلزم إرساء توافق وطني عريض ينشد بلوغ محطة الهيكلة السليمة والمنتظمة للمؤسسات، ويستتبع بتحسين الأداء في إدارة المسؤوليات والأدوار المناطة بسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبما يكفل حتماً إنتاج بيئة مناسبة للشروع بالاحتواء المنهجي لرحلة الانهيار التي حاصرت البلد وقطاعاته لأكثر من 5 سنوات متتالية.

وبالحماس عينه، يواظب على التدقيق في كل شاردة وواردة في «جردة الحساب» لفترة السنة ونصف السنة التي مضت على قبول النائب الأول بموجبات قانون النقد والتسليف، تسلم زمام القيادة «الشاغرة» بفعل انتهاء ولاية الحاكم السابق رياض سلامة، وتعذر تعيين البديل من قبل الحكومة «المستقيلة» قانونياً، إنّما بشروط مسبقة ومعلنة ترتكز إلى مندرجات القانون عينه الذي يحمي استقلالية المؤسسة ويحدّد مهامها.

حوكمة وشفافية

وبقناعة الاعتماد على منهجية فريق العمل، يفضّل منصوري، رغم مركزية صناعة القرار النقدي وحمل مسؤولية أي إخفاق محتمل، التنويه بالجهود الجماعية وبتشاركية أي إنجاز محقّق مع نواب الحاكم والمجلس المركزي للمصرف ومديرياته، ولا سيما ما يخص «إعادة الاعتبار لأصول الحوكمة والشفافية في ممارسة مهام البنك المركزي وعزله عن التدخلات والضغوط السياسية، بموازاة مواكبة المهمات المعقّدة لإدارة السيولة والتدفقات النقدية واحتياطي العملات الأجنبية، وبما يشمل خصوصاً تمكين المصارف من الإيفاء المتدرج للحد الأقصى الممكن من حصص حقوق المودعين».

وبالمثل، فهو يعتزّ خصوصاً بحقيقة قطع أشواط مهمة وتسجيل تقدم كبير في عملية الإصلاح الإداري داخل البنك المركزي. وهذا ما أتاح إعادة هيكلة البيانات المالية للميزانية، و«هي عملية مستمرة بالتعديل والتحديث حتى بلوغ هدف الشفافية المطلقة، والتطبيق الصارم للمعايير المحاسبية الدولية، بالاستناد إلى توحيد سعر الصرف في كل البنود. وهي عملية لاقت أصداء تأييد وثناء المؤسسات المالية الدولية». لكن، رغم الإدراك المسبق بإمكانية مواجهة معوّقات مهنية وغير مهنية على مسار التقدّم المنشود، فلم يرد حكماً في ترقبات منصوري، أن تندلع حرب غزة وتتمدّد في اليوم التالي إلى حدود لبنان الجنوبية، بعد شهرين وبضعة أيام من استلام المهمة الشائكة أساساً. ثم يشهد البلد واقتصاده إرباكات أوسع في النطاق والنتائج، وتتصاعد تباعاً لتتفلّت لاحقاً من إطار المواجهات «المنضبطة» نسبياً إلى اشتعال الحرب التدميرية الواسعة بتكلفة إنسانية جسيمة للغاية، وبإنتاج خسائر هائلة تراوح أرقامها التقديرية بين 8.5 و10 مليارات دولار.

بذلك، وتحت وطأة التطورات الدراماتيكية غير المسبوقة في وقائعها وحصيلتها، وفي ظل الفراغات الدستورية وشلل الإدارات العامة، لا بد من الإشارة إلى أهمية المواكبة الاستثنائية للتطورات، والمتمثلة خصوصاً بحفظ الاستقرار النقدي أولاً، وبضخ سيولة إضافية بالدولار لصالح المودعين في زمن الحرب وبعد إبرام اتفاق وقف إطلاق النار. وهنا برز نجاح السياسات النقدية المحدثة التي اعتمدها منصوري، والتي ارتكزت إلى أساسيات التحكم الصارم بكتلة النقد بالعملة الوطنية، ومنع تمويل الاحتياجات المالية للدولة من السيولة المتوفرة لدى البنك المركزي وميزانيته.

حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري في مؤتمر صحافي سابق (أرشيفية - إ.ب.أ)

 

كبح المضاربات... وطوارئ نقدية

عبارة: «لقد نجونا»... تريح الحاكم بعد معاناة موصوفة بتعميق حال عدم اليقين. وحتى في غمرة التحولات الإيجابية الكبيرة والمتلاحقة بدءاً من انتخاب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية وتكليف القاضي نوّاف سلام بتشكيل الحكومة الجديدة، أثبتت استراتيجيات إدارة المسؤوليات النقدية فاعليتها في كبح المضاربات العكسية في أسواق القطع، وصدّ محاولات محمومة لزعزعة الاستقرار النقدي القائم توخياً لتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب العملة الوطنية.

تكشف «الشرق الأوسط» أن منصوري ومساعديه، إبّان يوم انتخاب الرئيس وطوال الأيام التالية، اعتمدوا قراراً ضمنياً وغير معلن يقضي بالانخراط في شبه حال «طوارئ» نقدية. وهو ما تمت ترجمته بالوجود والدوام في مقر البنك لعدد من المديريات وكبار المديرين المعنيين على مدار الساعة ولغاية الفجر، وحتى في عطلة نهاية الأسبوع، بغية مواكبة القرار الحاسم بوقف المضاربات المعزّزة بإقبال غير عادي من قبل مخزّني الدولار النقدي على احتمالات وإشاعات حصول تحسّن فوري وكبير في سعر صرف الليرة إزاء الدولار.

وفي الوقائع، اقتضت المهمة ضخ ما يزيد على 20 تريليون ليرة خلال خمسة أيام، تضاف إلى نحو 10 تريليونات ليرة لتلبية احتياجات البنوك. في الحصيلة، تمت حماية الاستقرار النقدي وجمع نحو 300 مليون دولار من وفورات الدولارات المعروضة في الأسواق، ليرتفع إجمالي الاحتياطي السائل مجدداً إلى نحو 10.35 مليار دولار، مقابل نحو 8.57 مليار دولار يوم استلام موقع الحاكم.

هذه الوقائع تم إبلاغها كاملة وبشفافية إلى رئيس الجمهورية في سياق زيارة التهنئة. بالتالي، تأكدت الأسواق أن سياسة المصرف المركزي هي الاستمرار باستقرار سعر الصرف، وكل من يعتقد أنه يمكنه من خلال بيع الليرة أو الدولار، تحقيق أرباح حالية أو مستقبلية والتأثير على سعر الصرف، فالأمر لا يحصل بهذه الطريقة.

مليارا دولار

وفي الواقع، فإن الزيادة المحققة وحدها في احتياطات المصرف، والبالغة نحو مليارَي دولار، تتكفل بحماية الاستقرار النقدي، سنداً إلى أن حجم كتلة الليرة يقل عن مليار دولار رغم التدفق الإضافي الكبير في الأيام الأخيرة. وهذا مرتكز حيوي لمهام البنك المركزي في المرحلة القادمة، والتي يؤمل أن تشهد تدفقات دولارية وازنة من خلال تنشيط قطاعات الاقتصاد، ولا سيما المورد السياحي الذي يتهيأ لانطلاقة كبيرة معززة ببشائر عودة السياحة العربية عموماً، والخليجية خصوصاً، فضلاً عن الترقبات الإيجابية الخاصة بتدفقات المغتربين واللبنانيين العاملين في الخارج.

يقول منصوري: «نأمل أن تكون الظروف المقبلة أكثر إيجابية، ويصبح الطلب على الليرة اللبنانية مرتبطاً بمؤشرات اقتصادية وليس فقط بأخبار إيجابية أتمنى أن تستمر. المؤشرات الاقتصادية حتى الآن لا تبرر لـ(المركزي) تغيير سعر الصرف الذي يحصل بالتوافق مع الحكومة على أسس اقتصادية ومالية واضحة، ومع توجهات حكومية في هذا الخصوص. وعليه، فإن الاستقرار في سعر الصرف سيستمر، ولا تغيير فيه، وأتمنى أن تبقى الثقة في الليرة اللبنانية».

الودائع العالقة

عن أكثر قضية حضوراً وثقلاً في التداول والاهتمام، والمتمثلة بقضية المودعين من مقيمين وغير مقيمين، لا يتحفظ منصوري عن موجبات الصراحة والمكاشفة: «الحقوق المشروعة يجب الإقرار بها، وبوضع برنامج واضح لإيفائها. لذا لا مفر من إقرار خطة حكومية متكاملة، وما يلزم من تشريعات لمعالجة هذه المسألة الأساسية، وبتفاعل إيجابي بين الأطراف المعنية؛ أي الدولة والبنك المركزي والمصارف وأصحاب الحقوق، مع الانطلاق من مبدأ المشروعية والعدالة في كل مقاربة وتحديثات».

ويؤكد: «هناك أمور جيدة قام بها مصرف لبنان في المرحلة الماضية تطمئن الناس، ولكن ما دمنا لم نصل بعدُ إلى آلية واضحة للقول للمودعين إنهم سيحصلون على أموالهم، أخجل منهم في الحديث عن هذا الموضوع. ولكن يمكنني القول إن العمل في المصرف المركزي مستمر منذ تسلمي مهامي وحتى اليوم، والأمور أفضل من السابق. تم وضع دراسة كاملة لمليون و260 ألف حساب موجودة في المصارف، وقيمتها 86 مليار دولار، تم تفصيلها لمعرفة كيفية تقسيمها وفق الودائع والأعمار والشركات وغيرها. هذه الدراسة المفصلة التي تم الانتهاء منها تقريباً، تسمح للحكومة، ولاحقاً للبرلمان، بوضع تصور أوضح لإعادة الأموال إلى المودعين».

في الخلاصة: «يمكن أن أقول لأول مرة، إننا اقتربنا من إيجاد حل مقبول لهذه المسألة. لطالما قلت إنه لا وجود لاقتصاد من دون قطاع مصرفي، والذي لا وجود له من دون ثقة المودعين، فهذه الأمور مترابطة ولا يمكن النهوض بالبلد ما لم يستعد المودع وديعته، ويشعر بأن هناك دولة تقف إلى جانبه وتحاول إنصافه في هذا الأمر».

حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري (رويترز)

 

القائمة الرمادية

وفي جانب لا يقل أهمية على المستوى السيادي، «ساهم الحراك الاستباقي من قبل قيادة السلطة النقدية واستثمار رصيد الثقة التاريخي لدى البنوك العالمية بكفاءة القطاع المالي المحلي وصرامته في تطبيق المعايير الدولية في منع مرور أي عمليات مشبوهة، بفاعلية في تأمين هبوط سلس لقرار مجموعة العمل الدولية بإدراج لبنان ضمن القائمة الرمادية للدول التي تعاني قصوراً في مكافحة غسل الأموال. وبالتالي باستمرار عمليات التحويلات وفتح الاعتمادات وفق نسقها وتكلفتها السارية ما قبل التصنيف المستجد».

ومن المهم الإشارة إلى أن تقرير «FATF» الصادر بنهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استثنى في مقدمته المصرف المركزي من أي مسؤولية، معتبراً أنه قام بواجبه وأصدر التعاميم اللازمة. وبناء على ذلك، فإن المصرف المركزي والقطاع المصرفي الذي يراقبه، لا يحتاجان إلى القيام بأي شيء من الموجبات العشرة المطلوبة من الدولة ومؤسساتها الأمنية والقضائية.

كذلك، فإن الاقتصاد النقدي ليس ضمن الموجبات الواردة. وبذلك يجد الحاكم أن «الرقابة على دخول وخروج الأموال نقدياً أو عبر المصارف، يتم قبولها من قبل منظمة دولية معنية بمكافحة الجرائم المالية. وهو ما يبعث على الطمأنينة، ويعني أننا نحمي قطاعنا المالي والمصرفي، ويفترض أن نستمر في هذه الحماية في المستقبل، وأي مساعدة ستأتي يجب أن تتم عبر القطاع الشرعي اللبناني ضمن آليات تضعها الحكومة اللبنانية مستقبلاً، وأعتقد أن المؤشرات الموجودة تتجه نحو هذا المجال».


مقالات ذات صلة

بري يرفع رايتي الاعتراض السياسي… وتهدئة الشارع

خاص رفع شعار «لبنان أولاً» على طريق المطار باتجاه الجنوب بعدما كان قد رفع عليها في الأيام الأخيرة شعار «شكراً إيران الوفية» (الشرق الأوسط)

بري يرفع رايتي الاعتراض السياسي… وتهدئة الشارع

تميزت معارضة رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، لاتفاق الإطار اللبناني - الإسرائيلي بدعوة إلى التهدئة في الشارع، رغم رفعه منسوب الاعتراض السياسي عليه إلى حد كبير…

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أنصار «حزب الله» أغلقوا الطريق القديم المؤدي إلى المطار في الضواحي الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

«حزب الله» يلوّح بالحرب الأهلية رداً على اتفاق «الإطار»

هاجم «حزب الله»، بشدة، اتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه في واشنطن بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي بنهاية الجولة الخامسة من التفاوض المباشر.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي توقيع الاتفاق في واشنطن (رويترز)

ترحيب لبناني واسع بـ«اتفاق الإطار»... تأكيد على استعادة الدولة والسيادة وحصرية السلاح

حظي اتفاق الإطار الذي وُقّع في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، مساء الجمعة، بترحيب واسع من معظم القوى والشخصيات السياسية اللبنانية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (أرشيفية- رويترز)

«حزب الله» يرفض الاتفاق الإطاري بين إسرائيل ولبنان

قال نعيم قاسم، أمين عام «حزب الله» اللبناني، إن ‌الاتفاق الإطاري ‌بين إسرائيل ولبنان الموقَّع في واشنطن «باطل»، و«إهانة» للسيادة، واستسلام.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي طائرة مسيرة إسرائيلية تحلق في أجواء زوطر الغربية في جنوب لبنان (إ.ب.أ) p-circle

مسيرة إسرائيلية تشن غارة في جنوب لبنان غداة إبرام اتفاق أمني

شنَّت إسرائيل غارة على جنوب لبنان، بعد يوم واحد من توقيع البلدين على اتفاق أمني بوساطة أميركية يهدف إلى ‌تخفيف التوترات.شنَّت إسرائيل غارة على جنوب لبنان، اليوم

«الشرق الأوسط» (بيروت)

تقرير إسرائيلي عن اتساع تهريب السلاح من مصر والأردن

صورة نشرتها الشرطة الإسرائيلية سابقاً لأسلحة مُهرَّبة ضُبطت
صورة نشرتها الشرطة الإسرائيلية سابقاً لأسلحة مُهرَّبة ضُبطت
TT

تقرير إسرائيلي عن اتساع تهريب السلاح من مصر والأردن

صورة نشرتها الشرطة الإسرائيلية سابقاً لأسلحة مُهرَّبة ضُبطت
صورة نشرتها الشرطة الإسرائيلية سابقاً لأسلحة مُهرَّبة ضُبطت

زعم تقرير إسرائيلي مطول في صحيفة «يديعوت أحرونوت» أنه على الرغم من الحملة المتصاعدة ضد تهريب الأسلحة إلى إسرائيل، فإنَّه منذ عام 2020، يطرأ ارتفاع مستمر في تهريب الأسلحة عبر الحدود المصرية والأردنية، وقد دخلت المسيّرات الصغيرة على الخط، وهو ما أسهم في رفع كمية الأسلحة المُهرَّبة ونوعيتها.

وقال التقرير إن مهربين نجحوا في إدخال شتى أنواع الأسلحة، بما في ذلك رشاسات «ماغ» محمولة عبر الطائرات المسيّرة، التي تصل فيما يشبه جسراً جوياً في الجنوب نحو «النقب».

وقال التقرير إنَّ محاربة الأسلحة في منطقة النقب تشبه محاولة تفريغ محيط بالملعقة.

مجموعة من الأسلحة التي صُودرت من المهربين (أرشيفية - الشرطة الإسرائيلية)

ورصد التقرير كيف تضاعفت عمليات التهريب عبر الحدود مع إسرائيل. فبينما لم يتم ضبط سوى عشرات معدودة من الأسلحة المُهرَّبة في عام 2021، تضاعفت الكمية في العام التالي، وفي عام 2023، تمَّ ضبط نحو 200 قطعة سلاح هُرِّبت إلى إسرائيل عبر الحدود، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف الأمر، وفي عام 2024، بدأ المُهرِّبون في استخدام الطائرات المسيّرة (الدرونز) بشكل متكرِّر، وعندها تمَّ ضبط 316 مسدساً وأجزاء أسلحة. وفي عام 2025، تمَّ ضبط 90 مسدساً هُرِّبت من الحدود الأردنية. وكانت الذروة في نهاية عام 2025، عندما أسقطت قوات الجيش الإسرائيلي مسيّرة تحمل 4 رشاشات ثقيلة.

وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن بداية العام الحالي أنَّه، بالشراكة مع جهاز الأمن العام (الشاباك)، والوحدة المركزية في شرطة لواء الجنوب، أحبط شبكة منظَّمة لتهريب أسلحة ووسائل قتالية عبر الحدود مع مصر.

وحسب نتائج التحقيق، «اعتمد أفراد الخلية على وسائل تكنولوجية متقدمة وغير تقليدية، تمثَّلت باستخدام طائرات مسيَّرة لنقل الأسلحة من شبه جزيرة سيناء إلى داخل إسرائيل».

وحسب الجيش، فقد تمكَّنت قواته من إسقاط مسيَّرة كانت تحمل 4 رشاشات ثقيلة من طراز «ماغ»، وهي أسلحة قالت مصادر أمنية إنَّها ذات قدرات عالية، ما عكس مستوى الخطورة الكامن في النشاط الذي كانت الخلية تديره.

مفرق الحدود الوسطى بين إسرائيل والأردن (أ.ف.ب)

وكشفت التحقيقات أيضاً عن أنَّ المتهمين امتلكوا أجهزةً خاصةً مكَّنتهم من التنصت على شبكة الاتصالات اللاسلكية التابعة للجيش، الأمر الذي أتاح لهم رصد تحركات الدوريات العسكرية، وتحديد أوقات ومسارات مناسبة لتنفيذ عمليات التهريب من دون كشفهم.

وعدَّت مصادر أمنية هذا التطوُّر تصعيداً نوعياً في أساليب عصابات التهريب على الحدود الجنوبية، لما ينطوي عليه من اختراق مباشر للمنظومة الأمنية الميدانية.

وأُعلن في إسرائيل هذا العام إحباط محاولات تهريب أخرى عبر المسيّرات.

وطوَّر المهربون أساليبهم على الرغم من أنَّه منذ مايو (أيار) 2021 بعد عملية «حارس الأسوار» (الحرب في غزة التي أشعلت مواجهات في الداخل) بدأت استراتيجية جديدة ضد تهريب وحيازة الأسلحة، ودخل «الشاباك» على خط التحقيق بشكل غير مسبوق.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إنه من ذلك الوقت لا تتوقف الشرطة عن ضبط المجرمين وبحوزتهم أسلحة، وتحديد مواقع الأسلحة والذخائر في المنازل، وإحباط صفقات الأسلحة وضبطها، بما في ذلك البنادق والقنابل اليدوية، وحتى الرشاشات الثقيلة. وفي حين تقدِّم النيابة العامة المزيد والمزيد من لوائح الاتهام، مع تشديد العقوبات، فإنَّ السلاح يستمر في التدفق إلى داخل دولة إسرائيل وإلى الشوارع النازفة، ويبدو أحياناً أن كل شيء يذهب سدى، وأن كل ضبط سلاح يشبه محاولة تفريغ المحيط بملعقة.

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لمسيّرة قال إنَّه أسقطها لدى تحليقها من مصر حاملة رشاشات

وقال المحامي أساف بار يوسف، من نيابة لواء الجنوب، لـ«يديعوت أحرونوت»، إنَّ الأسلحة تستمر في التدفق، موضحاً: «هناك ارتفاع في ضبطيات الأسلحة، لأنَّ هناك ارتفاعاً في كميات الأسلحة غير القانونية المنتشرة هنا. استيراد الأسلحة هو إحدى أكثر الظواهر المقلقة اليوم في دولة إسرائيل».

ووفقاً للمحامي، فإنَّ السلاح «يدخل بكميات تاريخية، سواء عبر البر أو عبر المسيّرات. تبذل الشرطة جهوداً، ولكن في النهاية هناك مزيد من الأسلحة في السوق، ونحن نرى ذلك في تراجع الأسعار... الطائرات المسيّرة تدخل إلى هنا أدوات جنونية مثل الرشاشات الثقيلة. وعلاوة على أن الأسلحة تهدِّدنا على المستويَين الوطني والأمني، فإننا نعلم أن مسدسات مُهرَّبة قد استُخدمت بالفعل في تنفيذ العمليات».

وتشير النيابة العامة في لوائح الاتهام صراحة إلى أنَّ الأسلحة المُهرَّبة كانت ضالعةً في هجمات، فمثلاً، قُتلت مجندة حرس الحدود، الرقيب أول شيرة حايا سوسليك، في هجوم في المحطة المركزية ببئر السبع بسلاح مهرب، وكذلك الشرطي المساعد أول أدير كادوش الذي قُتل في هجوم على الطريق السريع رقم 4 بالقرب من أسدود، ولهذا السبب دخل «الشاباك» على الخط على قاعدة أن القضية تحوَّلت إلى «أمنية».

بالإضافة إلى الهجمات يُستخدَم السلاح في دوامة العنف في الداخل.

وقال المدعي العام للمنطقة الجنوبية، إيريز بادان: «إن الأسلحة غير المشروعة تغذّي دوامات العنف الشديد والدموي، وتُشكِّل تهديداً خطيراً لسيادة القانون وأمن الدولة»، مضيفاً: «نعمل بالتعاون مع الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك) لتوسيع نطاق الضرر الذي يلحق بشبكات توريد وتمويل الأسلحة غير المشروعة وتعميقه. وإلى جانب أنشطة إنفاذ القانون، نعمل على وضع خطط للوقاية وتعزيز التعاون مع المجتمع، انطلاقاً من إدراكنا أنَّ الحدَّ من العنف يتطلّب جهداً مشتركاً ومسؤولية من جميع الأطراف المعنية».

لكن كل ذلك ليس كافياً حسب «يديعوت أحرونوت»، ويقرُّ المحامي بار يوسف بأنَّ الأسلحة المضبوطة ليست سوى «قطرة في المحيط»، وهو أمر محبط للغاية رغم الجهود المبذولة.


تجدد المطالبات بتعديل «الأحوال الشخصية» في العراق

عراقية تحمل لافتة «لا لتعديل قانون الأحوال الشخصية» خلال احتجاج وسط بغداد في أغسطس 2024 (إ.ب.أ)
عراقية تحمل لافتة «لا لتعديل قانون الأحوال الشخصية» خلال احتجاج وسط بغداد في أغسطس 2024 (إ.ب.أ)
TT

تجدد المطالبات بتعديل «الأحوال الشخصية» في العراق

عراقية تحمل لافتة «لا لتعديل قانون الأحوال الشخصية» خلال احتجاج وسط بغداد في أغسطس 2024 (إ.ب.أ)
عراقية تحمل لافتة «لا لتعديل قانون الأحوال الشخصية» خلال احتجاج وسط بغداد في أغسطس 2024 (إ.ب.أ)

نظمت العشرات من الأمهات والمدافعات عن حقوق المرأة والطفل، السبت، وقفة احتجاجية في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد بدعوة من «تحالف 188 المدني»، لرفض بنود في التعديل الجديد لقانون الأحوال الشخصية.

وهذا التحالف منظمة مجتمع مدني استند في تسميته إلى قانون الأحوال المدنية رقم 188 لسنة 1959، الذي قام البرلمان مطلع فبراير (شباط) 2025 بتعديله، بإلغاء معظم بنوده والاستناد إلى «مدونة الفقه الجعفري» التي يرجع إليها أبناء المكون الشيعي دون بقية المكونات.

ووفقاً لناشطين، فإن الوقفة تأتي في سياق رفض تعديلات قانون الأحوال الشخصية والأثر الرجعي والتعديلات الخاصة بالحضانة.

وطالب مشاركون بـ«حماية حقوق المرأة والطفل وإعادة النظر في التعديلات عبر حوار مجتمعي يضمن حقوق جميع أفراد الأسرة».

انتقادات شديدة

تعيد الوقفة الجديدة إلى الأذهان مساحة الجدل والاعتراضات العديدة على التعديل الجديد على قانون الأحوال الشخصية.

ومنذ إقرار التعديل قبل أكثر من عام ما زال طيف واسع من المنظمات والناشطين في مجال الدفاع عن حقوق المرأة والطفل يوجهون انتقادات شديدة ضده ويطالبون بتعديله أو إلغائه والعودة إلى قانون رقم 188 الذي يعدونه من أكثر القوانين تقدماً، في تاريخ العراق والمنطقة فيما يتعلق بحقوق المرأة والطفل.

وفيما كانت الاعتراضات الأساسية حول التعديل تركز على مخاطر الاعتماد على المدونة الفقهية للطائفة الشيعية وآثارها على التماسك الأسري والاجتماعي، باتت الاعتراضات اليوم تركز على تفاصيل من المدونة، لا سيما المتعلقة بحضانة الأولاد من الذكور والإناث.

ويظهر من المطالب التي رفعت خلال الوقفة الاحتجاجية وإفادات ناشطين ومحامين أن القضية الأكثر إلحاحاً تعلقت بحضانة الأم للأولاد.

كانت الهيئة الموسعة المدنية رقم 93 لسنة 2026 الصادرة عن محكمة التمييز الاتحادية، قد اتخذت نهاية مارس (آذار) الماضي، قراراً حاسماً في قضية سن الرشد المعتمد لتخيير المحضون (ذكراً كان أم أنثى) وهو إكمال سن (18) سنة، مستنداً في ذلك إلى أحكام المادة 106 من القانون المدني العراقي الذي يحدد سن البلوغ والرشد عند هذه المرحلة العمرية.

ناشطات عراقيات خلال وقفة احتجاجية في بغداد يوم 27 يونيو 2026 (صحيفة المدى)

غموض المدونة الفقهية

مع ذلك، لا تزال قضية الحضانة قبل بلوغ السن القانونية للولد أو البنت محل اعتراض وخلافات شديدة بين الآباء والأمهات المنفصلين، حسب الناشط والمحامي أحمد الساعدي.

وقال الساعدي لـ«الشرق الأوسط»، إن «المدونة الفقهية تركت غموضاً كبيراً في عمر الولد والبنت القابلين للحضانة وقبل بلوغ سن الرشد، اضطرت المحاكم معها إلى إحالة الأمر إلى المجلس العلمي للوقف الشيعي، وهو جهة استشارية وليست تنفيذية».

وأضاف الساعدي أن «المجلس حدد الحضانة للبنت بـ9 سنوات والولد بـ15 ثم أعقب ذلك قرار من محكمة التمييز فرضت عمر 18 عاماً، لكنها اشترطت مصلحة المحضون».

ولم يحدث التعديل الجديد «فارقاً على مستوى الأحوال الشخصية، بل زاد الكثير من الغموض والمصاعب القضائية بالنظر لحالة عدم الوضوح في العديد من بنوده، كما أنه لم يوقف حالات الطلاق المتزايدة في البلاد»، وفق الساعدي.

وأشار المحامي إلى أن «نص تعديل الهيئة الموسعة المدنية في محكمة التمييز أعطى الحق للقضاة في تقدير الظروف المناسبة للحاضن من الأبوين، ولم يلزمهم بالرجوع إلى المدونة الفقهية».


بري يرفع رايتي الاعتراض السياسي… وتهدئة الشارع

رفع شعار «لبنان أولاً» على طريق المطار باتجاه الجنوب بعدما كان قد رفع عليها في الأيام الأخيرة شعار «شكراً إيران الوفية» (الشرق الأوسط)
رفع شعار «لبنان أولاً» على طريق المطار باتجاه الجنوب بعدما كان قد رفع عليها في الأيام الأخيرة شعار «شكراً إيران الوفية» (الشرق الأوسط)
TT

بري يرفع رايتي الاعتراض السياسي… وتهدئة الشارع

رفع شعار «لبنان أولاً» على طريق المطار باتجاه الجنوب بعدما كان قد رفع عليها في الأيام الأخيرة شعار «شكراً إيران الوفية» (الشرق الأوسط)
رفع شعار «لبنان أولاً» على طريق المطار باتجاه الجنوب بعدما كان قد رفع عليها في الأيام الأخيرة شعار «شكراً إيران الوفية» (الشرق الأوسط)

تميزت معارضة رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، لاتفاق الإطار اللبناني - الإسرائيلي بدعوة إلى التهدئة في الشارع، رغم رفعه منسوب الاعتراض السياسي عليه إلى حد كبير. وأكدت مصادر في «الثنائي الشيعي» لـ«الشرق الأوسط»، أن بري فوجئ بمضمون الاتفاق، ولم يطلع عليه مسبقاً، وقالت إن بري اطلع على الاتفاق عبر ما نشر في وسائل الإعلام، ولم تتم استشارته به مسبقاً، ولا إطلاعه عليه لاحقاً بشكل رسمي.

وسألت «الشرق الأوسط» الرئيس بري عما إذا كان قد اطلع على مضمون الاتفاق، فأجاب: «قرأته... ورأيت فيه الفتنة». ولاحقاً أصدر بري بياناً مقتضباً استهله بالقول: «يا أهلي في لبنان كل لبنان إنها الفتنة»، ثم أضاف قولاً منسوباً للإمام علي بن أبي طالب يستعمل كمثل في التعامل مع الفتن، يقول فيه :«كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهراً فيُركب ولا ضرعاً فيُحلب».

لافتات تحمل شعار «لبنان يجمعنا» مرفوعة على طريق المطار باتجاه الجنوب (الشرق الأوسط)

وابن اللبون هو صغير الناقة الذي بلغ من العمر سنة أو سنتين، وقد ولدت أمه مجدداً، فلا يستفاد منه في الركوب أو إنتاج الحليب. وبالتالي قرأه السياسيون في لبنان كدعوة للتعقل، فيما تم التداول بأكثر من إجابة للذكاء الاصطناعي عما يعنيه بري، منها أن استخدام الرئيس نبيه بري لهذه العبارة «يحمل رسالة تدعو اللبنانيين إلى عدم الانجرار إلى الفتنة الداخلية أو الانخراط في أي تصعيد قد يؤدي إلى صدام بين أبناء البلد، مع التشديد على الحفاظ على السلم الأهلي وعدم التحول إلى أدوات في الصراع».

وقالت مصادر «الثنائي» إن السلطة التي وقعت الاتفاق عليها أن تتلافى تداعياته، وتصحح «الخطيئة»، مشيرة إلى أن مضمون هذا الاتفاق يهدف، في ما يهدف إليه، من قبل إسرائيل إلى تفجير الاتفاق الأميركي - الإيراني من خلال تفجير ساحة لبنان.

Your Premium trial has ended