منصوري لـ«الشرق الأوسط»: سعر صرف الليرة اللبنانية مستقر... ولا اقتصاد بلا مصارف

انتخاب الرئيس اللبناني ضخ 300 مليون دولار في احتياطات المصرف المركزي

حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري (الشرق الأوسط)
حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري (الشرق الأوسط)
TT

منصوري لـ«الشرق الأوسط»: سعر صرف الليرة اللبنانية مستقر... ولا اقتصاد بلا مصارف

حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري (الشرق الأوسط)
حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري (الشرق الأوسط)

شكّل قرار حاكم مصرف لبنان بالإنابة، الدكتور وسيم منصوري، إزالة العوارض الأسمنتية من أمام المقر الرئيس للبنك المركزي في أول «شارع الحمراء» الشهير في قلب بيروت، وإعادة فتح متحف العملات واللوحات أمام الجمهور، رسالة إيجابية مضافة تعكس برمزيتها استعادة هيبة الدولة وحضورها المحوري في إدارة البلد، والمترجم تباعاً بانتهاء حقبة الفراغات والشلل العام عبر استكمال انتظام السلطات الدستورية والتحولات الاستثنائية الواعدة التي يشهدها لبنان على المستويات السياسية والاقتصادية.

ولا يتردّد الحاكم «بالإنابة» في جلسات نقاش مع «الشرق الأوسط»، في إبداء استعداده وارتياحه إلى «تسليم أمانة قيادة صناعة القرار النقدي بأحوال أفضل للموقع والمؤسسة والدور والفاعلية إلى الخلف، عقب تأليف الحكومة الجديدة وافتراض إقرار التعيينات الأساسية في المراكز الحساسة، وبما يطابق المغزى المقصود لقرار (تحرير) المقر المركزي من حصاره الذاتي الذي فرضته المواجهات المتكررة والخاطئة مع المودعين وأصحاب الحقوق في البنوك، جراء انحرافات سابقة ساهمت في تعميق حدة الانهيارات المالية والنقدية».

ويصارح منصوري اللبنانيين من دون لبس: «إحدى مشاكل لبنان الكبيرة هي أنه حين يكون شخص في موقعه، يبدأ النظر إلى مواقع أخرى. وبالتالي، أؤكد أنني أتحضر فقط للقيام بواجبي في المكان الذي أشغله، وسوف أكمل هذا الأمر حتى اللحظة الأخيرة، وآمل أن يكون وجودي في منصبي مؤقتاً؛ لأن انتخاب حاكم أصيل لـ(المركزي) هو إعادة لانتظام المؤسسات في لبنان، وهذا ما طالبت به قبل تسلمي مهامي في الأول من أغسطس (آب) من عام 2023، وهو ما أؤكد عليه اليوم».

إعادة بناء الثقة

وفي الخلفية، يختصر الحاكم الهدف المنشود بعبارة: «إعادة بناء الثقة». ذلك بدءاً، وبالضرورة البديهية، من ترميم كيان الدولة وتعزيز حضورها اللازم وغير القابل للتعويض أو التغطية في الميادين السيادية، والذي يستلزم إرساء توافق وطني عريض ينشد بلوغ محطة الهيكلة السليمة والمنتظمة للمؤسسات، ويستتبع بتحسين الأداء في إدارة المسؤوليات والأدوار المناطة بسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبما يكفل حتماً إنتاج بيئة مناسبة للشروع بالاحتواء المنهجي لرحلة الانهيار التي حاصرت البلد وقطاعاته لأكثر من 5 سنوات متتالية.

وبالحماس عينه، يواظب على التدقيق في كل شاردة وواردة في «جردة الحساب» لفترة السنة ونصف السنة التي مضت على قبول النائب الأول بموجبات قانون النقد والتسليف، تسلم زمام القيادة «الشاغرة» بفعل انتهاء ولاية الحاكم السابق رياض سلامة، وتعذر تعيين البديل من قبل الحكومة «المستقيلة» قانونياً، إنّما بشروط مسبقة ومعلنة ترتكز إلى مندرجات القانون عينه الذي يحمي استقلالية المؤسسة ويحدّد مهامها.

حوكمة وشفافية

وبقناعة الاعتماد على منهجية فريق العمل، يفضّل منصوري، رغم مركزية صناعة القرار النقدي وحمل مسؤولية أي إخفاق محتمل، التنويه بالجهود الجماعية وبتشاركية أي إنجاز محقّق مع نواب الحاكم والمجلس المركزي للمصرف ومديرياته، ولا سيما ما يخص «إعادة الاعتبار لأصول الحوكمة والشفافية في ممارسة مهام البنك المركزي وعزله عن التدخلات والضغوط السياسية، بموازاة مواكبة المهمات المعقّدة لإدارة السيولة والتدفقات النقدية واحتياطي العملات الأجنبية، وبما يشمل خصوصاً تمكين المصارف من الإيفاء المتدرج للحد الأقصى الممكن من حصص حقوق المودعين».

وبالمثل، فهو يعتزّ خصوصاً بحقيقة قطع أشواط مهمة وتسجيل تقدم كبير في عملية الإصلاح الإداري داخل البنك المركزي. وهذا ما أتاح إعادة هيكلة البيانات المالية للميزانية، و«هي عملية مستمرة بالتعديل والتحديث حتى بلوغ هدف الشفافية المطلقة، والتطبيق الصارم للمعايير المحاسبية الدولية، بالاستناد إلى توحيد سعر الصرف في كل البنود. وهي عملية لاقت أصداء تأييد وثناء المؤسسات المالية الدولية». لكن، رغم الإدراك المسبق بإمكانية مواجهة معوّقات مهنية وغير مهنية على مسار التقدّم المنشود، فلم يرد حكماً في ترقبات منصوري، أن تندلع حرب غزة وتتمدّد في اليوم التالي إلى حدود لبنان الجنوبية، بعد شهرين وبضعة أيام من استلام المهمة الشائكة أساساً. ثم يشهد البلد واقتصاده إرباكات أوسع في النطاق والنتائج، وتتصاعد تباعاً لتتفلّت لاحقاً من إطار المواجهات «المنضبطة» نسبياً إلى اشتعال الحرب التدميرية الواسعة بتكلفة إنسانية جسيمة للغاية، وبإنتاج خسائر هائلة تراوح أرقامها التقديرية بين 8.5 و10 مليارات دولار.

بذلك، وتحت وطأة التطورات الدراماتيكية غير المسبوقة في وقائعها وحصيلتها، وفي ظل الفراغات الدستورية وشلل الإدارات العامة، لا بد من الإشارة إلى أهمية المواكبة الاستثنائية للتطورات، والمتمثلة خصوصاً بحفظ الاستقرار النقدي أولاً، وبضخ سيولة إضافية بالدولار لصالح المودعين في زمن الحرب وبعد إبرام اتفاق وقف إطلاق النار. وهنا برز نجاح السياسات النقدية المحدثة التي اعتمدها منصوري، والتي ارتكزت إلى أساسيات التحكم الصارم بكتلة النقد بالعملة الوطنية، ومنع تمويل الاحتياجات المالية للدولة من السيولة المتوفرة لدى البنك المركزي وميزانيته.

حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري في مؤتمر صحافي سابق (أرشيفية - إ.ب.أ)

 

كبح المضاربات... وطوارئ نقدية

عبارة: «لقد نجونا»... تريح الحاكم بعد معاناة موصوفة بتعميق حال عدم اليقين. وحتى في غمرة التحولات الإيجابية الكبيرة والمتلاحقة بدءاً من انتخاب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية وتكليف القاضي نوّاف سلام بتشكيل الحكومة الجديدة، أثبتت استراتيجيات إدارة المسؤوليات النقدية فاعليتها في كبح المضاربات العكسية في أسواق القطع، وصدّ محاولات محمومة لزعزعة الاستقرار النقدي القائم توخياً لتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب العملة الوطنية.

تكشف «الشرق الأوسط» أن منصوري ومساعديه، إبّان يوم انتخاب الرئيس وطوال الأيام التالية، اعتمدوا قراراً ضمنياً وغير معلن يقضي بالانخراط في شبه حال «طوارئ» نقدية. وهو ما تمت ترجمته بالوجود والدوام في مقر البنك لعدد من المديريات وكبار المديرين المعنيين على مدار الساعة ولغاية الفجر، وحتى في عطلة نهاية الأسبوع، بغية مواكبة القرار الحاسم بوقف المضاربات المعزّزة بإقبال غير عادي من قبل مخزّني الدولار النقدي على احتمالات وإشاعات حصول تحسّن فوري وكبير في سعر صرف الليرة إزاء الدولار.

وفي الوقائع، اقتضت المهمة ضخ ما يزيد على 20 تريليون ليرة خلال خمسة أيام، تضاف إلى نحو 10 تريليونات ليرة لتلبية احتياجات البنوك. في الحصيلة، تمت حماية الاستقرار النقدي وجمع نحو 300 مليون دولار من وفورات الدولارات المعروضة في الأسواق، ليرتفع إجمالي الاحتياطي السائل مجدداً إلى نحو 10.35 مليار دولار، مقابل نحو 8.57 مليار دولار يوم استلام موقع الحاكم.

هذه الوقائع تم إبلاغها كاملة وبشفافية إلى رئيس الجمهورية في سياق زيارة التهنئة. بالتالي، تأكدت الأسواق أن سياسة المصرف المركزي هي الاستمرار باستقرار سعر الصرف، وكل من يعتقد أنه يمكنه من خلال بيع الليرة أو الدولار، تحقيق أرباح حالية أو مستقبلية والتأثير على سعر الصرف، فالأمر لا يحصل بهذه الطريقة.

مليارا دولار

وفي الواقع، فإن الزيادة المحققة وحدها في احتياطات المصرف، والبالغة نحو مليارَي دولار، تتكفل بحماية الاستقرار النقدي، سنداً إلى أن حجم كتلة الليرة يقل عن مليار دولار رغم التدفق الإضافي الكبير في الأيام الأخيرة. وهذا مرتكز حيوي لمهام البنك المركزي في المرحلة القادمة، والتي يؤمل أن تشهد تدفقات دولارية وازنة من خلال تنشيط قطاعات الاقتصاد، ولا سيما المورد السياحي الذي يتهيأ لانطلاقة كبيرة معززة ببشائر عودة السياحة العربية عموماً، والخليجية خصوصاً، فضلاً عن الترقبات الإيجابية الخاصة بتدفقات المغتربين واللبنانيين العاملين في الخارج.

يقول منصوري: «نأمل أن تكون الظروف المقبلة أكثر إيجابية، ويصبح الطلب على الليرة اللبنانية مرتبطاً بمؤشرات اقتصادية وليس فقط بأخبار إيجابية أتمنى أن تستمر. المؤشرات الاقتصادية حتى الآن لا تبرر لـ(المركزي) تغيير سعر الصرف الذي يحصل بالتوافق مع الحكومة على أسس اقتصادية ومالية واضحة، ومع توجهات حكومية في هذا الخصوص. وعليه، فإن الاستقرار في سعر الصرف سيستمر، ولا تغيير فيه، وأتمنى أن تبقى الثقة في الليرة اللبنانية».

الودائع العالقة

عن أكثر قضية حضوراً وثقلاً في التداول والاهتمام، والمتمثلة بقضية المودعين من مقيمين وغير مقيمين، لا يتحفظ منصوري عن موجبات الصراحة والمكاشفة: «الحقوق المشروعة يجب الإقرار بها، وبوضع برنامج واضح لإيفائها. لذا لا مفر من إقرار خطة حكومية متكاملة، وما يلزم من تشريعات لمعالجة هذه المسألة الأساسية، وبتفاعل إيجابي بين الأطراف المعنية؛ أي الدولة والبنك المركزي والمصارف وأصحاب الحقوق، مع الانطلاق من مبدأ المشروعية والعدالة في كل مقاربة وتحديثات».

ويؤكد: «هناك أمور جيدة قام بها مصرف لبنان في المرحلة الماضية تطمئن الناس، ولكن ما دمنا لم نصل بعدُ إلى آلية واضحة للقول للمودعين إنهم سيحصلون على أموالهم، أخجل منهم في الحديث عن هذا الموضوع. ولكن يمكنني القول إن العمل في المصرف المركزي مستمر منذ تسلمي مهامي وحتى اليوم، والأمور أفضل من السابق. تم وضع دراسة كاملة لمليون و260 ألف حساب موجودة في المصارف، وقيمتها 86 مليار دولار، تم تفصيلها لمعرفة كيفية تقسيمها وفق الودائع والأعمار والشركات وغيرها. هذه الدراسة المفصلة التي تم الانتهاء منها تقريباً، تسمح للحكومة، ولاحقاً للبرلمان، بوضع تصور أوضح لإعادة الأموال إلى المودعين».

في الخلاصة: «يمكن أن أقول لأول مرة، إننا اقتربنا من إيجاد حل مقبول لهذه المسألة. لطالما قلت إنه لا وجود لاقتصاد من دون قطاع مصرفي، والذي لا وجود له من دون ثقة المودعين، فهذه الأمور مترابطة ولا يمكن النهوض بالبلد ما لم يستعد المودع وديعته، ويشعر بأن هناك دولة تقف إلى جانبه وتحاول إنصافه في هذا الأمر».

حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري (رويترز)

 

القائمة الرمادية

وفي جانب لا يقل أهمية على المستوى السيادي، «ساهم الحراك الاستباقي من قبل قيادة السلطة النقدية واستثمار رصيد الثقة التاريخي لدى البنوك العالمية بكفاءة القطاع المالي المحلي وصرامته في تطبيق المعايير الدولية في منع مرور أي عمليات مشبوهة، بفاعلية في تأمين هبوط سلس لقرار مجموعة العمل الدولية بإدراج لبنان ضمن القائمة الرمادية للدول التي تعاني قصوراً في مكافحة غسل الأموال. وبالتالي باستمرار عمليات التحويلات وفتح الاعتمادات وفق نسقها وتكلفتها السارية ما قبل التصنيف المستجد».

ومن المهم الإشارة إلى أن تقرير «FATF» الصادر بنهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استثنى في مقدمته المصرف المركزي من أي مسؤولية، معتبراً أنه قام بواجبه وأصدر التعاميم اللازمة. وبناء على ذلك، فإن المصرف المركزي والقطاع المصرفي الذي يراقبه، لا يحتاجان إلى القيام بأي شيء من الموجبات العشرة المطلوبة من الدولة ومؤسساتها الأمنية والقضائية.

كذلك، فإن الاقتصاد النقدي ليس ضمن الموجبات الواردة. وبذلك يجد الحاكم أن «الرقابة على دخول وخروج الأموال نقدياً أو عبر المصارف، يتم قبولها من قبل منظمة دولية معنية بمكافحة الجرائم المالية. وهو ما يبعث على الطمأنينة، ويعني أننا نحمي قطاعنا المالي والمصرفي، ويفترض أن نستمر في هذه الحماية في المستقبل، وأي مساعدة ستأتي يجب أن تتم عبر القطاع الشرعي اللبناني ضمن آليات تضعها الحكومة اللبنانية مستقبلاً، وأعتقد أن المؤشرات الموجودة تتجه نحو هذا المجال».


مقالات ذات صلة

خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

المشرق العربي خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)

خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

استفاقت بيروت الإدارية على بدء تنفيذ إجراءات وتدابير أمنية غير مسبوقة معززة باستقدام وحدات إضافية من الجيش وقوى الأمن الداخلي وتسيير دوريات عسكرية.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي صورة لزعيم «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله وسط الركام في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

«الثنائي الشيعي» مستنفَر للتصدي لقرار طرد السفير الإيراني

تقول مصادر «الثنائي الشيعي» إن لديه مجموعة خيارات بشأن قرار طرد السفير الإيراني، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الرئيس بري أوكل مهمة إيجاد الحل لرئيس الجمهورية».

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

جلسة للحكومة اللبنانية الخميس تختبر تداعيات إبعاد السفير الإيراني

تمثل جلسة مجلس الوزراء التي تُعقد الخميس أول اختبار لعمق الأزمة السياسية في لبنان، بعد الانقسام الحاد بين «الثنائي الشيعي» من جهة؛ وأقطاب الحكومة من جهة أخرى.

نذير رضا (بيروت)
بروفايل السفير الإيراني في لبنان محمد رضا شيباني (إعلام إيراني)

بروفايل محمد رضا شيباني... دبلوماسي بأدوار استخبارية

لم تمضِ أسابيع على عودة الدبلوماسي الإيراني محمد رضا رؤوف شيباني إلى بيروت سفيراً لبلاده، حتى تحوّل اسمه إلى عنوان أزمة دبلوماسية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود من الجيش اللبناني يتفقدون الموقع الذي سقطت فيه صواريخ تم اعتراضها في منطقة ساحل علما شمال بيروت (أ.ب)

لبنان: الاستهدافات الإسرائيلية المتنقلة توسّع القلق... وتشديد أمني لمواكبة النزوح

مع تزايد موجات النزوح إلى مناطق أكثر أمناً، لا سيما في بيروت وجبل لبنان، تتكثف الضغوط على الأجهزة الرسمية لضمان الاستقرار.

كارولين عاكوم (بيروت)

خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
TT

خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)

استفاقت بيروت الإدارية على بدء تنفيذ إجراءات وتدابير أمنية غير مسبوقة معززة باستقدام وحدات إضافية من الجيش وقوى الأمن الداخلي وتسيير دوريات عسكرية، وأخرى مخابراتية بلباس مدني تتبع كافة القوى الأمنية للإمساك بالوضع الأمني وقطع الطريق على من يحاول الإخلال به، والإساءة لاستيعاب واحتضان أهالي بيروت للنازحين، وللحفاظ على الاستقرار والسلم الأهلي، على أن تتلازم مع تدابير مماثلة تشمل المناطق التي تستضيفهم لتفويت الفرصة على إسرائيل في رهانها على إحداث فتنة مذهبية مع تدفّق مزيد من موجات النزوح.

خيام للنازحين الهاربين من الجنوب والضاحية الجنوبية في وسط بيروت (رويترز)

فبيروت الإدارية اليوم غير ما كانت عليه قبل استقدام التعزيزات للإمساك بالوضع مع بدء الجيش بمؤازرة القوى الأمنية بتطبيق خطة متكاملة. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر وزاري رفيع أن التحضير للخطة الأمنية التي بوشر بتنفيذها بدأ على مراحل بترؤس رئيس الجمهورية العماد عون الاجتماع الاستثنائي لمجلس الدفاع الأعلى، وأتبعه بلقاء القيادات العسكرية والأمنية، تُوّج بوضع اللمسات الأخيرة عليها، وحُددت ساعة الصفر لتنفيذها، على أن تشمل بيروت الإدارية باعتبارها الحاضنة للعدد الأكبر من موجات النزوح، وتتبعها تدابير مماثلة تشمل المناطق التي تستضيف النازحين لطمأنتهم وتبديد ما لدى مضيفيهم من هواجس ومخاوف من التجاوزات التي تحصل، وعلى رأسها وجود أفراد يتجولون بأسلحتهم بين المراكز المخصصة لإيوائهم.

وكشف المصدر أن الاجتماعات التي عقدها عون تباعاً مع رئيسَي المجلس النيابي نبيه برّي، والحكومة نواف سلام، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، جاءت في سياق التحضير للمناخ السياسي المواتي لوضع تنفيذ الخطة الأمنية على نار حامية، وقال إن استقبال برّي لوزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار هو للتأكيد على أن اللعب بالأمن خط أحمر ولا يمكن السماح لأي كان بتهديده، وأن الخطة تحظى بتأييد برّي لتدارك حصول احتكاكات أو إشكالات بين النازحين ومضيفيهم، مبدياً ارتياحه لاحتضانهم واستيعابهم وللحملات التضامنية بالتعاون مع القوى السياسية في العاصمة والأماكن الأخرى لتأمين احتياجاتهم الضرورية.

وأكد أن برّي لم يتردد في طلب التشدُّد لضمان تنفيذ الإجراءات والتدابير الأمنية للحفاظ على الاستقرار ومنع أي تفلُّت أمني يفتح الباب أمام إغراق العاصمة في فتن مذهبية متنقلة، ووجوب التدخل فوراً لوأدها بملاحقة المخلين بالأمن ومحاسبتهم أمام القضاء المختص، ما يشكل شبكة أمان لقطع الطريق على إسرائيل التي تراهن على أن تدفق موجات النازحين إلى بيروت الإدارية سيتحول عاجلاً أو آجلاً إلى قنابل موقوتة سرعان ما تنفجر ويصعب السيطرة عليها، وتؤدي إلى إقحامها في نزاعات مذهبية. وقال إن التقارير التي ترد يومياً إلى عون من قبل الأجهزة العسكرية والأمنية تشير إلى أن 80 في المائة من الإشكالات تحصل بين النازحين أنفسهم، في حين أن 20 في المائة منها يعود إلى إشكالات فردية بين النازحين والمضيفين تتطلب معالجتها فوراً للسيطرة عليها لعدم تعكير علاقتهم بمضيفيهم.

لا يزال مئات النازحين ينامون في خيام بوسط بيروت رافضين الانتقال إلى مراكز للنزوح في الشمال أو جبل لبنان (رويترز)

ولفت المصدر إلى أن التنسيق قائم بين القيادات الأمنية والمعنيين بملف النزوح في حركة «أمل» و«حزب الله» بغية التعاون لتفادي التجاوزات التي تحصل من دون مبرر لها، ومعظمها يتعلق بمرور سيارات حزبية في شوارع العاصمة يصر أصحابها على بث الأناشيد والخطب، ومعظمها للأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله الذي اغتالته إسرائيل، وهذا يستدعي تدخلهم لوضع حد لهذه التصرفات التي ترتد سلباً على تضامن البيارتة مع النازحين. وأكد أن مسؤولين في «حزب الله» ممن يهتمون بالنازحين يشكون باستمرار، في اتصالاتهم بالقيادات العسكرية والأمنية ووزراء، من وجود حملات تحريض على النازحين، وتحديداً ضد الجماعات المنتمية للحزب، ما يرفع من منسوب الاحتقان، وهم يغمزون من قناة حزب معين، في إشارة إلى «القوات اللبنانية»، بذريعة أنه يضيّق الحصار عليهم ويمنعهم من الإقامة في المناطق الخاضعة لسيطرته.

وقيل لمسؤولي الحزب، كما علمت «الشرق الأوسط»، إنه لا مشكلة تعوق معالجة ما يشكو منه بعض النازحين شرط أن يتجاوب الحزب مع رغبتهم في منع تنقل بعضهم، وإن كانوا قلة، بسلاح لا مبرر له ولا يخدم التضامن مع النازحين. فالشكوى في هذا الخصوص لا تقتصر على حزب معين، وإنما تكاد تكون شائعة لدى أهالي بيروت.

كما طالبوهم بضبط أداء مسؤوليه ومنعهم من استخدام المواقف والخطب النارية من العيار الثقيل التي تولد حالات من الحذر والريبة، وتذكّر أهالي العاصمة باجتياحه مدينتهم في مايو (أيار) 2008 احتجاجاً على قرار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة آنذاك بتفكيك شبكة الاتصال الخاصة التابعة للحزب. فالضرورة تقضي، بحسب المصدر، بالحفاظ على التعايش في العاصمة والمناطق التي تستضيف النازحين بدلاً من اتباع بعض المجموعات سلوكاً لا يخلو من الاستفزاز.

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» أن نواباً سألوا زملاءهم في كتلة «الوفاء للمقاومة» عن الجدوى من تهديد أمين عام الحزب نعيم قاسم اللبنانيين بالحرب الأهلية، وملاقاته من قبل نائب رئيس مجلسه السياسي الوزير السابق محمود قماطي بإطلاق تهديدات ببتر اليد التي تمتد إلى سلاح المقاومة، وانضمام مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق السابق في الحزب وفيق صفا لاحقاً إليهما بتهديده بالنزول إلى الشارع ما لم تتراجع الحكومة عن قرارها الأخير المتعلق بالجناح العسكري للحزب؟

وتوقف هؤلاء النواب المنتمون إلى كتل متعددة أمام اضطرار برّي للتدخل في حينها لدى الحزب لمنع توجّه محازبيه بمسيرات سيّارة إلى بيروت بذريعة الاحتجاج على ما يسمونه بـ«الخطيئة» التي ارتكبتها الحكومة بدعوة الحزب لتسليم سلاحه تطبيقاً لحصريته بيد الدولة، مبدين ارتياحهم لرد فعله أمام زواره على تهديد صفا الذي لا مبرر له وكان في غنى عنه، ما يضع قاسم أمام مسؤوليته حيال برّي، الذي يسعى جاهداً لتنقية الأجواء من الشوائب التي تعتريها والتي تعود إلى تجاوزات لا جدوى منها سوى أنها ترفع منسوب الاحتقان الذي وحدها إسرائيل هي المستفيدة منه بزرع الشقاق بين اللبنانيين، وتهديد وحدتهم التي هي بمنزلة سلاح معنوي في تصديهم للأخطار التي تهدد بلدهم. ويبقى على الحزب أن يستجيب للإجراءات والتدابير التي وحدها توفر شبكة الأمان للنازحين ومضيفيهم في آن واحد، وهذا يتطلب منه بالدرجة الأولى التصدي لحالات الانفلاش التي تُقلق مضيفيهم.


الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
TT

الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)

مع تصاعد الضربات الأميركية التي طالت مواقع عسكرية في العراق خلال الأيام الأخيرة، عادت الحبّانية إلى واجهة الأحداث، لكن هذه المرة في سياق مختلف؛ إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن الاستهداف طال وحدات من الجيش العراقي، في موقع مشترك دون تسجيل خسائر في صفوف «الحشد الشعبي»، رغم أن القاعدة تُستخدم غالباً موقع انتشار مشتركاً.

وحسب بيان وزارة الدفاع العراقية، فإن الضحايا الذين سقطوا في القصف هم من منتسبي الجيش، في تطور لافت يعيد طرح أسئلة حول طبيعة الأهداف وحدود الاشتباك، في واحدة من أكثر المناطق حساسية غرب البلاد.

جنود عراقيون يتفقدون موقعاً مُدمَّراً في قاعدة الحبّانية استُهدف بغارة جوية 25 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الصحراء والدولة

تقع الحبّانية على مسافة نحو 85 كيلومتراً من بغداد، وعلى مسافة قريبة من الفلوجة، وتجمع بين بيئة صحراوية من الغرب ومراكز حضرية من الشرق. وتُعد بحيرتها، التي تمتد على مئات الكيلومترات المربعة، واحدة من أبرز المسطحات المائية في غرب العراق؛ ما منحها أهمية زراعية وسياحية على حد سواء.

لكن أهمية الحبّانية لا تقتصر على طبيعتها الجغرافية، بل تتجاوزها إلى دورها التاريخي في تشكل الدولة العراقية الحديثة.

صورة متداولة... منظر عام لبحيرة الحبّانية

سيادة عراقية

تعود جذور الحبّانية الحديثة إلى ثلاثينات القرن الماضي، حين أنشأت بريطانيا قاعدة RAF Habbaniya، لتكون إحدى أهم ركائز نفوذها العسكري في البلاد. ولم يكن اختيار الموقع عشوائياً؛ إذ وفر المسطح المائي والفضاء المفتوح بيئة مثالية للتدريب والعمليات الجوية.

وبرز دور القاعدة بشكل حاسم خلال حرب 1941 في العراق، حين تحولت مركزاً للمواجهة بين القوات البريطانية والجيش العراقي، في واحدة من أولى اللحظات التي تداخل فيها العامل العسكري مع الصراع السياسي في العراق الحديث.

وجعل هذا الإرث الحبّانية، في وعي الضباط العراقيين لاحقاً، رمزاً للنفوذ الأجنبي، وهو ما انعكس على المزاج العسكري الذي مهّد لثورة ثورة 14 يوليو (تموز) 1958، التي أنهت الحكم الملكي وفتحت الباب أمام مرحلة الانقلابات.

أرشيفية تعود لعام 1956 لمطار الحبّانية العسكري

ظل الانقلابات

خلال عقدي الخمسينات والستينات، لم تكن الحبّانية مركزاً مباشراً للانقلابات، لكنها بقيت جزءاً من البنية العسكرية التي تقوم عليها موازين القوة. فالقواعد الجوية، ومنها الحبّانية، كانت عنصراً حاسماً في أي تحرك عسكري، سواء لضمان السيطرة على الأجواء أو لتأمين خطوط الإمداد.

ومع انسحاب البريطانيين أواخر الخمسينات، تحولت القاعدة إلى منشأة عراقية خالصة، لتدخل ضمن شبكة مواقع عسكرية لعبت أدواراً غير مباشرة في الصراعات السياسية المتلاحقة.

صورة التقطها جندي أميركي عام 2009 لمدخل مقبرة الجنود البريطانيين في الحبّانية (إنستغرام)

عمق الحرب

خلال الحرب العراقية - الإيرانية، اكتسبت الحبّانية وظيفة مختلفة؛ إذ تحولت قاعدةً خلفية بعيدة نسبياً عن جبهات القتال المباشرة. واستُخدمت في التدريب وإعادة تنظيم الوحدات، فضلاً عن كونها جزءاً من العمق اللوجيستي للقوة الجوية العراقية.

هذا الموقع «الآمن نسبياً» جعلها منطقة استقرار عسكري، مقارنة بالقواعد القريبة من الحدود الشرقية التي تعرضت لهجمات متكررة.

إلى جانب دورها العسكري، عُرفت الحبّانية بصفتها وجهةً سياحية بارزة منذ السبعينات، مع تطوير منتجعها المطل على البحيرة، الذي افتُتح أواخر عهد الملكية وتوسع لاحقاً في السبعينات والثمانينات.

في تلك الفترة، كان المنتجع يعدّ من أبرز المصايف في العراق، ووجهةً للأزواج الجدد، قبل أن تتراجع مكانته تدريجياً بفعل الحروب والعقوبات ثم الفوضى الأمنية بعد 2003.

وتعرضت منشآته لدمار واسع خلال سنوات العنف، خصوصاً بعد سيطرة جماعات إرهابية على أجزاء منه بين 2006 و2007، قبل أن تستعيده القوات العراقية لاحقاً، دون أن يستعيد بريقه السابق.

صورة من أرشيف العريف تايلر ب. بارستو لجندية من المارينز الأميركي داخل المقبرة البريطانية في الحبّانية صيف 2009 (إنستغرام)

جفاف

بيئياً، تعكس بحيرة الحبّانية تقلبات حادة. فهي تعتمد بشكل كبير على الأمطار والإيرادات المائية من نهري دجلة والفرات؛ ما يجعلها عرضة للجفاف في سنوات الشح.

وخرجت البحيرة عن الخدمة جزئياً خلال السنوات الأخيرة بسبب انخفاض مناسيب المياه؛ ما أدى إلى اختلالات بيئية دفعت حيوانات برية، بينها الخنازير، إلى الاقتراب من المناطق السكنية.

لكن الموسم المطري الأخير أسهم، وفق وزارة الموارد المائية، في إنعاش البحيرة جزئياً، بعد توجيه إيرادات مائية عبر ناظمي الورار والذبان، في محاولة لإعادة التوازن البيئي وتعزيز الخزين المائي.

وتعود الحبّانية إلى دائرة الضوء، لكن ليس بصفتها منتجعاً ولا قاعدة تدريب، بل بصفتها ساحةً ضمن صراع إقليمي معقد. وبينما تتغير طبيعة الأدوار، تبقى القاعدة ثابتة في موقعها: نقطة التقاء بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة.

فمن قاعدة بريطانية إلى رمز للسيادة، ومن منتجع سياحي إلى موقع عسكري حساس، تظل الحبّانية مرآة لتحولات العراق نفسه، بلد تتقاطع فيه الحروب مع الذاكرة، والطبيعة مع السياسة.


العراق والأردن يُحذران من الآثار المترتبة على الحرب في المنطقة

صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
TT

العراق والأردن يُحذران من الآثار المترتبة على الحرب في المنطقة

صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)

بحث رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، الخميس، مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني تطورات الأحداث في المنطقة.

وذكرت الحكومة العراقية، في بيان صحافي، الخميس، أن السوداني والملك عبد الله أكدا، خلال اتصال هاتفي، أهمية السعي الحثيث لوقف الحرب، وتعزيز التنسيق المشترك بين جميع الدول المعنية من أجل الحد من تداعياتها على الوضع الإقليمي والدولي.

كما حذّر الجانبان من الآثار المترتبة على الحرب التي انعكست على الجانب الاقتصادي وتأكيد بذل الجهود المطلوبة التي تضمن حرية الملاحة وفقاً للقوانين الدولية.