مبعوث ماكرون الشخصي: الوقف المسبق لإطلاق النار شرط أساسي لنجاح المفاوضات مع إسرائيل

جان إيف لو دريان: «حزب الله» هو ذراع إيران في لبنان... ومصلحة نتنياهو المباشرة ليست التوصل إلى اتفاق

الرئيس اللبناني جوزيف عون مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
TT

مبعوث ماكرون الشخصي: الوقف المسبق لإطلاق النار شرط أساسي لنجاح المفاوضات مع إسرائيل

الرئيس اللبناني جوزيف عون مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

تنظر باريس بكثير من القلق للوضع السائد في لبنان؛ بسبب تواصل الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، ولما لها من امتدادات وتداعيات بشرية ومادية متزايدة.

كذلك ترى باريس أنَّ التركيز على مجريات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتداعياتها المرتبطة بحرية الملاحة في مضيق «هرمز»، و أيضاً في باب المندب، يجعل الاهتمام الدولي مركزاً على التطوُّرات في منطقة الخليج. وبمعنى ما، على حساب لبنان.

وتسعى فرنسا، دوماً ومن ضمن إمكاناتها الدبلوماسية والسياسية، لمساعدة لبنان إن من خلال دعوتها قبل أيام لاجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي، أو من خلال التواصل بين الرئيس إيمانويل ماكرون ونظيره الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)

وتؤكد المصادر الرئاسية الفرنسية، أن الملف اللبناني دائم الحضور في كل المحادثات بين الطرفين. ومما يترقبه الطرف اللبناني، أن تستفيد باريس من قمة «مجموعة السبع» التي ستلتئم بدءاً من يوم الاثنين في مدينة إيفيان الفرنسية المطلة على بحيرة ليمان، بحضور الرئيس ترمب، لطرح الملف اللبناني على طاولة المباحثات.

وتؤكد المصادر الفرنسية أنَّ باريس تعمل راهناً في اتجاهين: الدفع، من جهة، باتجاه احترام اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» الذي تَحوَّل عملياً إلى اتفاق نظري. وتدفع باريس باتجاه إعادة إحياء آلية الرقابة المسماة «الميكانيزم» للإشراف على وقف إطلاق النار، وتبدي أسفها لتخلي واشنطن عنها بدفع من إسرائيل.

ومن جهة ثانية، تسريع البحث في صيغة القوة الدولية المفترض أن تحل مكان قوة «اليونيفيل» التي ينتهي انتدابها مع نهاية العام الحالي. وفي الوقت ذاته، تبقى فرنسا متمسكة بتوفير الدعم الواسع للجيش اللبناني من خلال المؤتمر الدولي عندما تتوافر الظروف لذلك.

جنود من البعثة الفرنسية ضمن عداد «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

مؤخراً، عاد جان إيف لو دريان، وزير الخارجية والدفاع السابق، والممثل الشخصي للرئيس ماكرون للملف اللبناني، من زيارة للبنان قام بها الأسبوع الماضي ومكَّنته من خلال لقاءاته الموسعة، من الغوص في تعقيدات الملف اللبناني التي تحدَّث عنها صباح الخميس في مقابلة مع إذاعة «فرانس أنتير».

واستفاد لو دريان من المناسبة، ليقرع ناقوس الخطر، ولينبه مما سماه «الخطر الوجودي» المحدق بلبنان، الذي يراه «مهدداً في وحدته، وسلامة أراضيه، وسيادته». وحذَّر من «التوترات بين مختلف الطوائف المتأتية من ازدياد أعداد النازحين واللاجئين، التي قد تفضي يوماً ما، إلى أعمال عنف تُهدِّد الوحدة الوطنية».

والخطر الآخر، عنوانه الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية، بحيث إن لبنان «لم يعد سيداً على أرضه». بالتوازي، فإنَّ سيادته مهددة بسبب عدم احتكار الدولة للسلاح، ورفض «حزب الله» تسليم سلاحه وتفكيك بنيته العسكرية «بحيث إن الدولة اللبنانية ما زالت ممنوعة من آداء وظائفها الطبيعية وممارسة سيادتها الوطنية».

«عون وحكومته يتحليان بالشجاعة»

ليس سراً، أن باريس تشجع لبنان على المثابرة في المحادثات المباشرة مع إسرائيل التي ترعاها الولايات المتحدة وتستضيفها واشنطن. كما أنَّ مصادرها تؤكد بشكل واضح، رغبتها في مساندة لبنان حتى لا يكون وحيداً، وجاهزيتها لتعبئة الأسرة الدولية لهذا الغرض، بينما الواقع مختلف تماماً، إذ إن واشنطن تريد أن تبقى الجهة الوحيدة المشرفة على المفاوضات.

رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام يستقبل الموفد الفرنسي جان إيف لو دريان (رئاسة الحكومة)

ويعدّ لو دريان، أن الرئيس جوزيف عون والحكومة «يتحليان بالشجاعة» بقبول التفاوض المباشر مع إسرائيل. ورغم تحبيذه لما نتج عن جولة المفاوضات الأخيرة في واشنطن لجهة إقامة «المناطق التجريبية» التي يجب أن تكون تحت سيطرة الجيش اللبناني، وانسحاب مقاتلي «حزب الله» منه، فإنَّه في الوقت عينه، يربط نزع سلاح الحزب بـ«شرط التوصُّل أولاً إلى وقف لإطلاق النار».

ويضيف لو دريان، أن «المفاوضات التي ستُستأنف خلال الأيام المقبلة في واشنطن، يجب أن تركز على هذا الوقف المسبق لإطلاق النار، بما يسمح بتنفيذ استراتيجية الانسحاب التدريجي حسب المناطق، وعودة السكان إلى المناطق المُحرَّرة. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى وضع أفضل، وإلى استعادة دور الدولة. فالقضية الأساسية في لبنان، هي أنَّه دولة يجب أن تؤكد وجودها وتضمن سلامة أراضيها... وبأي حال، فإنَّ المفاوضات المباشرة مع إسرائيل يمكن أن تتيح التوصُّل إلى حل إيجابي، ومصلحة إسرائيل أيضاً أن تحصل في نهاية المطاف على أمن حدودها، وعدم التعرُّض لاعتداءات من الجانب اللبناني. وأنا متفائل نسبياً. فإذا تمَّ اعتماد المعايير التي ذكرتها في المفاوضات المقبلة في واشنطن، والتي تبدأ بوقف إطلاق النار، ثم بانسحابات متزامنة حسب المناطق، فهناك فرصة لتحقيق تقدم».

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل لو دريان (رئاسة البرلمان)

يوجِّه الوزير السابق انتقاداته لطرفَي القتال في لبنان: «حزب الله» وإسرائيل. فهو من جهة، لا يتردَّد في وصف الحزب بأنه «إيران في لبنان»، وأنه «ليس لبنانياً بالمعنى السياسي الذي يدعيه». ويضيف، أن الحزب المذكور الذي «كان يقدِّم نفسه بوصفه حامياً للبنانيين، أصبح في الواقع الذراع العسكرية لإيران في لبنان... هو يخدم المصالح الإيرانية».

من هذه الزاوية، يرى، أن «إيران تسللت إلى لبنان، وتسعى لربطه بعربتها»، بينما السلطات اللبنانية، تسعى لفك هذا الارتباط. والمفارقة، وفق لو دريان، أنَّ بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، يريد الارتباط نفسه. ويقول ما حرفيته: «أنا مقتنع بأن السلطات الأميركية تريد إيجاد مَخرَج (من الحرب في لبنان)، بينما لا يبدو، أنَّ المصلحة المباشرة لنتنياهو هي التوصُّل إلى اتفاق، لأنَّه يريد ربط الوضع في لبنان بالوضع الإيراني، وهو أمر لا يخدم مصلحة لبنان، ولا مصلحة المنطقة كلها. نتنياهو يتحرَّك أولاً وفق حساباته السياسية الخاصة والاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ولا يدرك أنَّ الطابع غير المتناسب للرد الإسرائيلي في لبنان، يصبُّ في الواقع في مصلحة حزب الله، فالحزب كان موضع انتقاد داخلي من قبل اللبنانيين عندما بدأ هجماته على إسرائيل، لكن عنف الرد الإسرائيلي، والضربات العشوائية، وسقوط المدنيين، ووجود ملايين النازحين واللاجئين، والتضحية بلبنان بهذه الطريقة، كلها عوامل تعزِّز مكانة (حزب الله)».

احتراق سيارات في مدينة صيدا بعد غارة إسرائيلية يوم الأربعاء 10 يونيو (رويترز)

وفي هذا السياق، يرى مصدر فرنسي رفيع المستوى، أنَّ ما تقوم به إسرائيل في لبنان «يقدِّم لحزب الله ما يحتاج إليه للتمسُّك بسلاحه، ورفض التخلي عنه، بمعنى أنَّ إسرائيل توفِّر له الحجج والذرائع لرفض الاستجابة لما تطلبه الدولة اللبنانية».

الخلاصة، التي عاد بها لو دريان من بيروت بالغة الوضوح، وليست جديدة، وهو يختصرها بالحاجة لـ«تمكين الدولة اللبنانية من استعادة شرعيتها، وتمكين الجهود التي يبذلها الرئيس اللبناني وحكومته برئاسة نواف سلام من النجاح، بدعم من غالبية الشعب اللبناني الذي يعيش حالياً حالةً من الضيق والارتباك بسبب الوضع القائم».


مقالات ذات صلة

الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

المشرق العربي عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)

الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

يدفع الخوف من تجدد الحرب سكاناً في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى تغيير أماكن إقامتهم، أو استئجار منازل في مناطق أخرى، رغم امتلاك بعضهم منازل سليمة

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية بين قريتي كفر تبنيت وأرنون في جنوب لبنان السبت (أ.ف.ب)

معلومات إسرائيلية تعزز مخاوف اللبنانيين من خطر حرب جديدة

كشفت «معاريف» عن استعدادات للجيش الإسرائيلي لاحتمال احتلال ثلاث مدن رئيسية في جنوب لبنان، هي صور وصيدا والنبطية، في حال استئناف الحرب مع إيران وتدخل «حزب الله».

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يواصل عملياته في جنوب لبنان

واصل الجيش الإسرائيلي، السبت، شن غارات وتنفيذ عمليات قصف وتفجير وتوغل في مناطق متفرقة من جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني يحرسون مزارعين أثناء قطف الزيتون وذلك لحمايتهم من أي هجمات إسرائيلية محتملة في بلدة زبقين بجنوب لبنان (رويترز)

«حزب الله» يروّج لـ«بوادر انفراج إيراني - أميركي»

تجمع القوى السياسية على أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل تدخل حالياً في «إجازة»، تبقى مدتها معلّقة على هوية المكلّف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبالي رادوفان (رئاسة الجمهورية)

عون: التقدم في المفاوضات لم يتحقق... وبري يحذّر من إنهاء مهمة «يونيفيل»

جدّد رئيس الجمهورية جوزيف عون تمسّك لبنان بالحلول الدبلوماسية والتفاوضية لمعالجة النزاعات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«الاستخبارات العامة السورية»: إحباط مخطط إرهابي لاستهداف مصفاة حمص

مصفاة حمص وتوابعها (سانا)
مصفاة حمص وتوابعها (سانا)
TT

«الاستخبارات العامة السورية»: إحباط مخطط إرهابي لاستهداف مصفاة حمص

مصفاة حمص وتوابعها (سانا)
مصفاة حمص وتوابعها (سانا)

كشف مصدر في جهاز الاستخبارات العامة لـ«سانا»، الأحد، عن إحباط مخطط إرهابي لاستهداف مصفاة حمص وسط سوريا. وتلعب مصفاة حمص دوراً مهماً مع مصفاة بانياس في تأمين المشتقات النفطية للسوق المحلية، حيث تم في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي تأهيل وصيانة وحدة التقطير الجوي «10»، بطاقةٍ تصميمية تبلغ مليون طن من النفط الخام سنوياً؛ ما ‏يعزز قدرات المصفاة على إنتاج المشتقات النفطية، ويدعم توافر المازوت والفيول والكيروسين في السوق المحلية.‏

ولم يصدر من الجهات الرسمية حتى الآن معلومات عن الجهة التي كانت وراء مخطط التفجير.

مصفاة حمص (أرشيفية)

تضم المصفاة الحالية 4 وحدات إنتاجية تعتمد على التقطير الجوي، إلى جانب مشروع تحسين مادة النفتا لإنتاج بنزين عالي الأوكتان يلائم احتياجات السوق المحلية، وبعض الوحدات تعمل حالياً، بينما تُستكمل أعمال الصيانة والتجهيز في وحدتين أخريين تمهيداً للإقلاع، لتصل الطاقة التشغيلية للمصفاة إلى نحو 60 - 70 ألف برميل يومياً من المشتقات النفطية.

وتُعد الشركة العامة لمصفاة حمص، التي تأسست عام 1959، من أقدم المنشآت النفطية في سوريا، وقد تراجعت كفاءتها مع مرور الزمن، وأعلن الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي، خلال معرض «سير بترو 7» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أن الشركة تعمل حالياً على إنشاء مصفاة جديدة على مسافة 51 كيلومتراً من مدينة حمص.

حريق في أحد خزانات مصفاة حمص في أغسطس 2025

اندلع حريق في أحد خزانات الوقود، في مصفاة نفط حمص، في 21 أغسطس (آب). وأفاد الدفاع المدني السوري، بأن فرق الإطفاء بالتعاون مع فوج إطفاء المصفاة، باشرت العمل فور اندلاع الحريق، مشيراً إلى صعوبة الوصول لبعض نقاط الخزان نتيجة حجم النيران وكثافة الدخان، مع اتخاذ إجراءات لتأمين محيط المصفاة، ومنع امتداد النيران إلى بقية الخزانات.

«داعش» في دير الزور

في هذه الأثناء، أطاح جهاز الاستخبارات العامة، بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي في دير الزور، بخلية تابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي مؤلفة من شخصين، إثر متابعة استخباراتية دقيقة.

وبيّنت التحقيقات تورط الموقوفَين في تنفيذ سلسلة عمليات اغتيال بالمحافظة، كان آخرها استهداف العنصر في وزارة الدفاع إبراهيم الجاسم بطلق ناري بالقرب من جامع الرشيد في مدينة الميادين.

كما أسفرت العملية عن مصادرة أسلحة وذخائر عُثر عليها داخل مخبأ الخلية، وتتابع الجهات المختصة تحقيقاتها مع الإرهابيين لكشف ارتباطاتهم تمهيداً لتقديمهم للعدالة. وتتابع الجهات المختصة تحقيقاتها مع الإرهابيين لكشف ارتباطاتهم تمهيداً لتقديمهم للعدالة. وكان جهاز الاستخبارات العامة، بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي، أحبط في السادس عشر من الشهر الماضي ‏مخططاً لاستهداف دورية للشرطة في محافظة ريف دمشق، كانت خلية تابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي تستعد لتنفيذه.

وفي العاشر من الشهر نفسه، فككت قوى الأمن الداخلي بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، خلية مرتبطة بتنظيم «داعش» في منطقة الحولة بريف ‏حمص، وتم إحباط مخططات إرهابية كانت تستهدف دور العبادة ودوريات لقوى الأمن الداخلي.‏

وفي السادس من أكتوبر الماضي، تمكن جهاز الاستخبارات العامة، بالتعاون مع قيادة الأمن الداخلي في محافظة ريف دمشق، من ‏إلقاء القبض على الذراع التنفيذية في تنظيم «داعش» الإرهابي بحمص، المدعو خالد رائد بيروني، ‏الملقب بـ«أبو حسن دوشكا»، خلال عملية أمنية نُفذت في بلدة حجيرة بريف دمشق.


الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)
عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)
TT

الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)
عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)

يدفع الخوف من تجدد الحرب سكاناً في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى تغيير أماكن إقامتهم، أو استئجار منازل في مناطق أخرى، رغم امتلاك بعضهم منازل سليمة لم تتعرض لأي ضرر. ولم تعد قرارات الانتقال مرتبطة حصراً بالدمار أو الإنذارات بالإخلاء، بل باتت المخاوف من اندلاع مواجهة جديدة عاملاً أساسياً في اختيار مكان السكن، حتى التخطيط للزواج وتمضية سنوات التقاعد.

وتكشف شهادات جمعتها «الشرق الأوسط» عن تحولات في حياة عائلات اختارت الابتعاد عن الضاحية بحثاً عن الأمان، فيما يواصل آخرون الإقامة فيها مع الاحتفاظ بمكان بديل يمكن اللجوء إليه عند الضرورة. وبين من يتحمل إيجاراً إضافياً رغم امتلاكه منزلاً، ومن يستأجر شقة واسعة لاستقبال أفراد عائلتين إذا تجدد النزوح، تتقدم الهواجس الأمنية على الاعتبارات المادية والاجتماعية.

الجيش اللبناني ينفذ تدابير أمنية عند مداخل الضاحية الجنوبية لبيروت قبل أسابيع (قيادة الجيش اللبناني)

منزل الزوجية يتسع لعائلتين

لم يكن اختيار ناديا حوري لمنزل الزوجية قراراً تقليدياً. فالشابة التي تزوجت حديثاً، وكانت تقيم في الضاحية الجنوبية قبل زواجها، قرّرت الانتقال إلى منطقة بشامون، واضعة احتمال تجدد الحرب في مقدمة حساباتها.

وتروي حوري لـ«الشرق الأوسط»: «عندما قررت الزواج، لم أفكر فقط في المنزل الذي سأعيش فيه مع زوجي، بل أيضاً في المكان الذي يمكن أن يلجأ إليه أهلي وأهل زوجي إذا اندلعت حرب جديدة. لذلك اخترت الانتقال إلى بشامون، وحرصت على أن يكون المبنى آمناً والشقة واسعة بما يكفي لاستقبال العائلتين».

وتضيف: «فضّلت تحمل التكلفة الإضافية على أن أجد أهلي أو أهل زوجي مضطرين إلى النزوح من دون أن يكون لديّ مكان لاستقبالهم. أردت أن أكون مستعدة لأي طارئ».

مبانٍ مدمرة نتيجة القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يرتفع علم لـ«حزب الله» يوم 6 مايو 2026 (إ.ب.أ)

صدمة القصف تدفع إلى الرحيل

أما لانا شعيب، وهي من سكان منطقة المريجة في الضاحية الجنوبية، فقد استأجرت استوديو صغيراً في الأشرفية، بعدما باتت غير مطمئنة إلى العودة إلى منزلها، فيما غادر والدها ووالدتها إلى قريتهما في البقاع.

وتقول شعيب لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع مقلق والمخاوف الأمنية ليست وحدها ما يدفعنا إلى الابتعاد عن الضاحية، بل أيضاً الظروف المعيشية التي خلّفها القصف».

وتضيف: «المنطقة لا تزال تعاني بسبب كمية الخراب والغبرة والمشاكل في المياه...كل هذه العوامل تجعلني أبحث عن مكان آخر».

لكن العامل الأكثر تأثيراً في قرارها يبقى الخوف من تجدد الغارات، خصوصاً بعد التجربة التي عاشتها خلال إحدى الضربات الليلية، وتوضح أن «عدم وجود ضمانات تحول دون تجدد الحرب يجعل العودة إلى الضاحية خياراً صعباً بالنسبة إليها».

وتكشف شعيب أنها تفكر في مغادرة المنطقة بصورة نهائية، قائلة: «عندما ينتهي هذا الوضع وتعود الأمور إلى طبيعتها، نبيع المنزل ونبحث عن مكان آخر»، مشددة على صعوبة أن يترك الإنسان منزلاً أنفق عليه شقاء عمره.

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)

تقاعد بعيداً عن الخوف... ولو بتكلفة إضافية

ولم ينتظر خير الدين، الذي فضّل عدم الكشف عن بقية اسمه، تعرض منزله في منطقة السانت تيريز في الضاحية لأي ضرر حتى يقرر مغادرته. فقد ترك المنزل السليم وانتقل مع زوجته إلى خلدة في جبل لبنان، حيث استأجر منزلاً مقابل 600 دولار شهرياً، رغبة في تمضية سنوات تقاعدهما بعيداً عن الخوف واحتمالات النزوح المتكرر.

ويروي خير الدين لـ«الشرق الأوسط»: «منزلي لم يتضرر، وكان بإمكاننا البقاء فيه، لكننا تعبنا من الخوف ومن احتمال اضطرارنا إلى الهروب مجدداً. وصلنا إلى عمر نريد فيه أن نرتاح ونعيش بهدوء، بعيداً عن القصف والقلق من عودة الحرب».

ويوضح أن قراره الانتقال إلى خلدة ارتبط أيضاً برغبته وزوجته في البقاء بالقرب من أولادهما الذين يقيمون في المنطقة ومحيطها.

ويضيف: «أردنا أن نكون قريبين من أولادنا، وأن نمضي تقاعدنا في مكان نشعر فيه بالأمان. لم نعد نريد أن نعيش كل فترة على أعصابنا، أو نفكر إلى أين سنذهب إذا تجددت الحرب».

ويقرّ خير الدين بأن استئجار منزل مقابل 600 دولار شهرياً، رغم امتلاكه منزلاً صالحاً للسكن، يشكل عبئاً مالياً إضافياً عليه في مرحلة التقاعد، لكنه يبرر قراره بالقول: «راحة البال أصبحت أهم بالنسبة إلينا. نريد أن نعيش ما تبقى من عمرنا بعيداً عن الخوف والهروب».

شاليه صيفي يتحول إلى ملاذ للطوارئ

وعلى خلاف الذين غادروا الضاحية، لا يزال «أبو علي»، الرجل الثمانيني، يقيم في منزله فيها، لكنه اتخذ إجراءً احترازياً باستئجار شاليه في منطقة فاريا بعقد سنوي، تحسباً لاحتمال اندلاع حرب جديدة.

ويروي أبو علي لـ«الشرق الأوسط»: «ما زلت أسكن في الضاحية، ولا أريد ترك منزلي، لكنني استأجرت شاليه في فاريا طوال السنة حتى يكون لدي مكان أذهب إليه إذا تجددت الحرب. أستخدمه عادة في الصيف، لكنني فضّلت الاحتفاظ به تحسباً لأي طارئ».

ويوضح أن تقدمه في السن جعله أكثر حرصاً على تأمين مكان يمكن الانتقال إليه فوراً إذا تدهورت الأوضاع الأمنية، بدلاً من الاضطرار إلى البحث عن مأوى في اللحظات الصعبة.

ويؤكد أبو علي أن استئجار الشاليه لا يعني اتخاذ قرار نهائي بمغادرة الضاحية، بل هو إجراء احترازي فرضته المخاوف من تكرار الحرب، ولا أريد أن أجد نفسي مضطراً إلى النزوح من دون أن يكون لديّ مكان ألجأ إليه».


العراق يسترد 21.4 مليار دينار من شركتين

تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)
تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)
TT

العراق يسترد 21.4 مليار دينار من شركتين

تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)
تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)

في إطار الحملة التي أطلقتها الحكومة العراقية لمكافحة الفساد، تتواصل الإجراءات القضائية بحق متورطين في عمليات فساد مالي. وفي أحدث تطورات الحملة، أعلن ضياء جعفر، قاضي محكمة تحقيق الكرخ الثانية، استرداد مبلغ 21 ملياراً و424 مليون دينار عراقي (نحو 14.1 مليون دولار) من شركتين مخالفتين متهمتين بالاحتيال.

وأوضح جعفر، في بيان صدر يوم الأحد، أن المخالفات ارتُكبت بهدف الاستفادة من فروق أسعار صرف الدولار في عمليات تحويل الأموال إلى خارج البلاد بطرق احتيالية.

وجاء هذا الإعلان بعد أيام من صدور أحكام بالسجن بحق نائبين، لمدة 6 سنوات لأحدهما و5 سنوات للآخر، مع إلزامهما برد مبالغ مالية في قضية فساد تتعلق بعقود مصافي تكرير النفط.

وقضت محكمة مكافحة الفساد، الخميس الماضي، بالسجن 6 سنوات بحق النائب مثنى السامرائي، رئيس كتلة «العزم»، وإلزامه برد مبلغ 30 مليار دينار، قالت المحكمة إنه انتفع بها نتيجة توسطه في عقود مصافي تكرير الشمال والجنوب.

كما قضت المحكمة بالحبس المشدد لمدة 5 سنوات بحق النائب زياد الجنابي، وإلزامه برد مبلغ 4 مليارات دينار، انتفع بها من عقود مصافي الشمال.

وفي قضية ذات صلة، صدر حكم بالسجن لمدة 8 سنوات بحق حسين طالب، المدير العام السابق لشركة توزيع المنتجات النفطية، على خلفية تدخله في ترسية العقود بهدف تحقيق مكاسب شخصية.

وكانت الحكومة العراقية قد شرعت، أواخر يونيو (حزيران) الماضي، في حملة اعتقالات بتهم تتعلق بالفساد الإداري، شملت العشرات من النواب السابقين والحاليين ووكلاء الوزارات والمديرين العامين، في إطار حملة أُطلق عليها حينها اسم «صولة الفجر».

وأطلق رئيس الوزراء علي الزيدي الحملة بعد توليه منصبه في مايو (أيار) الماضي، بهدف ملاحقة المتورطين في قضايا الفساد. غير أن وتيرتها تراجعت لاحقاً تحت ضغوط سياسية، وفق تقارير محلية.

وقال موسى فرج، الرئيس الأسبق لهيئة النزاهة الاتحادية، إن حملة الزيدي «تمثل تقدماً مقارنة بمراحل سابقة، حين كانت قرارات حكومية تسهم في حماية الفاسدين، أو عرقلة عمل الأجهزة الرقابية والقضائية»، على حد قوله.

وأضاف أن الحملة «حققت نتائج في ملفات مرتبطة بقضية الفساد في المصافي، استناداً إلى إفادات أدلى بها الجميلي أمام الجهات القضائية، فضلاً عن تحركات في قضايا الكسب غير المشروع».

لكنه رأى أن الحملة لا تزال محدودة النطاق، مشيراً إلى أن «ملفات رئيسية، بينها فساد العملة، والعقارات، وتهريب النفط، والموظفون الوهميون، لم تشملها الإجراءات بالقدر نفسه».

وقال فرج، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن من أوجه القصور أيضاً «عدم مساءلة الكتل السياسية التي ينتمي إليها مسؤولون متهمون بالفساد، رغم نفوذ تلك الكتل واستفادتها من بعض المتورطين»، وفق تقديره.

وأضاف أن «استمرار الحملة وفاعليتها يتوقفان على توسيع نطاق التحقيقات وملاحقة الملفات الأوسع، إلى جانب منع الكتل السياسية من استبدال مرشحين تابعين لها بالمحكومين».