العرب في إسرائيل... ازدهار بين نكبتين

مارست السلطات الإسرائيلية سياسة تمييز عنصري تجاههم على مدار 76 سنة

فلسطينيون في مسيرة 3 أميال إلى طولكرم بعد نقلهم بشاحنات إلى هذه النقطة من قرية عربية غير قتالية بالقرب من حيفا وقد وفرت «منظمة الصليب الأحمر» الدولية ممراً آمناً لهم (غيتي)
فلسطينيون في مسيرة 3 أميال إلى طولكرم بعد نقلهم بشاحنات إلى هذه النقطة من قرية عربية غير قتالية بالقرب من حيفا وقد وفرت «منظمة الصليب الأحمر» الدولية ممراً آمناً لهم (غيتي)
TT

العرب في إسرائيل... ازدهار بين نكبتين

فلسطينيون في مسيرة 3 أميال إلى طولكرم بعد نقلهم بشاحنات إلى هذه النقطة من قرية عربية غير قتالية بالقرب من حيفا وقد وفرت «منظمة الصليب الأحمر» الدولية ممراً آمناً لهم (غيتي)
فلسطينيون في مسيرة 3 أميال إلى طولكرم بعد نقلهم بشاحنات إلى هذه النقطة من قرية عربية غير قتالية بالقرب من حيفا وقد وفرت «منظمة الصليب الأحمر» الدولية ممراً آمناً لهم (غيتي)

عندما سجل الأديب إميل حبيبي وصيته في مدينة الناصرة التي أحبها، وأمضى فيها جُل حياته، طلب أن يُدفن في حيفا، وأن يُنقش على شاهد الضريح «باقٍ في حيفا». بهذه الوصية، كان كعادته يقرأ المستقبل، ويعلن بصوته الجهوري المجلجل: «حتى في مماتي لن أبرح حيفا». ولم تأتِ الصرخة من فراغ، بل يعبّر فيها عن قلق دفين عاش معه منذ النكبة الفلسطينية الأولى عام 1948، ولم يبرحه يوماً حتى لحظة وفاته في 1996، فهو ابن تلك النكبة.

وحيفا، التي احتلت في السنة الأخيرة العناوين، لما تساقط عليها من صواريخ أُطلقت من لبنان، كانت يومها أيضاً ثالث أكبر مدن فلسطين التاريخية بعدد السكان. في أيام الانتداب البريطاني، نما عدد سكان المدينة من 10447 نسمة عام 1916 إلى 150 ألف نسمة لحظة سقوطها بأيدي المنظمات اليهودية عام 1948، يتوزعون بين 70 ألفاً من العرب ونحو 80 ألفاً من اليهود. وتعود زيادة نسبة اليهود إلى العرب في تلك الفترة لقيام الوكالة اليهودية بتركيز هجرة يهود العالم إلى فلسطين في حيفا، طيلة 3 عقود سبقت تاريخ النكبة لأهميتها الاستراتيجية وموقعها.

احتجاجات في إسرائيل ضد تفشّي الجريمة المنظمة في المجتمع العربي مارس 2021 (غيتي)

الاحتلال الإسرائيلي للمدينة ترافق مع عملية ترحيل شنيعة تشبه عمليات الترحيل التي نشهدها هذه الأيام في غزة ولبنان. وقد أسفرت عن هجرة ما يزيد على 96 في المائة من العرب، ليصبع عدد سكانها 97 ألفاً غالبيتهم من اليهود.

وإميل حبيبي كان واحداً من 2500 عربي بقوا فيها بإصرار. بعضهم ألقوا بأجسادهم أمام عربات الترحيل، وصمدوا. كان شاباً في السابعة والعشرين من العمر. بحسب قرار تقسيم فلسطين، ضُمت حيفا للدولة اليهودية. وكان يُفترض أن تبقى مدينة مختلطة، يعيش فيها اليهود والعرب بسلام. ومع أنه كان من تلك الأقلية السياسية التي وافقت على قرار التقسيم، عصبة التحرر الوطني، فقد ذاق على جلده النكبة التي حلت بالفلسطينيين. فتمزقت عائلته أيدي سبأ، ما بين رام الله وبيروت والولايات المتحدة. ورغم كل شيء، خلص إلى أنه اختار الطريق السليم: «باقٍ في حيفا». ولم يغمض عيناً عن رؤية خطر المخططات الرامية إلى إفراغ حيفا وأخواتها من البلدات العربية من أهلها العرب الذين صاروا يُعْرفون بالمواطنين العرب في إسرائيل أو فلسطينيي 48.

قلنا إنه كان يقرأ المستقبل؟ أجل. فعلى مدار 48 عاماً من عمره، عاش السياسة الإسرائيلية بدمه ولحمه وذكائه الوقاد. اختار الانخراط في حزب يهودي عربي مشترك، يضم أناساً يؤمنون بالحياة المشتركة، ويعارضون المخططات الصهيونية، حزب «ماكي» الذي انقسم ليصبح «ركح» ثم «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» ثم ترك التنظيمات الحزبية وقيودها، وأعلن أنه أصبح حراً. حسب خصومه، تغير إميل حبيبي، وحاد عن الطريق، لكنه في الحقيقة كان يقرأ الواقع بعقلية جدلية لامعة، ويطور مفاهيمه وأدوات نضاله، وظل أميناً مخلصاً لمبادئه الوطنية. ومن خلال العين الثاقبة التي تميَّز بها، ظل قلقاً من أن يفقد حيفا.

إميل حبيبي مع ياسر عرفات في معرض فناني فلسطين في مصر (أرشيفية)

لقد حرص على تعلم اللغة العبرية، ودرس وتعمق في قراءة السياسة الإسرائيلية العميقة. احتك بالسياسة والسياسيين الإسرائيليين، وخاض معارك طاحنة معهم، واحتك بالسياسة والسياسيين الفلسطينيين، وخاض معارك طاحنة معهم. كان يدرك أن غالبية القادة الإسرائيليين لم يتخلوا عن فكرة التخلص من العرب الباقين في إسرائيل، والذين قاربوا نسبة 19 في المائة من السكان، فيحاربهم. وكان يحارب الفلسطينيين والعرب الذين يقودون سياسات تساعد الإسرائيليين على تبرير سياستهم. وفي الوقت نفسه، أبقى الأمل حياً، بأن يأتي يوم يكتفي فيه البشر بأنهار الدم التي سالت ويفتحون صفحة جديدة في العلاقات، بشرط أن يبقى هو في حيفا في حياته وفي مماته، فالبقاء في حيفا هو الهم وهو القلق وهو العنوان.

ومن يحسن قراءة الواقع، اليوم، يقلق على حيفا وأخواتها أيضاً، الناصرة ويافا واللد والرملة وأم الفحم والطيبة ورهط. ومن يتابع تعليمات الناطق باللغة العربية بلسان الجيش الإسرائيلي، لسكان قطاع غزة وجنوب لبنان والضاحية والبقاع وبعلبك، لا يستطيع أن يبقى متفرجاً، بل ينتابه القلق على بيته وبلدته من تلك القيادة المنفلتة، التي لا تلجم مجانينها.

ضابط شرطة إسرائيلي أمام مبنى سكني في مدينة الطيرة العربية وسط إسرائيل تعرّض لأضرار بسبب شظايا اعتراضات الصواريخ التي أُطلقت من لبنان (أرشيفية - إ.ب.أ)

حيفا تهتز

مؤخراً اهتزت حيفا كما لو أنها تتعرض لزلزال. الصواريخ الإيرانية قصفتها من طهران ومن غزة ومن لبنان، والصواريخ الإسرائيلية تصدت لها. بعضها أصاب وبعضها خاب، لكن الصائب والخائب منها هز الأرض والسماء؛ فالصاروخ الواحد الذي يدمَّر أو يدمِّر، ينشر مئات الشظايا الفتاكة القاتلة، ويُحدث دماراً، ويزرع الرعب في نفوس الكبار قبل الصغار، ويهز ضريح إميل حبيبي في «مقبرة كفر أسمير» جنوب المدينة. من ذلك البحر، الذي يشهد غروب الشمس الساحر، تنهال النيران الحارقة.

الشاعر توفيق زياد، رفيق درب إميل حبيبي كتب في قصيدته «أناديكم»، يقول: «ومأساتي التي أحيا نصيبي من مآسيكم». وهو نصيب صغير إذا ما قورن بنصيب غزة وبيروت، لكنه كبير إذا قيس بما حصل في النكبة الأولى قبل 76 سنة وبالنكبة الثانية المصنوعة طيلة السنة الأخيرة وما تخبئه للسنين الآتية. والعرب في إسرائيل يعيشون الآن ما بين النكبتين. وما أشبه اليوم بالأمس. فهناك شعور يتنامى بأن الحكومة الإسرائيلية تعد للعرب في إسرائيل نكبة أخرى، بعد الانتهاء من هذه الحرب. وهناك أساس لهذه المخاوف، ليس من التاريخ فحسب، بل من الحاضر أيضاً.

أرشيفية لميناء حيفا (رويترز)

خلال ثلاثة أرباع القرن، كبر فلسطينيو 48، وتكاثروا، من مجموعة شتات تعيش بغياب قيادة تضم 154 ألفاً في سنة 1949، إلى مجتمع متكامل مليء بالقدرات والإنجازات قوامه 1.9 مليون نسمة اليوم، ويشكلون نسبة 19 في المائة من سكان إسرائيل. في البداية، كانت الحكومات الإسرائيلية محتارة فيما ستفعله معهم. هل تبقيهم مواطنين؟ هل تمنحهم الجنسية أم تبقيهم رعايا، مع حق إقامة أو حقوق مواطنة؟ أم تتخلص منهم في أول مناسبة أو أول حرب مقبلة؟ وبسبب هذه المعضلة، لم يسنوا قانون المواطنة إلا بعد سنتين من قيام الدولة. وفي البداية، لم يشمل القانون جميع السكان العرب، وتجاهل عرب النقب والمواطنين الذين رحلوا في عام 1948 ثم عادوا إلى الوطن بمختلف الطرق. وانطلقت مظاهرات في الناصرة وحيفا وعكا والطيبة تطالب بالحصول على الجنسية الإسرائيلية، لأنهم أدركوا أن هذه الجنسية هي عربون البقاء في الوطن. وفقط في سنة 1952 حصل جميع المواطنين العرب عليها، وتم عدُّهم مواطنين فعلاً.

لكن السلطات الإسرائيلية ظلت تنظر إليهم كأنهم مشبوهون، وكانت تخشى من مشاركتهم في الحروب العربية ضد إسرائيل. وفي فترة العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، نفذت قوات عسكرية مذبحة كفر قاسم، التي قُتل فيها 49 شخصاً، بينهم نساء وشيوخ، كمحاولة لدب الفزع فيهم حتى يرحلوا. وفشلت المحاولة، لأن الناس تمسكوا ببيوتهم وأراضيهم.

متظاهرون في إسرائيل خلال أغسطس 2023 احتجاجاً على انتشار الجريمة في البلدات العربية (أ.ف.ب)

عاشوا أول 18 عاماً في ظل حكم عسكري بغيض تَحَكَّمَ في كل جوانب حياتهم. لم يكن بمقدور أي منهم أن يسافر من بلدة إلى أخرى، للعمل أو التعليم أو العلاج الطبي، إلا بتصريح خاص من الحاكم العسكري اليهودي المعيّن في كل منطقة، والحصول على تصريح يتم عبر مسار إذلال وضغوط سياسية وابتزاز. وحتى عندما أُلْغِيَ الحكم العسكري في سنة 1966، استبدلته المخابرات. وعشية حرب 1967، أقدمت هذه المخابرات على اعتقال أكثر من 500 شخص من القادة السياسيين الوطنيين، اعتقالاً احترازياً، خوفاً من أن يفتحوا جبهة ضد إسرائيل، وهي تحارب شعبهم الفلسطيني وأمتهم العربية.

وفقط عندما احتلت إسرائيل سيناء المصرية والجولان السوري والضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، في غضون 6 أيام خلال تلك الحرب، خففت السلطات الإسرائيلية القمع والاضطهاد ضد المواطنين العرب، فقد انشغلت في تثبيت الاحتلال لبقية الأراضي وسكانها. وخلال سنوات طويلة منعت القوى الوطنية العربية في إسرائيل من دخول المناطق المحتلة حديثاً، بأمر من الحاكم العسكري، حتى لا يؤثروا على سكانها، ويهبوا ضد الاحتلال، لكن هذا الفصل فشل. وفي نهاية المطاف انخرط الفلسطينيون على طرفي الحدود، ومعهم السوريون الذين بقوا في أراضيهم في الجولان، وتزاوجوا وتلاحموا بوصفهم أبناء شعب واحد، رغم اختلاف ظروف كل منهم.

مسيرة ضد مشروع قانون إصلاح قضائي أثار الجدل في حيفا (أرشيفية - غيتي)

مسيرة الازدهار

لقد مارست السلطات الإسرائيلية سياسة تمييز عنصري تجاه المواطنين العرب على مدار 76 سنة وحتى اليوم، ولم تفِ بتعهداتها في «وثيقة الاستقلال» التي نصت على المساواة للجميع. وحرصت في البداية على تدمير أكثر من 400 قرية عن بكرة أبيها، تماماً كما تفعل اليوم في غزة وجنوب لبنان والضاحية، ومنعت عودة السكان إليها. واليوم يوجد أكثر من 300 ألف عربي لاجئ في الوطن لا يستطيع السكنى في بلدته. وصادرت أكثر من 80 في المائة من أراضيهم، واستخدمتها في البداية أغراضاً عسكرية، ثم أقامت بلدات يهودية تحيط بقراهم ومدنهم من كل جانب. وتدخلت في أماكن عملهم وفي اختيار المعلمين في مدارسهم، وفرضت نظام ملاحقة عليهم في جميع مجالات الحياة. وحطمت فروع الزراعة في بلداتهم، وحولتهم إلى العمل في المدن اليهودية، وفرضت قيوداً على التعليم الجامعي لديهم.

ولكن كل هذه القيود لم تكسر شوكتهم، بل كانت في كثير من الأحيان محفزاً لتحقيق الإنجازات. وخاضوا نضالات كبيرة وقوية لأجل الحق في العمل، ثم لأجل تدريس اللغة العربية في مدارسهم. وشق المواطنون العرب في إسرائيل طريقهم، وحققوا إنجازات هائلة في جميع مجالات الحياة. اليوم يشكل العرب 19 في المائة من سكان الدولة، لكنهم يشكلون نسبة 35 في المائة من الأطباء في المستشفيات، وهناك 4 مستشفيات يهودية في إسرائيل يديرها أطباء عرب ونحو 30 دائرة كبرى في مستشفيات يهودية يديرها أطباء عرب، إضافة إلى 4 مستشفيات عربية في الناصرة. ويصل العرب إلى نسبة 45 في المائة من الصيادلة و30 في المائة من المحامين و35 في المائة من مقاولي البناء و20 في المائة من المهندسين. ويشكل العرب نحو 20 في المائة من الطلبة في الجامعات والكليات الأكاديمية في إسرائيل، وهذا إضافة إلى نحو 30 ألف طالب يدرسون في جامعات فلسطينية وأردنية، وكذلك في أوروبا والولايات المتحدة وروسيا... وغيرها.

وبحسب دراسة أُجريت في معهد «طاوب» صار معدل الحصول على شهادة الثانوية لدى النساء العربيات الإسرائيليات أعلى من معدل النساء اليهوديات، منذ سنة 2018. وكثير من النساء العربيات في إسرائيل يخترن التخصصات العلمية والهندسية في المدرسة الثانوية التي ترتبط باحتمال ارتفاع الأجور في المستقبل. وتظهر الدراسة أن أكثر من 70 في المائة من النساء العربيات الإسرائيليات اللواتي يتأهلن للحصول على شهادة الثانوية العامة يدرسن هذه التخصصات، مقابل 39 في المائة فقط من النساء اليهوديات. كما ارتفع معدل التحاق النساء العربيات في مؤسسات التعليم العالي بشكل ملحوظ بين عامي 2008 و2013، وقد زادت على نسبة 50 في المائة.

وهناك عالم عربي في الهندسة الكيميائية، البروفيسور حسام حايك، الذي سُجِّلت باسمه 35 اختراعاً عالمياً، أشهرها الأنف الإلكتروني، الذي يشم مرض السرطان. وهو الذي انتُخب شخصية العام في إسرائيل، ويقود في نطاق عمله في معهد الهندسة التطبيقية التخنيون في حيفا، فريق أبحاث مكوناً من 46 باحثاً وباحثة من حملة الدكتوراه، وهو يعد من أكبر وأقوى فرق الأبحاث في المعاهد العلمية المحلية والعالمية. وهناك العالم الاقتصادي العربي، البروفيسور سامر حاج يحيى، الذي شغل منصب رئيس مجلس إدارة أكبر بنك في إسرائيل «بنك لئومي»، وكان أحد أقوى المرشحين لمنصب عميد «بنك إسرائيل». البروفيسور منذر بولص مدير وحدة الألكتروفيزيولوجيا ومنظمات القلب في مستشفى «رمبام» وهناك نحو 300 بروفيسور عربي في إسرائيل. وهناك نجاحات أخرى في مجال الثقافة، الأدب والشعر والتمثيل والموسيقى والفن والرياضة.

كل هذه النجاحات، ما كانت لتتم لولا توفُّر شرطين أساسيين: الأول أن العربي عمل بشكل مضاعف عن زميله اليهودي في المجال نفسه حتى تمكن من تحقيق الإنجاز والتفوق المهني، والثاني أن هناك يهوداً عقلاء ومسؤولين قاوموا العنصرية المتبعة، ودفعوا بزملائهم العرب إلى الأمام فتبوأوا المناصب الرفيعة، وحققوا الإنجازات.

وفي الوقت نفسه، لا بد من الإشارة إلى أن سياسة التمييز تركت وما زالت تترك حتى اليوم أثراً بالغاً في حياة المواطنين العرب. والمصيبة هي أن هذه السياسة تستند إلى سلسلة قوانين عنصرية تمنح بشكل صريح حقوق تفوُّق للمواطن اليهودي على المواطن العربي.، مثل قانون القومية الذي سنَّه الكنيست في سنة 2018 في عهد نتنياهو، أو قوانين الجنسية وقانون الأراضي وقانون الضرائب... وغيرها.

وتحاول القيادات السياسية العربية مقاومة هذه السياسة، علماً أن الأحزاب العربية الوطنية تضم 10 من مجموع 120 نائباً في الكنيست، وهم ينقسمون إلى تيارين: الأول يقوده تكتل الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحركة العربية للتغيير بقيادة النائبين أيمن عودة وأحمد الطيبي، الذي يقف في المعارضة، ويعتمد على النضال الشعبي السلمي، وتيار الحركة الإسلامية بقيادة النائب منصور عباس، الذي يؤمن بالعمل من الداخل، وانضم إلى الائتلاف الحكومي في فترة حكومة نفتالي بنيت ويائير لبيد.

وعلى الرغم من أن النواب العرب منتخبون من الشعب، والقوانين تتيح لهم حرية التعبير والعمل، فإن الغالبية اليمينية تناصبهم العداء، وتتعامل معهم كأنهم غير شرعيين. وكثيراً ما تم إنزالهم بالقوة عن منصة الكنيست، وطردهم من القاعة، عندما تفوّهوا بكلام لا يروق اليمين. وهم يخوضون تحدياً كبيراً وخطيراً في السنوات الأخيرة عموماً ومنذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) بشكل خاص. فهناك سلسلة قوانين لتقييد حرية التعبير وحرية التنظيم وكثير من القوانين العنصرية التي يتم سنُّها حالياً بوتيرة عالية مثيرة للقلق؛ فالعرب يشعرن اليوم بأن قيادة الشعب اليهودي لم تتعلم من دروس التاريخ؛ فهم الذين تعرَّضوا للعنصرية والتفوق العرقي في أوروبا، يمارسون العنصرية والتفوق العنصري ضد العرب.

العرب في إسرائيل خلال الحرب على غزة

يرى العرب في إسرائيل مشاهد الدمار والكارثة الإنسانية في القطاع، وهم يتأثرون بها كثيراً. فأولاً هذا شعبهم. على الرغم من أنهم لم يؤيدوا هجوم «حماس» على بلدات غلاف غزة، خصوصاً الاعتداءات الدامية على المدنيين، وكانوا عرضة لضربات «حماس» بشكل مباشر، إذ سقطت صواريخ «حماس» في بلدات النقب وصواريخ «حزب الله» في البلدات العربية في الجليل، وقتلت 18 شخصاً منهم، إلا أنهم عبَّروا عن الغضب والألم على ما أصاب أهل غزة وأهل لبنان من ممارسات عدوانية إسرائيلية. وكلما استمرت المأساة الإنسانية في القطاع، تفاقم الغضب لدى الجمهور العربي، وتصاعدت الحاجة إلى الاحتجاج ضد الحرب. فإلى جانب الاستنكارات الحادة التي يطلقها قادة الجمهور العربي، وانتظام الناس في محاولة لتوسيع المساعدات الإنسانية المرسلة إلى القطاع، كلفتهم الحرب ثمناً باهظاً على صعيد حياتهم اليومية؛ فالمجتمع الإسرائيلي اليهودي ما زال يعاني من الصدمة النفسية التي لحقت به في 7 أكتوبر 2023، وتنعكس بشكل حاد على تعامله مع الجيران العرب؛ فاليهود يخافون ليس فقط من الفلسطينيين القاطنين في بلدات حدودية مثل قلقيلية وطولكرم وجنين، بل أيضاً من البلدات العربية في إسرائيل، ويقولون: «ما ضمان ألا يهاجمنا سكان تلك البلدات كما فعلت (حماس) في غلاف غزة؟». وبالمقابل، يلاحظ العرب هذا الخوف في الاحتكاك اليومي وينشأ أيضاً لديهم خوف مقابل، فيسألون: «ما الذي يضمن ألا يفكر المتطرفون في الانتقام منا نحن على ما يجري في ساحات الحرب؟».

ويتحول القلق إلى كابوس عندما يستمعون إلى تصريحات الوزراء المتطرفين. وقد تضرر الشعور الشخصي بالأمان عندما أقدمت الحكومة على توزيع عشرات ألوف التراخيص لحمل السلاح الناري. فقط في نهاية أكتوبر الماضي، ضجت إسرائيل بحادث قيل إنه «محاولة دهس إرهابية قرب مقر (الموساد)»، قُتل فيها رجل مسن، وأصيب نحو الأربعين بجراح. وفي حينه داهمت سيارة شحن محطة ركاب في مفرق غليلوت، عندما كانت حافلة تفرغ ركابها. وقام رجل أمن بإطلاق الرصاص على السائق وأرداه قتيلاً، وجعلوا منه في إسرائيل بطلاً، وادعوا أنه أنقذ حياة العشرات. وبعد ثلاثة أسابيع من التحقيق، أعلنت الشرطة الإسرائيلية أن الرجل، وهو مواطن عربي من مدينة قلنسوة يحمل الجنسية الإسرائيلية، إنسان بريء. كان قد أجرى عملية قلب مفتوح، وأصيب بنوبة مفاجئة فداس على دواسة البنزين دون إرادة.

حتى قبل هذه الحادثة كان العرب في إسرائيل يشعرون بأنهم في خطر، نتيجة انفلات السلاح وارتفاع الخطاب اليميني العنصري. فكم بالحري اليوم، في وقت الحرب، التي رفعت احتمالات وقوع الأخطاء، والتعامل مع أيّ حالة إطلاق نار «من جانب العرب» على أنها عملية «إرهابية».

لكن إضافة إلى الأمن الشخصي هنا الضرر الاقتصادي؛ فقد أضرّت الحرب بالقدرة الاقتصادية للمواطنين العرب، أكثر من أي شريحة أخرى في المجتمع الإسرائيلي. وتشير معطيات بنك إسرائيل إلى أن نسبة البطالة لدى العرب تفاقمت مع بداية الحرب، وخصوصاً في صفوف الذكور، إذ انخفضت نسبة تشغيل هؤلاء في هذه المرحلة بنسبة 27 في المائة، مقارنةً بـ11 في المائة في أوساط الذكور من اليهود. وفي بداية سنة 2024 أيضاً، حين تم تسجيل انتعاش في سوق العمل، لوحظ انتعاش أبطأ في توظيف الرجال العرب، وهذا الانتعاش لم ينجح حتى في الوصول إلى مستواه قبل الحرب.

إن الحرب أوقفت عمل عشرات الوف العرب في الورش اليهودية. والمصالح التجارية العربية باتت تشكو من انخفاض كبير في الطلب من جانب المجتمع اليهودي، في ضوء الدعوات المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي إلى مقاطعة المصالح التجارية العربية. يضاف إلى ذلك أن وزير المالية، بتسليل سموترتش، أجرى تقليصات شديدة في موازنات الوزارات الحكومية؛ ما أدى إلى أضرار جسيمة بالخطة الخمسية الهادفة إلى تعزيز اقتصاد المجتمع العربي، وتقليص هوة التمييز بحقهم.

وفوق كل هذا، بادرت المخابرات الإسرائيلية منذ اليوم الأول للحرب إلى حملة تكميم أفواه شديدة ضد العرب، عموماً وضد المؤثرين بشكل خاص. أكثر من 300 شخص اعتُقلوا بتهمة التعاطف مع الإرهاب، بينهم الفنانة دلال أبو آمنة، التي نشرت على حسابها الآية القرآنية «إن ينصركم الله فلا غالب لكم»، وبعد إغلاق الملف تعرضت لمظاهرات يومية أمام بيتها من اليمين العنصري المتطرف، والبروفيسورة نادرة شلهوب كيفوركيان، التي اعتُقلت لأنها انتقدت المجتمع اليهودي الذي لا يستنكر إبادة الشعب الجارية في قطاع غزة خلال الحرب، والممثلة ميساء عبد الهادي، ومجموعة من النواب السابقين في الكنيست، بينهم رئيس لجنة المتابعة العليا، محمد بركة، والرئيس الحالي لحزب التجمع الوطني، سامي أبو شحادة، والرئيس السابق، الدكتور مطانس شحادة، والنائب حنين زعبي، وكذلك عضو المكتب السياسي للحركة الإسلامية، محمود مواسي، وعضو قيادة التجمع، يوسف طاطور، والرئيس الأسبق للهيئة التمثيلية للطائفة المسيحية الأرثوذكسية في الناصرة، الدكتور عزمي حكيم... وغيرهم.

منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية تعترض صاروخاً من لبنان على ميناء حيفا 26 نوفمبر 2024 (أ.ب)

وقد كان معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب قد أجرى دراسة حول هذه القضية خرج منها بالاستنتاجات والتوصيات التالية: «إن علاقة كلّ من الدولة والأغلبية اليهودية بالمجتمع العربي ترتبط مباشرةً بالأمن القومي. هناك خطر استراتيجي كامن الآن في احتمالات التدهور نحو عنف متبادل من شأنه أن يحول البلد إلى ميدان مواجهة بين اليهود والعرب. تتحمل سلطات الدولة مسؤولية تحييد الجهات التي تعرّض استقرار العلاقات مع المجتمع العربي للخطر، والعمل على تعزيز العلاقات وتقويتها، استشرافاً للمستقبل. وذلك على أساس الاعتراف بأن العلاقات المستندة إلى ضبط النفس ولجمها، هي وسيلة لتحريك تسوية مستقبلية بين إسرائيل والفلسطينيين ما بعد الحرب. بناءً عليه، بات من المطلوب اليوم اتخاذ إجراء له تأثير في الوعي من أجل الحفاظ على الاستقرار الداخلي. إن توسيع نطاق المساعدات الاقتصادية الموجهة إلى السلطات المحلية العربية، والمصالح التجارية، والمحتاجين، سيؤثر بصورة إيجابية، وذلك إلى جانب الامتناع عن الإمعان في فرض القيود على حرية التعبير، وتصعيد النضال ضد الإجرام والعنف، ولجم الجهات المتطرفة من الجانبين، وتلافي المضايقات والمواجهات المتبادلة التي من شأنها أن تشعل النار في البلد».

يتلقون الضربات من الطرفين

المواطنون العرب في إسرائيل يدفعون في كل حرب ثمناً مضاعفاً، يعبّر عن حالتهم الفريدة؛ فهم يتلقون الضربات من الطرفين، باستمرار. في حرب لبنان الثانية، على سبيل المثال، قُتل 44 مواطناً مدنياً و12 جندياً في إسرائيل. قسم كبير من صواريخ «حزب الله» سقط داخل البلدات العربية، الناصرة وحيفا ومجد الكروم وشفا عمرو وغيرها. وقد قُتل 19 عربياً في هذا القصف، أي 43 في المائة من مجموع القتلى المدنيين. ويضاف إلى ذلك أن أقارب هؤلاء المصابين، سكان الجنوب اللبناني ومخيمات اللاجئين، تعرَّضوا للقصف الإسرائيلي.

في الحرب على غزة سنة 2014، التي سميت في إسرائيل «الجرف الصامد»، قُتل 6 مدنيين، أحدهم عامل أجنبي من تايلاند والثاني مواطن من فلسطينيي 48 من النقب، عودة الودج (31 عاماً)، وأصيب 3 من أبناء عائلته بجراح. وتبين لاحقاً أن 3 من أقاربه الذين يعيشون في قطاع غزة قُتلوا من القصف الإسرائيلي في الحرب نفسها.

في الحرب الحالية حصل الأمر نفسه وأكثر. فمن مجموع 33 مواطناً قُتلوا من جراء الحرب في الشمال، بلغ عدد العرب 22 (بينهم 13 طفلاً من بلدة مجدل شمس السورية المحتلة في الجولان).

هذه النتيجة تعكس حال فلسطينيي 48، بوصفهم مواطنين يقعون في ملتقى الضربات، ويتلقون الإصابات من الجميع. في بعض الأحيان، يبدو ذلك وضعاً شائكاً مليئاً بالتعقيدات. وهناك من يقول إن «العرب في إسرائيل ممزَّقون ما بين مواطنتهم الإسرائيلية، التي تحتم عليهم قواعد حياة ونضال مختلفة عن بقية شرائح شعبهم، وبين انتمائهم العربي والفلسطيني الذي يحتم عليهم اتخاذ موقف مغاير ومعاكس للمواقف والسياسة والممارسات الإسرائيلية. لكن هناك من يرى الأمور بطريقة مختلفة، ويعدُّون هذه الحالة تحدياً يستحق التضحية لأجله. فهم، ومن باب الإخلاص لانتمائهم القومي والوطني والإخلاص لمواطنتهم في الدولة العبرية ينتمون إلى معسكر السلام الإسرائيلي الذي يناضل ضد الاحتلال ومن أجل الاستقلال الفلسطيني في دولة عاصمتها القدس الشرقية، والسعي إلى سلام حقيقي بين إسرائيل والعالم العربي والإسلامي. وهم يقولون في هذا الصدد: «التعايش السلمي بين اليهود والعرب في إسرائيل المبني على المساواة والاحترام المتبادل، هو ضرورة حيوية لا تنازُل عنها. فإذا لم ينجح اليهود والعرب في إسرائيل بالعيش معاً بسلام، وتقديم نموذج للحياة المشتركة، فلن يتحقق سلام حقيقي بين إسرائيل والفلسطينيين وسائر العرب».


مقالات ذات صلة

تركيا تستبعد تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا

شؤون إقليمية فيدان متحدثاً خلال مقابلة صحافية الاثنين 13 أبريل (إعلام تركي)

تركيا تستبعد تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا

استبعدت تركيا تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا، محذرة من مخاطر إسرائيلية مؤجلة لما بعد حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية جانب من مباحثات وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والسوري أسعد الشيباني في أنقرة الخميس (الخارجية التركية)

تركيا وسوريا إلى شراكة استراتيجية تدعم إعادة الإعمار والاستقرار

تتحرك تركيا وسوريا باتجاه تحقيق شراكة استراتيجية تغطي جميع مجالات العلاقات بين البلدين، ودعم مرحلة إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مركبات عسكرية إسرائيلية على الجانب الإسرائيلي من الحدود الإسرائيلية - اللبنانية (رويترز)

وزير خارجية إسرائيل: لا نخطط لإجراء محادثات مباشرة مع الحكومة اللبنانية

قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن إسرائيل لا تخطط لإجراء محادثات مباشرة مع الحكومة في لبنان خلال الأيام المقبلة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي سيدة تنتحب بعد مقتل 3 فلسطينيين في رام الله جراء هجمات المستوطنين الإسرائيليين (أرشيفية - رويترز) p-circle

مقتل 4 أفراد من عائلة واحدة في الضفة الغربية بنيران الجيش الإسرائيلي

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أن رجلاً فلسطينياً وزوجته وطفليهما الصغيرين قُتلوا، اليوم (الأحد)، بنيران الجيش الإسرائيلي في شمال الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يقفون للحراسة خلال جولة للمستوطنين بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

مقتل 3 فلسطينيين في هجوم لمستوطنين بالضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي، الأحد، مقتل 3 فلسطينيين في هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

الهدنة وحدها تتصدّر «اجتماع واشنطن»... ومن دونها المفاوضات بين لبنان وإسرائيل معلقة

دورية لـ«اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية لـ«اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الهدنة وحدها تتصدّر «اجتماع واشنطن»... ومن دونها المفاوضات بين لبنان وإسرائيل معلقة

دورية لـ«اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية لـ«اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يقف لبنان على مشارف الدخول في سباق بين الاجتماع التقني المقرر خلال الساعات المقبلة بين سفيرته في واشنطن، ندى حمادة معوض، ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، برعاية السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، وعلى جدول أعماله - من الجانب اللبناني - بند وحيد هو التوصل إلى وقف النار لاختبار مدى استعداد الإدارة الأميركية للضغط على رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، للتجاوب مع رغبتها في هذا الخصوص، وبين رهان الأخير على تحقيق تقدم عسكري يتيح له، قبيل انعقاد الاجتماع، السيطرة على مدينتي بنت جبيل والخيام شرطاً للموافقة على هدنةٍ قاعدتها، من وجهة نظره، استكمال توغُّل جيشه في عمق جنوب الليطاني للضغط على لبنان للتسليم بشروطه للدخول في مفاوضات سلام مباشرة.

فالساعات التي تفصل عن اجتماع الثلاثاء، تُدخل الوضع في جنوب لبنان، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، مرحلةً دقيقة تكاد تكون حاسمة يُمكن من خلالها استقراء ما سيتقرر في لقاء السفيرين، في ضوء ما إذا كان الجيش الإسرائيلي سيُطبق سيطرته على بنت جبيل والخيام، أم إن المعارك تبقى تحت سقف الكر والفر، رغم استقدام الجيش تعزيزات لإطباق الحصار عليهما ظناً منه أن الوقت قد حان للدخول إليهما.

 

تجاوب مع الرغبة الأميركية

 

وكشف المصدر أن لبنان تجاوب مع رغبة الإدارة الأميركية في عقد لقاء تحضيري بين السفيرين، بعد أن تلقى تعهداً منها بممارسة الضغط على نتنياهو لإلزامه الموافقة على وقف النار في الجنوب. وقال إن اجتماع الثلاثاء سيناقش «بنداً وحيداً مدرجاً على جدول أعماله، محصوراً في التوصل إلى هدنة؛ من دونها لا يمكن الانتقال إلى المرحلة الثانية بانطلاق المفاوضات المباشرة بين البلدين برعاية أميركية».

مدفن مستحدَث لـ«حزب الله» بمنطقة الشويفات في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

وأكد أن رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون، «لن يحيد قيد أنملة عن مبادرته دعوة إسرائيل إلى مفاوضات مباشرة؛ إنما على قاعدة موافقتها على هدنة أولاً، وهذا ما أبلغه السفيرةَ معوّض، وأَعلَمَ به الإدارة الأميركية التي وعدت بالضغط على نتنياهو لهذا الغرض». وقال إن «عون تواصل مطولاً ليل الجمعة الماضي مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري، وتوافقا على أن التفاوض يبقى معلقاً ما لم يسبقه وقف النار، وإلا فليس مضطراً إلى التسليم بشروط إسرائيل في حال أصرت على أن تبدأ تحت ضغط النار».

ولفت المصدر إلى «ارتياح بري حيال ما سمعه من عون بربط المفاوضات المباشرة بوقف للنار يشمل الجنوب، ولا يقتصر على بيروت الإدارية وضاحيتها الجنوبية، وذلك بتدخل من واشنطن لدى إسرائيل التي وافقت على تحييدهما وعدم شمولهما في منطقة العمليات العسكرية من وجهة نظرها».

ورأى أن «تحييدهما يشمل (مطار رفيق الحريري الدولي)، ومرفأ بيروت، والبنى التحتية، وهذا ما التزمت به إسرائيل؛ وإن كانت اشترطت، كما قيل للبنان، ألا تسري التطمينات الأميركية على ملاحقتها قيادات وكوادر (حزب الله)».

 

تفهُّم بري الدعوة إلى التفاوض

 

ورداً على سؤال، أكد المصدر أن «إلزام إسرائيل الهدنة يرفع من منسوب التواصل بين عون وبري لتهيئة الأجواء أمام بدء المفاوضات بوفد لبناني يترأسه السفير السابق سيمون كرم». وقال إن بري كان «أبدى تفهمه لدعوته إلى التفاوض، ولم يسبق أن سجّل اعتراضه على المبادرة التي أطلقها في هذا الخصوص». وتابع أن الضرورة تقضي بالتجاوب مع اشتراط بري وقف النار بوصفه «مدخلاً لانفتاح إيجابي على دعوة عون، خصوصاً أنه لم يهاجمها، بخلاف حليفه (حزب الله)». وأكد المصدر أن «هناك استحالة أمام بدء التفاوض من دون أن يحظى بغطاء شيعي بحجم الحضور السياسي الذي تتمتع به (حركة أمل) برئاسة بري».

وسأل: «هل سيكون في مقدور (الحزب) الاعتراض على وقف النار؟ وماذا سيقول لحاضنته الشعبية والمزاج الشيعي العام الذي يتطلع إلى عودة الاستقرار، ولو مؤقتاً، للجنوب والضاحية، في حال قرر الاستمرار في مواجهة إسرائيل وسط الاختلال في ميزان القوى وتراجع قدرته على تحقيق توازن في الردع مع إسرائيل؟».

وتوقف المصدر أمام التمايز بين بري وحليفه في تعاطيهما مع المفاوضات، وقال إن «الحزب» ينظر إليها على أنها «مخالفة للدستور، فيما لم يصدر أي موقف عن بري يتناغم معه في اتهامه حكومة الرئيس نواف سلام بالاستسلام لشروط الإدارة الأميركية - الإسرائيلية، غامزاً، في الوقت نفسه، من قناة عون بذريعة أن دعوته مخالفة للدستور».

 

خيارات «حزب الله»

 

وسأل المصدر «حزب الله»: «ما البديل؟ وهل من خيار لديه سوى التفاوض بعد أن جرّب الحرب التي ألحقت بالبلد الكوارث وأدت إلى تحويل معظم البلدات الجنوبية، بدءاً بتلك الواقعة في جنوب الليطاني، أرضاً محروقة لا تصلح للإقامة فيها؟ وهل حان الوقت لأن يعطي (الحزب) فرصة للخيار الدبلوماسي المحصّن بضوابط في الداخل ترفض التسليم بشروط إسرائيل، ما دام عون أدرج وقف النار أولويةً في مبادرته؟».

كما سأل المصدر «الحزب» عن «الأسباب التي تملي عليه (محاكمة) العهد والحكومة على النيات، استباقاً لما ستؤول إليه المفاوضات، واتهامهما بمخالفة الدستور، فيما شكّل في السابق رأس حربة بدعمه المفاوضات التي أدت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وتفويضه في حينها بري الذي كان وراء وضع اتفاق الإطار لانطلاقها برعاية أميركية».

عناصر من «الصليب الأحمر اللبناني» قرب سيارة إسعاف تعرضت لاستهداف إسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

 

دعوة «حزب الله» للتريّث

 

وأكد المصدر أنه يُفترض بـ«حزب الله» عدم الاستعجال بحرق المراحل، و«التريُّث؛ قبل أن ينزل بكل ثقله مستهدفاً مبادرة عون، إلى حين التأكد من تجاوب إسرائيل مع الشرط الذي أدرجه أساساً لبدء المفاوضات، ليكون في وسع (الحزب) أن يبني على الشيء مقتضاه».

Your Premium trial has ended


«الإطار التنسيقي» يقترب من حسم مرشحه لرئاسة الحكومة العراقية

السوداني يتوسط المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
السوداني يتوسط المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«الإطار التنسيقي» يقترب من حسم مرشحه لرئاسة الحكومة العراقية

السوداني يتوسط المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
السوداني يتوسط المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

رغم حالة الانقسام التي يبدو عليها «الإطار التنسيقي»، خصوصاً بعد أن امتنع ائتلاف «دولة القانون»، صاحب القوة الوازنة داخله، عن حضور جلسة انتخاب رئيس الجمهورية نزار آميدي، فإن مصادر «الإطار» يؤكد أنه يقترب من حسم مرشحه لرئاسة الوزراء وتقديمه إلى رئيس الجمهورية للمباشرة بتكليفه.

وتشير معظم التسريبات الصادرة عن البيت الإطاري، أنه يتجه لحسم مرشحه لرئاسة الوزراء. وهذا يعني ضمناً التخلي عن ترشيحه السابق لزعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي الذي اصطدم بـ«فيتو» الرئيس الأميركي دونالد ترمب نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي.

أرشيفية نشرها موقع «الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة» من لقاء رئيسها باسم البدري ونوري المالكي

ورغم الغموض الذي ما زال حاضراً بالنسبة للشخصية المرشحة لرئاسة الوزراء، فإن معظم التوقعات تشير إلى إمكانية التجديد ولاية ثانية لرئيس حكومة تصريف الأعمال الحالية محمد شيّاع السوداني، رغم إمكانية قيام «شخصية توافقية» بإزاحته عن المشهد، وغالباً ما يُشار هنا إلى رئيس «هيئة اجتثاث البعث» باسم البدري على أساس أنه لا يثير حفيظة معظم القوى الإطارية... كما يتداول اسم رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي بوصفه مرشحاً محتملاً.

استثمار هدنة الحرب

ويؤكد مصدر قيادي في قوى «الإطار التنسيقي» على مسألة حسم المرشح لرئاسة الوزراء خلال أمد زمني ربما لا يتجاوز الأسبوعين. ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «قوى الإطار تسعى إلى استثمار هدنة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لحسم ملف تشكيل الحكومة، ومن غير المستبعد أن يصار إلى تحديد ملامح رئيس الوزراء الجديد خلال اجتماع قريب جداً».

رئيس الحكومة العراقي الأسبق حيدر العبادي (إكس)

ويقر القيادي، الذي فضّل عدم الإشارة إلى اسمه، بـ«الطبيعة المعقدة للعلاقات والتقاطعات الحادة في وجهات النظر بين القادة داخل (الإطار التنسيقي)، لكن الوقت يداهمهم ويدفعهم إلى حسم ملف الحكومة قبل (احتمال) تجدد النزاع بين واشنطن وطهران». ويشير إلى «الدور المحوري الذي يقوم به رئيس مجلس القضاء فائق زيدان لحسم ملف تشكيل الحكومة، خصوصاً بعد اجتماعه قبل أيام مع قادة في (الإطار التنسيقي)، وتأكيداته المتواصلة على مخاطر خرق التوقيتات الدستورية».

وعن الأسماء المحتملة والمرشحة لشغل المنصب، يرى المصدر أن «التكهن صعب، ويبقى الأمر معلقاً حتى آخر لحظة، لكن حظوظ نوري المالكي باتت معدومة، في مقابل ازدياد حظوظ محمد السوداني والعبادي وباسم البدري، ومع ذلك يمكن بروز شخصية أخرى في آخر لحظة».

وعن أسباب تمسك المالكي بترشيحه للمنصب رغم معرفته بتصفير فرصه بالفوز، يقول المصدر، إن «المالكي يريد أن يصدر قرار سحب ترشيحه من (قوى الإطار)، لأنها هي من رشحته، ولا يجد مبرراً لانسحابه، إلا أنها لم تتخذ خطوة من هذا النوع ،حتى لا تبدو أنها تراجعت أمام ضغوطات واشنطن والرئيس ترمب».

المالكي يتشدد

في المقابل، تفيد بعض التقارير الواردة عن كواليس «دولة القانون»، أن نوري المالكي «الذي بات معزولاً داخل (قوى الإطار)، يسعى إلى عرقلة مساعي تكليف السوداني وحيدر العبادي من جهة، وإلى تثبت حقه في أن يكون له الدور الأبرز في طرح المرشح الجديد لرئاسة الوزراء من جهة أخرى».

من اجتماع لقوى «الإطار التنسيقي» (واع)

وتشير التقارير إلى «أن المالكي أبلغ قادة (الإطار التنسيقي) استعداده للتنازل عن الترشيح لمنصب رئيس مجلس الوزراء، مقابل عدم ترشيح وتجديد ولاية رئيس الحكومة الحالي محمد السوداني لولاية ثانية».

ويقال إن المالكي اشترط أيضاً «عدم تكليف أي شخصية سبق أن تولت منصب رئيس الوزراء في الحكومات السابقة»، في إشارة إلى رفيقه السابق في حزب «الدعوة» ورئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي.

أسبوعان حاسمان

وأكد رئيس «المجلس الإسلامي الأعلى»، همام حمودي، الأحد الماضي، أن أمام «الإطار التنسيقي» مدة لا تتجاوز أسبوعين لاختيار مرشح رئاسة الوزراء، مع الحرص على أن يتم ذلك بالإجماع أو بالأكثرية.

وأشار خلال ملتقى «الحوار»، إلى «ضرورة تطوير أداء (الإطار) ليغادر تبادل الآراء إلى مستوى إدارة الدولة، عبر توزيع الملفات بين أطرافه، بما يضمن مساندة رئيس الوزراء والحكومة، وتحمل الجميع لمسؤولياتهم الوطنية بشكل متكامل».

أرشيفية للسوداني حيث يتوسّط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه «أبو فدك» (إعلام حكومي)

وأضاف أن «الحكومة المقبلة ستكون أمام تحديات جوهرية، في مقدمتها بناء جيش وطني قادر على حماية السيادة، وتفعيل الحراك الدبلوماسي لتعزيز الشراكات مع دول الجوار، بما يسهم في ترسيخ أمن المنطقة واستقرارها».

السوداني متمسك بالترشيح

وإلى ذلك ما زال السوداني وائتلافه «الإعمار والتنمية»، يظهران تمسكاً واضحاً بإمكانية الظفر بولاية ثانية، وتؤكد مصادر من داخل «الائتلاف» أنه «على وشك التكليف» من قبل رئيس الجمهورية لتشكيل الحكومة التي طال انتظارها لنحو 5 أشهر .

وقال القيادي في «الائتلاف» خالد وليد، الاثنين، في تصريحات لمواقع محلية، إن «ائتلاف (الإعمار) يطرح بقوة رئيسه محمد السوداني مرشحاً لتشكيل الحكومة العراقية المقبلة، وهو يمتلك حالياً أغلبية كبيرة جداً داخل (الإطار التنسيقي)، فهناك أكثر من 9 قيادات داخل الإطار تدعمه لتجديد الولاية الثانية له».

ويعتقد وليد أن الساعات الثماني والأربعين المقبلة يمكن أن تكون حاسمة بخصوص تكليف السوداني بمهمة تشكيل الحكومة، خصوصاً في ظل التحديات التي تعصف بالعراق، والتي بكل تأكيد تفرض تشكيل حكومة تحظى بغطاء سياسي واسع، وقادرة على تجاوز كل الأزمات التي تمر بها البلاد.


سيدة من غزة تروي قصة «استعادة» وجهها بعد الحرب

صورتان لآية سلامة بعد عمليات التجميل في مصر (الطبيب المعالج)
صورتان لآية سلامة بعد عمليات التجميل في مصر (الطبيب المعالج)
TT

سيدة من غزة تروي قصة «استعادة» وجهها بعد الحرب

صورتان لآية سلامة بعد عمليات التجميل في مصر (الطبيب المعالج)
صورتان لآية سلامة بعد عمليات التجميل في مصر (الطبيب المعالج)

ظلت آية سلامة، لمدة عام ونصف عام، تتجنب النظر للمرآة، وحتى عندما تمكنت من الخروج للشارع كانت تغطي أكثر من نصف وجهها. السيدة التي تشوه وجهها كاملاً في الحرب الإسرائيلية على غزة، ظلت متمسكة بأمل عودة حياتها إلى طبيعتها.

تروي آية سلامة، وعمرها 33 عاماً، قصة معاناتها مع الإصابة، ورحلة العلاج في مصر، وحلمها في عودة وجهها بوصفها امرأة. تقول لـ«الشرق الأوسط»، إنها أصيبت في حزام ناري إسرائيلي شمال غزة، تحديداً في 7 ديسمبر (كانون الأول) 2023.

وتردف: «انحرقت كلياً والنار طالت صدري».

ألم مضاعَف

تحكي السيدة الغزاوية أنها نجت من الحريق وكل من حولها في المستشفى يطلب منها سرد الشهادتين؛ فالكل توقع أن أيامها معدودة في الحياة نتيجة التشوه الكبير في وجهها وفي صدرها بعد أن تملكت منه النيران.

ظلت آية في العناية المركزة لمدة 40 يوماً في مستشفى الشفاء. تقول: «الوضع في غزة كان كتير صعب. فيش (لا يوجد) عنا (لدينا) شاش أو غيار. كانت كلها أدوات بدائية للتغير على الجرح في الأيام الأولى». وتردف السيدة أن ممرضة جارتها تطوعت بمساعدتها لتنظيف الجروح، فهي ظلت في المنزل لمدة 6 أشهر «كنت لا أستطيع السير خطوة واحدة أو شم الهواء».

وفقدت آية سلامة عينها اليُمنى، ووجهها، وأصيبت بجلطة جراء حزنها على حالها، لكنها تقول إن ألمها تضاعف حين رآها ابنها حامد ولم يعرفها، تحكي بألم: «أولادي خافوا مني. ابني قال هاي (هذه) مش (ليست) ماما».

وفي غزة، كانت آية سلامة تتحاشى الخروج حتى بعد أن قدرت عليه، وحين تخرج تغطي وجهها. وتردف: «الناس كانوا يعرفون أنها إصابة حرب. عيني مسكرة (مغلقة) بشاشة ولا أنظر للمرآة أبداً طوال سنة و3 أشهر».

رحلة العلاج

قدمت السيدة إلى مصر في مارس (آذار) من العام الماضي، وحيدة دون زوجها أو أي من أبنائها الأربعة. تقول إنها ظلت تتلقى الرعاية الطبية في مستشفى شمال سيناء، ثم بعدها توجهت للقاهرة، وبقيت 3 أشهر تقريباً متمسكة بأمل أن تجد مساعدة تمكنها من إيجاد طبيب كفء ودعم لتكاليف العمليات التجميلية.

وعلى مدار عام و3 أشهر، خضعت آية لثلاث عمليات جراحية في مصر؛ أولاهما عملية استمرت لمدة 10 ساعات. كانت تحلم فقط بعودة وجهها للحد الأدنى من طبيعته، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «مجرد أن رأيت وجهي بعد العمليات، حمدت الله كثيراً. لم أكن أتوقع تلك النتيجة». وخلفت الإصابة آثاراً قاسية على أسرتها أيضاً؛ إذ أُصيبت ابنتاها مرح (12 عاماً) بجروح في الوجه، وليان (11 عاماً) بكسر في الجمجمة، وتأمل الأم في استكمال علاجهما بمصر.

تحدٍّ طبي كبير

حالة آية لم تكن الأولى جراء حرب غزة التي يعمل عليها جراح التجميل والاستشاري المصري محمود الدسوقي، ومتخصص الجراحات الميكروسكوبية، فيقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه تعامل مع عشرات الحالات التي تعرضت لتشوهات نتيجة الإصابة من الحرب، لكنه يقر بأن «حالة آية مثلت تحدياً كبيراً ومعقداً».

ويقول الطبيب: «إصابة آية عنيفة جداً، خصوصاً في الجانب الأيمن من وجهها، الخد بالكامل وعضلاته والجلد والعصب السابع؛ كل ذلك تعرض للتشوه، فضلاً عن وجود بقايا شظايا في وجهها. كل هذا جعل الأنسجة متليفة ووجود تقيح موضع العين المصابة».

ويردف الطبيب أنه بعد تقييم الحالة بالتعاون مع استشاري طب العيون، تقرر بدء تدخل جراحي مكثف لتقليل عدد المراحل العلاجية. واستغرقت العملية الأولى من 8 إلى 10 ساعات، وشملت إصلاح الجفون باستخدام رقع جلدية، وإعادة ترميم الخد عبر تحريك أنسجة موضعية، إلى جانب إصلاح العضلات ومحاولة ترميم العصب الوجهي، وإعادة تشكيل الفم ليقترب من طبيعته.

وشارك في العملية فريق طبي متعدد التخصصات، حيث وُصفت هذه المرحلة بأنها الأهم والأصعب، تلتها مراحل تكميلية على مدار عام، تضمنت إجراءات لتحسين بروز العين الصناعية، وحقن الدهون، وجلسات ليزر، إلى جانب العلاج الطبيعي، بهدف الوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة، وفقاً للطبيب المعالج.

وعن تفاعل متابعين، سواء عبر الصفحة الرسمية للطبيب أو عبر منصة «إكس» وموقع «فيسبوك» مع صور آية قبل وبعد العملية، يقول الطبيب: «لأن الحالة من غزة وإصابة حرب، وبسبب فرق الشكل الكبير قبل وبعد العملية، والإصابة طبعاً بشكل مباشر في الوجه، فده (هذا) خلى (جعل) الناس تتفاعل مع حالتها بشكل أكبر. بعض الناس وصفوا التغير في الشكل إنه يخض».

ويشير الطبيب المصري لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن هذا النوع من الجراحات قد يُعدّ نادراً في بعض الدول، لكنه يُجرى محلياً في حالات متعددة، بما في ذلك إصابات أكثر تعقيداً. ولا يزال الطبيب يحلم بما وصفه بـ«طمع أطباء التجميل» في نتيجة أفضل لوجه آية، فيما يتلخص حلم السيدة أن ترى أولادها في حضنها مرة أخرى، تقول آية: «إصابتي لم تكن هينة... ظللت شهوراً أتألم. لكني كل ما أحلم به هو عودة أولادي لحضني».