شتاء صعب ينتظر أهالي غزة مع استمرار الحرب الإسرائيلية

لا غاز ولا حطب... وخيام النازحين على مسافة مئات الأمتار من شاطئ البحر

نازحون من شمال قطاع غزة إلى مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
نازحون من شمال قطاع غزة إلى مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

شتاء صعب ينتظر أهالي غزة مع استمرار الحرب الإسرائيلية

نازحون من شمال قطاع غزة إلى مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
نازحون من شمال قطاع غزة إلى مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

يستقبل سكان قطاع غزة فصل الشتاء الثاني على التوالي، في ظل ظروف صعبة وكارثية في السنة الثانية للحرب الإسرائيلية التي دمرت القطاع، وشردت أهله، وتسببت بمقتل عشرات الآلاف من سكانه.

ومع استمرار الحرب، لم يعد يملك سكان غزة ما يمكن أن يساعدهم على التعامل مع الأجواء الباردة التي باتت تسيطر على حالة الطقس في الأيام الماضية؛ ما يزيد من معاناتهم التي يُخشى أن تكون مضاعفة هذا الشتاء.

لا غاز... لا حطب

يشتكي المواطن جاسر مسلم (44 عاماً) من سكان حي النصر بمدينة غزة، والنازح إلى خان يونس جنوب القطاع، مثله مثل مئات الآلاف من الغزيين، من نقص كميات الحطب والأخشاب المختلفة التي تُستخدم لإيقاد النار بشكل أساسي للطبخ والاستخدام الآدمي اليومي في ظل عدم توفُّر أي كميات من الغاز.

ويوضح مسلم في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن ما كان يتوفَّر من غاز لجنوب قطاع غزة، يجري توزيعه الآن فقط على المستفيدين من سكان تلك المناطق وليس على النازحين، مضيفاً أن السكان لا يحصلون عليه بانتظام، بل من خلال جدول معمول به وفق آلية توزيع معقدة، وما تتحصل عليه كل أسرة فقط 6 كيلوغرامات فقط، لا تكاد تكفي لأسبوعين في أفضل الأحوال.

دمار في خيام النازحين نتيجة قصف إسرائيلي شمال مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

ويشير مسلم إلى أن الحطب بات مفقوداً من الأسواق، وفي حال توفُّره فإن أسعاره مكلفة، وتصل إلى أكثر من 5 شواقل للكيلوغرام الواحد (ما يعادل دولاراً ونصف الدولار)، مضيفاً أن هذه الأسعار مرتفعة جداً للمواطن الذي يعتمد على العمل اليومي في حال توفُّره، كما أنها مرتفعة حتى للموظف في السلطة الفلسطينية إذا كان لديه أسرة يعولها.

وقال مسلم: «لا غاز ولا حطب ولا شيء متوفِّر. نعاني منذ أشهر، ولا شيء يوقف هذه المعاناة التي تزداد من يوم إلى آخر».

ويتفق الغزي علاء ياسين (51 عاماً) من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، والنازح أيضاً إلى مواصي خان يونس، مع ما قاله مسلم، مؤكداً أنه موظف حكومي في السلطة الفلسطينية، ولكنه لا يستطيع شراء كميات كبيرة من الحطب في حال توفُّره.

وأشار إلى أنه يُضطر يومياً لتناول وجبة طعام واحدة مع عائلته المكونة من 9 أشخاص لتوفير ما يمكن توفيره من الحطب وعدم استهلاكه بشكل أكبر، خاصةً أن ظروف الشتاء ستكون صعبة، وسيكون بحاجة لكميات أكبر من الحطب لكي يستطيع إعداد طبخة واحدة بحكم أن أجواء هذا الفصل تستهلك كميةً أكبر من المعتاد في فصول أخرى.

ويقول ياسين: «ينتظرنا شتاء صعب جداً وظروف أقسى من الشتاء السابق خصوصاً أننا قضينا أشهراً عدة في مناطق بعيدة عن البحر داخل مدينة رفح، والآن نحن على مسافة مئات الأمتار القليلة من شاطئ البحر؛ ولذلك سنواجه ظروفاً لا يمكن وصفها أو تخيّلها بعد أن اضطُررنا للنزوح من قلب مدينة رفح بسبب احتلالها، إلى شواطئ خان يونس».

ويوجد في جنوب قطاع غزة، ما لا يقل عن مليون نازح من سكان شمال القطاع، إلى جانب أكثر من مليون آخرين هم من سكان تلك المناطق، لكن غالبيتهم اضطُروا للنزوح من مناطق سكنهم تحت شدة العمليات الإسرائيلية باتجاه مناطق تصنَّف أنها إنسانية، بالإشارة إلى مناطق مواصي خان يونس وأجزاء من رفح، ومناطق دير البلح والزوايدة وأجزاء من النصيرات.

نازحون فلسطينيون من بيت لاهيا خلال انتقالهم إلى جباليا في شمال قطاع غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

ولا يختلف الحال في شمال القطاع كثيراً عن الحال في جنوبه، حيث يعاني السكان من ظروف قاسية يمنع فيها منذ ما يزيد على عام دخول أي كميات من غاز الطهي، وسط اشتداد الحصار والقصف والعمليات الإسرائيلية التي لا تتوقف في مناطق شمال غزة.

ويقول المواطن جبر الأشقر من سكان حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، إنه لا يتذكر أنه وأسرته المكوّنة من 13 فرداً، قد قام بإعداد طبخة واحدة من الطعام على غاز الطهي منذ نحو 11 شهراً، حيث كان مع بدايات الحرب يحتفظ بأنبوبة غاز واحدة، ولكن سرعان ما نفدت.

وأشار الأشقر إلى أن كميات من الحطب والأخشاب كانت متوفِّرة في البداية في شمال القطاع، وذلك نتيجة عدم وجود عدد كبير من السكان في تلك المناطق بعد نزوح غالبية سكانها. لكنه أضاف أنه مع مرور الوقت وامتداد الحرب وقتاً أطول مما كان متوقعاً بدأت الكميات المتوفّرة تنفد بشكل كبير؛ ولذلك فإن السكان اليوم باتوا بحاجة ماسّة لتأمين ما يمكن من الحطب للتدفئة والطهي خلال فصل الشتاء.

وتقول المواطنة سعاد الحجار (57 عاماً) إن سعر الكيلوغرام الواحد من الحطب في شمال القطاع يصل إلى 3 شواقل (أقل من دولار واحد بقليل)، لكن لا توجد أموال لدى السكان لشرائه، كما أنه بدأ ينفد بشكل كبير من الأسواق، و«هذا يزيد من معاناتنا فنحن ربات البيوت نعتمد عليه بشكل أساسي لإعداد ما يمكن تناوله من طعام في حال تَوَفَّرَ لدينا».

وأشارت إلى أن الحطب يُستخدم أيضاً لتدفئة المياه من أجل الاستحمام وللاستخدام الآدمي اليومي في ظل الأجواء الباردة.

دون ملابس وأحذية

وتشتكي سعاد الحجار من عدم توفُّر أي ألبسة شتوية خاصة، وأن إسرائيل تمنع دخول أي ملابس لقطاع غزة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وتقول الحجار: «تجوّلت بأسواق مدينة غزة بأكملها ولم أجد ما يسعفني لشراء بعض الملابس الشتوية التي تساعدني وأبنائي وأحفادي على تدفئة أنفسنا في ظل البرد الذي نشعر به خصوصاً في ساعات الليل».

طفلة في مخيم للنازحين بنادي الجزيرة الرياضي في مدينة غزة يوم 12 نوفمبر الحالي (أ.ف.ب)

أما الشابة أنهار الشوبكي، من سكان حي التفاح شرق مدينة غزة، فتقول إنه منذ قصف منزل عائلتها قبل 5 أشهر، وهي تفتقد ملابسها، ولا تجد ملابس شتوية حالياً في الأسواق تسعفها من البرد الذي بدأ يتسلل لجسدها دون أن تجد ما يحميها منه، ويمنع المرض من أن يطولها.

وتشير الشوبكي في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الملابس مفقودة في شمال قطاع غزة، وما يتوفّر هو بعض «البالة» التي كانت متوفّرة منذ ما قبل الحرب أو التي استُخرجت من منازل قُصفت ولم يعد لديها أصحاب وباتت تباع، لافتةً إلى أن الملابس الشتوية مفقودة بشكل خاص؛ لأن هذا ثاني فصل شتاء يمر على السكان في القطاع، وكان المواطنون قد اشتروا الملابس التي كانت متوفّرة في الأسواق العام الماضي.

ويؤكد الشاب أحمد الصوراني من سكان دير البلح وسط قطاع غزة، أن فقدانهم الملابس وحتى الأحذية بمختلف أنواعها، يزيد من معاناتهم في ظل الأجواء الباردة. يقول الصواني: «بصراحة، لا نعرف كيف سنمضي هذا الشتاء، والبرد بدأ يقتلنا في خيامنا، ولا نجد ما نفترشه، ولا نجد ملابس مناسبة تساعدنا على الدفء».

وتشير المواطنة أفنان صيام النازحة من مدينة غزة إلى شواطئ الزوايدة، إلى أنها تواجه ظروفاً صعبة، ولا تجد ملابس لأطفالها، ولا حتى أغطية شتوية تساعدهم على مواجهة البرد الذي تَسَبَّبَ حتى الآن بمرض اثنين منهم بالإنفلونزا الشديدة، مؤكدةً أن الأوضاع ستزداد صعوبة وستكون كارثية خلال الأسابيع المقبلة مع وصول فصل الشتاء لذروته. وتقول بلغة غزاوية بسيطة: «ما عنا إشي، لا فراش، ولا بطانيات، ولا أي أغطية، ولا حتى ملابس، ما ضل علينا إلا نموت بالجوع والبرد اللي راح يقتلنا إحنا وأطفالنا».

دون وسائل تدفئة

كما يعاني قطاع غزة بأكمله من انقطاع الكهرباء منذ منتصف أكتوبر 2023، ما وضعه في ظلام دامس، وأفقد سكانه وسائل التدفئة التي كانت تعمل على الكهرباء.

ويقول المواطن عبد الكريم شعبان النازح مؤخراً من جباليا إلى حي الرمال في مدينة غزة: «لا توجد لنا وسيلة تدفئة سوى الخشب والحطب، ولم يعد أي منهما متوفّراً إلا بكميات قليلة وبأسعار باهظة لا نستطيع تحمُّل ثمنها».

وأضاف: «إحنا كل يوم بنموت بالقصف والقتل المتعمد اللي بنتعرض له، واللي ما بيموت منا بهيك أشياء، بيموت بسبب قلة الأكل... وجاي علينا نموت من البرد اللي راح بالأساس يقتل أطفالنا».


مقالات ذات صلة

متظاهرون صرب يطالبون بمقاطعة مسابقة «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل

العالم أشخاص يتظاهرون أمام مقر التلفزيون الحكومي في بلغراد بصربيا في 28 أبريل 2026 احتجاجاً على مشاركة إسرائيل في مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (أ.ب)

متظاهرون صرب يطالبون بمقاطعة مسابقة «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل

تجمّع متظاهرون أمام هيئة الإذاعة والتلفزيون الصربية الحكومية، الثلاثاء، للمطالبة بانسحاب صربيا من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بلغراد)
المشرق العربي أشخاص يجلبون مياه الشرب في مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين في وسط قطاع غزة 28 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: إسرائيل تستخدم المياه سلاحاً في غزة

حذّرت منظمة «أطباء بلا حدود»، الثلاثاء، من أن إسرائيل تتعمد حرمان أهالي قطاع غزة من الحصول على المياه اللازمة للحياة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

يفتح اتفاق «الإطار التنسيقي» على تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة البابَ أمام مزيد من التساؤلات بشأن الخطوة التالية التي قد تُقدم عليها الفصائل الموالية لإيران، لا سيما في ظل ترحيب البعثة الأميركية في العراق بقرار التكليف.

حتى في ظل غياب ترحيب أو دعم أميركي لافت على مستوى وزارة الخارجية أو البيت الأبيض، الذي سبق أن تدخّل برفض ترشيح نوري المالكي، فإن هذا التطور، حسب مراقبين، يحمل إشارة مرور حذِرة للمكلف علي الزيدي للشروع في تشكيل حكومة تراعي «اشتراطات واشنطن»، التي تكررت مراراً خلال الأشهر الأخيرة على لسان كبار المسؤولين الأميركيين، مع تشديدهم على تفكيك الفصائل المسلحة ومواجهة النفوذ الإيراني في العراق.

وليس من الواضح بعد قدرة المرشح علي الزيدي على الاستجابة للشروط الأميركية، لا سيما أنه مدعوم من قوى ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران، وقد طالت بعضها مؤخراً عقوبات أميركية مشددة، مثل «عصائب أهل الحق» التي تُعد إحدى القوى الوازنة في «الإطار التنسيقي»، إلى جانب «كتائب سيد الشهداء»، التي رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن زعيمها أبو آلاء الولائي.

وحتى مع تصريحات وبيانات سابقة لقادة الفصائل، خصوصاً «كتائب حزب الله»، بشأن رفضهم تمرير أي حكومة من دون موافقتهم، وهي رغبة تتقاطع مباشرة مع الموقف الأميركي، فإن مسألة الخطوة التالية لهذه الفصائل إزاء تشكيل الحكومة لا تزال موضع ترقب وتساؤل لدى بعض المراقبين.

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» (رويترز)

تجديد «البيعة» لخامنئي

وتزامناً مع الترحيب الأميركي بتكليف علي الزيدي، جددت حركة «النجباء»، وهي واحدة من أبرز الفصائل المسلحة الموالية لإيران، «بيعتها» للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، في ردٍّ يشير إلى الترحيب الأميركي، غير أن مراقبين يستبعدون تأثيرها الجدي على مسار تشكيل الحكومة، باعتبار أنها لا تمتلك أي تمثيل في مجلس النواب، كما أنها لم تشر في بيانها إلى الاستحقاق الحكومي الجاري.

وقالت الحركة في بيان «نجدد البيعة والعهد (لخامنئي)، فالعراق سيبقى أبداً هو القوة الضاربة في هذا المحور، وسنظل نحن أبناء (النجباء) جنودكم الأوفياء». وأضافت: «إننا اليوم، ومن موقع الإدراك العميق لسنن التاريخ، نجدد بيعتنا المطلقة لمشروع الولاية، معلنين أن تمسكنا بهذا الخط ليس خياراً سياسياً أملته الظروف، بل هو انصياع طوعي، فكل أمر يصدر عنكم هو عندنا تكليف مقدس». وذكرت، أن «كل تحدٍّ يرميه العدو في طريقنا يعد فرصة استراتيجية، نحن في قلب الصراع، ندرك مآلاته، فامضِ بنا حيث شئت».

«حَمْل السُّلَّم بالعَرض»

لا يستبعد الباحث والخبير في الجماعات الشيعية، نزار حيدر، أن تقوم الفصائل المسلحة بـ«حَمْلُ السُّلَّم بِالعَرض»، على حد وصفه عرقلة تشكيل الحكومة بعد استشعارها الدعم الأميركي.

وقال حيدر لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الموقف «ليس جديداً على الفصائل المسلحة التي لم تنخرط في العملية السياسية، إذ تعلن دائماً أن سلاحها وولاءها لطهران، وأن تجديد بيعتها للمرشد الجديد ما هو إلا تأكيد لموقفها الثابت والمعلن».

ويشير إلى أن «جماعات الفصائل لا تعتقد بمرجعية النجف التي لا تذهب مع نظرية ولاية الفقيه، كما أنها لا تعطي أي اعتبار للدستور والقانون ولسلطة مؤسسات الدولة، وعلى رأسها سلطة القائد العام للقوات المسلحة».

وقال حيدر إن الاتفاق على تكليف علي الزيدي والمباركة الأميركية «لم يكن هذه المرة نتيجة إمساك بالعصا من الوسط، بل ثمرة الإمساك بها من الطرف الأميركي».

ورأى حيدر أن «الفصائل سوف تحمل السلم بالعرض، كما يقال، لعرقلة عمل الحكومة الجديدة، خصوصاً أن من أبرز أولوياتها في برنامجها الحكومي حصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك الميليشيات، بدعم من القوى السياسية والقضاء، فضلاً عن الإدارة الأميركية».

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

الفصائل لن تعترض

يختلف الأكاديمي والباحث عقيل عباس مع ما يذهب إليه نزار حيدر بشأن إمكانية عرقلة الفصائل لمسار تشكيل الحكومة، إذ يرى أنها «لن تعترض على هذا الترشيح، وستفعل ما دأبت عليه دائماً، أي تجنّب إظهار اعتراضات كبرى حيال مثل هذا القرار، حتى لا تضع نفسها في مواجهة علنية مع واشنطن».

وقال عباس لـ«الشرق الأوسط» إن الفصائل عادة «تعمل على التفاصيل لاحقاً، وهذه هي براعتها، من حيث كيفية تشكيل الحكومة ومنهاجها، وطبيعة اختيار الوزراء، ونوعية التنازلات التي يمكن أن تحصل عليها من الحكومة الجديدة».

ومع ذلك، لا يستبعد أن «تقدم الفصائل، في حال تبيّن لها أن المكلف بتشكيل الحكومة يمضي نحو تقديم تنازلات جدية لواشنطن بشأن تفكيكها، على اتباع أساليب أخرى، مثل عرقلة حصول الحكومة على الثقة في البرلمان أو تعقيد مفاوضات تشكيلها».

ورأى عباس أن السؤال الجوهري الذي يجدر أن يطرح هو: «هل ستستطيع الحكومة الجديدة أن تحميهم من الضغط الأميركي بخصوص تفكيكهم».

وقال إنه، ومع «عدم وجود اتفاق أميركي-إيراني بشأن الملفات الأساسية الثلاثة: النووي، والصواريخ الباليستية، وملف الوكلاء في المنطقة، فإن المشهد معقد، لكن السيناريو الأفضل للفصائل هو تفكيكها بموافقة إيرانية، بما يتيح لها البقاء داخل العمل السياسي والحكومي، أي الاستمرار في دائرة النفوذ والتمويل والتأثير، ولكن من دون دور عسكري».

وأشار عباس إلى أنه، ومع «عدم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، فإن حل الفصائل قد يُطرح محلياً عبر مواجهة مع الحكومة المقبلة، وهو ما يُمثل الاختبار الأصعب للحكومة أمام واشنطن».


الأمطار الهاطلة بعد جفاف تضخ المياه والحياة في أهوار العراق

رجل يصطاد في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان بجنوب العراق بعد عودة المياه نتيجة هطول الأمطار عقب فترة جفاف طويلة (أ.ف.ب)
رجل يصطاد في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان بجنوب العراق بعد عودة المياه نتيجة هطول الأمطار عقب فترة جفاف طويلة (أ.ف.ب)
TT

الأمطار الهاطلة بعد جفاف تضخ المياه والحياة في أهوار العراق

رجل يصطاد في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان بجنوب العراق بعد عودة المياه نتيجة هطول الأمطار عقب فترة جفاف طويلة (أ.ف.ب)
رجل يصطاد في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان بجنوب العراق بعد عودة المياه نتيجة هطول الأمطار عقب فترة جفاف طويلة (أ.ف.ب)

يشقّ قارب صيد طريقه بهدوء وسط مياه أهوار في جنوب العراق، مُحدثاً تموجات ناعمة تصل إلى الأراضي الرطبة الممتدة على الضفتين، والتي كانت حتى الأمس القريب تعاني التشقُّق بفعل الجفاف، إلى أن أنعشتها الأمطار، في الآونة الأخيرة، بعد طول انتظار.

وتتناثر بُقع خضراء على صفحة المياه العائدة إلى المجرى الذي يخترق معظم أهوار الحويزة، في حين تنغمس داخله جواميس وحيوانات، أو ترعى العشب الوارف في جواره.

وفوق المسطّح المائي الساكن، تُحلق طيور من شتى الأنواع، تنعكس صورتها عليه كما لو كان مرآة، وتعكس بدورها غِنى التنوع الحيوي الذي يحظى بالحماية في أهوار بلاد الرافدين هذه، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

صورة جوية لقارب صيد محلي في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان جنوب العراق (أ.ف.ب)

إلا أن هذه الأهوار البالغة القِدم عانت الجفاف على مدى سنوات بفعل التغيّر المناخي والسدود المُقامة في الدول المجاورة على أعالي الأنهار، ما أنهك هذه الأراضي الخصبة بين نهريْ دجلة والفرات، والتي يُعتقد أنها جنة عدن المُشار إليها في كتاب العهد القديم.

لكنّ فترات هطول الأمطار التي شهدها فصل الشتاء، هذه السنة، ضخّت الحياة مجدداً في شرايين الحويزة، وأعادت الأمل إلى سكان هذه الأهوار وعشاقها على السواء.

وخلال إبحار الصياد كاظم كاصد بقاربه الخشبي الطويل، مرتدياً عباءته البيضاء ومعتمراً كوفيته، يقول، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «ستعود الحياة والثروتان السمكية والحيوانية، وسيشعر الناس بأن ديرتهم (بلدهم) ومستقبلهم عادا».

قارب صيد محلي في أهوار الحويزة العراقية بمحافظة ميسان بجنوب العراق بعد عودة المياه نتيجة هطول الأمطار عقب فترة جفاف طويلة (أ.ف.ب)

ويضيف: «رسالتي إلى الناس الذين يعيشون هنا هي: هذه أرضكم وديرتكم، وأتمنى أن تدافعوا عنها أكثر وتعتزوا بها لأنها موطنكم الأصلي ومصدر حياتكم وعيشتكم أجيالاً بعد أجيال».

وذكرت وزارة الموارد المائية العراقية أن «سدود نهر دجلة على وشك الامتلاء»، متوقعة «ارتفاع مناسيب نهر الفرات، في الأيام المقبلة»، إذا أفرجت سوريا عن المياه من سدودها.

من هنا، تشهد الأهوار «انتعاشاً نسبياً» في الوقت الراهن.

تُعدّ الحويزة أهواراً عابرة للحدود تتشاركها العراق وإيران (أ.ف.ب)

ويؤكد الناشط أحمد صالح نعمة أن أهوار الحويزة لم تشهد هذا القدر من المياه منذ سنوات، مضيفاً أن المياه غمرت 85 في المائة من الأراضي الرطبة، مع أن ثمة حاجة لأن يكون عمقها أكبر.

ويضيف: «فتحنا كل بوابات الإطلاقات المائية من النواظم والسدود باتجاه الأهوار لكي نملأ أكبر كمية ممكنة قبل أن يحلّ الصيف».

ويوضح أنه «أمر جيد، فهذا يعني أن الأهوار لن تجفّ، هذا الصيف»، حين تصل الحرارة إلى 50 درجة مئوية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ترحيب أميركي حذر بالمكلّف تشكيل الحكومة العراقية الجديدة

رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)
TT

ترحيب أميركي حذر بالمكلّف تشكيل الحكومة العراقية الجديدة

رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)

أبدت الولايات المتحدة دعماً حذراً لرئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي، في وقت تتصاعد فيه التحديات المرتبطة بتشكيل حكومته، بما في ذلك ملف نفوذ الفصائل المسلحة والعقوبات الأميركية على شخصيات مرتبطة بها.

وقالت بعثة الولايات المتحدة في بغداد، الأربعاء، إنها تؤيد جهود الزيدي لتشكيل «حكومة قادرة على تحقيق تطلعات جميع العراقيين»، مؤكدة دعمها أهدافاً تشمل صون السيادة وتعزيز الأمن ومكافحة الإرهاب وبناء اقتصاد مستقر.

وجاء هذا الموقف بعد ترشيح الزيدي من قِبل قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية، عقب انسحاب كل من محمد شياع السوداني ونوري المالكي؛ ما أنهى أزمة سياسية استمرت نحو خمسة أشهر منذ انتخابات أواخر 2025.

نفوذ الفصائل

حسب مصادر سياسية مطلعة، فإن الزيدي وافق على التكليف بعد طرح شروط تتعلق باستقلالية تشكيل الحكومة، من بينها الحد من مشاركة الفصائل المسلحة في التشكيلة الوزارية ومنحه حرية اختيار أعضاء حكومته دون تدخلات مباشرة.

ولم تصدر تأكيدات رسمية علنية من مكتب الزيدي بشأن هذه الشروط، في حين أعلن «الإطار التنسيقي» أنه منح رئيس الوزراء المكلف مساحة لاختيار كابينته، مع التشديد على معايير الكفاءة والنزاهة.

ويمثل دور الفصائل المسلحة ملفاً حساساً في السياسة العراقية، لا سيما في ظل ارتباط بعض قادتها بعقوبات أميركية.

لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)

سياق العقوبات

وكانت وزارة الخزانة الأميركية أعلنت عن مكافآت مالية مقابل معلومات عن قادة فصائل، وهم أبو حسين الحميداوي زعيم «كتائب حزب الله»، وأبو آلاء الولائي زعيم «كتائب سيد الشهداء»، وحيدر الغراوي زعيم «أنصار الله الأوفياء»، في إطار اتهامات تتعلق بأنشطة تهدد المصالح الأميركية والاستقرار في العراق.

ويقول محللون إن هذا السياق الأمني يضيف تعقيداً إلى مهمة الزيدي، الذي يسعى إلى تحقيق توازن بين مطالب القوى السياسية الداخلية ومتطلبات المجتمع الدولي.

ويرى أستاذ العلوم السياسية ياسين البكري أن الموقف الأميركي يعكس «عدم ممانعة مع إبقاء المسار تحت المراقبة»، مشيراً إلى أن واشنطن تركز على قضايا مثل حصر السلاح بيد الدولة ووحدة القرار الأمني.

بدوره، قال طالب محمد كريم إن الدعم الأميركي للزيدي «يعكس براغماتية متزايدة»، موضحاً أن معيار القبول بات يرتبط بسلوك الحكومة المقبلة، لا بهوية رئيسها.

وأضاف أن هذا التأييد «يمكن فهمه بوصفه قبولاً مشروطا، قائم على اختبار الأداء في ملفات التوازن الإقليمي والتعاون الأمني».

وكان رئيس الجمهورية نزار آمدي قد كلف الزيدي رسمياً تشكيل الحكومة، بعد تعثر طويل في التوافق السياسي. ويرى مراقبون أن نجاحه سيعتمد على قدرته على إدارة توازن دقيق بين نفوذ القوى السياسية، بما فيها الفصائل المسلحة، وبين الضغوط الدولية، خاصة الأميركية، في وقت يواجه فيه العراق تحديات أمنية واقتصادية مستمرة.

ومع بدء مشاورات تشكيل الحكومة، تبقى مسألة إشراك أو استبعاد الفصائل، إلى جانب تداعيات العقوبات الأميركية، من أبرز الملفات التي قد تحدد شكل الحكومة المقبلة وطبيعة علاقاتها الخارجية.