لبنان يلتزم القرار «1701» وليس مشمولاً بإعادة ترتيب المنطقة

ضغوط دولية لتطبيقه... ولا نية لتعديله

دخان غارة إسرائيلية على بلدة القوزح الحدودية اللبنانية (أ.ف.ب)
دخان غارة إسرائيلية على بلدة القوزح الحدودية اللبنانية (أ.ف.ب)
TT

لبنان يلتزم القرار «1701» وليس مشمولاً بإعادة ترتيب المنطقة

دخان غارة إسرائيلية على بلدة القوزح الحدودية اللبنانية (أ.ف.ب)
دخان غارة إسرائيلية على بلدة القوزح الحدودية اللبنانية (أ.ف.ب)

تتوالى الضغوط الدولية على لبنان لتطبيق القرار الدولي «1701» استباقاً لما يمكن أن تؤدي إليه التسوية لوضع حد لاستمرار الحرب بين حركة «حماس» وإسرائيل. وعلى الرغم من أن الغموض لا يزال يكتنف هذه التسوية في غياب التدخلات الخارجية لوقف الحرب، تبقى الجبهة الشمالية في جنوب لبنان تحت السيطرة، وتقتصر على تبادل القصف بين «حزب الله» وإسرائيل من دون أن يؤدي حتى الساعة إلى تفلُّت الوضع العسكري.

وتتزعّم الضغوط كلٌّ من الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية المشاركة في «يونيفيل» العاملة في جنوب لبنان لمؤازرة الجيش اللبناني في بسط سيادته على منطقة العمليات الواقعة في جنوب الليطاني من دون أن تلمّح إلى تعديله، مكتفيةً بإعادة تفعيله لأن الظروف التي أمْلت إصداره عن مجلس الأمن الدولي لوقف حرب يوليو (تموز) 2006 لم تعد قائمة.

فالقوى الدولية ومعها الأمم المتحدة تكتفي بمطالبتها لبنان وإسرائيل بضرورة إحياء القرار «1701» وتفعيله لضمان تطبيقه بالكامل لجهة التوصل إلى قرار مستدام لوقف إطلاق النار استكمالاً لوقف الأعمال العسكرية التي بقيت تحت السيطرة إلى أن تعرضت إلى خروقات عسكرية متبادلة امتداداً للحرب الدائرة في غزة.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر وزارية بارزة أنْ لا نية دولية لإدخال تعديلات على القرار «1701» بوضع تطبيقه كأمر واقع تحت البند السابع بخلاف البند السادس من القرار الذي ينص على حصر دور «يونيفيل» في جنوب الليطاني لمؤازرة الجيش اللبناني في بسط سلطة الدولة على أراضيها كافة في هذه المنطقة.

ولفتت المصادر الوزارية إلى أن المجتمع الدولي لا يطالب بتحويل «يونيفيل» من قوة لمؤازرة الجيش اللبناني إلى قوة رادعة، وقالت إن توسيع مهامها في حاجة إلى قرار من مجلس الأمن الدولي يقضي بإدخال تعديل في هذا الخصوص على القرار «1701» يَلقى اعتراضاً من العضوين الدائمين في مجلس الأمن الدولي، وتحديداً من روسيا والصين، اللذين يحق لهما استخدام الفيتو لقطع الطريق على تعديله.

اتصالات ميقاتي وبو حبيب

وكشفت عن أن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، ومعه وزير الخارجية والمغتربين عبد الله بو حبيب، يتوليان الاتصالات الدولية والإقليمية على قاعدة التزام لبنان تطبيق القرار «1701» بعد أن مضى على إصداره 17 عاماً، وأن إسرائيل تتحمل مسؤولية حيال الصعوبات التي حالت دون تطبيقه بسبب إصرارها على خرق الأجواء اللبنانية براً وبحراً وجواً وصولاً إلى تحليق الطيران الحربي الإسرائيلي فوق سمائه واستخدامه للقيام بغارات ضد سوريا.

وأكدت المصادر نفسها أن إسرائيل لم تكتفِ بخرق الأجواء اللبنانية التي كانت وراء تقديم لبنان مئات الشكاوى ضدها أمام مجلس الأمن الدولي، وإنما تصر على اقتطاعها مساحات من الأراضي اللبنانية على امتداد الجبهة الشمالية من رأس الناقورة حتى مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، رغم أن لبنان يصر على تحريرها بعد أن تحفّظ على الخط الأزرق ولا يتعامل معه على أنه خط الانسحاب الشامل المعترف به دولياً.

وشدّدت على ضرورة انسحاب إسرائيل من عدد من النقاط الحدودية التي سبق للبنان، بعد تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي في مايو (أيار) عام 2000، أن تَحفّظ عليها. ورأت أن تهيئة الظروف لإعادة إحياء القرار «1701» تستدعي انسحابها الفوري منها، إضافةً إلى الامتناع عن خرقها الأجواء اللبنانية، لأنه من غير الجائز تطبيقه من جانب واحد من دون أن يتلازم مع تقيُّد إسرائيل به.

لكنَّ تطبيق القرار «1701» يبقى عالقاً، كما تقول مصادر دبلوماسية أوروبية لـ«الشرق الأوسط»، في ضوء تمدد المواجهة من قطاع غزة إلى الجبهة الشمالية في جنوب لبنان، بعد أن دخل «حزب الله» على الخط بذريعة أنه مضطر لإسناد حركة «حماس» للتخفيف من الضغط العسكري الإسرائيلي على غزة.

مواصلة التحريض

وتسجّل المصادر الأوروبية على «حزب الله» أنه لم يحسن التعامل كما يجب مع «يونيفيل»، وتأخذ عليه مواصلة التحريض عليها لشل قدرتها على التحرك، وتدعوه ليعيد النظر في تعامله معها بإقلاعه عن «ثقافة» التعبئة التي يرعاها والتي تسببت بالإشكالات التي تحصل من حين لآخر بين القوات الدولية والجنوبيين.

وتؤكد أن المنسّقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان يوانا فرونتسكا، كانت قد تواصلت فور عودتها من نيويورك، بعد أن قدّمت تقريرها إلى مجلس الأمن حول الأسباب الكامنة وراء تعثُّر تطبيق «1701»، مع رئيسي البرلمان نبيه بري، والحكومة نجيب ميقاتي، وقائد الجيش العماد جوزف عون، بُغية الاستعداد لتطبيقه بتعزيز حضور الجيش في منطقة جنوب الليطاني التي يُفترض أن تبقى خالية من المسلحين باستثناء المعدّات والأسلحة التابعة للجيش وقوات الأمم المتحدة.

وتقول المصادر نفسها إنها لمست كل استعداد لبناني لتطبيق «1701»، وأن المشكلة، كما قيل لها، تكمن في مواصلة إسرائيل اعتداءاتها على لبنان، رغم أنهم يتواصلون مع «حزب الله» لقطع الطريق على انزلاقه وصولاً لتوسعة الحرب بحيث تشمل الجبهة الشمالية.

ضغط مكثف

لذلك، فإن الضغط الدولي سيزداد على لبنان لتطبيقه مع أنه سيبقى عالقاً إلى أن يتحقق فك الارتباط بين الجبهة الشمالية وغزة، خصوصاً أن إسرائيل تتريث في دعوتها المستوطنين إلى العودة إلى المستوطنات الواقعة على خط التماس مع الحدود اللبنانية وتربط عودتهم بإخلاء جنوب الليطاني من المسلحين.

وفي المقابل، يتمسك «حزب الله» بموقفه من أن أي حماية للمستوطنات يجب أن تقترن بحماية المناطق اللبنانية على الحدود الآهلة بالسكان، ورفضه الاستجابة لطلب تل أبيب بسحب «قوة الرضوان» من جنوب الليطاني، مما يعني أن تبادلهما الخروق يؤخِّر تطبيق «1701»، وإن كانت إسرائيل، كما يقول مصدر نيابي بارز لـ«الشرق الأوسط»، هي البادئة بوضع الشروط التي تعرقل تنفيذه.

ويسأل المصدر النيابي: كيف تطلب من لبنانيين أن يتركوا قراهم، فيما إسرائيل تُمعن في استباحتها الأجواء اللبنانية وترفض الانسحاب من الأراضي التي تحتلها بما فيها تلك النقاط الواقعة على خط الانسحاب الشامل المعترف به دولياً؟

وعليه سيبقى تطبيق «1701» في ثلاجة الانتظار من دون وجود نية لتعديله، وهذا ما تؤكده سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا، في لقاءاتها مع كبار المسؤولين اللبنانيين، وربما إلى حين جلاء الموقف على جبهة غزة والتسوية المطروحة لإنهاء الحرب، وما إذا كانت «حماس» ستُدعى للمشاركة فيها إذا ما استطاعت الصمود لأمد طويل تضطر الدول الكبرى ومعها الدول المعنية بالملف الفلسطيني إلى التدخل لوضع حد لاستمرارها.

وفي هذا السياق، أكدت مصادر دبلوماسية أوروبية لـ«الشرق الأوسط» أن انتهاء الحرب في غزة سيضع المنطقة أمام ترتيب يمكن أن يؤدي إلى إعادة رسم خريطة جديدة يُستثنى منها لبنان، لأنه لن يكون مشمولاً لا بترتيب أوضاعها ولا المس بحدوده المعترف بها دولياً، وإن كان المطلوب منه الإسراع بإعادة تكوين السلطة بدءاً بانتخاب رئيس للجمهورية بدلاً من إطالة أمد الشغور الذي يَحول دون أن يحجز مقعده في التسوية، وإن كانت لن تمس حدوده، بمقدار ما أن وجوده يعيد الاعتبار للقرار «1701» وصولاً لتطبيقه بعد أن مضى على صدوره 17 عاماً.


مقالات ذات صلة

أزمة السفير الإيراني تتفاقم: بيروت تتمسّك بالقرار وطهران تتحدى

المشرق العربي السفير الإيراني في بيروت محمد رضا شيباني (أرشيفية - أ.ف.ب)

أزمة السفير الإيراني تتفاقم: بيروت تتمسّك بالقرار وطهران تتحدى

تشهد العلاقات اللبنانية الإيرانية توتراً دبلوماسياً متصاعداً على خلفية قرار بيروت سحب اعتماد السفير الإيراني وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وحدة مدفعية إسرائيلية تعمل وسط تصاعد الأعمال العسكرية عند الحدود بين إسرائيل و«حزب الله» (رويترز)

محاور القطع والتطويق: إسرائيل توسّع «السيطرة النارية» في جنوب لبنان

تتبدّل ملامح المواجهة في جنوب لبنان من معركة تقدّم بري مباشر إلى سباق للسيطرة على «التلال الجغرافية» الحاكمة حيث تسعى إسرائيل إلى إعادة رسم خريطة الاشتباك.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي عسكريان في الجيش اللبناني بعد استهداف مركزهما بغارة إسرائيلية ما أدى إلى مقتل جندي (أ.ف.ب)

إسرائيل تطلق رسائل بالنار تتجاوز خطوط القتال في جنوب لبنان

في تحوّل يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية بدأت تتخطى الضربات الإسرائيلية الأهداف العسكرية المباشرة لتطول مؤسسات يفترض أنها محيّدة بموجب القوانين الدولية.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي جنود إسرائيليون في مربض مدفعية بالجليل الأعلى على الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تقطع خط إمداد «حزب الله» من البقاع إلى الخيام جنوباً

قطعت إسرائيل، الأحد، محور الخيام في جنوب لبنان عن خط الإمداد الوحيد المتبقي من جهة البقاع الغربي في شرق لبنان عبر غارات جوية استهدفت طريق دبين - إبل السقي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)

بارو يحمّل «حزب الله» مسؤولية جرّ لبنان إلى الحرب

يتزايد الضغط الدولي والدعوات الداخلية لتحييد لبنان عن أتون الحرب، مع اتساع رقعة المواجهة، وتفاقم الخسائر البشرية والمادية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
TT

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)

قالت دمشق إنها تدرس «خياراتها» بالرد المناسب على هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية، فجر الاثنين، في تصعيد لافت جاء عقب دفع تعزيزات عسكرية جديدة إلى الشريط الحدودي مع العراق خلال الساعات الماضية.

وبينما تحدث خبراء عسكريون عن خيارات الرد العسكري المتاحة، رأى سياسيون في دمشق أن هجوم المسيّرات على القواعد الأميركية التي قد تم إخلاؤها يحمل رسائل ذات دلالات مهمة؛ إذ يأتي بعد تنفيذ إسرائيل عملية توغل من جهة جبل الشيخ باتجاه الأراضي اللبنانية.

وأفادت «هيئة العمليات في الجيش العربي السوري» بوقوع هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية فجر الاثنين.

ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) عن الهيئة قولها إن وحدات الجيش تمكنت من التصدي لأغلب المسيَّرات وأسقطتها. وأضافت: «ندرس خياراتنا، وسنقوم بالرد المناسب لتحييد أي خطر، ومنع أي اعتداء على الأراضي السورية».

وبحسب تصريحات الخبير العسكري السوري، العقيد عماد شحود، لـ«الشرق الأوسط»، هناك خياران للرد على مصدر إطلاق المسيّرات في الأراضي العراقية؛ الأول القصف المدفعي بالمدى البعيد «عيار 130»، أو بالراجمات «بي إم 21»، موضحاً أن هذا الخيار لا يحتاج إلى توغل بري.

أما الخيار الثاني، وهو الأفضل، فاستخدام مسيّرات «شاهين»؛ إذ يكون الرد بالمستوى نفسه؛ أي رد بالمسيّرات على هجوم مسيّرات، والأهم أن إصابة الهدف تكون أدق، وفق قوله.

جندي سوري (الجيش العربي السوري - إكس)

وحول الأهداف التي تضربها المسيّرات القادمة من العراق، وهي قواعد عسكرية سورية كانت سابقاً أميركية وتم إخلاؤها قبيل بدء الحرب الإقليمية، رأى شحود أن الغاية من الهجمات توجيه رسائل للحكومة السورية بـ«عدم دخول معركة برية مع (حزب الله) في لبنان، أو تقديم تسهيلات، أو غض النظر عن التوغلات الإسرائيلية من جهة جبل الشيخ باتجاه البقاع الأوسط والبقاع الشمالي»، مشيراً إلى أن إيران ليس لها أهداف في سوريا، وإنما هي رسائل تحذيرية، في حين يضغط الجانبان الأميركي والإسرائيلي على دمشق لتتدخل سوريا برياً ضد «حزب الله»، وهو ما ترفضه دمشق.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، تنفيذ عملية عابرة للحدود انطلاقاً من الشق السوري لجبل الشيخ، وصولاً إلى منطقة جبل روس داخل الأراضي اللبنانية (مزارع شبعا). وبحسب البيان، تهدف العملية إلى تمشيط المنطقة، وجمع معلومات استخبارية، إلى جانب كشف بنى تحتية ميدانية.

ولا تزال دمشق تظهر حذراً حيال الحرب المندلعة في المنطقة «إدراكاً منها لحساسية الموقف»، بحسب تعبير الباحث في الشؤون السياسية عباس شريفة. وبحسب رأيه، فإن الدولة السورية «تأخذ بالحسبان أن تكون هذه الاعتداءات والاستفزازات هي خطة مدروسة من بعض الأذرع الإيرانية في العراق لجر سوريا نحو المواجهة، وتحويل سوريا من عقدة استقرار إلى بيئة متوترة».

وتوقع أن تتأنى دمشق في أخذ أي إجراء حيال هجوم المسيّرات، يوم الاثنين، قبل «التواصل مع الدولة العراقية والجهات الرسمية ومعرفة تقدير الموقف لديها والتعاون». وأضاف شريفة لـ«الشرق الأوسط» أن «الدولة السورية ليست في عجلة من أمرها، خصوصاً أن الموقف الرسمي العراقي رافض لهذه الاستفزازات»، مشيراً إلى أن ما تحتاجه سوريا من الحكومة العراقية «إجراءات ملموسة وذات مصداقية».

معبر اليعربية بين سوريا والعراق (أ.ف.ب)

وكان الجيش السوري أعلن السبت أنه صدَّ هجوماً بطائرة مسيَّرة انطلق من العراق على قاعدة التنف في جنوب شرقي البلاد، التي كانت تضمُّ في السابق قوات أميركية. كما أشار الجيش الأسبوع الماضي إلى استهداف قاعدة أخرى تابعة له في شمال شرقي البلاد بهجوم صاروخي من العراق. واتهم مسؤول عراقي فصيلاً مسلحاً محلياً (تابعاً لـ«الحشد الشعبي»)، بالوقوف وراء الهجوم، وأوقفت بغداد 4 أشخاص على صلة بالحادث.

وفي الأشهر الأخيرة، انسحبت القوات الأميركية المنتشرة في سوريا، في إطار التحالف لمحاربة تنظيم «داعش»، من قاعدتَي التنف والشدادي، وبدأت بالانسحاب من قاعدة قسرك.

ومع تكرار سلوك الفصائل العراقية التابعة لإيران باستهداف عابر للحدود لقواعد في سوريا تم إخلاؤها، يمكن القول إنها «هجمات غير مؤثرة عسكرياً، لكنها تحمل ثلاث دلالات مهمة».

تدريب مقاتلين سوريين (الجيش العربي السوري)

وقال الباحث السياسي نورس العبدالله لـ«الشرق الأوسط»: «الدلالة الأولى توجيه رسائل تهديد لنقل التوترات الإقليمية إلى سوريا بأساليب متعددة، منها الاستهداف ومنها الخلايا الأمنية. وقد سبق أن تم تفكيك خلية تتبع (الحشد الشعبي) العراقي في دير الزور السورية. أما الثانية، فهي في إطار المشهد الأوسع؛ أي كجزء من استراتيجية إيرانية تستهدف توسيع نطاق الحرب مع عدم نجاح التفاوض وزيادة التوترات الأمنية في الإقليم ككل، بما لها من انعكاسات اقتصادية وسياسية. وهذا يرتبط في أحد جوانبه بفكرة إدخال الحوثيين من اليمن، وترابط (الساحات) كما يتم الترويج له».

أما الدلالة الثالثة، فتدخل في تقديره ضمن الحسابات الداخلية العراقية، حيث «تسعى الفصائل التي تقف وراء الهجوم للتأكيد على أنها فاعل مستقل، وقرارها ليس في بغداد، وأن الحكومة العراقية، وإن اتبعت نهجاً حيادياً وسعت للتواصل مع سوريا، وحتى التنسيق الأمني، لن تكون قادرة على فرض رؤيتها».

أما عن رد الفعل السوري، فعملياً التركيز الأساسي كان وما يزال بطابع وقائي عبر تعزيز الحدود والتركيز الأمني، ومنع عمليات نقل السلاح والتهريب، وتعزيز التنسيق مع الجانب العراقي الرسمي، خاصة مع إظهار الحكومة العراقية الحرص على منع استهداف الأراضي السورية رغم عدم قدرتها على ذلك، ولا يُتوقع أن يتغير هذا النهج الحالي إلا بوجود شروط متعددة، منها وجود استهداف متكرر أو تحرك عربي (خليجي تحديداً)، بالانخراط في الحرب، وهذا ما يصبح عليه أيضاً الوضع في الشريط الحدودي مع لبنان.


إسرائيل تعلن قتل قادة بارزين في «حزب الله»

دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
TT

إسرائيل تعلن قتل قادة بارزين في «حزب الله»

دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي عن قتل قادة بارزين في «حزب الله»، مسؤولين عن التنسيق بين الحزب والمنظمات الفلسطينية في غارة جوية استهدفت بيروت في وقت سابق من يوم الاثنين، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال الجيش إن الغارة في العاصمة اللبنانية استهدفت وقتلت حمزة إبراهيم راخين، نائب قائد الوحدة 1800 في «حزب الله»، إلى جانب رئيس عمليات الوحدة وناشط آخر، بحسب صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في موقعها الإلكتروني.

وأضاف الجيش الإسرائيلي في بيان أن «الوحدة 1800 هي الوحدة المسؤولة عن التنسيق بين منظمة (حزب الله) الإرهابية والمنظمات الإرهابية الفلسطينية في لبنان وغزة وسوريا ويهودا والسامرة (الضفة الغربية)».

وأوضح الجيش أن نائب رئيس الوحدة 1800 أشرف، ضمن مهامه، على نشر عناصر فلسطينية مسلحة في جنوب لبنان لمواجهة القوات الإسرائيلية.

وفي غارات أخرى في بيروت يوم الاثنين، قال الجيش الإسرائيلي، إنه قصف مقرات «حزب الله» ومراكز القيادة.

يُشار إلى أن إسرائيل تشن غارات جوية تستهدف الضاحية الجنوبية في بيروت وعدداً من المناطق في جنوب وشرق وشمال لبنان، تخللها توغل بري، وذلك رداً على قيام «حزب الله» منذ الثاني من مارس (آذار) الحالي بهجمات على إسرائيل بعد الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من الشهر الماضي.


فرنسا ترفض مبدأ «وحدة الساحات» والربط بين جبهتَي لبنان وإيران

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
TT

فرنسا ترفض مبدأ «وحدة الساحات» والربط بين جبهتَي لبنان وإيران

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)

في ردها على الشروط الأميركية الـ15 التي نُقلت إليها عبر الوسيط الباكستاني، لم تتردد السلطات الإيرانية في العودة إلى تفعيل مبدأ «وحدة الجبهات»، وذلك من خلال اشتراطها ربط مصير الحرب الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله» بمصير الحرب الدائرة بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل؛ ما يعني أن مصير لبنان ككل، وليس فقط مصير الجنوب، أصبح مربوطاً بما يمكن أن ترسو عليه تطورات الحرب الدائرة في إيران والمتمددة إلى لبنان. واللافت أنه منذ أن عادت الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، حرص الأول على نفي ارتباطها بما يحصل في إيران، بل إن خطب نعيم قاسم، الأمين العام للحزب، ومسؤوليه دأبت على نفي هذا الربط لكيلا توفر الحجج لمن ينتقدونه بأنه تابع لإيران وينفذ أوامرها. وأكثر من ذلك، فإن ربط طهران بين الجبهتين من شأنه أن «يفرمل» الدولة اللبنانية ومبادرة الرئيس جوزيف عون الذي طرح مبادرة إطلاق مفاوضات سياسية مباشرة مع إسرائيل، والتي يرى فيها الوسيلة الوحيدة لوقف الحرب التي تدمر لبنان.

الورقة الفرنسية

جاءت «الورقة» الفرنسية التي طرحت جدولة زمنية من ثلاث مراحل لتكمل وتدعم مبادرة عون. بيد أن رفض إسرائيل الجذري للمبادرتين، وهو ما تبلغه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في إسرائيل خلال زيارته في 20 مارس (آذار) للقاء نظيره جدعون ساعر، جمّد المبادرة الفرنسية التي كان يراد منها تناول كل جوانب الأزمة اللبنانية. والأهم من ذلك، أن الولايات المتحدة الأميركية التي أرادتها باريس إلى جانبها، لم تُظهر حماسة. وطيلة الأيام الأخيرة، بدا للجانب الفرنسي أن إدارة الرئيس دونالد ترمب راغبة في إعطاء الوقت الكافي لإسرائيل لإتمام عملياتها العسكرية في لبنان، وهدفها الرئيسي تدمير «حزب الله»، وجعل نزع سلاحه شرطاً أساسياً لا يمكن القفز فوقه لقبولها التفاوض.

صورة جماعية لوزراء خارجية «السبع» يوم 27 مارس في «فو دي سيرني» (إ.ب.أ)

لبنان على طاولة «السبع»

كان لبنان أحد الملفات الرئيسية التي بُحثت بمناسبة اجتماع وزراء خارجية «مجموعة السبع» في دير «فو دو سيرني» التاريخي الذي حُول إلى وجهة سياحية غربي العاصمة الفرنسية. وجعلت باريس من لبنان أحد المحاور في الجلسة المخصصة للحرب في إيران وتبعاتها. غير أن المناقشات لم تصل إلى رؤية موحدة أو أي قرار محدد لسببين: الأول، الموقف الأميركي، والثاني قناعة المؤتمرين بأن دخول «حزب الله» في الحرب صبيحة الثاني من مارس ما كان إلا استجابة لما طلبته طهران، وهو يشبه كثيراً استجابة الحوثيين المتأخرة لمطلب مماثل. وتتخوف باريس من احتمال الربط بين الجبهتين، وهو ما أوضحه بارو في المؤتمر الصحافي الذي أعقب انتهاء أعمال وزراء «مجموعة السبع».

وتقوم المقاربة الفرنسية على الدفع باتجاه «المحافظة على استقرار لبنان ودعم مؤسساته الشرعية، وحماية المدنيين، وضمان الاستعادة الكاملة لسيادته»، وهي الرسالة التي شدد عليها الوزير الفرنسي لدى أقرانه. وليس سراً أن باريس، بلسان وزير خارجيتها، في حديث، الأحد، للقناة «الثالثة» في التلفزة الفرنسية، تحمّل «حزب الله» مسؤولية «جرّ لبنان، مرة أخرى، إلى الحرب».

وقال الوزير الفرنسي، عقب انتهاء أعمال «مجموعة السبع»، ما حرفيته: «لم يكن ينبغي للبنان أن يُجرّ إلى حرب لم يخترها. وتقع مسؤولية جسيمة على (حزب الله) في اتخاذ هذا القرار الذي يضع البلاد مرة أخرى على حافة الهاوية».

وعبر بارو عن رفض بلاده الربط بين الجبهتين. كذلك أكد أن لبنان «لا يرغب في أن تعمد قوى خارجية بتحويل لبنان إلى مسرح ثانوي لحرب لم يردها». وأضاف الوزير الفرنسي أنه «على العكس، يجب مضاعفة الجهود من أجل وقف الأعمال العدائية في لبنان، وتسهيل حوار رفيع المستوى - قد يكون تاريخياً - بين السلطات اللبنانية والسلطات الإسرائيلية، بما يتيح لهما الاتفاق على مسار نزع سلاح (حزب الله)، الذي ينبغي أن يسلّم سلاحه، والتقدّم نحو تسوية النزاع القائم بينهما منذ عام 1949».

أنقاض مبنى تعرض لغارة جوية إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية يوم 30 مارس (أ.ف.ب)

مطالب فرنسا

حقيقة الأمر أن باريس تجد نفسها اليوم مفتقدة للقدرة على التأثير في مسار الأحداث بين لبنان وإسرائيل، كما بخصوص تطورات الحرب بين إيران والثنائي الأميركي - الإسرائيلي. بارو عرض مجدداً لائحة المطالب الفرنسية من إسرائيل للمحافظة على لبنان، وقد عدّدها كالتالي: «يجب على إسرائيل أن تمتنع عن أي عملية برية، وأن تمتنع عن أي استهداف للبنية التحتية المدنية، وعن أي اعتداء على المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، ولا سيما بيروت، حتى يظلّ الطريق نحو السلام ممكناً».

والحال أن ملاحظة ما هو حاصل في لبنان، هي أن إسرائيل لا تعير أي أهمية للمطالب الفرنسية؛ فمن جهة، يطالب رئيس وزرائها نتنياهو بتوسيع مساحة الأراضي التي تحتلها القوات الإسرائيلية في لبنان، بل إن وزير الدفاع يريد تعديل الحدود بين لبنان وإسرائيل لدفعها حتى نهر الليطاني الذي يبدو بلوغه هدفاً رئيسياً لتل أبيب. كذلك تريد باريس أن تمتنع إسرائيل عن استهداف البنية التحتية المدنية. لكن ما هو حاصل أن الطيران الإسرائيلي لا يفرق بين مدني وعسكري؛ إذ إنه دمر الجسور الخمسة الرئيسية فوق نهر الليطاني لفصل الجنوب عن بقية المحافظات اللبنانية. أما تجنب استهداف المناطق السكانية فمطلب بعيد كل البعد عن الواقع.

ومنذ توقف الحرب والتوصل إلى هدنة بين إسرائيل ولبنان في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024 بفعل وساطة وضغوط أميركية - فرنسية، سعت باريس لتكون طرفاً في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية (الميكانيزم) بين إسرائيل و«حزب الله»، وكان لها ما طلبت؛ إذ عُين ضابط فرنسي نائباً لرئيس ما سُمي «اللجنة الخماسية». وخلال أشهر، سعت باريس لإقناع إسرائيل بوقف هجماتها في لبنان على مواقع وقادة ومسؤولين من «حزب الله»؛ لأنها تضعف الدولة اللبنانية في سعيها لحصر السلاح بيد القوى الشرعية. لكن جهودها باءت بالفشل؛ إذ استمرت الهجمات الإسرائيلية بحجة أن «حزب الله» لم يحترم بنود الاتفاق، ولم يوافق على تسليم سلاحه. وعرفت «ورقتها» التفاوضية المصير نفسه.

تعزيزات عسكرية إسرائيلية إلى الجبهة المفتوحة بين الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» منذ 2 مارس (رويترز)

واليوم، تقف باريس إلى جانب الرئيس عون والحكومة اللبنانية في سعيهما لتنفيذ القرارات «الشجاعة» التي اتُّخذت، بهذا الخصوص، في مجلس الوزراء، وهو ما يشدد عليه الرئيس ماكرون ووزير خارجيته في كل مناسبة. لكن باريس تعي أن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق ما دامت الحرب دائرة، كما تعي أن تواصلها سيزيد من إضعاف الدولة اللبنانية، وسيراكم الأعباء التي لن تكون قادرة على تحملها، وعلى رأسها التعامل مع أعباء مئات آلاف النازحين؛ لذا فإنها تدعو إلى وقف الحرب الدائرة على الأراضي اللبنانية لتجنيب لبنان «الهوة» التي تحذر منها. وعلى رغم محدودية أدواتها الدبلوماسية والسياسية، فإن باريس تواظب على «طرح الصوت» الذي لم يجد حتى اليوم من يستمع إليه.