تحييد «حزب الله» لا تدميره... كيف ترى واشنطن الحرب في لبنان؟

«الشرق الأوسط» تستطلع آراء مسؤولين أميركيين سابقين وخبراء

صورة للأمين العام لـ«حزب الله» في موقع غارة إسرائيلية على سكسكية قرب صيدا (أ.ف.ب)
صورة للأمين العام لـ«حزب الله» في موقع غارة إسرائيلية على سكسكية قرب صيدا (أ.ف.ب)
TT

تحييد «حزب الله» لا تدميره... كيف ترى واشنطن الحرب في لبنان؟

صورة للأمين العام لـ«حزب الله» في موقع غارة إسرائيلية على سكسكية قرب صيدا (أ.ف.ب)
صورة للأمين العام لـ«حزب الله» في موقع غارة إسرائيلية على سكسكية قرب صيدا (أ.ف.ب)

بعد نحو 10 أيام من بدء جولة التصعيد الإسرائيلي الأخير ضد «حزب الله»، يرى مسؤولون أميركيون سابقون وخبراء تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، أن هدف تل أبيب «تحييد» الحزب، وليس تدميره.

ديفيد شنكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأدنى، يرى أن الهدف الأساسي لتحرك إسرائيل الأخير هو تمكين نحو 70 ألفاً من مواطنيها من العودة إلى منازلهم في الشمال، بعدما فروا منها تحت وطأة ضربات «حزب الله» منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الخطوات هدفها «تحييد التهديد... وليس احتلال الأراضي اللبنانية مرة أخرى، بل ضمان أن قوات (حزب الله) لم تعد في وضع يسمح لها بمحاولة غزو إسرائيل والاستيلاء على أراضٍ واحتجاز رهائن»، كما فعلت حركة «حماس» في غلاف غزة في السابع من أكتوبر الماضي.

وأشار شنكر إلى أن «هذا على وجه التحديد ما حاول فعله المبعوث الأميركي عاموس هوكشتاين الذي اقترح أيضاً ترسيم النقاط الحدودية المتنازع عليها بين إسرائيل ولبنان، وإنهاء التحليق الإسرائيلي فوق لبنان». لكنه رأى أن «(حزب الله) ليس مهتماً في الوقت الحاضر بالتوصل إلى تفاهم يؤدي إلى وقف التصعيد».

إضعاف عسكري... وتمكين سياسي

وأضاف أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة «كان لها بالفعل تأثير عميق على (حزب الله)، فقد تم القضاء على صفوف القيادة العليا للتنظيم، ومقتل أكثر من 500 مقاتل».

وحين سُئل عن الضحايا المدنيين، أجاب شنكر بأن «الحزب وضع ترسانته بين جمهوره، ولهذا قُتل العديد من اللبنانيين الأبرياء بشكل مأساوي، إما بسبب الضربات الإسرائيلية أو الانفجارات الثانوية للذخائر المنتشرة في المناطق المدنية».

انفجارات عقب غارة إسرائيلية على جبل الريحان جنوب لبنان (أ.ف.ب)

غير أنه أشار إلى أنه «عندما تنتهي هذه الجولة من القتال، سيكون هناك ضرر جسيم لإسرائيل وحزب الله ولبنان. ورغم الدمار في لبنان، فلا شك أن نصر الله سيعلن مرة أخرى - وبشكل مثير للضحك - النصر الإلهي. لكن تنظيمه سيتضاءل إلى حد كبير» على المستوى العسكري.

لكن على المستوى السياسي، يعتقد شنكر بأن «(حزب الله) سيستمر، وبدعم من إيران، في الهيمنة والسيطرة على لبنان. فالانتكاسات التي منيت بها (حماس) و(حزب الله) هذا العام، وهما من القوى الوكيلة الرئيسية لإيران، تمثل تطوراً غير مسبوق لطهران. ومن المؤسف أن هذه المنظمات جلبت على طول الطريق معاناة غير ضرورية وغير مسبوقة لجمهورها».

فرض تنفيذ القرار 1701

من ناحيته يقول مايكل روبن، من معهد «اميركان إنتربرايز» في واشنطن، إن إسرائيل تريد بعملياتها الأخيرة فرض تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الذي اعتمد بعد حرب 2006 بين إسرائيل والحزب، ودعا إلى منطقة خالية من سلاح الحزب ومقاتليه بين خط الحدود ونهر الليطاني جنوبي لبنان. وقال روبن لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكن لأي دولة أن تتسامح مع هجمات مستمرة من الجوار، كما حدث مع إسرائيل من (حزب الله)».

ويقول ماثيو ليفيت، كبير الباحثين في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، إن المسؤولين الإسرائيليين «كانوا واضحين على مدى أشهر، في أنهم يأملون بأن تنجح الجهود الدبلوماسية لحمل (حزب الله) على وقف قصف إسرائيل. لكن إذا لم يحدث ذلك فإن الجيش الإسرائيلي سيفعل ما يجب عليه لإنهاء هجماته الصاروخية وتمكين الإسرائيليين (في الشمال) من العودة». لكنه أضاف أن حكومة الحرب الإسرائيلية «لم تضع تدمير (حزب الله) هدفاً للحرب في الأسبوع الماضي».

مناصرون لـ«حزب الله» يشيعون قائد جناح النخبة المعروف بـ«قوة الرضوان» إبراهيم عقيل في ضاحية بيروت الجنوبية الأحد الماضي (أ.ف.ب)

غير أن ديفيد داود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» في واشنطن، يرى أن تحقيق إسرائيل لهدف إعادة مواطنيها «كان يعتمد على ما إذا كانت قادرة على ذلك من خلال وسائل غير الحرب. ولذلك حاول الإسرائيليون رفع الثمن الذي سيتعين على (حزب الله) أن يدفعه للحفاظ على جبهة دعمه لحلفائه في غزة».

ورأى أن هدف العمليات الأخيرة «ليس فقط استعادة الهدوء في الشمال، بل بالإضافة إلى ذلك حث الحزب على الانسحاب لمسافة كافية من الحدود لتحييد تهديد قذائفه أو توغل قواته، على غرار ما حدث في 7 أكتوبر».

هل يتحمل الحزب حرب استنزاف طويلة؟

ويرى داود أن «المشكلة هي أن ( حزب الله) حشر نفسه في الزاوية بالتزامه بمحاربة إسرائيل، والاستمرار في حرب الاستنزاف التي شنها ضدها من دون استفزاز في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول)، إلى أن توقف إسرائيل عملياتها العسكرية في غزة».

وأوضح أن «قبول وقف إطلاق النار من جانب واحد من لبنان، وخاصة في ظل الضغوط العسكرية الإسرائيلية، من شأنه أن يجعل الحزب يبدو ضعيفاً في نظر أنصاره. لهذا لا يستطيع الحزب تحمل ذلك، لأن قسماً كبيراً من مؤيديه يدعمونه لأنهم يعتقدون أنه منظمة مقاومة قوية قادرة على ردع إسرائيل أو هزيمتها في الحرب، إذا لزم الأمر، وهذا ما دفع حسن نصر الله في خطابه الأخير، إلى إعلان وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية كشرط إضافي لوقف الهجمات من لبنان».

على أن داود يعتقد بأن «حزب الله» لا يريد حرباً موسعة مع إسرائيل في الوقت الحالي، «فهو ليس في وضع يسمح له بالقيام بذلك، ولذلك كانت هجماته الانتقامية على الضربات المؤلمة التي وجهتها له إسرائيل، مسرحية وتجميلية إلى حد كبير. صحيح أنهم يستهدفون الآن مناطق أعمق ويطلقون الصواريخ على، أو بالقرب من أهداف إسرائيلية ذات أهمية رمزية، لكنهم لا يطلقون وابلاً هائلاً من الصواريخ. وبهذه الطريقة، يمكن ضمان أن الأنظمة الدفاعية الإسرائيلية ستعترض هجماتهم، في حين يستطيع الحزب أن يبالغ في نجاحاته في الداخل».

عناصر من خدمات الطوارئ اللبنانية يرفعون ركام بناية دمرتها ضربة إسرائيلية على ضاحية بيروت الجمعة الماضي (أ.ف.ب)

وشدد داود على أن «الحزب لا يستطيع أن يتحمل إلى ما لا نهاية مستوى الاستنزاف الذي ألحقته به إسرائيل» في الأسبوع الماضي. لذلك، «نحن امام صراع إرادات، وقد تحولت المبادرة بشكل حاسم إلى الإسرائيليين. فإذا تمكنت إسرائيل من تحقيق أهدافها من خلال وسائل غير الحرب، فمن الممكن تجنب الحرب الموسعة».

وإذا لم يكن ذلك ممكنا، يرى داود أن «من الممكن أن تقوم إسرائيل على الأقل بمناورة برية محدودة لتحقيق أهدافها. لكن من غير المرجح أن يظل هذا الوضع تحت الاحتواء، وبقدر ما يركز مثل هذا الصراع في المقام الأول على مناطق لبنان الخاضعة لسيطرة (حزب الله)، فإنه قد يتوسع أيضاً ليشمل مناطق أخرى - وخاصة إذا كانت القوات البرية الإسرائيلية تسعى إلى الوصول إلى معاقل الحزب في جنوب بيروت أو بعلبك».

ماذا عن الدور الإيراني؟

بالنسبة إلى الدور الإيراني، يقول شنكر إن «طهران أظهرت أنها مستعدة لمحاربة أميركا وإسرائيل حتى آخر عربي. ومع ذلك، لا تريد إيران حرباً مفتوحة مع إسرائيل. إنه أمر أكثر راحة وأقل خطورة بكثير أن تستمر في قتالها ضد إسرائيل فيما يسمى المنطقة الرمادية، باستخدام وكلائها العرب».

ويرى المسؤول السابق في إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترمب، أنه لا يوجد اتفاق جديد في المستقبل القريب بين طهران وواشنطن. ويقول: «قد تحاول إدارة (المرشحة الديمقراطية للرئاسة) كامالا هاريس، إذا فازت، العودة إلى اتفاق نووي جديد مع إيران، لكن هناك بعض العقبات الحقيقية التي تحول دون تحقيق ذلك، ومن المرجح أن تعود إدارة ترمب إلى ممارسة أقصى قدر من الضغط ضد إيران للتوصل إلى اتفاق جديد، لكن هذا أيضاً سيكون صعباً».

ويقول شنكر إن «إيران راضية عن تمويل وكلائها ودعمهم، لكنهم في الأساس وقود للمدافع في حملة النظام المستمرة منذ عقود ضد إسرائيل. ومن المؤكد أن إيران ليست سعيدة لأن وكيلها الأول يفقد قدرته على الدفاع عن نظامها وبرنامجها النووي. وإيران مهتمة في المقام الأول ببقائها، الذي قد تهدده حرب مع إسرائيل».

المرشد الإيراني علي خامنئي قدم دعماً لفظياً لـ«حزب الله» خلال احتفال بذكرى الحرب العراقية - الإيرانية الأربعاء (أ.ف.ب)

وعما إذا كانت إيران مترددة في دعم «حزب الله»، يقول الباحث داود: «لا أستطيع أن أقول إن إيران مترددة في دعمه، لكن أعتقد أنهم مترددون في إطلاق العنان له أو طلب الدخول بحرب كاملة مع إسرائيل في هذا الوقت. وبالنظر إلى ما جرى مع (حماس) في غزة، فإن إيران لا تريد إلحاق الضرر نفسه بالحزب، وبالجماعات المسلحة الأخرى، والبنية التحتية العسكرية التي ساعدت في بنائها. لذا، لا أعتقد أن الأمر له علاقة بأي صفقات مع واشنطن، وبالتالي فإن (حزب الله) يشكل رصيداً حاسماً لهدف إيران المتمثل في تنمية نفوذها الإقليمي، ولذلك فهي لا تريد المخاطرة بخسارته في حرب سابقة لأوانها مع إسرائيل».

وهو ما يؤكد عليه الباحث ليفيت الذي يقول إن إيران تريد دعم «حزب الله»، لكنها «تريد أيضاً الحفاظ على ترسانته الصاروخية كرادع ضد أي هجوم على برنامجها النووي الذي عززته بشكل كبير خلال الأشهر الـ11 الماضية».


مقالات ذات صلة

قاسم يرفض نزع السلاح ويهاجم المفاوضات

المشرق العربي صورة لنعيم قاسم متوسطاً سلفيه حسن نصر الله وهاشم صفي الدين خلال الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

قاسم يرفض نزع السلاح ويهاجم المفاوضات

شنّ الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم هجوماً على السلطة اللبنانية ورئيس الجمهورية جوزيف عون.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد من موقع تفجير إسرائيلي مُتحكم به في قرية المنصوري (أ.ف.ب)

جنوب لبنان أمام مفترق عسكري والعين على إقليم التفاح

على وقع الحديث الإسرائيلي بالانتقال إلى «مرحلة جديدة» في جنوب لبنان، اتخذت العمليات العسكرية خلال الساعات الأخيرة منحى تصعيدياً.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي ومندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة السفير أحمد عرفة يشاركون في افتتاح أعمال المناقشة العامة للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رئاسة الحكومة)

هل يبدّد لقاء سلام - روبيو المخاوف اللبنانية من توسعة إسرائيل للمنطقة الأمنية؟

يولي الفريق اللبناني المؤيد لـ«اتفاق الإطار» أهمية خاصة للقاء المرتقب بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، الاثنين، في واشنطن.

محمد شقير (بيروت)
شؤون إقليمية رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت يُعَدُّ المنافس الرئيسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

آيزنكوت يستبعد ضم حزب «القائمة العربية» إلى الحكومة الإسرائيلية المرتقبة

قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، غادي آيزنكوت، إنّه لن يضم حزب «القائمة العربية الموحدة (رعام)» إلى حكومة قد يتولى تشكيلها.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)

إسرائيل تستحدث منطقة عازلة خارج «الخط الأصفر» بجنوب لبنان

كثّف الجيش الإسرائيلي إجراءاته العسكرية الهادفة إلى تحويل شريط القرى المحاذي لـ«الخط الأصفر» في جنوب لبنان إلى منطقة عازلة خارج الخط.

نذير رضا (بيروت)

هل تلقت إسرائيل تحذيرات مباشرة ودقيقة حول «7 أكتوبر»؟

فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس في جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)
فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس في جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)
TT

هل تلقت إسرائيل تحذيرات مباشرة ودقيقة حول «7 أكتوبر»؟

فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس في جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)
فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس في جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)

يبذل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وحملته الانتخابية، جهوداً مضنية لطمس «قصة التحذير» من هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 قبل حدوثه، ويُتهم من معارضيه بتجاهله.

ومع ذلك، تتدفق في الإعلام العبري والأميركي معلومات عن تلقيه تحذيراً حتى باتت تهمة لصيقة؛ وهي تثير غضباً عارماً في محيط نتنياهو وهوساً بأن «هناك قوى عديدة في العالم العربي والغربي، معنية بإسقاط حكومته». والقصة تتعلق بهجوم «حماس» الذي أسفر عن مقتل 1200 إسرائيلي.

فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس في جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)

وظهرت للواجهة مجدداً معلومات في كتاب لصحافيين إسرائيليين، تفيد بأن اتفاقاً كان جاهزاً للتوقيع بين إسرائيل و«حماس» قبل الهجوم بعدة أسابيع، يتضمن صفقة تبادل أسرى وتهدئة أمنية طويلة، لكن نتنياهو تراجع عنها، وراح يماطل بشأن المصادقة عليها؛ فأثار موقفه هذا غضب قائد «حماس» الراحل والوجه الأبرز لـ«7 أكتوبر» يحيى السنوار، فقرر شن الهجوم، ولكنه قبل ذلك وجّه تحذيراً للحكومة الإسرائيلية بـ«رد سيحدث زلزالاً».

تجاهل مصري لرواية التحذيرات

في الأسبوعين الماضيين، تتابعت التقارير المكثفة في إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا، والتي تشير إلى أن مضمون تحذير «حماس» وصل إلى تل أبيب وإلى نتنياهو شخصياً مرات عدة وعبر جهات مختلفة.

وجاءت أحدث تلك الإفادات عبر مجلة «ذي أتلانتيك» الأميركية، التي قالت إن رئيس المخابرات المصرية في وقت هجوم «7 أكتوبر» اللواء عباس كامل، وصل بنفسه إلى تل أبيب في زيارة استغرقت 40 دقيقة فقط، واجتمع مع مسؤول كبير في طائرته في المطار، وعاد إلى بلاده فوراً.

وسرعان ما أصدر مكتب نتنياهو تكذيباً للمجلة، وعدّها جزءاً من الدعاية المضادة خلال الانتخابات بهدف «التلاعب بالرأي العام».

وفي صحيفة «يديعوت أحرونوت»، نشرت مراسلة الشؤون العربية، سمداربيري، أنها هي أيضاً تلقت معلومات عن هذه التحذيرات والتي وصلت من المصدر المصري. وقالت، في مقال لها، الأحد: «كانت الرسالة القادمة من القاهرة قوية ومؤثرة، لكن السنوار أغشى عيون المسؤولين هنا. وكانت هناك تحذيرات أخرى».

وأكدت بيري في مقالها إن الزيارة السرية التي قام بها رئيس المخابرات المصرية السابق إلى إسرائيل، تمت قبل 11 يوماً من 7 أكتوبر».

وأضافت الصحافية الإسرائيلية أنه في 26 سبتمبر (أيلول) جاء أول تحذير من مصر بشأن «شيء فظيع» يُخطط له في غزة، زاعمة أنها بعد 3 أيام من «7 أكتوبر»، تلقت اتصالاً ممن وصفته بـ«مصدر مصري رفيع المستوى»، ونقلت عنه القول: «لقد نقلنا لنتنياهو تحذيراً من أن شيئاً فظيعاً على وشك الحدوث من جهة غزة. فإذا لم تُغير إسرائيل سياستها، فمن المتوقع أن تنفجر غزة في وجهها».

وتجاهلت مصر التعليق على تلك المعلومات عن التحذيرات، وتواصلت «الشرق الأوسط» مع جهات معنية في مصر، منها مجلس الوزراء، ووزارة الخارجية، والهيئة العامة للاستعلامات، ووزارة الإعلام للحصول على تعليق، لكن لم يتسنّ ذلك، وكذلك لم يصدر أي بيان مصري حتى مساء الأحد.

وشكك دبلوماسيون وبرلمانيون مصريون في صحة تقرير «ذا أتلانتيك»، مؤكدين أن التقرير «يستهدف إثارة وتشكيك في مواقف القاهرة تجاه القضية الفلسطينية»، ويأتي على وقع الحملات الانتخابية الداخلية في إسرائيل حالياً.

ويثق عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير رخا أحمد، في عدم صحة تلك الأنباء، متسائلاً: «لو افترضنا صحة المعلومات، فلماذا لم يتم إيقاف هجوم (حماس) وقتها؟».

ويرى أحمد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الأنباء «تأتي في إطار الحملات الانتخابية الداخلية في إسرائيل حالياً؛ لأن تحالف المعارضة يتهم رئيس الوزراء الحالي بأنه كان على علم بما حدث في 7 أكتوبر».

وأشار إلى أن «الهدف من إثارتها في هذا التوقيت أيضاً إثارة الشكوك حول مواقف القاهرة، واستهداف علاقتها بحركة (حماس)، خصوصاً بعد مواقف مصر الثابتة تجاه القضية الفلسطينية والتي جرى التأكيد عليها بوضوح في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة».

ولم يحدد تقرير «ذا أتلانتيك» هوية المسؤولين الإسرائيليين الذين التقى بهم رئيس المخابرات المصرية السابق، خلال زيارته، التي استغرقت نحو ساعة على حد زعمهم، بينما نقلت المجلة عن مسؤول حكومي إسرائيلي سابق قوله إنه «من غير المعقول ألا يكون نتنياهو على علم بالزيارة أو بالاجتماعات التي عقدها كامل مع مسؤولي المخابرات الإسرائيلية».

ويرى عضو مجلس النواب المصري أيمن محسب، أن إثارة مثل هذه الأنباء «تأتي في إطار خطة ممنهجة لتشويه صورة مصر»، مضيفاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «القاهرة مدركة أهداف إثارة مثل هذه الأنباء»، مشيراً إلى أن «تجاهل الرد عليها رسمياً لا يعني عدم التحذير من هذه الممارسات وتأثيرها على الأجيال الشابة»، وأن «مواقف مصر تجاه غزة وفلسطين عامة، واضحة وثابتة، ومن اليوم الأول تدعو لوقف الحرب، ووقف الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة».

الأجواء مشبعة بالبنزين

غير أن نشراً آخر في نفس السياق، قدمه تحقيق للكاتبين الصحافيين، شلومي الدار، وروت يوفال، نشراه في صحيفة «هآرتس» في الثامن من سبتمبر الحالي، وكذلك في كتاب لهما صدر مؤخراً بعنوان «مخطوفون – 843 يوماً من الإهدار»، وأكدا خلاله أن السنوار حاول قبيل الهجوم توجيه تحذير لإسرائيل.

وكتبا في التقرير: «كانت تلك هي الأيام الأخيرة في شهر سبتمبر 2023، وكانت العمليات (الإرهابية) تشعل الضفة الغربية، وكانت حشود من سكان غزة تتظاهر بانتظام أمام الجدار الحدودي، وكانت إسرائيل تعاني من الصراعات الداخلية حول قوانين الانقلاب على القضاء. كانت الأجواء مشبعة ببخار البنزين، وشعر كل من تابع الأحداث بوعي كامل أن النيران كانت تتربص في كل زاوية».

وكشف الدار ويوفال أن رسائل السنوار إلى إسرائيل جاءت عبر الدكتور سفيان أبو زايدة، الوزير السابق في الحكومة الفلسطينية المقرب من القيادي في «فتح»، محمد دحلان.

يحيى السنوار خلال مشاركته في مسيرة بغزة مناهضة لإسرائيل أكتوبر (تشرين الأول) 2022 (رويترز)

ونقل الكاتبان أن دحلان نقل مخاوفه لمسؤولين إماراتيين بارزين، أجروا بدورهم اتصالات مع نتنياهو، وأظهروا القلق من أن الحرب لن تؤدي فقط إلى سفك الدماء، بل ستهز كل المنطقة، وتضر باتفاقات إبراهيم.

وذكر الكاتبان أنه قد تم إطلاع 3 مصادر أجنبية رفيعة المستوى على مضمون الاتصالات، بينها رئيس جهاز المخابرات الأميركية «سي آي إيه» آنذاك، ويليام بيرنز، وقالا إنهما يعتمدان في كشفهما هذا على بحث معمق استندا فيه إلى عشرات المصادر في إسرائيل وفي الخارج، بما في ذلك مصادر رفيعة المستوى، إضافة إلى تسجيلات ووثائق ومراسلات داخلية.

ونقلا عن دحلان تقديره أن الاتصال والتحذير كان هدفه أن يأخذ نتنياهو الرسالة على محمل الجد، ويتخذ إجراءً، «ولم يتخيل أحد أن رئيس الحكومة سيسمع هذه الأقوال دون إبلاغ رؤساء المؤسسة الأمنية: رئيس (الشاباك) ورئيس (الموساد) ورئيس الأركان». ولم يكن أي واحد منهم يعرف عن التحذير القادم من أبوظبي.

السنوار يتبخر... ويحذر: توقعوا زلزالاً

ويروي الكاتبان أنه في بداية سبتمبر 2023، قطع السنوار فجأة كل الاتصالات مع الطاقم الذي كان يجري المفاوضات. قال مسؤول رفيع في «الشاباك»: «لقد اختفى كلياً عن رادارنا، لقد تبخر».

وأوضح مصدر في «حماس» أن السنوار نفد صبره من وتيرة الإسرائيليين البطيئة. هكذا تم قطع قناة الاتصال المباشرة التي أقيمت بين عميل «الشاباك» عيدي روتم، ورجل «حماس» غازي حمد، التي كانت تدار بموافقة نتنياهو.

اللافت أن تقارير إسرائيلية أكدت أن قناة الاتصال السابقة عادت إلى العمل بكل طاقتها بعد عام على 7 أكتوبر في سبتمبر 2024، عندما اشتدت الحاجة إلى إنقاذ صفقة الرهائن المتعثرة.

لقطة من فيديو نشره الإعلام العسكري لحركة «حماس» تُظهِر مقاتلاً من «كتائب القسام» خلال هجوم 7 أكتوبر 2023 (رويترز)

وبالعودة إلى ما قبل 7 أكتوبر، وتحديداً في 23 سبتمبر، رتب السنوار اجتماعاً خاصاً مع أبو زايدة، وقال له بشكل حازم: «قل للإسرائيليين إنني سأعد لهم مفاجأة كبيرة إذا لم يتقدموا في المحادثات (التهدئة)». هنا استخدام كلمة (كان) من المفروض أن ينذرهم بالخطر. «قل لهم أن يتوقعوا زلزالاً».


الأمن السوري يقبض على المسؤول عن تعذيب الطفل حمزة الخطيب في درعا

عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي بمنطقة درعا خلال حكم بشار الأسد في جلسة محاكمة بقصر العدل في دمشق أبريل 2026 (أ.ب)
عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي بمنطقة درعا خلال حكم بشار الأسد في جلسة محاكمة بقصر العدل في دمشق أبريل 2026 (أ.ب)
TT

الأمن السوري يقبض على المسؤول عن تعذيب الطفل حمزة الخطيب في درعا

عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي بمنطقة درعا خلال حكم بشار الأسد في جلسة محاكمة بقصر العدل في دمشق أبريل 2026 (أ.ب)
عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي بمنطقة درعا خلال حكم بشار الأسد في جلسة محاكمة بقصر العدل في دمشق أبريل 2026 (أ.ب)

نجحت قوى الأمن الداخلي السوري في إلقاء القبض على العميد جابر محرز إبراهيم الذي شغل منصب ‏قائد اللواء 138 دفاع جوي في بلدة صيدا بريف درعا إبان عهد النظام البائد، وارتبط اسمه بإصدار أوامر بالقتل والاعتقال وقمع ‏المتظاهرين، بينهم الطفل حمزة ‏الخطيب.

وأوضحت قوى الأمن الداخلي، الأحد، أن السجلات ‏والتحقيقات الأولية أظهرت تورط إبراهيم في إصدار أوامر بالقتل والاعتقال وقمع ‏المتظاهرين، فضلاً عن مشاركته في حملات عسكرية استهدفت قرى وبلدات ريف ‏درعا الشرقي، وملاحقة المدنيين واستهداف منازلهم.‏

وذكرت قوى الأمن أن التحقيقات تشير إلى مسؤوليته المباشرة عن مجزرة مساكن ‏صيدا التي راح ضحيتها ما يقارب 120 شخصاً، وارتباط اسمه بعمليات اعتقال ‏وتعذيب ممنهجة طالت عدداً كبيراً من أبناء المحافظة، من بينهم الطفل حمزة ‏الخطيب.‏

عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي بمنطقة درعا خلال حكم بشار الأسد في جلسة محاكمة بقصر العدل في دمشق أبريل 2026 (أ.ب)

اعتقل النظام السابق الطفل الخطيب (13 عاماً) خلال الأشهر الأولى من الثورة السورية التي اندلعت في مدينة درعا يوم 18 مارس (آذار) 2011، وتوفي تحت التعذيب

في 21 مايو (أيار) 2011، تمّ تسليم جثة الخطيب معذّبة ومشوّهة إلى عائلته، بعد أسابيع من اعتقاله في مظاهرة مناهضة للحكومة. وأثارت وفاته، بالإضافة إلى تعذيب أطفال ومراهقين آخرين لكتابتهم شعارات مناهضة للأسد، احتجاجات واسعة النطاق وقمعاً قاسياً من قِبل القوات الحكومية.

وبعد الإطاحة بالأسد، لم تتمكّن والدة الخطيب من الاحتفال، إذ تلقت صوراً ووثائق تم العثور عليها في سجن صيدنايا، سيئ السمعة، تؤكد أن شقيق حمزة الأكبر، عمر، الذي اعتقلته الشرطة في عام 2019؛ تُوفي أيضاً في أثناء الاحتجاز.

وقالت والدة الصبيين، سميرة، لشبكة «بي بي سي» البريطانية، وهي ترتجف حزناً، إنها كانت تنتظر خروج عمر من السجن. وقالت: «كنت أفكر أنه ربما سيأتي اليوم أو غداً. واليوم، تلقيت خبر وفاته أثناء الاحتجاز». وقالت سميرة إنها تتمنى أن يعيش الأسد ما عاشته.

وتأتي عملية توقيف إبراهيم ضمن ملاحقات تنفذها السلطات السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، بحق مسؤولين وعسكريين سابقين على خلفية اتهامات بارتكاب انتهاكات خلال سنوات حكم النظام السابق.

وأفاد بيان لقوى الأمن الداخلي، في 19 من الشهر الحالي، عن «إلقاء القبض على اللواء السابق أحمد محمد إسماعيل، أحد قيادات الصف الأول في الحرس الجمهوري إبان حكم النظام البائد».

وكان القضاء السوري حكم وجاهياً بالإعدام على المسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، متهماً إياه بارتكاب «جرائم ضد الإنسانية»، خلال توليه رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا. وجرّمت المحكمة نجيب بجرائم عدة بينها «القتل العمد» و«القتل القصد لأطفال دون 15 عاماً»، إضافة إلى «التعذيب المُفضي إلى الموت».


قاسم يرفض نزع السلاح ويهاجم المفاوضات

صورة لنعيم قاسم متوسطاً سلفيه حسن نصر الله وهاشم صفي الدين خلال الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
صورة لنعيم قاسم متوسطاً سلفيه حسن نصر الله وهاشم صفي الدين خلال الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
TT

قاسم يرفض نزع السلاح ويهاجم المفاوضات

صورة لنعيم قاسم متوسطاً سلفيه حسن نصر الله وهاشم صفي الدين خلال الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
صورة لنعيم قاسم متوسطاً سلفيه حسن نصر الله وهاشم صفي الدين خلال الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

استغل الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم الذكرى الثانية لاغتيال سلفيه حسن نصر الله وهاشم صفي الدين ليجدد هجومه على مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الذي تسلكه السلطة ورئيس الجمهورية جوزيف عون.

وزعم قاسم، في كلمة ألقاها بالمناسبة، أن «لبنان سيزول بلا مقاومة»، محملاً السلطة مسؤولية استمرار الوضع الأمني المضطرب، معتبراً أن الدولة لم تحقق النتائج المطلوبة منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

وانتقد قاسم المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، داعياً إلى «وضع حد للتنازلات» وتصحيح المسار التفاوضي عبر الانتقال إلى مفاوضات غير مباشرة. وقال إن «حق رئيس الجمهورية في التفاوض لا يعني حقه في مخالفة الدستور واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري»، مضيفاً أنه لا يحق للرئيس «التنازل عن حق لبنان وشعبه وجيشه في الدفاع عن أرضه».

مناصرون لـ«حزب الله» خلال مراسم إحياء الذكرى الثانية لاغتيال نصر الله (أ.ب)

وفيما ربط التجاوب مع الدعوة للحوار بتحقيق التحرير أولاً، سأل: «كيف نحاور من حكم على المقاومة وشعبها بأنهم خارجون عن القانون؟»، داعياً إلى أن يكون رئيس الجمهورية «حَكَماً وجامعاً وليس طرفاً».

وفي ملف إعادة الإعمار، حمّل قاسم السلطة المسؤولية، معلناً أن «حزب الله» سيساعد من خلال تأمين التبرعات والمساعدات. وكشف أن الحزب سيعلن قريباً عن مشروع للإيواء، رغم ما وصفه بـ«الحصار والتضييق حتى من السلطة».

كرر قاسم دفاعه عن استمرار المقاومة، معتبراً أن «المقاومة أوقفت مشروع العدوان ومنعته من تحقيق أهدافه»، وأنها تواجه إسرائيل «في المكان والزمان إلى الحد الممكن في حسابات الربح والخسارة»، إضافة إلى منعها من «الاستقرار وتثبيت الاحتلال».

وقال إن المقاومة «توقع في العدو الخسائر» وتبذل التضحيات، مؤكداً أن تفاصيل إدارة المعركة لا يمكن كشفها، ومشدداً على أن المقاومة تواجه إسرائيل رغم امتلاكها «جحافل» يصل عديدها إلى 90 ألف جندي وضابط، ورغم الدعم الأميركي.

كما رفض قاسم الدعوات إلى نزع سلاح المقاومة، معتبراً أن الضغط على لبنان يهدف إلى إنجاز ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه خلال الحرب، وسأل: «أين الدولة ذات السيادة أيها السياديون؟».