رادار أميركي متطور ووحدة إسرائيلية خاصة لملاحقة السنوار

قائد «حماس» تخلى عن الاتصالات الإلكترونية ويعتمد على حاملي الرسائل البشريين

صورة أرشيفية ليحيى السنوار زعيم «حماس» الجديد (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية ليحيى السنوار زعيم «حماس» الجديد (أ.ف.ب)
TT

رادار أميركي متطور ووحدة إسرائيلية خاصة لملاحقة السنوار

صورة أرشيفية ليحيى السنوار زعيم «حماس» الجديد (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية ليحيى السنوار زعيم «حماس» الجديد (أ.ف.ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي، اعتقد المسؤولون الإسرائيليون والأميركيون أنهم حصلوا على فرصة جديدة في رحلة بحثهم عن أحد أكثر الرجال المطلوبين في العالم، إذ اقتحمت قوات الكوماندوز الإسرائيلية مجمع أنفاق معقداً في جنوب قطاع غزة، يوم 31 يناير، بناءً على معلومات استخباراتية تفيد بأن زعيم حركة «حماس»، يحيى السنوار، يختبئ هناك، وفقاً لمسؤولين أميركيين وإسرائيليين.

وصحيح أنه اتضح أنه كان يختبئ هناك بالفعل، لكنّ السنوار كان قد غادر المخبأ، الذي يقع تحت مدينة خان يونس، قبل أيام قليلة، تاركاً وراءه وثائق وأكواماً من عملة الشيقل الإسرائيلية تُقدر في مجموعها بنحو مليون دولار أميركي، واستمرت عملية البحث، بعد ذلك، في ظل نقص الأدلة القاطعة على مكان وجوده.

ومنذ الهجمات، التي وقعت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بإسرائيل، والتي خطط لها السنوار وأدارها، فإنه أصبح أَشبه بالشبح، إذ لم يظهر في العلن قط، ونادراً ما يرسل رسائل لأتباعه، كما لم يوفر سوى القليل من الأدلة حول المكان الذي يُحتمل أن يكون موجوداً فيه.

ويُعدّ السنوار، بلا شك، الشخصية الأكثر أهمية في حركة «حماس»، لذا فإن نجاحه في تفادي الأَسر أو القتل حَرَم إسرائيل من القدرة على تقديم ادعاء أساسي بأنها انتصرت في الحرب وقضت على «حماس»، في الصراع الذي لم يدمّر صفوف الحركة فحسب، لكنه دمَّر قطاع غزة أيضاً، وقتل عشرات الآلاف من المدنيين هناك.

ويقول المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون إن السنوار تخلى عن استخدام الاتصالات الإلكترونية منذ فترة طويلة، كما تجنَّب استخدام شبكات الاستخبارات المتطورة، ويُعتقد أنه يبقى على اتصال بالحركة التي يقودها، من خلال شبكة من حاملي الرسائل البشريين، لكن كيفية عمل هذا النظام لا تزال تمثل لغزاً لإسرائيل والولايات المتحدة.

جلعاد إردان مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة يرفع صورة ليحيى السنوار (لقطة من فيديو للجلسة)

وقد استخدم قادة «حماس» هذه الاستراتيجية في الماضي، كما استخدمها قادة آخرون مثل زعيم «تنظيم القاعدة» الراحل أسامة بن لادن، ومع ذلك فإن وضع السنوار يبدو أكثر تعقيداً وأكثر إحباطاً للمسؤولين الأميركيين والإسرائيليين.

وعلى عكس بن لادن في سنواته الأخيرة، فإن السنوار يدير حملة عسكرية بنشاط، ويقول الدبلوماسيون المشاركون في مفاوضات وقف إطلاق النار بالعاصمة القطرية، الدوحة، إن ممثلي «حماس» يصرّون على أنهم يحتاجون إلى سماع رأي السنوار، قبل اتخاذ أي قرارات كبيرة في المحادثات، وبوصفه الزعيم الذي يحظى بأكبر قدر من الاحترام في «حماس»، فهو الشخص الوحيد الذي يمكنه ضمان تنفيذ أي قرار يجري اتخاذه في الدوحة، بشأن قطاع غزة.

وتكشف المقابلات، التي أجرتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية مع أكثر من عشرين مسؤولاً في إسرائيل والولايات المتحدة، أن كلا البلدين ضخَّ موارد هائلة؛ في محاولة العثور على السنوار،

حتى إن المسؤولين أنشأوا وحدة خاصة داخل مقر جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي «الشاباك»، وجرى تكليف وكالات التجسس الأميركية باعتراض اتصالات السنوار، كما قدّمت الولايات المتحدة لإسرائيل راداراً يمكنه اختراق الأرض؛ للمساعدة في البحث عنه وعن قادة «حماس» الآخرين.

ولا شك في أن قتل السنوار أو القبض عليه سيكون له تأثير دراماتيكي على الحرب الدائرة بين إسرائيل وحركة «حماس»، إذ يعتقد المسؤولون الأميركيون أن حدوث ذلك مِن شأنه أن يمنح فرصة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لادعاء تحقيق انتصار عسكري كبير، وربما يجعله أكثر استعداداً لإنهاء العمليات العسكرية في قطاع غزة.

لكن مِن غير الواضح طبيعة التأثير الذي قد يُخلفه قتل السنوار على المفاوضات الجارية بشأن إطلاق سراح الرهائن، الذين جرى احتجازهم في السابع من أكتوبر، إذ إن قتله قد يؤدي إلى جعل خلفائه أقل رغبة في إبرام اتفاق مع إسرائيل.

ووفقاً لما نقلته الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين وقطريين ومصريين وأميركيين، فإن التواصل مع السنوار أصبح الآن أكثر صعوبة، إذ إنه عادةً ما كان زعيم «حماس» يرد على الرسائل في غضون أيام، لكن المسؤولين قالوا إن الأمر بات يستغرق وقتاً أطول بكثير للحصول على ردّ منه في الأشهر الأخيرة، وأن بعض مساعديه كانوا، في بعض الأحيان، يقومون بالرد نيابةً عنه في تلك المناقشات.

وفي أوائل أغسطس (آب) الحالي، جرى إعلان أن السنوار (61 عاماً) سيكون هو زعيم المكتب السياسي لحركة «حماس»، وذلك بعد أيام من مقتل رئيس المكتب السياسي السابق للحركة إسماعيل هنية، في عملية اغتيال إسرائيلية بالعاصمة الإيرانية طهران.

يحيى السنوار وإسماعيل هنية خلال احتفال بذكرى مرور 30 سنة على تأسيس «حماس» بمدينة غزة عام 2017 (رويترز)

لكن السنوار كان يُنظر إليه منذ فترة طويلة بوصفه الزعيم الفعلي لـ«حماس»، حتى لو كان المسؤولون السياسيون للحركة، الموجودون في الدوحة، يحملون الألقاب القيادية الرسمية.

وكانت الضغوط المفروضة على السنوار قد جعلت من الصعب عليه التواصل مع القادة العسكريين، وتوجيه العمليات اليومية، وذلك على الرغم من أن المسؤولين الأميركيين قالوا إنه لا تزال لديه القدرة على تحديد استراتيجية الحركة.

وبعد أسابيع من هجمات السابع من أكتوبر، والتي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1200 شخص، وافقت لجنة خاصة من كبار مسؤولي الاستخبارات والجيش الإسرائيليين على قائمة اغتيالات لكبار قادة «حماس» والمسؤولين السياسيين، وقُتل عدد من الرجال الذين جرى إدراجهم في القائمة بالفعل، بما في ذلك هنية، خلال الأشهر التي تَلَت ذلك.

ومع كل عملية اغتيال، عادةً ما يضع وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، علامة «X» فوق الاسم المُدرَج على المخطط الخاص بقيادة «حماس»، الذي يحتفظ به على حائط مكتبه، لكن السنوار، الذي يُعدّ الاسم الأكثر أهمية بين كل هؤلاء، لا يزال طليقاً.

الحياة تحت الأرض

وكان السنوار يتمتع بحضور طاغٍ في غزة قبل الحرب، إذ كان يُجري مقابلات، ويشرف على التدريبات العسكرية، حتى إنه ظهر على شاشات التلفزيون، في إحدى المرات، لتسليم جائزة لعمل فني يصور هجوماً لـ«حماس» على إسرائيل، وهو ما كان بمثابة تمهيد غريب لهجوم السابع من أكتوبر الماضي.

وخلال الأسابيع الأولى من الحرب، كان المسؤولون الاستخباراتيون والعسكريون الإسرائيليون يعتقدون أن السنوار يعيش في شبكة من الأنفاق تحت مدينة غزة، وهي أكبر مدينة في القطاع وواحدة من أولى المدن التي استهدفتها القوات العسكرية الإسرائيلية.

وخلال إحدى الغارات التي جرى شنها، في وقت مبكر من الحرب، على نفق بمدينة غزة، عثر جنود إسرائيليون على مقطع فيديو كان قد جرى تصويره قبل أيام، للسنوار أثناء نقل عائلته إلى مكان اختباء جديد تحت المدينة، ويعتقد مسؤولو الاستخبارات الإسرائيليون أن زعيم «حماس» أبقى عائلته معه، خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب على الأقل.

وفي ذلك الوقت، كان السنوار لا يزال يستخدم الهواتف المحمولة، وتلك التي تعمل بالأقمار الصناعية؛ وذلك بفضل شبكات الهواتف الخلوية الموجودة داخل الأنفاق، وكان يتحدث من وقت لآخر مع مسؤولي «حماس» في الدوحة، وتمكنت وكالات التجسس الأميركية والإسرائيلية من مراقبة بعض هذه المكالمات، لكنها لم تتمكن من تحديد موقعه.

یحیی السنوار مع مقاتلي «كتائب عز الدين القسام» في صورة تعود لعام 2021

ومع نفاد الوقود في غزة، ضغط غالانت من أجل إدخال شحنات جديدة القطاع لتشغيل المُولّدات اللازمة لاستمرار تشغيل شبكات الهواتف المحمولة؛ حتى تتمكن عمليات التنصت الإسرائيلية من الاستمرار، وذلك على الرغم من اعتراضات بعض الأعضاء من اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية، الذين أرادوا وقف إدخال شحنات الوقود لمعاقبة سكان غزة.

وخلال هذه الفترة، تمكنت وكالات التجسس من الحصول على لمحات من حياة السنوار تحت الأرض، بما في ذلك متابعته بشدةٍ وسائل الإعلام الإخبارية الإسرائيلية وإصراره على مشاهدة نشرة أخبار الساعة الثامنة مساءً، التي يجري بثها على التلفزيون الإسرائيلي.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وصف أحد الرهائن الإسرائيليين، الذين جرى إطلاق سراحهم، كيف خاطب السنوار عدداً كبيراً من الأسرى الإسرائيليين، بعد وقت قصير من هجوم السابع من أكتوبر. ووفقاً لرواية الرهينة الإسرائيلي، فإن زعيم «حماس» تحدَّث إليهم باللغة العبرية، التي تعلَّمها خلال سنوات أَسْره في السجون الإسرائيلية، وأخبرهم بأنهم في أمان حيث هم، وأنه لن يَلحقهم أي أذى.

وقال المسؤولون الإسرائيليون إن جميع عناصر «حماس» المختبئين تحت الأرض، بما في ذلك السنوار، يخرجون من الأنفاق بين الحين والآخر، لأسباب صحية، لكن شبكة الأنفاق واسعة ومعقدة جداً، كما أن مقاتلي الحركة لديهم معلومات استخباراتية جيدة حول أماكن وجود القوات الإسرائيلية، لدرجة أن السنوار يخرج، في بعض الأحيان، فوق الأرض دون أن يجري اكتشافه.

ووفقاً لما يعتقده المسؤولون الإسرائيليون والأميركيون، فإن زعيم «حماس» انتقل بعد ذلك إلى الجنوب في خان يونس؛ وهي المدينة التي وُلِد فيها، وربما كان يسافر في بعض الأوقات من هناك إلى مدينة رفح عبر أحد الأنفاق الممتدة.

وقال مسؤولون إسرائيليون إنه بحلول الوقت الذي جرت فيه مداهمة مخبأ خان يونس، في 31 يناير الماضي، كان السنوار قد فرَّ من هناك، وظل متقدماً بخطوة واحدة على مطارديه، الذين أدلوا، في بعض الأحيان، بتعليقات يتفاخرون فيها بمدى اقترابهم من العثور عليه. وفي أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عندما بدأت الوحدات العسكرية الإسرائيلية حفر الأنفاق في إحدى مناطق المدينة، تفاخر غالانت، أمام الصحافيين، بأن السنوار «يسمع جرافات الجيش الإسرائيلي فوقه»، قائلاً إنه «سيواجه مدافعنا قريباً».

لكن يبدو أن السنوار فرَّ من مخبأ خان يونس أيضاً بسرعة، تاركاً وراءه أكواماً عدة من عملة الشيقل الإسرائيلية.

مصالح مشتركة

وبعد هجوم السابع من أكتوبر مباشرةً تقريباً، أنشأت المخابرات العسكرية الإسرائيلية وجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي «الشاباك» خلية داخل مقر الجهاز، والتي كانت مُكلفة بمهمة واحدة تتمثل في العثور على السنوار.

كما أنشأت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه» قوة مهامّ خاصة، وأرسلت وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» قوات عمليات خاصة إلى إسرائيل؛ لتقديم المشورة للجيش الإسرائيلي بشأن الحرب الوشيكة في غزة.

وأقامت الولايات المتحدة، التي تُصنف «حماس» على أنها منظمة إرهابية، وإسرائيل قنوات لتبادل المعلومات حول موقع السنوار وغيره من كبار قادة «حماس»، فضلاً عن معلومات حول الرهائن.

وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت إلى جانب وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في لقاء سابق (رويترز)

وقال جيك سوليفان، وهو مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض: «لقد كرّسنا جهوداً وموارد كبيرة للإسرائيليين، من أجل البحث عن القيادة العليا لـ(حماس)، وخصوصاً السنوار، وأرسلنا أشخاصاً إلى تل أبيب، للجلوس مع الإسرائيليين؛ من أجل العمل على حل هذه المسألة، فبطبيعة الحال، لدينا خبرة كبيرة في مطاردة الأهداف عالية القيمة».

وعلى وجه الخصوص، نشرت الولايات المتحدة راداراً يمكنه اختراق الأرض للمساعدة في رسم خرائط لمئات الأميال من الأنفاق التي يعتقدون أنها موجودة تحت غزة، وجرى دمج الصور الجديدة بالمعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية، والتي جرى جمعها من مقاتلي «حماس» الذين جرى أَسرُهم وكميات كبيرة من الوثائق لبناء صورة أكثر اكتمالاً لشبكة الأنفاق. وقال أحد كبار المسؤولين الإسرائيليين إن الدعم الاستخباراتي الأميركي «لا يُقدَّر بثمن».

ولدى إسرائيل والولايات المتحدة مصلحة مشتركة في تحديد أماكن قادة «حماس» والعشرات من الرهائن، بما في ذلك الأميركيون، الذين ما زالوا بقطاع غزة.

لكن أحد الأشخاص المطّلعين على ترتيبات تبادل المعلومات الاستخباراتية، والذي تحدَّث شريطة عدم الكشف عن هويته، يصف هذه الترتيبات بأنها تكون، في كثير من الأحيان، «غير متوازنة تماماً»، حيث تُقدم الولايات المتحدة معلومات أكثر مما يقدمه الإسرائيليون في المقابل.

وأوضح الشخص أن الولايات المتحدة تُقدم، في بعض الأحيان، معلومات عن قادة «حماس» على أمل أن يوجه الإسرائيليون بعض مواردهم الاستخباراتية نحو العثور على الرهائن الأميركيين.

الصعود إلى القمة

وخلال ثمانينات القرن الماضي، في السنوات التي تَلَت تجنيده من قِبل مؤسس حركة «حماس»، الشيخ أحمد ياسين، نما نفوذ السنوار في الحركة بشكل مطّرد، إذ تولَّى منصب رئيس وحدة الأمن الداخلي للحركة؛ وهي مجموعة مكلفة بالعثور على الفلسطينيين المشتبَه في تعاونهم مع السلطات الإسرائيلية ومعاقبتهم، بالإضافة إلى معاقبة أي شخص يرتكب التجديف.

يحيى السنوار لدى وصوله إلى احتفالية إحياء «يوم القدس» في غزة 14 أبريل 2023 (غيتي)

وأمضى السنوار سنوات في سجون إسرائيل، لكن جرى إطلاق سراحه في أكتوبر 2011 مع أكثر من 1000 سجين، في جزء من صفقة تبادل مع جلعاد شاليط، الجندي الإسرائيلي الذي كانت «حماس» قد أَسَرَته. وفي عام 2017 جرى تعيينه قائداً لـ«حماس» في قطاع غزة.

وبينما كان له تأثير كبير على عملية صنع القرار داخل «حماس»، كان السنوار يتخذ مواقفه بالتنسيق الوثيق مع مجموعة من القادة السياسيين والعسكريين داخل الحركة في غزة، وفقاً للمحللين الذين درسوا شؤون «حماس».

وشملت دائرة المقرَّبين من السنوار: مروان عيسى، القائد العسكري لـ«حماس» الذي قُتل في مارس (آذار) الماضي، وروحي مشتهى، عضو المكتب السياسي للحركة في غزة، وعز الدين الحداد، وهو قائد كبير في الجناح العسكري، ومحمد السنوار، شقيق يحيى السنوار وأحد كبار المسؤولين في الجناح العسكري، ومحمد الضيف، قائد الجناح العسكري، وفقاً لما يقوله إبراهيم المدهون؛ وهو خبير مقيم في إسطنبول، والذي يحافظ على علاقة وثيقة مع «حماس».

لكن شبكة مستشاري السنوار باتت تتقلص بشكل مطّرد، إذ قُتل بعض كبار قادة «حماس»، وجرى أَسْر بعضهم، كما كان آخرون خارج غزة عندما بدأت الحرب، ولم يتمكنوا من العودة منذ ذلك الحين.

ويُعدّ الضيف المستشار الأقدم للسنوار، لكنه أقل التزاماً من رئيسه؛ وذلك لأنه يخرج من الأنفاق بانتظام بشكل أكبر بكثير، مما سمح لوكالات الاستخبارات الغربية بتحديد مكان وجوده، ويدَّعي مسؤولون إسرائيليون أنه قُتل في إحدى هذه المرات خلال غارة جوية.

* خدمة نيويورك تايمز


مقالات ذات صلة

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) p-circle

عرب البرغوثي: والدي مروان يمكنه قيادة «تجديد ديمقراطي» في فلسطين

لا يزال مروان البرغوثي، رغم مُضيّ 24 عاماً على اعتقاله، يشكّل رمزاً جامعاً للشعب الفلسطيني وقضيّته، كما يقول نجله عرب، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)

تركيا: السفير الأميركي يدافع عن تصريحات أثارت غضب المعارضة

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن تصريحات مثيرة للجدل دفعت المعارضة إلى المطالبة بطرده تنبع من تقييم صادق للحقائق لا من أساس آيديولوجي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

دشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

سوريا تبدأ الأحد محاكمة شخصيات بارزة من عهد الأسد

متظاهرون وأقارب ضحايا مجزرة التضامن يتجمّعون في دمشق للمطالبة بإعدام أمجد يوسف الضابط المرتبط بالمجزرة (أ.ب)
متظاهرون وأقارب ضحايا مجزرة التضامن يتجمّعون في دمشق للمطالبة بإعدام أمجد يوسف الضابط المرتبط بالمجزرة (أ.ب)
TT

سوريا تبدأ الأحد محاكمة شخصيات بارزة من عهد الأسد

متظاهرون وأقارب ضحايا مجزرة التضامن يتجمّعون في دمشق للمطالبة بإعدام أمجد يوسف الضابط المرتبط بالمجزرة (أ.ب)
متظاهرون وأقارب ضحايا مجزرة التضامن يتجمّعون في دمشق للمطالبة بإعدام أمجد يوسف الضابط المرتبط بالمجزرة (أ.ب)

تستهلّ السلطات السورية، الأحد، محاكمة شخصيات بارزة من حقبة الحكم السابق بعد توقيفهم خلال الأشهر الماضية، بدءاً بالمسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، وفق ما أفاد مصدر في وزارة العدل «وكالة الصحافة الفرنسية»، السبت.

وأفاد المصدر في وزارة العدل: «تبدأ الأحد أولى جلسات محاكمة رموز النظام السوري السابق»، حيث تُعقد «أوّل جلسة لمحاكمة عاطف نجيب» الذي أوقف في يناير (كانون الثاني) 2025.

ونجيب هو قريب الرئيس المخلوع بشار الأسد، وتولى سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا (جنوب)، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات الشعبية عام 2011، ويُعدّ المسؤول عن حملة قمع واعتقالات واسعة هناك.

وأوضح المصدر أن محاكمة نجيب «سوف تليها تباعاً محاكمة وسيم الأسد»، وهو أيضاً أحد أقرباء الرئيس المخلوع، «وطيارين شاركوا بقصف المدن والبلدات السورية» خلال النزاع، بالإضافة إلى أمجد يوسف الذي أوقفته السلطات، الجمعة، وهو المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة في حيّ التضامن بدمشق عام 2013 راح ضحيتها عشرات الأشخاص، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتعلن الإدارة الجديدة التي وصلت إلى السلطة في ديسمبر (كانون الأول) 2024، بين الحين والآخر إلقاء القبض على مسؤولين عسكريين وأمنيين من حقبة الحكم السابق، متورطين بارتكاب فظاعات وجرائم ضد السوريين خلال سنوات النزاع.

ويشكل مصير عشرات آلاف المفقودين والمعتقلين في سوريا، والمقابر الجماعية التي يُعتقد أن الحُكم السابق دفن فيها معتقلين قضوا تحت التعذيب، أحد أبرز وجوه المأساة السورية بعد نزاع تسبب بمقتل أكثر من نصف مليون شخص.

وفي رحلة فراره إلى موسكو في الثامن من ديسمبر 2024، إثر وصول الفصائل المعارضة إلى دمشق، لم يصطحب الأسد معه إلا بضعة أشخاص من المقربين منه، متخلياً عن معاونيه وكبار ضباطه الذين لجأ عدد منهم إلى دول مجاورة.

ولجأ مسؤولون آخرون إلى بلداتهم وقراهم، على ما أفاد البعض منهم.

وكتب وزير العدل السوري مظهر الويس، الجمعة، في منشور على منصة «إكس»، أن محكمة الجنايات في دمشق «تتهيأ للحظة التي طال انتظارها من قبل الضحايا: انطلاق المحاكمات العلنية... لأزلام النظام البائد ومجرميه، ضمن مسار العدالة الانتقالية».

ويؤكد ناشطون ومنظمات حقوقية والمجتمع الدولي أهمية تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا بعد سنوات الحرب الطويلة.

واندلعت الاحتجاجات المناهضة للأسد في درعا بجنوب سوريا في 15 مارس (آذار) 2011، بعد توقيف أطفال كتبوا شعارات مناهضة للرئيس السوري في حينه على جدران مدرستهم، وتعرّضوا للتعذيب على أيدي قوات الأمن.

وعقب اندلاع الاحتجاجات، أُبعد عاطف نجيب الذي حُمّل المسؤولية عن حملة القمع في درعا، عن منصبه. وفي أبريل (نيسان) 2011، أدرجته الولايات المتحدة على قائمة العقوبات على خلفية «انتهاكات لحقوق الإنسان».

وأوقف وسيم الأسد ابن عم الرئيس المخلوع في يونيو (حزيران) 2025، وهو أحد أبرز المتهمين بالضلوع في تجارة المخدرات في عهد الحكم السابق. وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات بحقه في عام 2023، قائلة إنه قاد وحدة شبه عسكرية، وكان «شخصية محورية» في شبكة إقليمية لتهريب المخدرات، بدعم من الحكم السابق.


«حزب الله» يلتزم بالهدنة ميدانياً ويهاجم سياسياً... بانتظار التسويات

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب وأطفالها يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» (د.ب.أ)
عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب وأطفالها يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» (د.ب.أ)
TT

«حزب الله» يلتزم بالهدنة ميدانياً ويهاجم سياسياً... بانتظار التسويات

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب وأطفالها يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» (د.ب.أ)
عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب وأطفالها يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» (د.ب.أ)

رغم الإرباك المحيط بالوضع الأمني في جنوب لبنان، فإنَّ الواقع الميداني يعكس حقيقةً واضحةً، وهي التزام «حزب الله» بـ«الهدنة الهشة» ضمن قواعد اشتباك مضبوطة، في حين يواصل بالوقت عينه مهاجمة مسار المفاوضات الذي تقوده الدولة اللبنانية للتوصُّل إلى وقف إطلاق النار، مع إصراره، ومن خلفه طهران، على نسب هذا الاتفاق إلى الدور الإيراني.

هذا التناقض بين العمل الميداني والخطاب السياسي يطرح تساؤلاً أساسياً: كيف سيتصرَّف الحزب إذا ما تمَّ التوصُّل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن قبل أي اتفاق مباشر بين بيروت وتل أبيب؟

وخلفية هذا السؤال تأتي انطلاقاً من وقائع عدة أهمها، أن وقف إطلاق النار جرى تثبيته بعد جولة المفاوضات المباشرة الأولى التي عُقدت بين لبنان وإسرائيل، وليس بعد المفاوضات التي أُجريت بين أميركا وإيران، رغم أن طهران قد حاولت في بداية المفاوضات ربط وقف النار في لبنان بأي تفاهم مع واشنطن، ولوَّحت بعدم المضي في التفاوض إذا لم يتحقَّق ذلك، قبل أن تتراجع عملياً وتشارك في المحادثات رغم استمرار التصعيد حينها، إلى أن تمَّ التوصُّل إلى اتفاق بين بيروت وتل أبيب وتكرَّست «الهدنة الهشة» من قبل «حزب الله» وإسرائيل على حد سواء.

التزام ميداني... وتصعيد سياسي

من هنا، تظهر الوقائع اليومية أنَّ «حزب الله» التزم بالهدنة «المحدودة» منذ دخولها حيّز التنفيذ، وامتنع عن توسيع المواجهة رغم استمرار الخروقات الإسرائيلية، بحيث اقتصرت عملياته، في الجزء الأكبر منها، على المناطق التي لا تزال تحتلها إسرائيل. ويأتي ذلك مقابل خطاب تصعيد سياسي من قبل «حزب الله» عبر انتقاد المسار الذي اعتمدته الدولة اللبنانية، واعتباره أنَّ الهدنة الحالية جاءت نتيجة توازن الردع الذي فرضه، وبدعم من إيران.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن العاصمة (د.ب.أ)

وهذا الواقع عبَّر عنه صراحة النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله قائلاً: «المقاومة لا تزال تقاتل في بنت جبيل، وصورة مقاوميها الأبطال يواجهون العدو بجنوده وطائراته تمثل لبنان الكرامة والعنفوان، أما السلطة فهي تقامر بوطنها على طاولة واشنطن».

ماذا لو سبق الاتفاق الإيراني - الأميركي التفاهم اللبناني؟

من هنا يُطرَح السؤال عمّا سيكون عليه موقف «حزب الله» إذا ما توصَّلت إيران والولايات المتحدة إلى تفاهم قبل إنجاز اتفاق نهائي بين لبنان وإسرائيل، إذ ورغم قناعة معظم الأطراف في لبنان بأنَّ قرار الحزب سيكون مرتبطاً بالقرار الإيراني، فإنَّ مقربين من الحزب ينفون هذا الأمر، لكنهم يجددون الربط بين استمرار «المقاومة» بشروط عدة، على رأسها الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وهو ما ترفضه إسرائيل، وتضع نزع سلاح «حزب الله» أولويةً.

وفي هذا الإطار، تبدو مصادر وزارية مقتنعةً بأنَّ قرار «حزب الله» سيكون مرتبطاً بإيران، مُذكِّرةً في الوقت عينه بما حصل عند بدء المفاوضات الإيرانية - الأميركية وادعاء «حزب الله» أنَّ التوصُّل إلى الهدنة كان نتيجة المفاوضات الأميركية - الإيرانية، ومؤكدة أن ذلك لم يكن ليحصل لولا المفاوضات بين بيروت وتل أبيب.

أطفال نازحون يلعبون في ملعب مركز للنزوح هربوا إليه خلال الحرب (رويترز)

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «إذا تضمَّن أي اتفاق أميركي - إيراني تهدئةً إقليميةً، فمن المرجّح أن يلتزم الحزب به، بوصفه جزءاً من هذا المحور، ما يعني تثبيت الهدوء في الجنوب بغض النظر عن مسار التفاوض اللبناني»، مشيرة كذلك إلى أنَّه في حال تمَّ التوصُّل إلى اتفاق أميركي - إيراني قبل انتهاء المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية فمن المرجح أن «يواصل الحزب الله النهج الحالي، أي التزام ميداني بالتهدئة مقابل خطاب سياسي معارض».

وترى المصادر أنه «في حال فشل المفاوضات الأميركية الإيرانية، فعندها بالتأكيد سيعمد الحزب إلى رفع مستوى التوتر، وقد يوسِّع نطاق المواجهات وصولاً إلى توسع الحرب مجدداً»، مضيفة: «لا سيما أنَّ (حزب الله) كان واضحاً أنَّه فتح (حرب إسناد إيران) رداً على اغتيال المرشد الإيراني».

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية - الإسرائيلية

شروط «حزب الله» أولاً

في المقابل، يعدّ المحلل السياسي المقرّب من «حزب الله» الدكتور قاسم قصير، أنّه من السابق لأوانه الحديث عن أي اتفاق، في ظلِّ عدم وضوح ما قد تقدم عليه إسرائيل. ويلفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّه «في حال حصول انسحاب إسرائيلي، وعودة النازحين إلى قراهم، ووقف الاعتداءات، فلا يعود هناك سبب لاستمرار المواجهة. أما إذا استمرَّ الاحتلال وتواصلت الاعتداءات، فإنَّ (حزب الله) سيستمر في المواجهة، وهو أكد أنَّه لن يعود إلى ما كان عليه الوضع بعد اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) 2024». ويضيف: «لا يمكن الجزم بإمكان التوصُّل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، أو بين لبنان وإسرائيل، في وقت تعلن فيه إسرائيل نيتها البقاء داخل لبنان، وإنشاء منطقة أمنية، وفرض حرية الحركة، ومنع عودة السكان وإعادة الإعمار». من هنا يرى أنه «في حال استمرار هذا الواقع، وحتى لو تمَّ التوصُّل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، فمن المستبعد أن يلتزم (حزب الله) بالتهدئة».


«الاعتدال العربي» يدعم لبنان بالمفاوضات ويؤيد تطبيق «الطائف» بلا تعديل

الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (أرشيف - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (أرشيف - الرئاسة اللبنانية)
TT

«الاعتدال العربي» يدعم لبنان بالمفاوضات ويؤيد تطبيق «الطائف» بلا تعديل

الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (أرشيف - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (أرشيف - الرئاسة اللبنانية)

توقفت الأوساط السياسية اللبنانية أمام الحراك السياسي العربي في لبنان، والذي توج باتصالين هاتفيين من وزيري خارجية المملكة العربية السعودية الأمير فيصل بن فرحان، ومصر بدر عبد العاطي برئيس المجلس النيابي نبيه بري بالتزامن مع اللقاءات التي عقدها مستشاره الأمير يزيد بن فرحان برئيسي الجمهورية العماد جوزيف عون والحكومة نواف سلام إضافة إلى بري، وشملت لاحقاً ممثلين عن معظم الكتل النيابية.

ولاحظت المصادر ارتياحاً يُفترض أن ينعكس على تنقية العلاقات بين المسؤولين اللبنانيين وعودة التواصل بين أركان الدولة وتفعيل الإنتاج الحكومي وتنفيس الاحتقان الداخلي لتحصين الاستقرار العام والحفاظ على السلم الأهلي كونه يتصدر الخطوط الحمر، من وجهة نظر المملكة العربية السعودية، مدعوماً بتماسك داخلي وبانتظام عمل المؤسسات الدستورية، وصولاً لاستكمال تطبيق «الطائف» من دون أي تعديل.

وكانت لافتة اللقاءات التي عقدها الأمير يزيد بن فرحان بحضور السفير وليد بخاري وبمواكبة من سفراء «اللجنة الخماسية» القطري سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، والمصري علاء موسى، والفرنسي هيرفيه ماغرو، باستثناء الأميركي ميشال عيسى لوجوده في واشنطن.

ويأتي هذا الحراك في سياق حرص أشقاء لبنان، المدرجين على خانة «الاعتدال العربي»، على إسداء رزمة من النصائح للبنانيين بعدم إضاعة الفرصة مع استعداد بلدهم للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل تستدعي منهم توحيد الموقف، خصوصاً وأنها قد تكون الأخيرة لعودة الاستقرار إلى الجنوب وانسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية بين البلدين.

ونقلت مصادر نيابية ووزارية عن جهات فاعلة في منظومة «الاعتدال العربي» دعوتها القوى السياسية الفاعلة لعدم التفريط في الفرصة المتاحة أمام الحكومة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي كشرط لبسط سلطة الدولة على أراضيها كافة، وذلك بالرهان على الإدارة الأميركية التي يقف على رأسها دونالد ترمب. وقالت لـ«الشرق الأوسط» بأن الفرصة قد لا تتجدد بوجود رئيس يرفع سمّاعة الهاتف ويلزم رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بتمديد وقف إطلاق النار بينه وبين لبنان لثلاثة أسابيع.

ولفتت إلى أن هذه الدول تنصح بوجوب الحفاظ على تماسك المؤسسات الدستورية المعنية بالمفاوضات والتي يقف على رأسها رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيسي البرلمان نبيه بري والحكومة نواف سلام. وأكدت بأن تمتين العلاقة بينهم والحفاظ على ديمومتها هي بمثابة خط أحمر من غير الجائز تجاوزه في ظل الظروف الصعبة والاستثنائية التي يمر بها لبنان، وأن استهدافهم من أي كان لا مبرر له وفي غير محله، وأن الضرورة تقضي بتعاونهم وانفتاحهم على القوى السياسية.

شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)

وكشفت المصادر بأن منظومة «الاعتدال العربي» تراهن على جرأة عون باتخاذه القرارات الجريئة، وحكمة بري في تدويره للزوايا واستيعابه لـ«حزب الله» وتوفير الغطاء السياسي لاستمرار الحكومة وعدم تهديدها من الداخل رافضاً استخدام الشارع لإسقاطها لأنه تجاوز للخطوط الحمر التي رسمتها وتنصح بها للحفاظ على السلم الأهلي واستتباب الوضع الأمني.

وأكدت بأن اتفاق «الطائف» الذي كان للسعودية دور رئيسي في التوصل إليه برعايتها المباشرة لاجتماع النواب اللبنانيين كان وراء وضع حد للحرب الأهلية، وهو الآن بمثابة الناظم الوحيد للعلاقات بين المؤسسات الدستورية، امتداداً إلى الطوائف اللبنانية بداخل الحكومة.

ورأت بأن هذه الدول تدعو لاستكمال تطبيق «الطائف» وتنقيته من الشوائب التي ترتبت على سوء تنفيذ بعض بنوده وتجميد العمل ببعضها الآخر، وقالت إن الظروف السياسية الراهنة مواتية أكثر من أي وقت مضى لوضع بنوده التي ما زالت عالقة موضع التنفيذ، لأن من أعاق تطبيقها في حينها هو النظام السوري السابق بالتعاون مع المنظومة الأمنية- السياسية اللبنانية التي وضعت يدها على البلد في ظل الوصاية السورية التي فرضتها عليه.

وأكدت المصادر نقلاً عن هذه الدول بأنه لا مجال لإدخال تعديلات على اتفاق «الطائف» ما لم يُستكمل بتطبيق ما تبقى من بنوده، وبعدها لكل حادث حديث. ولفت إلى أن تطبيقه هو بمثابة الغطاء السياسي الوحيد لبسط سلطة الدولة على أراضيها كافة بحصرها السلاح في يدها، في إشارة لسلاح «حزب الله»، علماً بأن النظام السوري السابق هو من أبقى على سلاح الحزب وأعاق استكمال جمعه لقطع الطريق عن مطالبته بتطبيق البند الخاص بجيشه الذي نص على إعادة انتشاره بالتموضع في البقاع.

وأشارت إلى أن بسط سلطة الدولة على أراضيها كافة يأتي ضمن خطة أمنية سياسية متكاملة تقضي بانسحاب إسرائيل الكامل للحدود الدولية وتجاوب «حزب الله» بتسليم سلاحه. وقالت إن المقصود من العودة السياسية للدولة إلى الجنوب يكمن في طمأنة أهله بإعادة إعمار بلداتهم المدمّرة تمهيداً لعودتهم الآمنة إلى بيوتهم.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن ومسؤولين في «الخارجية» الأميركية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الخميس (أ.ب)

ورداً على سؤال، نقلت المصادر عن هذه الدول وقوفها إلى جانب لبنان في مفاوضاته مع إسرائيل وضرورة الالتفاف حول الدولة ومنحها الفرصة، وأنه لا مبرر لـ«حزب الله» بإصداره الأحكام المسبقة على النيات قبل أن تبدأ المفاوضات، ومطالبته بصرف النظر عنها برغم أنه يدرك بأنه لا بديل عن الخيار الدبلوماسي بعد أن جرَّب الحل العسكري بإسناده لغزة وإيران، وما ألحقه بالجنوب ومناطق لبنانية أخرى من كوارث على جميع المستويات، بشرية كانت أو مادية.

وأكَّدت بأن لبنان يستعد لخوض المفاوضات بتأنٍّ وحذر، وهو يراهن على ترمب للضغط على إسرائيل لإنهاء الحرب التي تأمل بأن تكون الأخيرة، وقالت نقلاً عن أصدقاء لبنان على الصعيدين العربي والدولي بأنها تتفهم الرفض المبدئي لبري للمفاوضات المباشرة، لكنها لاحظت أنه «لم يشهر سلاحه السياسي في وجه عون والحكومة، بخلاف (حزب الله)».

ودعت «حزب الله»، نقلاً عن أصدقاء لبنان، إلى التوقف عن لعبة شراء الوقت بذريعة استعداده لخوض حرب جديدة مع إسرائيل، وتمنَّت عليه التواضع، ولو مرحلياً، والكف عن المزايدات الشعبوية، ووقوفه خلف بري بتسجيل موقف مبدئي رافض بدلاً من إطلاق حملات التهديد والتخوين.

وجدَّدت قولها إن الاستقرار الحكومي أكثر من ضروري مع الاستعداد لخوض المفاوضات، وهي تعوّل على دور رئيس المجلس النيابي بالتدخل لدى حليفه لمنعه مجدداً من استخدامه الشارع لإسقاط الحكومة. وجدَّدت تأكيدها بأن الخطوط الحمر تشمل الرؤساء الثلاثة، ومن خلالهم الإبقاء على الحكومة، لأنه من غير الجائز إقحام البلد في فوضى بينما يستعد للمفاوضات. فاعتراض بري على المفاوضات المباشرة لا يلغي توافقه مع عون وسلام على الثوابت الوطنية وعدم التفريط فيها كأساس للدخول في مفاوضات يراد منها تحرير الأرض وعودة السكان.

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب محملة بالأغراض وعلى السيارة صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله (د.ب.أ)

لذلك فإن أصدقاء لبنان، بحسب المصادر، ينظرون إلى المفاوضات على أنها شأن داخلي ويكتفون بإسداء النصائح للبنانيين بعدم التفريط في آخر فرصة لإنهاء الاحتلال، شرط أن يلاقيهم ترمب في منتصف الطريق بالضغط على إسرائيل لإلزامها بالانسحاب إلى الحدود الدولية بالتلازم مع تجاوب «حزب الله» بتسليم سلاحه ودعوة إيران للتوصل لتسوية مع الولايات المتحدة، إلا إذا كانت لا تزال تراهن على ربط مصير لبنان بها، مع أنه لا مجال للتلازم بين المسارين، برغم إصرار «حزب الله» عليه كونه، من وجهة نظر خصومه، يشكل الفصيل العسكري المتقدّم لمحور الممانعة في الإقليم.