شروط أوروبية شاملة لـ«التطبيع» مع سوريا «الجديدة»

مبعوث أوروبي في دمشق الاثنين وفرنسي الثلاثاء... ووزراء خارجية «الاتحاد» يمهدون لقمة الخميس المقبل

شخص يجلس على كرسي متحرك في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق (رويترز)
شخص يجلس على كرسي متحرك في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق (رويترز)
TT

شروط أوروبية شاملة لـ«التطبيع» مع سوريا «الجديدة»

شخص يجلس على كرسي متحرك في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق (رويترز)
شخص يجلس على كرسي متحرك في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق (رويترز)

تسعى دول الاتحاد الأوروبي للتوافق على «خريطة طريق» لكيفية تعاملها مع السلطات السورية التي تسلمت زمام الأمور في سوريا بعد السقوط السريع لنظام الرئيس السابق بشار الأسد؛ لذا عجّلت، جماعياً وفرادى، بإرسال مبعوثين إلى دمشق لتفحص الوضع والتعرف على السلطات الجديدة.

وبالتوازي، فإن الملف السوري احتل الأولوية في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد، الاثنين، في بروكسل. ويعد الاجتماع المذكور تمهيداً للقمة التي سيعقدها القادة الأوروبيون في العاصمة البلجيكية يوم 19 من الشهر الجاري، والتي سيكون فيها الملف السوري رئيساً على طاولة المباحثات.

وقالت كايا كالاس، الممثلة الجديدة للسياسة الخارجية الأوروبية، الاثنين، إنها أرسلت مبعوثاً أوروبياً إلى دمشق، في اليوم نفسه، للتشاور مع القيادة الجديدة، وسيعقبه، الثلاثاء، وفد من أربعة دبلوماسيين فرنسيين للغرض نفسه. وبانتظار أن تتوضح صورة الموقف في سوريا، فإن الأوروبيين، رغم النظرة «الإيجابية» للتحولات السورية، تنتابهم مجموعة من المخاوف، ليس فقط بالنسبة لأداء السلطات الجديدة، بل حول مستقبل سوريا نفسها. وفي أي حال، فإن الأوروبيين وضعوا مجموعة من الشروط التي يتمسكون بتوفرها من أجل التعاطي الإيجابي مع دمشق.

وتعكس التصريحات العلنية الصادرة عن وزراء خارجية الاتحاد، وأيضاً من الطرف البريطاني، تطابق الرؤية؛ ما يعني، عملياً، أن الدول الأوروبية لن تتحرك منفردة في الملف المذكور، بل إنها تعول، كما قالت مصادر فرنسية، على «مقاربة جماعية شاملة لآلية ومضمون التعاطي»؛ ما يوفر لها «ثقلاً» أكبر في التأثير على مجريات الأحداث هناك.

ستة تحديات وملفات رئيسة

ثمة ستة تحديات وملفات رئيسة تشغل الأوروبيين كما بقية العالم، يتمثل أولها بالمحافظة على وحدة سوريا وسيادتها على كامل أراضيها. وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الاثنين، إنه «يتعين علينا أن نضمن وحدة الأراضي السورية، ويجب أن نتأكد من عدم وجود (أي) تدخل أجنبي». وكان بارو قد توجه السبت إلى العقبة لعقد سلسلة لقاءات مع نظرائه من السعودية والأردن ومصر وقطر وتركيا، بمناسبة الاجتماع الذي دعت إليه عمّان لإجراء سلسلة من المشاورات. كذلك اتصل بوزير الخارجية الإسرائيلي للغرض نفسه.

مسلحون من الفصائل يحتفلون بسقوط دمشق... الأحد (أ.ب)

وتتخوف باريس، كما غيرها من العواصم الأوروبية، من المخططات الإسرائيلية والتركية، ومن تطورات الوضع السوري الداخلي، وكلها يمكن أن تفضي إلى «تقسيم» سوريا. وفي ما يشبه «ثبتاً» للمخاطر التي تحيط بالوضع السوري، قالت مصادر دبلوماسية فرنسية رفيعة المستوى، إن «التحديات تشمل كيفية الوصول إلى استقرار الوضع، وتجنب النزاعات الإقليمية والإثنية والدينية والطائفية، إضافة إلى معاودة الأعمال الإرهابية؛ ما من شأنه التذكير بما عرفه العراق وليبيا» بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين والعقيد معمر القذافي.

وذهبت هذه المصادر إلى القول إن «الدولة السورية يمكن أن تندثر»، في حال لم يتم التحرك نحو الحلول السياسية التي تحفظ وحدة سوريا ومؤسساتها. بيد أن الخطر الأكبر تمثله المخططات التركية والإسرائيلية؛ فإسرائيل سارعت إلى احتلال الشريط منزوع السلاح الفاصل بينها وبين سوريا منذ عام 1974، وتخطط لمضاعفة أعداد المستوطنين في الجولان السوري، في حين أن تركيا تؤكد لمن يريد أن يسمع أنها تريد القضاء على «الإرهابيين» على حدودها، في إشارة إلى القوات الكردية. ولا شك أنها تعول على «تفهم» الرئيس المنتخب دونالد ترمب الذي عزم، خلال ولايته الأولى، على سحب القوات الأميركية الداعمة والمتحالفة مع «قسد»، ولم يتراجع عن ذلك إلا بفعل الضغوط التي مورست عليه، وأولها من الأوروبيين.

لائحة المطالب الأوروبية

طرح الأوروبيون في الأيام الثلاثة الماضية، وخصوصاً يوم الاثنين، مجموعة من المطالب سماها بارو «الشروط التي يتعين استيفاؤها» من جانب السلطات السورية الجديدة. وجاء في حرفية ما أشار إليه: «حصول الانتقال السياسي الذي يسمح بتمثيل جميع الأقليات السورية، واحترام حقوق الإنسان، وحقوق المرأة في سوريا، ورفض الإرهاب والتطرف». وسبق له أن طلب يوم الأحد «مكافحة (داعش) والإرهاب». ووصف الوزير الإسباني خوسيه مانويل ألباريس ما سبق بأنه «خطوط حمراء» سيتحكم احترامها المسبق في رفع العقوبات الأوروبية المفروضة على سوريا، وفي تقديم المساعدات الإنسانية. واعتبر بارو أنه «إذا تمت معالجة هذه المسائل بشكل صحيح من قبل السلطات الجديدة، عندها يمكننا إجراء محادثة ثانية حول العقوبات».

ويحرص الأوروبيون على القول إنهم بعيدون كل البعد عن «السذاجة»، وإنهم سمعوا تصريحات أحمد الشرع، (أبو محمد الجولاني) قائد قوات «هيئة تحرير الشام» والرجل الرئيس في النظام الجديد، والتي وصفتها المصادر الفرنسية بأنها «إيجابية»، إلا أنهم يريدون أفعالاً. وقال بارو: «فيما يتعلق بالسلطات الجديدة في دمشق، نحن لسنا ساذجين بأي حال من الأحوال، نحن على دراية بماضي بعض هذه الجماعات الإسلامية». وباختصار يريد الأوروبيون «أفعالاً وليس أقوالاً».

الأقوال لا الأفعال

يتضح مما سبق، ووفق تعبير سفير فرنسي سابق لدى المنطقة، أن الأوروبيين الذين، في أي حال، لا يستطيعون التحرك في سوريا من غير التنسيق مع الجانب الأميركي، وما تقوم به الأمم المتحدة ممثلة في مبعوثها غير بيدرسون، يطلبون من حكام سوريا الجدد إبراز «شهادة حسن سلوك»، والتي من غيرها لن يحصل أمران بالغا الأهمية، هما: من جهة رفع العقوبات المفروضة على النظام السابق منذ 12 عاماً، والاعتراف بالنظام الجديد. وتضيف باريس إلى ما سبق، الامتناع عن زعزعة الاستقرار في المحيط السوري، وتحديداً في لبنان وهو الطرف الأكثر هشاشة في الإقليم. وأكدت كالاس أن التكتل لن يرفع العقوبات المفروضة على سوريا إلا إذا ضمن حكامها الجدد عدم اضطهاد الأقليات، وحماية حقوق المرأة، تحت مظلة حكومة موحدة تنبذ التطرف الديني.

ومن جانبها، قالت المصادر الفرنسية، إن المطلوب «قيام حكومة جديدة تمثل جميع السوريين». لكنها أضافت أن الاعتراف بالنظام الجديد، رغم البعثة التي تصل إلى دمشق الثلاثاء، «ما زال بعيداً وغير مطروح اليوم». وقالت كايا كالاس، إن الاتحاد يريد «حكومة مستقرة وسلمية وشاملة للجميع». وإذ اعتبرت أن سوريا يمكن أن تحظى بـ«مستقبل متفائل وإيجابي»، رأت أنه «غير مؤكد، وعلينا أن نتأكد من أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح»، وخلاصتها: «بالنسبة لنا، لا يتعلق الأمر بالأقوال فقط، بل نريد أن نرى الأفعال»، وأن أموراً كهذه تحتاج إلى وقت طويل حتى تتحقق.

غير بيدرسون المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا يصعد الدرج أثناء زيارته الاثنين لسجن صيدنايا الذي كان يُعرف باسم «المَسلخ» تحت حكم بشار الأسد (رويترز)

رفع العقوبات

أما ملف رفع العقوبات الذي يدفع إليه المبعوث الأممي، فثمة صعوبة «إجرائية» لهذه المسألة بسبب تداخل العقوبات الوطنية والأوروبية والدولية التي فُرضت في العقد المنقضي. وبحسب المسؤولة الأوروبية، فإن العقوبات «إحدى القضايا المطروحة»، لكن البت فيها ليس اليوم، بل ربما يُطرح لاحقاً. أما الأمر الثاني، فيتناول رفع «هيئة تحرير الشام» وجماعات المعارضة الأخرى، من لائحة المنظمات الإرهابية، وهو أمر لا يقل تعقيداً عن الأول، ويتطلب مقاربة أوروبية ودولية شاملة.

أحمد الشرع مجتمعاً مع رئيس حكومة تسيير الأعمال محمد الجلالي (في أقصى اليسار) ومحمد البشير المرشح لرئاسة «الانتقالية» (في أقصى اليمين) (تلغرام)

ويريد الأوروبيون التريث قبل الإقدام على خطوة من هذا النوع. والحال أن الأوروبيين الذين يتعين عليهم التعامل مع أحمد الشرع، لم ينسوا تاريخ «أبو محمد الجولاني» الذي تنقل بين تنظيم «داعش» و«النصرة». ورغم الاعتدال الذي تبرزه تصريحاته، فإن «التشكيك» في صدقيتها وفي نياته إزاء قيام «سوريا الجديدة» ما زال سيد الموقف.

كايا كالاس تقرع جرس بدء الاجتماع الوزاري قبل ظهر الاثنين (أ.ب)

ثمة شرط آخر يتمسك به الأوروبيون، عنوانه الابتعاد عن إيران وروسيا. وفي رسالة إلى السوريين، كتبت كالاس: «روسيا وإيران ليستا صديقتين لكم، ولا تساعدانكم إذا كنتم في ورطة. لقد تركوا نظام الأسد، وهذه رسالة واضحة جداً تُظهر أن أيديهم مشغولة في مكان آخر، وأنهم ضعفاء». أما وزير خارجية هولندا كاسبار فيلدكامب، فقد قال الاثنين: «في ما يتعلق بالقواعد العسكرية الروسية في سوريا، نريد خروج الروس» من هذا البلد.

ويرى الأوروبيون أن ثمة خاسرَين رئيسَين من التطورات الأخيرة هما إيران وروسيا، ورابحَين أساسيَّين هما تركيا وإسرائيل. وتمتلك هاتان الدولتان أوراق ضغط قوية في الملف السوري. وما دامت لا تتوفر إرادة دولية خصوصاً أميركية، للضغط عليهما جدياً، فإن التداخل بين العوامل الداخلية والخارجية سيضاعف، إلى جانب العوامل الأخرى، من عدم اليقين، ويترك الباب مفتوحاً أمام الكثير من السيناريوهات.


مقالات ذات صلة

الملفات الشائكة تتراكم على مائدة القمة الأوروبية

أوروبا الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا إلى جانب رئيسة لجنة الأمن والدفاع بالبرلمان الأوروبي ماري أغنيس شتراك تسيمرمان في بروكسل يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ) p-circle

الملفات الشائكة تتراكم على مائدة القمة الأوروبية

القمة الأوروبية هي الأولى منذ نهاية العطلة الصيفية، وعلى مائدتها مجموعة من الملفات الشائكة التي تتباين حولها مواقف الدول الأعضاء

شوقي الريّس (بروكسيل)
الاقتصاد صهاريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في منشأة هامرفست بالنرويج (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يؤجل تطبيق قواعد الميثان على واردات النفط والغاز لمدة عام

اقترحت المفوضية الأوروبية، الأربعاء، تأجيل تطبيق قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بانبعاثات الميثان الناجمة عن واردات النفط والغاز لمدة عام واحد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد لاغارد تلوح لوسائل الإعلام لدى وصولها لحضور اجتماع وزراء مالية منطقة اليورو في لوكسمبورغ (أرشيفية - د.ب.أ)

لاغارد تدعو فرنسا إلى معالجة أزمتها المالية داخلياً وسط ترقب رفع الفائدة مجدداً

دعت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، فرنسا إلى معالجة أزمة ديونها من خلال ضبط أوضاع المالية العامة.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
أوروبا نقل أفراد طاقم تم إنقاذهم من سفينة تضررت جراء هجوم بطائرة مسيَّرة بواسطة سيارة إسعاف في فارنا ببلغاريا (رويترز)

«الناتو» مستعد لتكييف دفاعاته «وفق الحاجة» بعد الضربات في البحر الأسود

قال رئيس الوزراء البلغاري رومين راديف، الثلاثاء، إن سفينتين تعرضتا لضربات بالطيران المسيّر قبالة السواحل البلغارية.

«الشرق الأوسط» (صوفيا (بلغاريا))
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب) p-circle

الاتحاد الأوروبي يفتح فصلاً جديداً في مفاوضات انضمام أوكرانيا إليه

يفتتح الاتحاد الأوروبي، الثلاثاء، فصلَين تفاوضيَين جديدَين مع أوكرانيا، في ما يمثّل خطوة أساسية ضمن المسار الطويل لانضمام كييف إلى التكتّل.

«الشرق الأوسط» (لوكسمبورغ)

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تهديداته، أمس، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب، فضلاً عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون لبناني من الطائفة الشيعية، في حال انضم الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل، قائلاً إن «أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان».

وفي موازاة ذلك، أثار إعلان «حزب الله» عن تقديم مساعدات مالية للنازحين والمتضرّرين، تساؤلات حول مصادر الأموال وآليات وصولها وتوزيعها، فيما شكّك متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للمرة الثانية في غضون أيام، في وجودها أصلاً.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن «الأموال المزعوم وصولها من إيران غير موجودة أساساً». وأضاف أنه «حتى لو امتلك الحزب الأموال، فسيستخدمها لشراء الأسلحة لتهديد إسرائيل وترهيب خصومه... أسلحته لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار».


لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.