استهداف الضيف... ضربة رمزية لـ«القسام» تعمّق أزمة القيادة

محمد السنوار المرشح الأبرز لخلافته إذا نجحت إسرائيل فعلاً في قتله

جثث ضحايا الضربة الإسرائيلية على المواصي قرب خان يونس السبت (إ.ب.أ)
جثث ضحايا الضربة الإسرائيلية على المواصي قرب خان يونس السبت (إ.ب.أ)
TT

استهداف الضيف... ضربة رمزية لـ«القسام» تعمّق أزمة القيادة

جثث ضحايا الضربة الإسرائيلية على المواصي قرب خان يونس السبت (إ.ب.أ)
جثث ضحايا الضربة الإسرائيلية على المواصي قرب خان يونس السبت (إ.ب.أ)

قتلت إسرائيل أكثر من 70 فلسطينياً، السبت، في محاولة لقتل قائد «كتائب القسام»، الجناح العسكري لحركة «حماس»، محمد الضيف، ونائبه رافع سلامة، قائد لواء خان يونس في «القسام»، وهي المحاولة السابعة على الأقل للتخلُّص من الضيف خلال 30 عاماً.

وفيما تنتظر إسرائيل تأكيداً على مقتل الضيف، الذي إذا صح سيمنح تل أبيب «صورة نصر» انتظرتها طويلاً أثناء الحرب الحالية على قطاع غزة، نفت «حماس» الادعاءات الإسرائيلية، وقالت إن ما حدث كان مجرد مجزرة جديدة ارتكبت بحق المدنيين.

لكن بانتظار جلاء مصير الضيف، فإن نجاح هذه العملية، وهو ما يأمل به الإسرائيليون، يثير كثيراً من التساؤلات حول تداعيات ذلك على «كتائب القسام»، خصوصاً أن كثيراً من قادتها البارزين اغتيلوا منذ بداية الحرب الإسرائيلية في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والذي بدأته «القسام» بتسلل مئات من عناصرها إلى مستوطنات غلاف غزة، ما أدى إلى مقتل وجرح وأسر المئات من الإسرائيليين.

ومن أجل فهم تأثير الغياب المحتمل للضيف، يجب فهم مكانته.

والضيف هو القائد الثاني لـ«كتائب القسام»، وتسلّم منصبه بعد اغتيال الجيش الإسرائيلي القائد العام الأسبق لها، صلاح شحادة، في 23 يوليو (تموز) 2002. لكن الضيف يُعدّ في الواقع بنظر كثيرين مهندس قوتها العسكرية الكبيرة.

وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الضيف نجح سريعاً بعد توليه «القسّام» وتحديداً في العام 2003، في الحصول على تفويض من قيادة المستوى السياسي لحركة «حماس»، بتأسيس قوة عسكرية كبيرة (بمثابة جيش)، وباشر فوراً التنفيذ.

وعلى الرغم محاولات اغتياله التي لم تتوقف، وفقدانه كثيراً من مساعديه وأفراداً من عائلته، لم يتوقف الضيف مطلقاً، ومضى في تأسيس «جيش كبير»، أصبح مع السنوات، القوة الفلسطينية رقم واحد، وشكّل إلى حد ما ميزان ردع مع إسرائيل، قبل أن يفاجئها في هجوم بري وجوي وبحري في السابع من أكتوبر الماضي، في عملية قلبت المعادلات.

تطارد إسرائيل الضيف منذ عقود باعتباره المطلوب الرقم 1

ومنذ السابع من أكتوبر أصبح اغتيال الضيف هاجساً إسرائيلياً، بعد 6 محاولات سابقة فاشلة.

وأدت كل هذه المحاولات ونجاة الضيف منها، وقدرته على التخفي إلى الحد الذي لم تستطع إسرائيل حتى نهاية العام الماضي في الحصول على صورة حديثة له، إلى تحوّله إلى رمز فلسطيني تجاوز دوره الوظيفي في «القسّام».

وتقول إسرائيل إن الضيف كان يقف خلف قوة «حماس» العسكرية، ويعدّ مهندس فكرة الأنفاق.

ويمكن أن يكون لغياب الضيف تأثير معنوي على «القسّام»، فلو احتفظت الكتائب بمعظم قادتها، لكانت على الأغلب ستدفع بقائد عام آخر في وقت قصير، مثلما تصرّف الضيف نفسه، عندما اغتالت إسرائيل نائبه أحمد الجعبري عام 2012، وكان يوصف بأنه «رئيس أركان (حماس)»، ويتولى قيادة «القسّام» في بعض الفترات التي كان يتغيب فيها الضيف. فقام فوراً باختيار مروان عيسى خلفاً للجعبري ضمن نظام مرن كان قد ساهم في ترسيخه في الكتائب، وهو نظام عسكري متكامل إدارياً وتنظيمياً، يقوم على 5 ألوية، يضم كل لواء منها هيئة القضاء العسكري، وركن التصنيع، وهيئة الرقابة، وركن أسلحة الدعم والقتال، وركن العمليات، وركن الاستخبارات، وركن الجبهة الداخلية، وركن القوى البشرية، وهيئة المعاهد والكليات. وفي كل لواء هناك عدة كتائب تتشكل من سرايا وفصائل وتشكيلات عسكرية وعقد.

لكن بعد السابع من أكتوبر تغيّر كل شيء، وأصبحت نجاة الضيف باعتباره الرمز، مسألة لها الأولوية، خصوصاً بعدما تعرضت قيادات بارزة، بينهم مقربون منه، لسلسلة عمليات اغتيال. ومن أبرز هؤلاء، وفق ما أعلنت إسرائيل، مروان عيسى، الذي قالت إنه اغتيل في نفق بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة، في مارس (آذار) الماضي، وأيمن نوفل، قائد لواء الوسطى في «القسّام»، وأحمد الغندور قائد لواء الشمال في «القسّام».

البحث عن ضحايا في موقع ضربة إسرائيلية استهدفت خان يونس السبت (أ.ب)

وفي حال ثبت نجاح عملية اغتيال الضيف، وقائد لواء خان يونس في «القسّام»، رافع سلامة، فإن إسرائيل تكون قد قضت تقريباً معظم أعضاء المجلس العسكري، باستثناء محمد شبانة قائد «لواء رفح»، وعز الدين الحداد قائد «لواء غزة»، ورائد سعد الذي ما زال مصيره مجهولاً بعدما أعلنت إسرائيل سابقاً أنها اغتالته، ولم يتم تأكيد ذلك، ومحمد السنوار، شقيق يحيى السنوار قائد «حماس» في غزة.

ويعد الشقيقان السنوار من الأكثر قرباً للضيف، ويعتقد أنهما ما زالا حيين.

وفي ظل كل هذه الاغتيالات والعمليات التي طالت أيضاً 14 قائداً من قادة الكتائب في مختلف مناطق قطاع غزة، إضافة إلى نوابهم وقادة سرايا ووحدات قتالية، وقيادات ميدانية، وعلى فرض أن الضيف قُتل ونجا الشقيقان السنوار، فإن مصادر في «حماس» تقول لـ«الشرق الأوسط» إن محمد السنوار يُحتمل أن يكون قائد «القسّام» المقبل.

وقالت مصادر من «حماس» إن مستقبل قيادة الكتائب سيكون بيد المكتب السياسي، ووفق الوضع الميداني الذي ستحدده الظروف، ولكن مع استمرار الحرب ستبقى الأوضاع على ما هي عليه، ضمن طريقة عمل متبعة منذ الشهر الرابع للحرب، وهي أن يقود كل لواء منطقته ضمن نطاق التدرج الهرمي، من قائد اللواء في حال بقي على قيد الحياة، أو من ينوبه، وصولاً إلى قادة السرايا والوحدات والفصائل والمجموعات والعقد العسكرية المختلفة.

ورجحت المصادر أن يسيّر محمد السنوار أعمال المجلس العسكري في حال تأكد نجاح اغتيال الضيف.

وأضافت: «هناك تدرج هرمي واضح في عمل الكتائب، واغتيال الضيف أو أي قيادي آخر لن يؤثر على مسار إدارة المعركة، وهذا ما يظهر جلياً حتى بعد اغتيال قيادات بارزة سابقة».

وفقدت «حماس» لسنوات طويلة كثيراً من قياداتها السياسيين والعسكريين، من بينهم أحمد ياسين، مؤسس الحركة، وعبد العزيز الرنتيسي وإبراهيم المقادمة، وغيرهم، إلا أن ذلك لم يؤثر على قوتها في قطاع غزة.


مقالات ذات صلة

قصف مدفعي وإطلاق نار إسرائيلي مكثف في غزة... وإصابة طفلة فلسطينية

المشرق العربي مشيّعون خلال جنازة ثلاثة فلسطينيين بمستشفى الشفاء بمدينة غزة في 25 أكتوبر 2026 بعد مقتلهم في غارة إسرائيلية استهدفت مبنى الجامعة الإسلامية (أ.ف.ب)

قصف مدفعي وإطلاق نار إسرائيلي مكثف في غزة... وإصابة طفلة فلسطينية

أصيبت طفلة فلسطينية، اليوم الأربعاء، برصاص طائرة مسيّرة إسرائيلية، بالتزامن مع قصف مدفعي وإطلاق نار كثيف في مناطق متفرقة من قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة )
أوروبا علم مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» يرفرف في ميناء بورغاس على ساحل البحر الأسود في بلغاريا حيث تقام النسخة الـ71 من المسابقة عام 2027 (أ.ب)

هولندا تنسحب من «يوروفيجن» 2027 بسبب مشاركة إسرائيل

أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون العامة الهولندية «إن بي أو» انسحاب هولندا من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» 2027، عازية القرار إلى الجدل حول مشاركة إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (أمسترادم)
خاص مشيّعون خلال جنازة 3 فلسطينيين قُتلوا بغارة إسرائيلية في مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

خاص رسالة من «حماس» للوسطاء: لا نخطط لهجمات... وننتظر نتائج انتخابات إسرائيل

أظهرت حركة «حماس» اهتماماً بانتخابات البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) التي تجري الثلاثاء، وسط آمال بأنها قد تكون بداية لنهاية أزمة تطبيق «خطة ترمب» في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية جنود من الجيش الإسرائيلي يقفون للحراسة أثناء إغلاقهم حاجز المركبات عند نقطة تفتيش غرب نابلس في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل 25 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

لجنة أممية تتهم إسرائيل بارتكاب «إبادة» في الضفة الغربية

اتهمت لجنة دولية إسرائيل بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، من بينها جريمة «الإبادة»، وبمواصلة تنفيذ إبادة جماعية في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شؤون إقليمية لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تُظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

انتخابات إسرائيل... ملفات الحرب والتجنيد والقضاء تشعل المواجهة

تتوجه إسرائيل إلى صناديق الاقتراع، الثلاثاء وسط انقسام سياسي واجتماعي يجعلها أقرب إلى استفتاء على قيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

لبنانيون يطبِّقون وضعية الاستعداد لمواجهة أي حرب مقبلة

أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت بالمدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)
أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت بالمدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)
TT

لبنانيون يطبِّقون وضعية الاستعداد لمواجهة أي حرب مقبلة

أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت بالمدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)
أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت بالمدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)

«الخوف لم يعد شعوراً عابراً، بل أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، بعدما فرضت الحروب المتكررة واقعاً من الترقب والاستعداد لأي تصعيد مفاجئ». بهذه العبارة، تختصر مريم مرعي ما يعيشه كثير من اللبنانيين وتحديداً في الجنوب، جراء الأنباء عن احتمالات تجدد الحرب.

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كل تصعيد يعيدنا إلى الدوامة نفسها من القلق والترقب»، مشيرةً إلى أن حقيبة الطوارئ تبقى جاهزة، وأن السؤال الذي يرافقها باستمرار هو: «إذا حصل شيء، ماذا سنفعل؟ وإلى أين سنذهب؟».

وتضيف أن أصعب ما يعيشه اللبناني اليوم هو فقدان الشعور بالأمان داخل منزله، قبل أن تختم بالقول: «كل ما أتمناه هو أن نعود إلى حياة طبيعية، وأن نخطط للغد بدلاً من أن نخطط للهروب، وأن نشعر بأن بيوتنا أماكن آمنة، لا أماكن نخشى أن نُجبر على مغادرتها في أي وقت. ما نأمله ببساطة هو حياة طبيعية».

عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)

ومرعي واحدة من آلاف اللبنانيين الذين يعيدهم خبر أمني أو تهديد محتمل، إلى تنفيذ «الخطة ب»، أي الاستعداد للنزوح. ولم يعد هذا الاستعداد يقتصر على المناطق التي شهدت أي تصعيد، بل امتد إلى معظم اللبنانيين الذين باتوا يتعاملون مع أي تطور أمني بوصفه إنذاراً مبكراً... حقائب الطوارئ، وخطط النزوح، والبحث عن أماكن أكثر أماناً، باتت جزءاً من نمط الحياة، في انتظار تصعيد محتمل.

من الخبر العاجل... إلى خطة الهروب

تقول مروى جابر إن مجرد تداول خبر عن احتمال تجدد التصعيد كان كافياً لإعادة مشاعر الخوف التي عاشها اللبنانيون خلال الحرب، مؤكدةً أن القلق بات يسبق التحقق من صحة الأخبار.

وتروي أنه بمجرد انتشار أي خبر يبدأ الجميع يتساءل: «هل ستعود الحرب؟»، فيما يغادر بعض الموظفين أعمالهم تحسباً للأسوأ، قبل أن يتبين لاحقاً أن الخبر لم يكن دقيقاً.

وتضيف: «أدركت أننا لم نفكر إلا في أمر واحد: كيف نستعد للحرب من جديد، ما زلنا نعيش آثار الحرب حتى عندما تكون بعيدة عن الميدان».

وتتحدث فرح سماحة عن المشهد نفسه، موضحةً أن أي تطور أمني ولو كان خارج الحدود، يعيد اللبنانيين تلقائياً إلى ذاكرة النزوح. وتقول: «يتحول التفكير مباشرةً إلى كيفية حماية العائلة، وإلى أين سنهرب؟ وما الذي يجب أن نجهزه؟». وترى أن اللبنانيين «أصبح لديهم دائماً خطة بديلة لاحتمال اندلاع الحرب، في وقت يخطط فيه الآخرون لمستقبلهم»، معتبرة أن «العيش مع الخوف أصبح جزءاً من الحياة اليومية».

أطفال يلعبون في باحة إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز للنازحين بمنطقة عاليه بجبل لبنان (رويترز)

الحرب لا تنتهي عند وقف إطلاق النار

لا يقف أثر الحروب عند حدود الدمار والخسائر البشرية، بل يمتد إلى الطريقة التي يفكر بها الناس ويعيشون يومهم. وتجد الشهادات السابقة تفسيرها في قراءة المعالجة النفسية الدكتورة ريما حداد، التي ترى أن تكرار الحروب في لبنان لم يترك ندوباً في الذاكرة فحسب، بل خلق حالة من الاستنفار النفسي الدائم، جعلت كثيراً من اللبنانيين يعيشون كأنهم ينتظرون الحرب التالية.

وترى حداد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «تكرار الحروب في لبنان ترك آثاراً نفسية عميقة لدى السكان»، مشيرةً إلى أن «كثيراً من اللبنانيين يعيشون في حالة تأهب دائم، حتى خلال فترات الهدوء، نتيجة تراكم الصدمات والخوف المستمر من تجدد المواجهات».

استنفار نفسي دائم

وتقول إن المجتمعات التي تتعرض لحروب متكررة تدخل في حالة استنفار نفسي دائم، موضحةً أن «الدماغ يصبح كأنه في حالة إنذار مستمر، فيراقب أي صوت أو حدث جديد، ويجري باستمرار عملية تفقد لما إذا كان هناك خطر يقترب». وأضافت أن «هذه الحالة تنعكس على القدرة على التركيز والعمل والتخطيط للمستقبل، إذ يفقد كثيرون شعورهم بالأمل رغم توقف الحرب، ويبقى الخوف والتوتر والقلق مرافقاً لهم بصورة يومية».

وأشارت إلى أن استمرار هذا الواقع يؤدي إلى ما يُعرف بـ«الضغط النفسي المزمن (Chronic Stress)»، مؤكدةً أن «الحروب المتتالية دفعت شريحة واسعة من اللبنانيين إلى العيش في حالة قلق مزمن، فيبقون مترقبين لأي تطور، متوترين، سريعي الانفعال، وفاقدين للشعور بالاستقرار».

ورأت حداد أن هذه الحالة النفسية لا تقتصر على الجانب العاطفي، بل تمتد إلى مختلف جوانب الحياة، إذ «تؤثر في الإنتاجية، والقدرة على العمل، واتخاذ القرارات، والتخطيط للمستقبل، كما تنعكس سلباً على الصحة الجسدية والنفسية والعلاقات الاجتماعية».

فتاة نازحة من جنوب لبنان في إحدى مدارس مدينة صور التي تحوّلت مركزاً للنازحين (أ.ف.ب)

تهديد مستمر وقلق مزمن

وأوضحت حداد أن هذا الإحساس الدائم بعدم الأمان ناتج عن عاملين متداخلين، يتمثل الأول في «التهديد المستمر الذي يعيشه اللبنانيون»، فيما يتمثل الثاني في «القلق المزمن الذي تولِّده الصدمات المتكررة»، محذرةً من أن استمرار هذه الحالة «يؤدي إلى تراجع القدرة على رسم المشاريع المستقبلية واتخاذ القرارات، لأن الشخص يصبح منشغلاً بتوقع الخطر أكثر من انشغاله ببناء مستقبله».

وعن سبل الحد من هذه الآثار النفسية، دعت حداد إلى التقليل قدر الإمكان من التعرض المستمر للأخبار، والابتعاد عن مصادر الطاقة السلبية، وممارسة النشاط البدني بانتظام، ووضع أهداف صغيرة وقريبة يمكن تحقيقها تدريجياً لاستعادة الشعور بالسيطرة والاستقرار. كما شددت على أهمية عدم كبت المشاعر، مؤكدةً أن «التحدث مع اختصاصي نفسي، أو مع أشخاص موثوقين من العائلة أو الأصدقاء، يساعد على تخفيف الخوف والقلق ومنع تراكمهما».


الشرع يدعم العراق لحصر السلاح وبناء جيش قوي

الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في دمشق الأربعاء (إعلام حكومي)
الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في دمشق الأربعاء (إعلام حكومي)
TT

الشرع يدعم العراق لحصر السلاح وبناء جيش قوي

الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في دمشق الأربعاء (إعلام حكومي)
الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في دمشق الأربعاء (إعلام حكومي)

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع دعمه جهود رئيس الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أن البلدين أمام فرصة تاريخية لبناء دولتين قويتين تحميان مصالحهما وتحققان التنمية والازدهار.

‏وجاءت تصريحات الشرع خلال مقابلة مع قناة «دجلة» العراقية، بُثت مساء الثلاثاء، في أول ظهور إعلامي له أمام الجمهور العراقي منذ توليه الرئاسة في يناير (كانون الثاني) 2025. واللافت، حسب مراقبين، إجراء المقابلة عبر قناة «دجلة»، التي يُشاع أنها مملوكة لرئيس الحكومة العراقية أو أحد أشقائه، بدلاً من التلفزيون الرسمي.

وأكد الشرع أن مصير العراق وسوريا مرتبط تاريخياً وحاضراً ومستقبلاً، داعياً إلى تنظيم العلاقات بينهما وفق قواعد ثابتة تراعي الروابط الاجتماعية والمصالح المشتركة بعيداً عن المزاجية.

وأشار إلى أن سوريا تُمثل منفذاً استراتيجياً للعراق على البحر المتوسط، وممراً يربطه بالغرب وصولاً إلى الخليج العربي.

وعلى الرغم من الاعتراضات التي أبدتها قوى وفصائل حليفة لإيران في العراق للتقارب مع سوريا، بعد إطاحة نظام بشار الأسد عام 2024، فإن الشرع أشاد بموقف الحكومة العراقية ووصفه بالإيجابي، وذكر أن «الحكومة ‏العراقية السابقة، برئاسة محمد شياع السوداني، اتخذت توجهاً صائباً، وأن التطورات ‏اللاحقة أسهمت في تصحيح المسار الذي كانت بعض القوى السياسية تدفع باتجاهه».‏

الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في دمشق الأربعاء (إعلام حكومي)

‏حصر السلاح بيد الدولة

وقدَّم الشرع دعمه لجهود رئيس الوزراء علي الزيدي في ملفي الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أن الزيدي «جاد في ذلك»، مؤكداً دعم بلاده لتوجه الزيدي نحو تحقيق هذا الهدف. وقال الشرع إن «بناء جيش موحد وقوي يُشكل ‏مصدر قوة وحماية للجميع».

وبالنسبة للشأن المتعلق بالمخاوف الأمنية المشتركة بين البلدين، أشار الشرع ‏إلى أن «الحكومة العراقية التقطت الرسائل السورية منذ اللحظات ‏الأولى، رغم محاولات التشويش على موقفها، مؤكداً وجود تنسيق أمني عالٍ بين ‏البلدين»، لافتاً إلى أن الحدود تشهد حالة من الاستقرار والأمان، مع استمرار التواصل بشأن أي ‏ملاحظات أو مخاوف».

‏ ‏وفيما يتعلق بتنظيم «داعش» وبقية الجماعات المتطرفة، قال، إن «التهديدات تراجعت تدريجياً مقارنة بما كانت عليه في مراحل ‏سابقة، من دون أن يعني ذلك الوصول إلى حالة من الاطمئنان الكامل».

شاحنات نفط قادمة من العراق في طريقها إلى محطة بانياس النفطية بسوريا يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

روابط اقتصادية ‏ ‏

وفي الشأن الاقتصادي، أكد الشرع أن سوريا والعراق قطعا شوطاً خلال الفترة الماضية. وقال إن «المسار الطبيعي لبلدين متجاورين مثل سوريا والعراق يتمثل في بناء مصالح مشتركة يصعب فكها مستقبلاً، تشمل القضايا الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، بحيث تبقى هذه المصالح مقدمة على أي سياسات مزاجية أو تغيرات سياسية».

وفيما يتعلق بمشروع الربط النفطي، أشار الشرع إلى أن شركات عدة زارت سوريا خلال العام الماضي، باستثمارات بمئات ملايين الدولارات، وبحثت فرصاً تحقق منفعة متبادلة، مشدداً على «ضرورة إعادة بناء خطوط النفط إلى بانياس لأهميتها للعراق وما يمكن أن تحققه من منفعة لسوريا».

وخلال الأشهر الأخيرة، تواصل السلطات العراقية تنويع منافذ تصدير النفط، خصوصاً عبر الأراضي السورية وميناء بانياس، بعدما اعتمدت بدرجة كبيرة على مياه الخليج ومضيق هرمز، الذي ألحق إغلاقه أضراراً فادحة بالاقتصاد العراقي وقطاع النفط.

علاقات اجتماعية

وأكد الرئيس الشرع انفتاح سوريا الكبير على تعزيز العلاقات الاجتماعية مع العراق ‏وتسهيل السفر وتنقل الأفراد بين البلدين، مشدداً على أن العلاقة السورية العراقية «لا ‏تقوم على منظور طائفي أو عرقي»، وإنما تستند إلى المشتركات التاريخية والاقتصادية ‏والروابط العميقة بين الشعبين.‏

‏‏دخول العراق

وتطرقت المقابلة مع الشرع إلى دخوله العراق قبل وصول القوات الأميركية عام 2003 بنحو أسبوع أو 10 أيام، بمبادرة شخصية، بدافع ما وصفه بشعوره بالمسؤولية تجاه الشعب العراقي. وأوضح أنه دخل السجن في العراق عام 2005، وبقي فيه حتى عام 2011، قبل أن يعود إلى سوريا مع بداية الثورة السورية، من دون أن يتدخل في القتال الذي شهدته الساحة العراقية خلال تلك السنوات.


لبنان: ماذا طُبّق من قرار حظر الجناح العسكري لـ«حزب الله»؟

مُناصِرة لـ«حزب الله» ترفع شعار: «لن نترك السلاح» في الذكرى الثانية لاغتيال الأمينين العامّين الأسبق حسن نصر الله والسابق هاشم صفي الدين (أرشيفية - إ.ب.أ)
مُناصِرة لـ«حزب الله» ترفع شعار: «لن نترك السلاح» في الذكرى الثانية لاغتيال الأمينين العامّين الأسبق حسن نصر الله والسابق هاشم صفي الدين (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

لبنان: ماذا طُبّق من قرار حظر الجناح العسكري لـ«حزب الله»؟

مُناصِرة لـ«حزب الله» ترفع شعار: «لن نترك السلاح» في الذكرى الثانية لاغتيال الأمينين العامّين الأسبق حسن نصر الله والسابق هاشم صفي الدين (أرشيفية - إ.ب.أ)
مُناصِرة لـ«حزب الله» ترفع شعار: «لن نترك السلاح» في الذكرى الثانية لاغتيال الأمينين العامّين الأسبق حسن نصر الله والسابق هاشم صفي الدين (أرشيفية - إ.ب.أ)

يعيد توقيف شحنة المتفجرات في منطقة ضهر البيدر في شرق لبنان أخيراً، والتي أقرّ الحزب بأنها عائدة له، وأنها كانت ستُستخدم في مواجهة إسرائيل، النقاش حول ما طُبّق من قرار الحكومة اللبنانية الشهير الماضي بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ«حزب الله»، والذي أتى عقب إطلاق الحزب صواريخ باتجاه إسرائيل؛ ما أدى إلى اندلاع جولة قتال جديدة بين الطرفين، في الثاني من مارس (آذار) 2026.

ولحظ القرار الشهير «إلزام الحزب بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية، وحصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية وتكليف الأجهزة العسكرية والأمنية اتخاذ الإجراءات الفورية لتنفيذ القرار، ومنع إطلاق الصواريخ والمسيّرات من الأراضي اللبنانية، وتوقيف المخالفين وفقاً للقوانين».

ولعلّ أبرز ما سُجّل على مستوى تطبيق هذا القرار، تركز في منتصف مارس وأواخره، خلال مشاركة «حزب الله» في الحرب مع إسرائيل؛ إذ أُوقف عدد من عناصره المسلحين أثناء توجههم إلى جبهات القتال في الجنوب. وقد حوكم عدد محدود منهم، في حين أُفرج عن معظم الموقوفين بكفالات مالية.

«حبر على ورق»

وبينما يعدّ «حزب الله» أن الإجراءات المتخذة بحقه غير مقبولة على الإطلاق، وأنها تخدم إسرائيل في ظل استمرار احتلالها أراضي لبنانية، بما يضع، وفق منطقه، تحرير الأرض في صلب واجباته، يرى معارضوه أن ما اتُّخذ من إجراءات لا يزال دون المستوى المطلوب، وأن على الدولة الذهاب أبعد في تنفيذ قرارها حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب، بما يكرّس حصرية قرار الحرب والسلم بيدها.

دمار واسع ناتج من غارات إسرائيلية استهدفت منطقة المريجة بالضاحية الجنوبية لبيروت... وتبدو صورة القيادي السابق في «حزب الله» فؤاد شكر (أرشيفية - أ.ف.ب)

وترى عضو تكتل «الجمهورية القوية» (القوات اللبنانية) النائب غادة أيوب أن قرار مجلس الوزراء الصادر في 2 مارس الماضي «لا يزال حبراً على ورق ولم يُطبق شيء منه، وإن كان ذلك لا يقلّل إطلاقاً من أهميته السياسية والقانونية باعتبار أن هذا القرار شكّل تحوّلاً أساسياً في موقف الدولة اللبنانية؛ إذ حسم بصورة واضحة عدم شرعية الأنشطة العسكرية والأمنية لـ(حزب الله)، وأسقط أي غطاء رسمي لاستمرارها. وليس من قبيل المصادفة أن يطالب الحزب باستمرار بالتراجع عنه؛ لأنه يدرك تماماً أهمية هذا القرار وتداعياته على مشروعه العسكري والأمني».

تطورات الخارج

وتشير أيوب، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «أهمية القرار تبرز اليوم بصورة خاصة في قضية متفجرات ضهر البيدر؛ إذ يشكّل مرتكزاً أساسياً للمطالبة بإحالة هذه القضية إلى المجلس العدلي، بصفتها مرتبطة بأنشطة عسكرية وأمنية محظورة، فضلاً عن خطورتها على أمن الدولة واللبنانيين».

وتضيف: «أما لماذا لم يُنفّذ القرار؟ فالجواب واضح: لأن الإرادة السياسية لتنفيذه غير متوافرة حتى الآن. فالسلطة السياسية لا تزال تراهن على التطورات الإقليمية والدولية، وتنتظر نتائج المواجهة بين إسرائيل و(حزب الله)، بدلاً من تحمّل مسؤولياتها. وكأنها اختارت ترك الحزب يتحمّل نتائج رفضه تسليم سلاحه وإنهاء مشروعه العسكري، من دون أن تدخل هي في مواجهة معه. وهذه المقاربة تعني عملياً أن الدولة تتخذ القرارات السيادية، لكنها تترك تنفيذها معلّقاً على تطورات الخارج».

وذكّرت بأن «الحكومة اتخذت قرار 5 أغسطس (آب) 2025 بشأن حصرية السلاح ولم تستكمل تنفيذه، ثم اتخذت قرار 2 مارس 2026 بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ(حزب الله) من دون أن تترجمه إلى إجراءات فعلية. واليوم، أمام قضية متفجرات ضهر البيدر، لم يعد مقبولاً الاكتفاء بهذه المعادلة. فعدم إحالة القضية إلى المجلس العدلي يطرح سؤالاً جدياً حول مدى تمسّك الحكومة بقرارها، ويشكّل تراجعاً عملياً عن مقتضياته».

مجسَّمات لصواريخ تابعة لـ«حزب الله» مرفوعة في إحدى القرى الحدودية جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتشدد أيوب على أن «المطلوب أولاً أن تُظهر الدولة اللبنانية جدية في تنفيذ قراراتها، وأن تتصرف كدولة صاحبة سيادة، لا كسلطة تنتظر من إسرائيل أو الولايات المتحدة أن تقوم بما يقع في صلب مسؤولياتها. فلا يجوز أن نبقى في دوامة الانتظار، من استحقاق إقليمي إلى آخر، في حين تبقى القرارات السيادية معلّقة تحت ذريعة الحفاظ على السلم الأهلي لتبرير استمرار مخالفة القانون، كما لا يجوز أن يتحوّل الخوف من المواجهة تنازلاً دائماً عن سيادة الدولة».

لتوقيف كل عنصر مسلح

ولا تبدو مقاربة العميد المتقاعد جورج نادر للملف بعيدة عن مقاربة أيوب؛ إذ يرى أن «شيئاً لم ينفذ من قرارات حصرية السلاح والتصدي للنشاط العسكري لـ(حزب الله)، فبقيت الشعارات وهمية والقرارات ورقية؛ ما يشكل صفعة كبيرة للدولة التي تتخذ قرارات لا نستطيع تنفيذها»، مشيراً إلى أنه «بعد قرار حصر السلاح ذهبنا إلى المخيمات الفلسطينية وأتينا بشاحنات خردة... حتى بعد الكشف عن هوية المسؤولين عن متفجرات ضهر البيدر اكتفينا بتوقيف ناقليها لا المسؤولين عنها».

ويشدد نادر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، على أنه «في حال أردنا فعلياً تطبيق قرارات مجلس الوزراء، فكل عنصر مسلح من (حزب الله) هو خارج عن القانون ووجُب توقيفه ليس فقط على الحواجز إنما يفترض التوجه إلى أماكن وجودهم وتوقيفهم»، مؤكداً أن «ما يحصل مسؤولية السلطة السياسية الممثلة بالحكومة مجتمعة باعتبار أن الجيش ينفذ تعليمات هذه السلطة، وبالتالي فإن المطلوب اليوم إصدار أمر واضح وصريح لوزارة الدفاع التي تبلغ الجيش بوجوب توقيف كل مسلح تابع لـ(حزب الله) أينما وجد».