قتلى غزة يتجاوزون أي خسارة للعرب في حروبهم مع إسرائيل

على مدى الأعوام الأربعين الماضية

دفن جثامين أفراد في عائلة فلسطينية قضت بالقصف الإسرائيلي على رفح الجمعة (أ.ب)
دفن جثامين أفراد في عائلة فلسطينية قضت بالقصف الإسرائيلي على رفح الجمعة (أ.ب)
TT

قتلى غزة يتجاوزون أي خسارة للعرب في حروبهم مع إسرائيل

دفن جثامين أفراد في عائلة فلسطينية قضت بالقصف الإسرائيلي على رفح الجمعة (أ.ب)
دفن جثامين أفراد في عائلة فلسطينية قضت بالقصف الإسرائيلي على رفح الجمعة (أ.ب)

تجاوز عدد سكان قطاع غزة الذين أُبْلِغَ عن مقتلهم خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ 10 أسابيع في القطاع، فعلياً عدد القتلى في أي صراع عربي آخر مع إسرائيل منذ أكثر من 40 عاماً، وربما أي صراع آخر منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948. وأعلنت وزارة الصحة في غزة، الخميس، أن عدد القتلى تجاوز 20 ألف شخص، ما يجعله أعلى من أحد أكثر التقديرات موثوقية عن القتلى في لبنان إثر الغزو الإسرائيلي عام 1982. وعلى الرغم من أن المسؤولين في غزة قالوا إن إحصاء القتلى أصبح يشكّل تحدياً متنامياً، فإن معظم الخبراء يقولون إن العدد المذكور من المرجح أن يكون أقل من العدد الحقيقي، ويعربون عن صدمتهم من ضخامة الخسارة.

وقال بعض الخبراء العسكريين إن عدد القتلى في هذه الحرب كان أسرع من عدد القتلى في المراحل الأكثر دموية من الحرب التي قادتها الولايات المتحدة في أفغانستان أو العراق. وقال عزمي كيشاوي، محلل شؤون غزة في مجموعة الأزمات الدولية، إن هذه الحرب كانت «أكثر رعباً» من أي حرب أخرى شهدها من قبل. وقال إنه فر هو وأسرته من منزله في شمال غزة، وانتقلوا 6 مرات حتى الآن. وهم يعيشون الآن في خيمة بالقرب من ملجأ للأمم المتحدة في مدينة رفح الجنوبية.

مراسم دفن فلسطينيين من عائلة حجازي قضوا في غارات إسرائيلية على رفح يوم 10 نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

ويشن الجيش الإسرائيلي حملة جوية وبرية مكثفة للقضاء على حركة «حماس»، الجماعة الفلسطينية المسلحة التي تحكم غزة، والتي قادت الهجوم الذي وقع في 7 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، والذي قال مسؤولون إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص في إسرائيل، من بينهم مئات الجنود.

ويعكس ارتفاع عدد القتلى كيف اختارت إسرائيل شن الحرب مستخدمة آلاف الغارات الجوية والقنابل الثقيلة والمدفعية في منطقة صغيرة مكتظة بالمدنيين الذين لا يستطيعون الفرار. وقالت إسرائيل إن «حماس» بنت شبكة أنفاق واسعة تحت الأرض لحماية مقاتليها وأسلحتها، واضعة البنية التحتية المدنية والسكان على الأرض في مرمى النيران.

ومن المعتقد أن الحرب الأخيرة بين إسرائيل و«حماس» هي الصراع الأكثر دموية لدى الفلسطينيين منذ تأسست إسرائيل منذ 75 عاماً. ووفقاً للمكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني، قُتل ما يُقدر بنحو 15 ألف فلسطيني خلال الحرب التي أعقبت إنشاء إسرائيل عام 1948.

وإذا كانت الأرقام الواردة من غزة دقيقة، فإن الوفيات في الصراع الحالي تجاوزت أيضاً التقديرات الأكثر استدلالاً للخسائر في الأشهر الثلاثة الأولى من غزو لبنان في عام 1982. ولكن كما هي الحال في غزة اليوم، يقول باحثون إن عدد القتلى في لبنان قد لا يُعرف أبداً على وجه اليقين بسبب ضبابية الحرب، حتى بعد مرور 4 عقود عليها.

فلسطينيون أصيبوا في الغارات الإسرائيلية خلال نقلهم للعلاج في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس يوم 4 ديسمبر (أ.ف.ب)

ويأتي هذا التقدير من تحليل سجلات الشرطة والمستشفيات الذي جمعته صحيفة «النهار» عام 1982، التي كانت في ذلك الوقت من بين أكثر الصحف احتراماً في العالم العربي. وقُدر عدد القتلى بنحو 17825 شخصاً. ولكن الصحيفة قالت إن هذا العدد كان على الأرجح أقل من العدد الحقيقي، وفي عام 1982 ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن «ترقيم الموتى بشكل صحيح أمر مستحيل عملياً» في لبنان. وفي حرب الشرق الأوسط عام 1967، قُدر عدد القتلى المصريين والسوريين وغيرهم بنحو 19 ألف شخص أثناء القتال ضد إسرائيل، بينما قُتل عدد مماثل — معظمهم من السوريين والمصريين — في حرب عام 1973، وفقاً لوكالة «أسوشيتد برس». وكما هي الحال في حربي غزة ولبنان، فإن عدد القتلى في هذه الحروب غير معروف أيضاً، ولكن يُعتقد أن معظم القتلى هم من المقاتلين. وفي المقابل، أعلنت وزارة الصحة في غزة، وهي جزء من الحكومة التي تديرها «حماس» في القطاع، يوم الأربعاء أن نحو 70 في المائة من القتلى هم من النساء والأطفال. ولا تعطي السلطات في غزة أي معلومات عن عدد القتلى من المقاتلين. وكانت الوزارة قد أعلنت، الخميس، أن عدد القتلى بلغ 20 ألفاً و57 شخصاً. وتزعم إسرائيل أنها قتلت نحو 7 آلاف من مقاتلي «حماس»، ولكنها لم توضح كيف توصلت إلى هذا العدد.

فلسطينيون يبكون أقارب قُتلوا في غارات إسرائيلية على خان يونس بجنوب قطاع غزة الجمعة (إ.ب.أ)

ومن المتوقع أن ترتفع حصيلة القتلى في غزة بشكل كبير عندما يتمكن الفلسطينيون من انتشال الجثث إثر الدمار الهائل الذي أحدثته الحرب. وقال متحدث باسم حكومة غزة يوم الأربعاء إنه بالإضافة إلى القتلى، هناك 6700 شخص في عداد المفقودين. ويُعتقد أن كثيراً منهم ما زالوا تحت الأنقاض. قال عمر شاكر، مدير مكتب «هيومن رايتس ووتش» في إسرائيل وفلسطين: «من المرجح أن كثيراً من الأشخاص المفقودين تحت الأنقاض قد لقوا حتفهم». وأضاف أنه لهذا السبب: «من المرجح أن يرتفع عدد القتلى حتى إن توقف القصف اليوم». ولم تتمكن أي منظمة مستقلة من التحقق من عدد القتلى في غزة بسبب صعوبات العمل في القطاع. ومع استمرار الصراع، أصبح جمع أعداد الضحايا أكثر صعوبة. تجمع وزارة الصحة في غزة بيانات عدد القتلى من سجلات المستشفيات والمشارح المحلية، وفق ما ذكره مسؤولون في المنطقة. ولكن في الأسابيع الأخيرة، قال المكتب الإعلامي الحكومي إنه تدخل للمساعدة في جمع الأرقام بعد قصف منشآت وزارة الصحة، وأصبحت 27 مستشفى، من أصل 36 مستشفى في غزة، خارج الخدمة بسبب الغارات الجوية وسط حصار إسرائيلي فرض قيوداً مشددة على دخول المواد الغذائية والمياه والوقود والأدوية. كما أن الانقطاعات المتكررة في الاتصالات الناجمة عن الهجمات الإسرائيلية على أبراج الاتصالات، والسيطرة الإسرائيلية على خطوط الاتصالات في القطاع، فضلاً عن نقص الوقود، جعلت جمع المعلومات أمراً صعباً للغاية. قال محمود الفرا، المتحدث باسم المكتب الإعلامي الحكومي، إن على الأشخاص الذين يجمعون البيانات الاستفادة القصوى من «الإمكانات المتاحة» وسط القتال. وأضاف: «من الصعب إحصاء هؤلاء لأن عدد الشهداء كبير». طوال فترة الحرب، أصدرت وزارة الصحة في غزة أرقاماً محدثة للقتلى وُصفت بأنها موثوق بها على نطاق واسع من قبل منظمة الأمم المتحدة، والمنظمات الإنسانية، ودراسة نُشرت هذا الشهر في مجلة «ذا لانسيت» الطبية البريطانية.

بحث عن ناجين بين الأنقاض في رفح يوم 20 ديسمبر الحالي (أ.ب)

وفي هذا الشهر، عندما قالت الوزارة إن عدد القتلى قد تجاوز 15 ألفاً، قال بعض المسؤولين الإسرائيليين إنهم يعتقدون أن هذا الرقم دقيق تقريباً. غير أن الجيش الإسرائيلي قال أيضاً إن عدد القتلى المُعلن عنه في غزة لا يمكن الوثوق به لأن المنطقة تخضع لإدارة «حماس». وفي 26 أكتوبر، أصدرت الوزارة قائمة بأسماء وأرقام بطاقات الهوية لعدد 6747 شخصاً قالت إنهم قُتلوا حتى تلك اللحظة جراء القصف الإسرائيلي - وهو إحصاء عزز مصداقية هذه الأرقام. ويضم موظفو الوزارة كثيراً من موظفي الخدمة المدنية الذين سبقوا سيطرة «حماس» على غزة عام 2007، وقد دافع مسؤولو الجماعات الإنسانية عن سجل الوزارة وقالوا إن لديها تاريخاً من الإبلاغ بحسن نية وتقديم معلومات موثوق بها. لكن الوزارة تعرضت لانتقادات بعد انفجار في 17 أكتوبر في المستشفى الأهلي في مدينة غزة، عندما أصدرت الحكومة على الفور تقريباً أرقام الخسائر التي تراوحت بين 500 قتيل و833 قتيلاً. وبعد أيام، أعلنت عن إحصاء نهائي قدره 471 قتيلاً. وبعد الانفجار، وصف جون كيربي، المتحدث باسم البيت الأبيض، الوزارة بأنها «واجهة لـ(حماس)»، وقال الرئيس جو بايدن للصحافيين إنه «ليست لديه فكرة أن الفلسطينيين يقولون الحقيقة حول عدد القتلى». أضاف بايدن: «إنني متأكد من أن الأبرياء قد قتلوا، وهذا هو ثمن شن الحرب». وقد تسببت الحرب بتعقيدات أخرى لا تعد ولا تحصى في جمع أرقام دقيقة لعدد الضحايا. وقد فر ما يُقدر بنحو 85 في المائة من سكان غزة البالغ عددهم أكثر من مليوني نسمة من منازلهم، بعد أن أمرت إسرائيل بإخلاء جزء كبير من الأراضي، في محاولة للهروب من الغارات الجوية والغزو البري الذي تقوم به إسرائيل. وتحوّل أكبر مركز سكاني فيها، مدينة غزة، إلى أنقاض؛ إذ ينام الآلاف في الشوارع، ويعيش آخرون في ملاجئ مكتظة عن آخرها تعج بالأمراض. ولم تتوافر الكهرباء تقريباً منذ أكثر من شهرين. والطعام والماء النظيف نادران. وتقول الأمم المتحدة إن نصف السكان معرّضون لخطر المجاعة، وإن 90 في المائة منهم لا يحصلون على الطعام لمدة يوم كامل.

وقال أحمد فؤاد الخطيب، وهو من أشد نُقّاد «حماس»، والذي نشأ في غزة، لكنه يعيش الآن في كاليفورنيا، إن الغارات الجوية الإسرائيلية قتلت حتى الآن أكثر من 30 فرداً من عائلته، بمن في ذلك أشخاص في السبعينات من العمر، وأبناء العمومة الذين تتراوح أعمارهم بين 3 أشهر و9 سنوات. وقال إنه في وقت مبكر من الحرب، قُصف منزل طفولته، ما أسفر عن مقتل ابن عمه. وفي الأسبوع الماضي، تعرض منزل عمته وعمه للقصف، ما أسفر عن مقتل 31 شخصاً على الأقل. وبينما كان يجلس في كاليفورنيا، شاهد على هاتفه فيديو لمنزلهم المدمر. وأضاف أن أياً من هؤلاء الأشخاص لم يكن منتمياً أو مرتبطاً بحركة «حماس». «لقد كان منزلاً عائلياً»، كما أردف.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

شؤون إقليمية جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)

تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

بحث 8 وزراء خارجية من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا خلال اجتماع في إسطنبول، الجمعة، محادثات غير مسبوقة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز، وملفات إقليمية ودولية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقَّد القوات قرب حدود إسرائيل نهاية 2024 (المتحدث العسكري المصري)

حديث إسرائيلي جديد عن تسهيل تهجير الغزيين يفاقم التوتر مع مصر

يعيد حديث إسرائيلي جديد عن تسهيل تهجير سكان قطاع غزة التوترَ إلى الواجهة مع مصر، التي ترفض أي محاولات لدفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينية قرب رجل مستلقٍ على فرشة وسط الدمار بعد غارة جوية إسرائيلية في النصيرات وسط قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

قتل ودمار واحتلال وحصار وتجويع... غزة تواجه الحرب الشاملة من جديد

يواجه قطاع غزة حرباً إسرائيلية شرسة في الآونة الأخيرة، خصوصاً خلال الأيام التي تم فيها وقف إدخال البضائع والسلع التجارية إلى القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص طلاب فلسطينيون يحضرون يومهم الدراسي الأول في العام الدراسي الجديد داخل فصل دراسي أقيم في خيمة بمدرسة في خان يونس جنوب قطاع غزة 19 سبتمبر الماضي (رويترز)

خاص تعافي النظام التعليمي في غزة قد يستغرق 7 سنوات

حذّرت مديرة التعليم في «أونروا» من بقاء أكثر من 200 ألف طفل بغزة خارج التعلّم المنظّم، موضحةً أن تعافي النظام التعليمي في القطاع قد يستغرق حتى سبع سنوات.

شادي عبد الساتر (بيروت)
خاص فلسطينيون يملأون عبوات بلاستيكية ماءً في دير البلح بغزة (أ.ب)

خاص هل هددت «حماس» إسرائيل بتكرار 7 أكتوبر؟

نفى حازم قاسم، الناطق باسم حركة «حماس»، في تصريح مقتضب وزعه للصحافيين بغزة، أن تكون حركته وجهت أي تهديد لتنفيذ هجوم مماثل للسابع من أكتوبر.

«الشرق الأوسط» (غزة)

هجوم إرهابي على كنيسة في الكرك يوقع عشرات الضحايا

TT

هجوم إرهابي على كنيسة في الكرك يوقع عشرات الضحايا

مواطنون ورجال شرطة خارج الكنيسة التي هاجمها إرهابيان في قرية حمود بالكرك الجمعة (أ.ف.ب)
مواطنون ورجال شرطة خارج الكنيسة التي هاجمها إرهابيان في قرية حمود بالكرك الجمعة (أ.ف.ب)

توعّد الملك الأردني عبد الله الثاني بإنزال «أشد العقوبات» بحق الذين نفذوا هجوماً على كنيسة في الكرك، جنوب البلاد، وأوقعوا عشرات الضحايا.

وقام الملك عبد الله الثاني بزيارة مصابين بـ«الهجوم الإرهابي» و«اطمأن على سلامتهم»، وفق ما ذكرته وكالة الأنباء الأردنية.

 

و‏أكد العاهل الأردني ضرورة «مواجهة العمل الإرهابي الذي استهدف محافظة الكرك بأشد العقوبات»، مُبشّراً بـ«خيبة مساعي من يظنون أن رصاص الغدر سيشق صف الأردنيين»، ومُتعهداً بـ«صلابة الأردنيين ووحدتهم».

وفي تعليق له على منصة «إكس» قال الملك: «إن جميع الأردنيين من شمال الوطن لجنوبه شركاء الأرض والموقف ولن ينفذ بينهما غدر».

وقدم العاهل الأردني العزاء لذوي القتلى والأمنيات بالشفاء للمصابين، مشدداً على أن «دم الأردني غالٍ، وسنضرب بيد من حديد من تطاول على هذا البلد».

رجل ينظر عبر فجوة بجدار إلى الكنيسة التي هاجمها إرهابيان في قرية حمود بالكرك الجمعة (أ.ب)

وفي قرية الحمود التابعة لمحافظة الكرك (150 كم جنوب العاصمة) والتي تقطنها عشائر الهلسة المسيحية، وهي من أكبر العشائر المسيحية في المحافظة، فتح مسلحان اثنان النار من بنادق أوتوماتيكية بشكل عشوائي، مما تسبب في سقوط قتلى وعشرات الجرحى بينهم حالات حرجة، وذلك بحسب فيديوهات كاميرات المراقبة الأمامية للكنيسة التي تم تداولها على نطاق واسع. وظهر مسلح ثالث في الهجوم لكنه لم يتمكن من اطلاق النار، كما يبدو.

شاهد عيان

يروي شاهد عيان لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل مرعبة عاشها الموجودون في محيط الكنيسة. فقرابة الساعة 02:15 ظهراً بتوقيت عمّان دخل مسلحان اثنان وفتحا النار، وبدأت مشاهد الدماء تملء المكان وسط جثث تسبق الدخول لمسرح الجريمة الأكبر داخل صحن الكنيسة. يقول شاهد عيان كان واقفاً على باب الكنيسة إنه لحظة إطلاق النار لم يستوعب ما يحدث إلا عندما أخطأته رصاصة لتستقر في صدر ابن عمته الواقف بمحاذاته، والذي قُتل بين يدي الشاهد.

صورة من شريط فيديو للحظة هجوم المسلحين على الكنيسة التي هاجمها إرهابيان في قرية حمود بالكرك الجمعة (أ.ف.ب)

ويزيد صاحب القصة أن لحظة هذيان أصابته بين وفاة ابن عمته بين ذراعيه، ووجود والدة شاهد العيان داخل الكنيسة. وعندها فقط أدرك أن الموت يحاصر المكان، فاندفع والرصاص ينطلق من كل الاتجاهات لنجدة والدته أو افتدائها. ويقول: «لقد ظل إطلاق النار لمدة طويلة، ولم ينجح أحد في ردع المسلحَين».

تلك الصور التي يتحدث شاهد العيان عنها وثّقتها عشرات الفيديوهات التي جرى تداولها على منصات التواصل الاجتماعي، في مشهد غير مسبوق في البلاد استهدف أبناء الطائفة المسيحية في محافظة الكرك التي تُعد حاضنة العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين.

هوية المنفذين؟

كان ذلك قبل أن يُعلن وزير الداخلية الأردني مازن الفراية أن الأردن «أمام عملية إرهابية نفذتها مجموعة من المتطرفين أقدموا على عمل فظيع». ليكشف مدير الأمن العام عبيد الله المعايطة عن ارتفاع عدد الشهداء إلى 7، وارتفاع عدد الإصابات إلى 27 مصاباً.

وكانت الكنيسة استقبلت المعزين بإقامة جنّاز لأحد أفراد العشيرة، وكان المكان مزدحماً بالمعزين، فكان من السهل على المنفذين أن يرتكبا جريمتهما بحق أكبر عدد من الضحايا، وسط تجمع لأبناء القرية الذين عادة ما يجتمعون في مثل هذه المناسبات.

مصادر «الشرق الأوسط» أكدت أن «منفذَي العملية اللذين لاذا بالفرار هما من أبناء المحافظة»، وهما من حملة الفكر التكفيري، وعلى علم بـ«مكان وموعد إقامة الجنّاز»، فكان العمل مدبراً مع سبق الإصرار.

رجل شرطة يتولى الحراسة خارج الكنيسة التي هاجمها إرهابيان في قرية حمود بالكرك الجمعة (أ.ب)

وفي وقت أكدت فيه مصادر «الشرق الأوسط» أنه جرى التعرف على هوية المنفذَين، وأن البحث ما يزال جارياً عنهما، وعن آخرين مشتبه بهم بتشكيل خلية إرهابية، أكدت ذات المصادر أنه تم تطويق مخارج ومداخل المحافظة منعاً لفرار المشتبه بهم.

وأكد اللواء المعايطة «توفر المعلومات عن منفذَي العملية الإرهابية»، وأن «الحديث عن أسماء المشتبه بهم سابق لأوانه»، ورفض المعايطة تحديد مدة لإلقاء القبض على الفارين، وقال: «لا نستطيع تحديد مدة زمنية لانتهائه؛ لأنه مرتبط بطبيعة الموقف».

وليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها المحافظة لحادثة إرهابية؛ فقد تابع الكركيون أحداث قلعة الكرك، التي وقعت في ديسمبر (كانون الأول) 2016؛ إذ تمت ملاحقة عناصر ينتمون لتنظيم «داعش»، ليتمكن الإرهابيون من التحصن بقلعة الكرك التي تمت تخبئة أسلحة فيها.

في تلك الحادثة تم حجز رهائن داخل القلعة، واستمرت العملية لأكثر من 15 ساعة، مسفرة عن مقتل 14 من عناصر الأمن ومدنيين وسائحة أجنبية، وإصابة الكثير من الموجودين في محيط القلعة، ومقتل عناصر العملية الأربعة.


وقفات احتجاجية في مدن سورية تنديداً بالتوغلات الإسرائيلية

متظاهر يستخدم ميكروفوناً خلال مظاهرة في درعا ضد التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية (أ.ب)
متظاهر يستخدم ميكروفوناً خلال مظاهرة في درعا ضد التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية (أ.ب)
TT

وقفات احتجاجية في مدن سورية تنديداً بالتوغلات الإسرائيلية

متظاهر يستخدم ميكروفوناً خلال مظاهرة في درعا ضد التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية (أ.ب)
متظاهر يستخدم ميكروفوناً خلال مظاهرة في درعا ضد التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية (أ.ب)

نفّذ مئات السوريين، الجمعة، وقفات احتجاجية في مدن عدة، وفق ما أفاد به مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية» والإعلام الرسمي، تنديداً بالتوغلات الإسرائيلية المتكررة في جنوب سوريا والتي أسفرت، هذا الأسبوع، عن مقتل مدني من ذوي الاحتياجات الخاصة.

وتتهم سوريا إسرائيل بانتهاك اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، عبر توغل قواتها المتكرر في جنوب البلاد، ودَهم منازل السكان، واعتقال أفراد منهم، في موازاة تنفيذ قصف مدفعي وأعمال تجريف، وقطع أشجار.

وتجمَّع المعتصمون في مدن عدة، من بينها دمشق ودوما الواقعة شرقها، وفي مدينة حمص (وسط) وفي بلدة خان أرنبة في ريف محافظة القنيطرة (جنوب)، احتجاجاً على «الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة» في محافظتي القنيطرة ودرعا (جنوب).

سيدة تحمل لافتة خلال مظاهرات للتنديد بالتوغلات الإسرائيلية أمام مقر الأمم المتحدة في دمشق (د.ب.أ)

وحمل المعتصمون، وفق مشاهد بثّها التلفزيون السوري الرسمي، الأعلام السورية ولافتات كتب على إحداها «كلنا معاذ»، في إشارة إلى اسم السوري الذي قُتل، الخميس، «برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال توغلها في قرية جملة» في ريف درعا الغربي، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الرسمية «سانا».

ورفع متظاهر آخر لافتة كتب عليها «سوريا لن تكون ساحة مفتوحة للاحتلال».

وقال تيسير الحريري، وهو مسؤول محلي سابق في بلدة بصرى الحرير في درعا: «الوطن السوري واحد جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً، نحن يد واحدة ضد التوغلات الإسرائيلية».

قوات الأمن السورية تنتشر أمام مقر الأمم المتحدة في دمشق خلال مظاهرات تنديد بالتوغلات الإسرائيلية (أ.ف.ب)

وأمام مقر الأمم المتحدة في دمشق، طالبت عائلة سوري اعتقلته إسرائيل بالإفراج عنه. وحمل أفراد عائلته وبينهم طفلان صغيران لافتات جاء فيها «أريد أبي»، وفق ما شاهد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ إطاحة الحكم السابق أواخر 2024، احتجزت القوات الإسرائيلية 56 شخصاً، لا يزال الجزء الأكبر منهم قيد الاعتقال، وفق مسؤول محلي في محافظة القنيطرة.

ونددت السلطات السورية، الخميس، بمقتل الرجل من ذوي الاحتياجات الخاصة. ورأت «الخارجية»، في بيان، أن «استهداف المدنيين يشكل انتهاكاً خطيراً لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني».

وشدّدت على أن «استمرار التوغّلات والاعتداءات على المواطنين السوريين يشكل انتهاكاً لسيادة» البلاد «وتهديداً لأمن المنطقة واستقرارها».

وأعرب نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا كلاوديو كوردوني، عبر منصة «إكس»، الخميس، عن أسفه إزاء «مقتل شاب سوري مدني من ذوي الإعاقة على يد القوات الإسرائيلية»، داعياً إسرائيل إلى «احترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها والقانون الدولي».

متظاهرون يلوّحون بالعلم السوري خلال وقفات احتجاجية تنديداً بالتوغلات الإسرائيلية المتكررة في جنوب سوريا (أ.ب)

وبعد إطاحة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، شنّت القوات الإسرائيلية مئات الغارات على سوريا. وتوغّلت قواتها خارج المنطقة العازلة المحاذية لهضبة الجولان التي تحتل معظمها منذ عام 1967، وصولاً إلى جبل الشيخ الفاصل بين لبنان وسوريا. وأعلنت عزمها على إقامة منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، مؤكدة أن قواتها ستبقى في المنطقة.

وعملت القوات الإسرائيلية في الأيام الأخيرة على تجريف حقول واسعة مزروعة بأشجار الزيتون في محافظة القنيطرة. وخاضت السلطات الجديدة مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بهدف التوصل إلى اتفاق أمني، من دون إحراز أي تقدم بعد.


إيطاليا تدعو لإطلاق سراح 5 ناشطات تحتجزهن إسرائيل في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون يقفون بجانب رجل فلسطيني جريح في أعقاب هجوم مستوطنين على فلسطينيين يقطفون الزيتون في الضفة الغربية (أ.ب)
جنود إسرائيليون يقفون بجانب رجل فلسطيني جريح في أعقاب هجوم مستوطنين على فلسطينيين يقطفون الزيتون في الضفة الغربية (أ.ب)
TT

إيطاليا تدعو لإطلاق سراح 5 ناشطات تحتجزهن إسرائيل في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون يقفون بجانب رجل فلسطيني جريح في أعقاب هجوم مستوطنين على فلسطينيين يقطفون الزيتون في الضفة الغربية (أ.ب)
جنود إسرائيليون يقفون بجانب رجل فلسطيني جريح في أعقاب هجوم مستوطنين على فلسطينيين يقطفون الزيتون في الضفة الغربية (أ.ب)

قال وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، الجمعة، إن إيطاليا تطالب بالإفراج الفوري عن 5 ناشطات إيطاليات تحتجزهن القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وأفادت مصادر في وزارة الخارجية الإيطالية بأن النساء الخمس احتُجزن، الخميس، على أيدي الشرطة الإسرائيلية في كريات أربع برفقة ناشطين أجانب آخرين، في أثناء محاولة توفير حماية للمزارعين الفلسطينيين خلال موسم حصاد الزيتون.

وأضاف تاياني للصحافيين على هامش قمة دولية في إسطنبول: «ما حدث أمر غير مقبول، فهن لم يرتكبن أي جريمة»، مضيفاً أنه يأمل في الإفراج عنهن في غضون ساعات، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأوضحت المصادر أن السلطات الإسرائيلية أبلغت دبلوماسيين إيطاليين، في وقت سابق من اليوم، بأن من المتوقع تحويل النساء إلى سلطة الهجرة الإسرائيلية، الجمعة، بانتظار إجراءات الترحيل والإعادة إلى الوطن.

وطلبت «الخارجية الإيطالية»، الخميس، من السلطات الإسرائيلية «توضيحات عاجلة» بشأن توقيف عدد من الناشطات الإيطاليات في الضفة الغربية المحتلة.

وقالت الوزارة، في بيان، إن المواطنات الإيطاليات اعتُقلن «بالتزامن مع نشطاء دوليين آخرين» في قرية البويب جنوب الخليل بالضفة الغربية «في أثناء مرافقتهم مزارعين فلسطينيين في قطف الزيتون».

وخلال موسم الزيتون، هذا العام، قالت السلطات الفلسطينية إن 3 فلسطينيين قُتلوا في هجمات يومية شنها مستوطنون متطرفون، وتسببت هذه الهجمات أيضاً في إصابة عدد من الصحافيين والدبلوماسيين الأوروبيين ورئيس بلدية فرنسي.

وذكرت منظمة «ييش دين» الحقوقية الإسرائيلية أن العنف «جزء من حملة تطهير عِرقي، تمهد الطريق لضم الضفة الغربية من دون سكانها الفلسطينيين».

وتقول إسرائيل، التي سبق أن بحثت فكرة الضم، إنها تحقق في بعض الوقائع.