محمد مهدي شمس الدين: لا مصلحة للشيعة في إنشاء نظام مصالح خاص بهم وربطه بإيران

«الشرق الأوسط» تنشر نص حوار غير معلن بين رجل الدين اللبناني ومناصرين لـ«حزب الله» عام 1997

الشيخ محمد مهدي شمس الدين (أرشيف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الراحل)
الشيخ محمد مهدي شمس الدين (أرشيف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الراحل)
TT

محمد مهدي شمس الدين: لا مصلحة للشيعة في إنشاء نظام مصالح خاص بهم وربطه بإيران

الشيخ محمد مهدي شمس الدين (أرشيف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الراحل)
الشيخ محمد مهدي شمس الدين (أرشيف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الراحل)

تنشر «الشرق الأوسط»، اليوم، حلقة ثالثة (أخيرة) من نص مطوَّل هو عبارة عن حوار بين رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان، الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين، وأعضاء قريبين من بيئة «حزب الله»، عام 1997. وجادل شمس الدين في الحوار بضرورة اندماج الشيعة في بلدانهم، محذراً من خطورة إنشاء نظام مصالح خاص بهم وربطه بإيران.

ومن المقرر أن ينشر إبراهيم محمد مهدي شمس الدين، نجل الشيخ الراحل، نص الحوار في كتاب يحمل عنوان: «الشيعة اللبنانيون والشيعة العرب - العلاقة مع الغير والعلاقة مع الذات». وتنشر «الشرق الأوسط» النص بمناسبة ذكرى مرور 25 سنة على وفاة رجل الدين الشيعي اللبناني التي صادفت يوم السبت، 10 يناير (كانون الثاني).

شمس الدين و«كرةُ النار»

سُئل شمس الدين من أحد الحاضرين عن «ابتعاد شريحة من الشيعة عنكم»، مشيراً إلى أنها قد تكون «وجدت منكم ابتعاداً عنها في مواقف سياسية ومواقف ربما فكرية، ولهذا السبب ربما ذهبت في اتجاه آخر»، فردَّ قائلاً:

«أنْ يكون الابتعاد قد حصل بسبب بعض المواقف السياسية أو الفكرية، أقول لك: نعم حصل ابتعاد، ولكنْ من جانبكم... الذين ابتعدوا عنّي كانوا ضحيَّة التضليل. لا توجد عندي طروحات فكرية منفّرة ولا مواقف سياسية منفّرة. الشيء الذي أنتم معي عليه الآن هو ما كنت عليه في الماضي. في وقت من الأوقات أنا كنت شيخ (حزب الله)، فلماذا غيَّروا وبدَّلوا؟! أنا كنت خطيب حفلاتهم، وأنا كنت أنظّر لهم، فما عدا مما بدا؟!».

الشيخ محمد مهدي شمس الدين مع أطفال في مبرّة السيدة زينب التابعة لمؤسسات الشيخ شمس الدين بحاروف في جنوب لبنان (أرشيف الشيخ شمس الدين)

فقال له أحد الحضور: لم تعد هناك كرة نار؟ فرد قائلاً:

«كرةُ النار هذه أنا حملتُها وأنا استخدمتُ هذا المصطلح... مع اجتياح 1982 كنتُ في طهران، وعزمتُ فوراً على العودة إلى لبنان. تمنَّى عليَّ السيد الخامنئي ألا ألقيَ بنفسي في هذه المعمعة، وأن أبقى في طهران ولو بضعة أيام. قلت له: وأفعل ماذا؟ أسمع الأخبار؟! أتيت إلى الشام. الأخ عبد الحليم خدام استغرب أيضاً أني عائد إلى لبنان وهو تحت العدوان الكامل. كانت رائحة حريق جثث الجنود السوريين تعبق وادي القرن عندما مررت فيه ورأيت الدبابات السورية وهي لا تزال مشتعلة. ذهبت أولاً إلى منزل والدي الشيخ عبد الكريم في الشياح، ومكثتُ في خدمته بعض الوقت، ثم انتقلتُ إلى داخل بيروت المحاصرة. قلت آنذاك: لن يخرج الشيعة من بيروت، ومجدهم وكرامتهم أن يكونوا محاصرين مع السنّة ومع الفلسطينيين داخل بيروت. كرة النار هذه أنا تحملت مسؤوليتها الدنيوية والأخروية، ولم آكل من غنائمها شيئاً. أما أولئك الذي كانوا يقولون لي: هذا حرام وإلقاء بالنفس إلى التهلكة، فهم الآن سلاطين المقاومة وكُرة النار! لا باركَ الله لإيران ولا لـ(حزب الله) فيهم!».

وعندما قال له أحد المشاركين في الحوار إنه يُطلق «عبارات اتهامية» ضد بعضهم (من مؤيدي تيارات شيعية معارضة له)، رد قائلاً:

«أحب أن أجاوب على الفقرة الأولى من سؤالكم لأنها محزنة لي. بعضكم، الإخوان المشايخ يعرفونني جيداً. أيضاً يعرفون أنني في الحديث، عندما آخذ راحتي، أتباسط. يعني أن التعابير المتساهلة تصدر مني... وهذا لا أعرف إن كان من كمالاتي أو من عيوبي. (...) نعم بعض تعابيري التي صدرت -كأنْ أقول أنتم، أنا، جماعتكم- أرجوكم يا أحبائي، هذا الكلام لا يعني إلا لفظه. كونكم عندي الآن وبين يدي، فهذا كافٍ لأنْ أُحسن الظن بكم وأن أبذل جهدي في أن أزيل من نفوسكم أو نفوس بعضكم أي شائبة من عدم الوضوح. فمن هذه الجهة تأكَّدْ أنَّ ما تقوله عن نفسك وعن إخوانك هو ما أعتقده فيكم... هذه سنستريح منها... تفضلْ، واصلْ سؤالك!».

مؤيدون لـ «حزب الله» يستمعون إلى كلمة لزعيمه الراحل حسن نصر الله في قرية جنتا بشرق لبنان في 19 أغسطس 2022 (أ.ف.ب)

فقال موجّه السؤال: الهمّ الأساسي عندنا هو وحدة القوى الشيعية في لبنان... فالأعداء لا يستثنون أحداً، لا سماحتكم ولا «حزب الله» ولا حركة «أمل». المسألة الثانية تتعلق بإيران: ذكرتم في سياق كلامكم أنكم تتمنون الخير للجمهورية الإسلامية وتدعمونها قدر استطاعتكم بوصفها جزءاً من المشروع الإسلامي العام. ولكنْ كان ملاحَظاً حتى على المستوى الشعبي أنكم في أثناء «عدوان نيسان» سنة 1996 في كلمتكم خلال تشييع شهداء قانا، شكرتم الفرنسيين وكل الناس، ولكن استثنيتم تحديداً إيران التي كانت أيضاً موضع هجوم سياسي من الأميركيين الذين حاولوا أن يستثنوها من الوساطات التي كانت تجري بموضوع «تفاهم نيسان». كان لافتاً عدم ذكركم موضوع إيران، وكذلك موضوع المقاومة التي كانت الجهة الأساسية في المواجهة!

«داعية تفاهم بين أمل وحزب الله»

أجاب شمس الدين قائلاً: «موضوع الالتباس حول أنتم وأنا أزلناه، وأنا أعتبر أنكم أنا... نأتي الآن إلى سؤالكم الأخير. كلامكم ورد فيه أمران: أمر أول عن حكاية وحدة الشيعة وأنهم موضوع مؤامرة. والأمر الثاني موضوع علاقتنا مع إيران، من خلال تفصيل محدد هو تأبيني لشهداء قانا.

أما بخصوص الأمر الأول، فإن أبناءنا في حركة (أمل) يعرفون، من مستوى جناب الرئيس نبيه بري إلى آحادهم، أني داعية تفاهم بينهم وبين (حزب الله). وقيادة الحزب كلها أو جلّها التي ألتقيها -قواعد الحزب لا ألتقي معها لأنها محجوبة عني- أيضاً تعرف منّي هذا. أي وسيلة من وسائل اللقاء بينهم تتاح لي لا أقصّر. بالمناسبة أنا قلت لقيادة الحزب: بعد أن اكتشفتم أنني أصلح للحديث معكم، لماذا يقتصر اللقاء عليكم وحدكم؟ قواعدكم ما زالت تسبّ وتشتم وتتبرأ وتفحش في هذا، لماذا؟ أنا أكلفكم يا أعزائي أن تجلبوا لنا الجواب.

الشيخ محمد مهدي شمس الدين مع مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد والرؤساء تقي الدين الصلح وسليم الحص وحسين الحسيني (أرشيف الشيخ شمس الدين)

هذا الأمر (الوحدة) أنا من أكبر دعاته، والطرفان (أمل والحزب) يعرفان هذا. وأنا -شهد الله- (لا أريد لحركة أمل أن تكون حزباً)، أريدها أن تكون حالة عضوية داخل الشيعة، والحزب لا أريده أن يكون حزباً. مفهوم الحزب مفهوم خطر. الحالة الحزبية أريدها أن تنحلّ، تنحلّ عضوياً. لها تمايز ولكن لها حالات عضوية. لا أريدها أن تكون مثل بعض الحيوانات الدودية التي عندما تحس بجسم غريب تنكمش على حالها وتُقفل على نفسها، كما هو موجود فعلاً. أنا شديد الاهتمام والعمل من أجل الوحدة، ولا أظن أنني أقل الناس سعياً وعملاً بين التنظيميين. لماذا؟ هل لأن الشيعة في خطر؟ أنا لا أرى أن الشيعة في خطر. الشيعة ليسوا في خطر. وإذا كان هناك خطر على الشيعة فهو من أنفسهم وليس من غيرهم؛ وهذه مسألة أخرى تحتاج إلى جلسة أخرى. ولذلك الأسبوع الماضي كنت على وشك أن أقول كلاماً علنياً حول التحذير من تكتل الشيعة لأنفسهم أو ضد الغير. هذا الأسلوب خطر وأنا لا أوافق عليه، بكل صراحة. فبالنسبة إلى الشيعة أنا لا أتصرف من موقع الخوف. أنا أرى أن الشيعة حققوا مكاسب أريدُ أن أحافظ عليها. ليسوا في خطر.

أمّا أنَّ الشيعة -كما تفضل جناب الأستاذ- هم رأس الحربة في مقاومة المشروع الصهيوني بحكم جغرافيتهم أو بحكم مقاومتهم، فاعلموا أنهم في الواقع ليسوا الوحيدين في هذا، ونعرف أنه فيما مضى كان غير الشيعة أيضاً منخرطين في هذه المقاومة. انحصرت الآن في بعض الشيعة لأسباب مَرَضية تحتاج إلى معالجة وسوف أعالجها، أخبركم أنني سأعالجها. لا يناسبني أن يبقى الشيعة وحدهم... ولا أريد أن يكون هذا الوضع يتكئ على شيء، فإذا زال ذلك الشيء، المشروع كله يفرط (ينهار). وأكتفي الآن بهذا المقدار من التوضيح.

إذَنْ موضوع الوحدة مرحَّبٌ به، ونحن زكَّينا أي شيء. الآن عندما جاء جناب الأستاذ نبيه وصار يلتقي مع الحزب، هو سمع منّا ما يشجعه على ذلك... ولو أنّ الحزب سألَنَا لَسَمِعَ منّا أيضاً ما يشجعه على ذلك. عندما يتفق هؤلاء الأعزاء، شغلي أنا يصبح أسهل عليّ. لا أعود أحتاج إلى أن أعمل مجاملات أو أن أعمل صياغات لغوية وتعابير خاصة. يصبح عملي ميسراً أكثر، من قبيل والدٍ أولاده متَّفقون. إذا تنازع الشيعة وتقاتلوا، أنا أشعر بالخِزْي! لمّا تقاتل (حزب الله) و(أمل)، كنتُ إذا التقيت البطريرك صفير، يقول لي: شو قصّتكم؟! أذهب إلى مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد، فأسمعُ منه التعجَّبَ نفسه! تلك كانت بالنسبة لي فضيحة.

أحد عناصر الأمم المتحدة أمام أنقاض مبنى قصفته إسرائيل في قانا بجنوب لبنان (غيتي)

إهمال ذكر إيران في تأبين ضحايا قانا

أما بالنسبة إلى الموضوع الثاني (كلامي في تأبين شهداء قانا) فأقول لكم لو أن قانا تكررت لكرّرتُ موقفي وأهملت ذكر إيران. أنا لم أنسَ إيران ولم أغلط بشأنها. ما تهمة الشيعة؟ (ما الصفة التي كانت تُلصق أو تُطلق على الشيعة اللبنانيين؟) لمّا كان رابين أو بيريز يقول: نريد أنْ نجرِّد (حزب الله)، حزب إيران، عملاء إيران من السلاح؟ المقاومة الآن -ليس في نيسان الماضي وإنما الآن- هي مقاومة من؟ (هم يرون أنها) مقاومة إيران، أنها لا مقاومة الشيعة ولا مقاومة المسلمين، وإنما هي فصيل إيراني ناطق بالعربية يقاوم! إسرائيل روَّجت هذه المقولة؛ من البيت الأبيض إلى الكرملين. وهذا الكلام تم تسويقه ليس في وزارات الخارجية فقط، وإنما عند عجائزنا في الجنوب يتم تسويقه أيضاً. وأخبركم أن الناس صدّقوه. ثلاثة أرباع الناس صدقوه... أنا لي صفة رسمية، يوجد في لبنان مَن لا يصدق بها (من الحزبيين)، لكن في أميركا وأوروبا والعالم يرون أني وجه الشيعة ولسانهم الناطق. خطبة (تأبين شهداء قانا) كانت تُبثّ في اللحظة نفسها على ملايين البشر. أجهزة المخابرات في كل العالم كانت تُصغي، لا تسجل الكلمات فقط، (بل تحلل الكلام والتعابير للوصول إلى خلفياتها). معروف هذا الشيء. لو أني في كلامي أيَّدت إيران وجعلتها جزءاً من عمل المقاومة لكنتُ أبدو كأني أؤيد المزاعم الإسرائيلية!

الشيخ محمد مهدي شمس الدين مع بابا الفاتيكان الراحل يوحنا بولس الثاني (أرشيف الشيخ شمس الدين)

يوجد نوعان من الناس: هناك مَنْ يلطم في العزاء من أجل الهريسة، وهناك مَنْ يحبس دموعه في العزاء وقلبه يبكي، لأنه يريد أن يحفظ كرامة أهل العزاء. أنا الآن -لا قدَّر الله- لو تكررت قضية نيسان الماضي وصعدت المنبر سأهمل ذكر إيران، لا لأنني لا أرى إيران، وإنما حفاظاً على شيعة لبنان. لو أردتُ أن أتملق الإيرانيين لكنتُ ذكرتهم وأثنيت عليهم ومدحتهم، ولكُنتم حينها سمعتم تصفيق إيران و(حزب الله) لي! أنا لا أعمل هكذا... أنا أمثّل قيادةً مسؤولةً، أنا مسؤول عن الشيعة. أنا لا أريد أيضاً أن أقدم برهاناً على أنَّ شيعة لبنان دُمى أمام مشروع إيراني تُستخدم فيه المقاومة ورقة ضغط. إذا كان هناك منطق مقابل، أستمع إليه. إذا أقنعني هذا المنطق أكون مخطئاً، وجلَّ من لا يخطئ. إذا ما أقنعي هذا المنطق فأنا ما زلت على صواب... أما بالنسبة إلى المقاومة فأنا أول من أطلق المقاومة (المقاومة المدنية الشاملة)، وأنا في تلك السنوات رغم فقري، دفعت فلوساً للمقاومة، ليس فقط للمقاومة المدنية، وكان يأتي البعض، وهم وجهاء الشعارات الآن، ويقولون لي: هذا حرام شيخنا! لا يجوز شيخنا!».

المرشد الإيراني على خامنئي في طهران يوم 25 أكتوبر 2025 (موقع خامنئي - أ.ف.ب)

إيران ليست مرجع الشيعة لا في سياسة ولا في دين

وسأله أحد الحاضرين مجدداً عن إيران، فقال:

«القول بأن إيران هي جمهورية شيعية، أنا لا أرى مصلحةً في هذه المقولة، لا مصلحة إيران ولا مصلحة الشيعة. إيران دولة إسلامية موجودة في المنطقة الله يعزها، وهي تعرف مصلحتها أكثر مما نعرف نحن، ولا داعي لأن يقال إنها دولة الشيعة. لا أنصح إيران بأن تقول هكذا ولا أنصح الشيعة بأن يقولوا هكذا، ورأيي أكرره وتعرفونه جنابكم؛ وهو أن إيران ليست مرجع الشيعة لا في سياسة ولا في دين. ثمَّةَ مشتركٌ بيني وبين معظم أهلها، هو أننا من أتباع مذهب أهل البيت، على طريقة الإمامية الاثنى عشرية. أما القول بنظام مصلحةٍ واحدٍ بين الشيعة وإيران، فهذا يَفترض أن نقول بأن للشيعة نظام مصالح إقليمياً خاصاً بهم؛ مثلاً في العالم العربي أو في العالم التركي أو في العالم الآسيوي... وهذا أمر أنا لا أقرَّه! الدولة لا تستطيع أن تتعامل مع أنظمة مصالح سرية، كما يحاول البعض أنْ يعملوا هنا عندكم أو في أمكنة أخرى. لا مصلحة للشيعة على مستوى إقليمي أو على مستويات وطنية أن يُنشئوا نظام مصالح خاصاً لهم ويربطوه بإيران. كذلك لا يستطيع السفير الإيراني أو وزير الخارجية الإيراني أن يأتي إلى فارس بويز (وزير خارجية لبنان) أو (رفيق) الحريري (رئيس الحكومة) ويقول له: شيعة لبنان يهمنا أمرهم. عندما يقولها يُدمّر نفسه ويدمرنا معه! نحن ننتفع من استثمارات إيرانية وغير إيرانية في لبنان، والموارنة يشتركون معنا والسُّنة يشتركون معنا، وندخُل مع كل الناس في منفعة عامة. فهمي في هذه المسألة هو هذا. أي شيء يُدخل ظلّية سياسية، أو تبعية سياسية، أنا أرى فيه ضرراً. تُرى إذا اقتضت سياسةُ إيران أو مصلحتُها أن تتعاون اقتصادياً مع جهة غير شيعية فماذا نقول لهم؟ أنقول لهم: أنتم مخطئون؟! أنا أقول لهم: يعطيكم العافية! أنا أريد إيران عزيزة مصونة، ولكنّي لا أُريدُها حالةً مَرَضيَّةً فيما بيننا، أن تكونَ (ليلى الجميلة) التي نتشاجرُ في أمرها، ونتسابقُ لخَطْبِ ودِّها، ونتبارى في الإخلاص لها!».

الشيخ محمد مهدي شمس الدين مع مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد والرؤساء تقي الدين الصلح ورشيد كرامي وسليم الحص في ما يُعرف بـ «قمة عرمون» التي دعت إلى حوار إسلامي مسيحي في لبنان (أرشيف الشيخ شمس الدين)

ورداً على سؤال آخر عن الأنظمة العربية، قال: «أمَّا أن تضع الحركة الإسلامية المباركة نفسَها في حضن الأنظمة، فأنا لا أدعو إلى ذلك. أنا ضد مبدأ الدولة الكلية، أنا مع ولاية الأمة على نفسها. الدولة هي مجرد منسق عام لأنشطة المجتمع. إذا أردنا أن نقارن بين الدولة الكلية الموجودة الآن وبين التركيب الفقهي للدولة نجد أن الدولة الآن تُمسك بأكثر من ثمانين في المائة من مصائر الناس، في حين أن التركيب الفقهي للدولة -حسب اجتهادي الإسلامي- يكاد لا يصل إلى ثلاثين في المائة. حيث لا ضرورة، لا يجوز للدولة أن تمد يدها. نعم إذا صارت ضرورة، فالضرورات تقدَّر بقدرها. نعم، ينبغي أن يكون للدولة جيش قوي، ومالية قوية، وسياسة اقتصادية تنمّي ثروة الناس، وميزانية معتبرة تُسيّر بها أمورها... أما أن تكدس الثروة على حساب الناس وتعمل مشاريع خنفشارية...!».

لا أريد أن يكون الشيعة أتباعاً لإيران

ورداً على سؤال عن دعوته الشيعة إلى الاندماج في أوطانهم، أجاب الشيخ شمس الدين:

«التعاطف مع دولة وشعب هو غير الولاء السياسي لهذه الدولة. أنا لا أريد أن يكون الشيعة أتباعاً لإيران. الفاتيكان مرجع ديني للكاثوليك في العالم، وليس مرجعاً سياسياً. إسبانيا الكاثوليكية لا تربط نظام مصالحها الاقتصادي والسياسي والثقافي وشبكة علاقاتها داخل أوروبا المتحدة بالفاتيكان. إيطاليا حاضنة الفاتيكان مكانياً هي كذلك أيضاً... كون البابا يمون (يضغط) على بعض الجماعات الكاثوليكية في العالم في موقف سياسي معين، كونُه حرّك الكاثوليك في بولندا ضد النظام الشيوعي، فهذا الأمر قد حدث، ولكن من أي موقع؟ من موقع الانسجام مع النظام الدولي وليس ضد النظام الدولي. انسجم مع أميركا ومع أوروبا الغربية. فلتفعلْ إيران هكذا وتأخذ منّي خمسمائة نعم وليس نعم واحدة!

(...) أما موضوع اليهود وإسرائيل، فهو ما لا نريده نحن! أنا قلتُ بالأمس في إحدى المقابلات بأنَّ إسرائيل ليست مشروعاً يهودياً، إنما هي مشروع صهيوني... وأنا أرجوكم يا أعزائي ويا أبنائي ألا تجعلوا إيران مرجعيةَ الشيعة كما جعل اليهود إسرائيل مرجعيتَهم. الصهيونية استطاعت أن تكيِّف الرأي العام العالمي بحيث يقبل أن تكون مرجعية اليهودي هي إسرائيل وأن تجلب اليهودي الروسي وتُسكنه فيها.

هذه ليست مصلحة إيران ولا مصلحة الشيعة. الشيعة قوتهم أن يندمجوا في جسم الإسلام وليس أن يصيروا جالية خاصة بالإيرانيين. وهذه أيضاً ليست مصلحة إيران... وإلا تفتح إيران على نفسها حروباً! أنتم تغلّبون الجانبَ العاطفي والولائي على نظرتكم إلى إيران. إيران الدولة قد تجد أحياناً مصلحتها السياسية مع غير الشيعة في بعض البلدان، فتنحازُ إلى مصلحتها. مثلاً، في النزاع الآذري - الأرمني، التزموا وجهة النظر الأرمنية في مقابل الشيعة. في قضية الشيشان وروسيا، إيران تقول: ماذا أفعل؟! هؤلاء لهم الله! أنا لا أستطيع أن أقاوم الاتحاد الروسي، لأني بحاجة لأن أشتري منه السلاح وأريد أن أُصدِّر لهم الكافيار! دَعُوا إيران تشتغل وفقاً لنظام مصالحها، وأنا يكفيني أن تكون هناك إيران قوية. الآن يُقال في لبنان -وأنا أشهد بصحة ما يقال- بأنَّ السوريين يضيقون ذرعاً بمراجعات بعض اللبنانيين: نواب ووزراء ومديرين «رايحين جايين» يستنصرون على جماعتهم بالسوريين! إيران من هذا القبيل، صارت ضحية تملُّق كثير، ضحية مدح غير مخلص، ضحية تخويف بما لا يخوّف».

الشيخ محمد مهدي شمس الدين مع زعيم «حزب الله» حسن نصرالله (أرشيف الشيخ شمس الدين)

مواطنة بلا غِشٍ

وقيل له إن دعوته لاندماج الشيعة في مجتمعاتهم قد تُفهم على أنها دعوةٌ للذوبان المذهبي، فأجاب: «أنا أدعو إلى الاندماج السياسي والمجتمعي. أما المذهبي؛ فكل واحد على مذهبه. الشيعي عنده فقهه وأصوله يحافظ عليهما. أما على المستوى السياسي والاجتماعي، نعم يندمج، وهو لا يذوب. أنا لم أستخدم مصطلح الذوبان. أن يذوب يعني إلغاء الشخصية. أنا لا أدعو أبداً إلى إلغاء الشخصية! وعلى صعيد علاقة الشيعي بالآخرين، من مذاهبَ أو أديانٍ أخرى في الوطن، أنا أدعو إلى مواطنةٍ بلا غِشٍ... يعني أن يأتي أحدُ المعمَّمين الأدعياء بفتوى تقول بأنَّ سرقة مال السنّي أو المسيحي حلال، فكلَّا! هذا حرام، كلُّه حرام! لا يجوز هذا العمل!

- الدولة، مالها تجوز سرقته؟

كلا، كذلك حرام! الدولة تملك وملكيتها صحيحة.

- فإذا كانت ظالمة؟

كيف ظالمة؟ الآن الدولة اللبنانية بأي أمر هي ظالمتك؟! يجب أن يكون هناك صدق، اسمع، هذا ليس موضوع مُزاح! أخشى أن تكون أنت من ظُلَّام الدولة وليس أن الدولة تظلمك! المسألة ليست حالة (التقية). (المطلوب) اندماج حقيقي، مواطنة حقيقية، شراكة مصالح حقيقية... هذا هو الفقه. أما القول بأن وصايا أئمتنا، عليهم السلام، هي كذا... فغير صحيح. دَعْنِي أرَ نصوصاً تؤيد هذا. بالعكس، أنا أقول وصايا الأئمة (ع) هي ما أقوله وليس ما تقوله جنابك.

الشيخ محمد مهدي شمس الدين مع وفد كويتي في لبنان (أرشيف الشيخ شمس الدين)

(...) أما موضوع الفساد، فطبعاً يوجد فساد. أيام الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يوجد فساد؛ الفساد غيرُ الظلم. قسم من كتب (رسائل) الإمام علي في (نهج البلاغة) إلى بعض وُلاتِه في الأقطار متعلقة بخيانتهم أمانة الناس واستيلاء على أموال عامة؛ هل نقول إن نظام أمير المؤمنين كان نظاماً ظالماً؟

يا أحبائي، هذا الموضوع أنا بيَّنته في كتاب نظام الحكم وغيره؛ وهو موضوع يقع فيه كثير من الناس في خطأ كبير. كل ما ورد في السنة عن حكام الجَوْر والدولة الجائرة هذا ذهب، انتهى. هذا يُعنى به أنظمة الحكم الموجهة ضد ولاية أهل البيت، يعني ما يتعلق بنظام الخلافة واغتصاب السلطة... هذا كله راح. على الأكثر استمر إلى نهاية الدولة العثمانية. الآن الأنظمة السياسية الحاكمة في البلاد الإسلامية تقوم على فلسفة حكم ونظرية حكم ليست لها علاقة لا بالإمام علي ولا بالسقيفة ولا بأبي بكر. هي قائمة على معطيات أخرى. فمفهوم (نظام جور) و(حاكم جور) لم يعد موجوداً، وكل ما يُقال من بعض أدعياء العلم أو غَفَلتهم في هذا الشأن لا أساس فقهياً له على الإطلاق. الدولة الحديثة ملكيتها ملكية صحيحة، ونُفتي بحرمة اختلاس أموالها، وبحرمة خيانة القوانين، وبحرمة الإخلال بالنظام العام. لحياة المجتمع حرمة كبيرة، من الغش بالامتحانات إلى تزوير فاتورة التليفون.

قصدي أنَّ مصطلح «حكّام الجَوْر» يرتبط بالجذر الفقهي السياسي الذي يقوم على أساس ولاية الأئمة المعصومين بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)، من الإمام عليّ بن أبي طالب (س) حتى غَيْبة الإمام المهدي الكبرى. هذا المصطلح لا ينطبق على الدولة الوضعية الحديثة. الدولة الوضعية الحديثة هي جهاز تنظيمي للمجتمع لا يرتبط بالنظام (المصير) الأخروي للبشر. في هذا العصر أنا أقول بولاية الأمة على نفسها.

  • انتقلتُ إلى داخل بيروت المحاصرة (عام 1982) وقلت: لن يخرج الشيعة من بيروت ومجدهم وكرامتهم أن يكونوا محاصرين مع السنّة والفلسطينيين داخلها
  • لو أردتُ أن أتملق الإيرانيين لكنتُ ذكرتهم وأثنيت عليهم ومدحتهم ولكُنتم حينها سمعتم تصفيق إيران و«حزب الله» لي!
  • الدولة لا تستطيع أن تتعامل مع أنظمة مصالح سرّية كما يحاول البعض أنْ يعملوا هنا عندكم أو في أماكن أخرى
  • أدعو إلى مواطنةٍ بلا غِشٍّ... أن يأتي أحدُ المعمَّمين الأدعياء بفتوى تقول إنَّ سرقة مال السنّي أو المسيحي حلال فكلَّا! هذا حرام
  • مفهوم «نظام جور» و«حاكم جور» لم يعد موجوداً... الدولة الحديثة ملكيتها ملكية صحيحة ونُفتي بحرمة اختلاس أموالها وبحرمة خيانة القوانين وبحرمة الإخلال بالنظام العام

محمد مهدي شمس الدين


مقالات ذات صلة

إسرائيل تجدد غاراتها على ضاحية بيروت... وكاتس يتمسك بالبقاء في جنوب لبنان

المشرق العربي جنود وآليات من الجيش الإسرائيلي قرب الحدود الجنوبية للبنان (أ.ف.ب) p-circle

إسرائيل تجدد غاراتها على ضاحية بيروت... وكاتس يتمسك بالبقاء في جنوب لبنان

قال وزير الدفاع الإسرائيلي، اليوم الثلاثاء، إن إسرائيل ستقيم منطقة عازلة داخل جنوب لبنان، وستحتفظ بسيطرة على كامل المنطقة حتى نهر الليطاني.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وحدة مدفعية إسرائيلية منتشرة في موقع غير مُعلن بالقرب من الحدود الإسرائيلية اللبنانية (إ.ب.أ) p-circle

إسرائيل تعلن مقتل 4 من جنودها في لبنان... و«حزب الله» يصعّد هجماته

أفادت إسرائيل، صباح الثلاثاء، بمقتل 4 جنود آخرين خلال هجومها في لبنان، فيما أعلن «حزب الله» استهداف دبّابة «ميركافا» وحاجزاً عسكريّاً ومنظومة دفاع جوي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ قوات إنفاذ القانون الأميركية تستجيب لبلاغ في «معبد إسرائيل» اليهودي في ويست بلومفيلد بولاية ميشيغان يوم 12 مارس (أ.ب)

«إف بي آي»: هجوم كنيس ميشيغان «عمل إرهابي» بإيعاز من «حزب الله»

قال ‌مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي إن الهجوم الذي استهدف أكبر كنيس يهودي في ولاية ميشيغان هذا الشهر كان «عملاً إرهابياً» ​بإيعاز من «حزب الله» اللبناني.

«الشرق الأوسط» (ديترويت)
الخليج عناصر الخلية الإرهابية المقبوض عليهم (بنا)

البحرين تطيح بـ3 أشخاص شكّلوا خلية إرهابية تنتمي لـ«حزب الله»

ألقت البحرين القبض على 3 أشخاص إثر قيامهم بتشكيل خلية تنتمي لـ«حزب الله» اللبناني الإرهابي، مشيرة إلى اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وإحالتهم للنيابة العامة.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
المشرق العربي تدريب مقاتلين سوريين (الجيش العربي السوري)

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

قالت دمشق إنها تدرس «خياراتها» بالرد المناسب على هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية، فجر الاثنين، في تصعيد لافت.

سعاد جروس (دمشق)

«الأونروا» تطالب بالتحقيق في مقتل 390 من موظفيها خلال حرب غزة

مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فيليب لازاريني (رويترز)
مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فيليب لازاريني (رويترز)
TT

«الأونروا» تطالب بالتحقيق في مقتل 390 من موظفيها خلال حرب غزة

مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فيليب لازاريني (رويترز)
مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فيليب لازاريني (رويترز)

أكد فيليب لازاريني، مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، اليوم (الثلاثاء)، أن مناقشات تدور حالياً لإجراء تحقيق أممي في مقتل أكثر من 390 من موظفيها خلال حرب غزة التي استمرت عامين، والذي جعل منها أكثر المواجهات دمويةً في تاريخ الوكالة، حسبما نقلت وكالة «رويترز».

وذكر لازاريني، في مؤتمر صحافي عُقد في جنيف في اليوم الأخير من فترة شغله ‌المنصب: «أعتقد أننا ‌بحاجة إلى تشكيل لجنة، لجنة خبراء رفيعة ​المستوى، ‌للتحقيق ⁠في ​مقتل موظفينا».

وأضاف ⁠أنه تم طرح الموضوع مع مكتب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ومع الدول الأعضاء في نيويورك.

وأوضح: «جزء من السبب في عدم تفعيل ذلك بعد هو أن الصراع لا يزال متواصلاً»، في إشارة إلى استمرار الضربات الجوية الإسرائيلية على القطاع على الرغم من وقف إطلاق النار الذي دخل ⁠حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) وأنهى الحرب ‌بين إسرائيل وحركة (حماس)».

ولم ‌ترد البعثة الدبلوماسية لإسرائيل في جنيف ​على الفور على طلب للتعليق.

ووفقاً ‌لمسؤولي قطاع الصحة في غزة فقد قُتل أكثر من ‌72 ألف فلسطيني منذ بدء الحرب في غزة في أكتوبر 2023. واندلعت شرارة الحرب بهجوم قادته «حماس» على إسرائيل، وذكرت السلطات فيها أنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز ‌251 رهينة.

وقال لازاريني إن التأخير في تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الأميركية لإنهاء حرب غزة، التي تركز ⁠على نزع سلاح «حماس» وتشكيل قوة أمنية دولية، يفاقم من معاناة الفلسطينيين.

وأضاف: «لا يزال الناس يعيشون بين الأنقاض في غزة، ولا يزالون يصطفون لساعات يومياً للحصول على مياه نظيفة».

وتابع: «الوضع لا يزال قاتماً للغاية، وكلما تأخر تنفيذ المرحلة التالية تفاقم يأس سكان غزة».

وعبَّر كذلك عن مخاوفه من أن يستمر ما يسمى «الخط الأصفر» المؤقت الذي يفصل بين المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل و«حماس».

وسبق أن حذَّر لازاريني، الذي سيحلّ محله مؤقتاً البريطاني كريستيان ساوندرز، في وقت سابق من ​هذا الشهر، من أن ​مقومات قدرة الوكالة على البقاء أصبحت على المحكّ، وأن أي انهيار سيعني تولي إسرائيل المهام الإنسانية للوكالة.


إسرائيل تجدد غاراتها على ضاحية بيروت... وكاتس يتمسك بالبقاء في جنوب لبنان

جنود وآليات من الجيش الإسرائيلي قرب الحدود الجنوبية للبنان (أ.ف.ب)
جنود وآليات من الجيش الإسرائيلي قرب الحدود الجنوبية للبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تجدد غاراتها على ضاحية بيروت... وكاتس يتمسك بالبقاء في جنوب لبنان

جنود وآليات من الجيش الإسرائيلي قرب الحدود الجنوبية للبنان (أ.ف.ب)
جنود وآليات من الجيش الإسرائيلي قرب الحدود الجنوبية للبنان (أ.ف.ب)

جدّدت إسرائيل، اليوم الثلاثاء، قصفها على ضاحية بيروت الجنوبية، بعد إنذار لسكان المنطقة التي تُعد معقلاً رئيسياً لـ«حزب الله»، في وقتٍ قال وزير دفاعها يسرائيل كاتس إن قواته ستُبقي سيطرتها على مساحة واسعة من جنوب لبنان، حتى بعد انتهاء الحرب الحالية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وطالت الحرب في الشرق الأوسط لبنان، في الثاني من مارس (آذار) الحالي، بعدما أطلق «الحزب» المدعوم من طهران صواريخ على الدولة العبرية رداً على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في أول أيام الهجوم الأميركي الإسرائيلي. وتردّ إسرائيل بشنّ غارات واسعة النطاق على لبنان وتوغل قواتها في جنوب البلاد.

وشنّ الطيران الإسرائيلي غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت، وفق ما أوردت الوكالة الوطنية للإعلام. وأظهر البث المباشر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، تصاعد سحابة دخان من المكان المستهدَف، تزامناً مع تحليق للطيران المُسيّر على علو منخفض في بيروت.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه «بدأ قصف بنى تحتية إرهابية لـ(حزب الله)» قرب بيروت.

وطالت سلسلة من الغارات الإسرائيلية، الثلاثاء، بلدات وقرى عدة في جنوب البلاد، في وقتٍ تُواصل قواتها التوغل في المنطقة الحدودية.

وأكد وزير الدفاع الإسرائيلي، في بيان مصوَّر نشرته وزارته: «مع انتهاء العملية، سيُقيم الجيش الإسرائيلي منطقة أمنية داخل لبنان، على خط دفاعي ضد الصواريخ المضادة للدبابات، وسيُحكِم سيطرته الأمنية على المنطقة بأكملها حتى نهر الليطاني»، في عمقٍ يمتد لمسافة تُناهز 30 كيلومتراً عن الحدود.

وأضاف كاتس أن مئات الآلاف من النازحين اللبنانيين «سيُمنَعون منعاً باتاً» من العودة إلى بيوتهم إلى حين ضمان أمن شمال إسرائيل، قائلاً: «ستُهدم جميع المنازل في القرى المتاخمة للحدود في لبنان، على غرار نموذج رفح وبيت حانون في غزة».

وعلى وقْع الغارات والإنذارات الإسرائيلية، نزح أكثر من مليون شخص من منازلهم، وفق السلطات، خصوصاً من معاقل «حزب الله» في جنوب البلاد وضاحية بيروت الجنوبية.

ويعلن «حزب الله»، في بيانات يومية، استهداف مواقع وقوات إسرائيلية، أو خوضه اشتباكات مباشرة مع قوات إسرائيلية في بلدات حدودية.

وأعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان «يونيفيل»، الاثنين، مقتل اثنين من عناصرها من الجنسية الإندونيسية بانفجار في جنوب لبنان، في حادث كان الثاني في غضون 24 ساعة بعد مقتل عنصر ثالث في القوة، في خضمّ الحرب بين إسرائيل و«حزب الله».

وندّد الاتحاد الأوروبي، الثلاثاء، بالهجمات، وعدَّها «غير مقبولة إطلاقاً».

وقال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية أنور العنوني: «نطالب بإجراء تحقيق معمّق لكشف ملابسات هذه الهجمات الخطيرة».


إدانات فلسطينية وعربية ودولية لإقرار الكنيست «قانون إعدام الأسرى»

وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب)
وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب)
TT

إدانات فلسطينية وعربية ودولية لإقرار الكنيست «قانون إعدام الأسرى»

وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب)
وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب)

أدانت فصائل فلسطينية ومسؤولون في السلطة الفلسطينية ودولية عربية وألمانيا والاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إقرار الكنيست قانوناً يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين، معتبرين هذه الخطوة تصعيداً خطيراً وانتهاكاً للقانون الدولي، وسط تحذيرات من تداعياتها على الأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة.

وقال محمود العالول، نائب رئيس حركة «فتح»، إن «القانون يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني وكل المواثيق ذات الصلة بحقوق الإنسان»، معتبراً أنه «يأتي في إطار سياسات التطرف والعنصرية التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضاف العالول أن التشريع الجديد «يشكل تصعيداً خطيراً يستهدف حياة الأسرى الفلسطينيين، ويمس بقواعد العدالة والمحاكمة العادلة التي نصت عليها اتفاقيات جنيف»، محذراً من أن هذه الخطوة من شأنها تقويض الاستقرار ودفع الأوضاع نحو مزيد من التوتر.

حضر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جلسة في الكنيست (رويترز)

يأتي ذلك بعد أن صادق الكنيست مساء أمس (الاثنين)، على القانون بالقراءتين الثانية والثالثة في المرحلة التشريعية النهائية ما يجعله نافذاً، بعد أن كان قد أقر في قراءات سابقة وأحيل إلى اللجان المختصة قبل التصويت النهائي.

بدوره، قال حازم قاسم، الناطق باسم حركة «حماس»، إن إقرار القانون «يعكس مستوى غير مسبوق من الإجرام»، متهماً إسرائيل بالسعي إلى إضفاء غطاء قانوني على ما وصفه بـ«ممارسات قائمة بحق الأسرى داخل السجون».

واعتبر قاسم أن هذه الخطوة تأتي في سياق محاولة تصفية قضية الأسرى، مشيراً إلى أن إسرائيل لم تتردد سابقاً في تنفيذ إعدامات ميدانية، بحسب تعبيره.

ويحذر مراقبون من أن إقرار قانون إعدام الأسرى قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد، ويعقد الجهود الدولية الرامية إلى تهدئة الأوضاع وإحياء العملية السياسية، في ظل حالة الجمود التي تشهدها منذ سنوات.

ووصف نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ، إقرار القانون بأنه «تصعيد خطير»، داعياً إلى تحرك دولي عاجل لوقف تنفيذه، فيما دعت وزارة الخارجية الفلسطينية، المجتمع الدولي، إلى التدخل لمنع تطبيق ما وصفته بـ«التشريع العقابي المخالف للقانون الدولي».

وبحسب ما أوردته تقارير إعلامية، يتيح القانون فرض عقوبة الإعدام على أسرى فلسطينيين مدانين بتنفيذ هجمات مع تقليص فرص الاستئناف أو طلب العفو، الأمر الذي أثار مخاوف حقوقية من تداعياته القانونية والإنسانية.

صورة لأسرى فلسطينيين معصوبي الأعين في قاعدة «سدي تيمان» العسكرية نشرتها منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية (أ.ب)

كما أدان روحي فتوح، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، إقرار القانون، معتبراً أنه «تصعيد خطير وانزلاق غير مسبوق نحو تشريع القتل بحق الأسرى»، وأنه «يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقيات جنيف».

وأضاف فتوح أن هذا التشريع يضرب بعرض الحائط مبادئ العدالة الدولية ويؤسس لمرحلة خطيرة من الإفلات من العقاب، مشدداً على أن الأسرى الفلسطينيين «أسرى حرية» يتمتعون بوضع قانوني تكفله المواثيق الدولية، وأن أي محاولة لإعدامهم تمثل جريمة حرب تستوجب المساءلة.

ويأتي إقرار هذا القانون في ظل تصاعد التوتر في الأراضي الفلسطينية، حيث تتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية وسط تحذيرات من اتساع دائرة العنف.

صورة لمركبة متضررة إثر هجوم شنه مستوطنون يهود كتبوا أيضاً شعارات عبرية على جدران منازل في قرية دير الحطب شرق نابلس بالضفة الغربية - 23 مارس 2026 (د.ب.أ)

وحذّر فتوح من أن هذه السياسات تأتي في سياق منظومة تحريض وكراهية تدفع نحو مزيد من العنف، داعياً المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، إلى التحرك العاجل لوقف هذا التشريع.

كما حذرت هيئة شؤون الأسرى والمحررين من أن القانون يهدد حياة آلاف الأسرى الفلسطينيين، ويشكل سابقة خطيرة في التعامل مع المعتقلين، مطالبة المؤسسات الحقوقية الدولية باتخاذ خطوات فورية لوقف تنفيذه.

من جهته، أدان رئيس البرلمان العربي محمد بن أحمد اليماحي، بأشد العبارات إقرار الكنيست للقانون.

وأكد اليماحي في بيان أمس، أن هذا التشريع العنصري يمثل جريمة جسيمة وانتهاكًا صارخًا لجميع القوانين والمواثيق الدولية، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف التي تحظر المساس بحياة الأسرى وتكفل لهم الحماية الكاملة، مشددًا على أن هذا القانون يعد تصعيدًا خطيرًا في سياسة القتل الممنهج التي تنتهجها سلطات الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، ويمثل جريمة حرب مكتملة الأركان، وجريمة ضد الإنسانية.

وطالب المجتمع الدولي ومجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان والمنظمات والمؤسسات الحقوقية والصليب الأحمر بتحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية والتحرك الفوري لوقف هذا الانتهاك الخطير، واتخاذ إجراءات رادعة لمحاسبة قادة كيان الاحتلال على جرائمهم، والعمل على توفير الحماية الدولية العاجلة للأسرى الفلسطينيين.

وجدد رئيس البرلمان العربي الدعوة إلى البرلمانات الإقليمية والدولية إلى تحرك دولي عاجل لتجميد عضوية كنيست الاحتلال في المحافل البرلمانية الدولية، وعلى رأسها الاتحاد البرلماني الدولي، باعتبار أن هذا التشريع يمثل خرقًا فاضحًا للقيم البرلمانية والإنسانية كافة.

بالإضافة إلى ذلك، أدانت مصر بأشد العبارات مصادقة الكنيست الإسرائيلي على القانون.

وأكدت مصر في بيان، أن "هذا التشريع الباطل يكرس نهجا تمييزيا ممنهجا ويعزز نظام الفصل العنصري من خلال التفرقة في تطبيقه بين الفلسطينيين وغيرهم، بما يخالف أبسط مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون، كما يمثل انتهاكا صارخا للوضع القانوني القائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والذي لا تنطبق بموجبه التشريعات الإسرائيلية على المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية".

وقال البيان، إن مصر حذرت مرارا من تجاهل الانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة في الضفة الغربية وقطاع غزة على خلفية التصعيد العسكري الراهن في المنطقة، وإنها تؤكد على خطورة هذا الإجراء وتداعياته على استقرار الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفرص احتواء التصعيد، مجددة رفضها القاطع لكافة السياسات والإجراءات الإسرائيلية الأحادية.

وطالبت مصر المجتمع الدولي بالاضطلاع بمسؤولياته القانونية والأخلاقية واتخاذ مواقف حازمة وفورية لوقف هذه الانتهاكات السافرة وضمان حماية الشعب الفلسطيني وصون حقوقه المشروعة وفقا لقرارات الشرعية الدولية.

وعبر متحدث باسم المفوضية الأوروبية ​اليوم عن قلق الاتحاد الأوروبي البالغ إزاء قرار إسرائيل إقرار ‌القانون، بحسب ما نقلته وكالة "رويترز" للأنباء.

وأضاف في ⁠إفادة صحافية "هذه خطوة ‌واضحة ‌إلى ​الوراء... ‌ندعو إسرائيل إلى ‌الالتزام بموقفها السابق بشأن المبادئ والتزاماتها بموجب القانون ‌الدولي، وتمسكها بالمبادئ الديمقراطية".

وأوضح أنه ⁠ليس ⁠لديه أي تكهنات بشأن أي خطوات قد تتخذها المفوضية الأوروبية ردا على هذه الخطوة الإسرائيلية.

ومن جهته، قال متحدث باسم ​الحكومة الألمانية إن برلين عبرت عن أسفها بشأن القرار، ​خشية أن يطبق ⁠حصرا على الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية.

وأضاف المتحدث ⁠في بيان "من المفهوم ‌أن ‌إسرائيل ​اتخذت ‌موقفا متشددا تجاه ‌الإرهاب منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، لكن الحكومة ‌الألمانية تنظر إلى القانون الذي أقر ⁠أمس بقلق ⁠بالغ".

وذكر أن ألمانيا ترفض عقوبة الإعدام رفضا قاطعا، ولا يمكنها تأييد القرار الإسرائيلي.

وتعد قضية الأسرى من أبرز ملفات الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، إذ تحتجز إسرائيل آلاف الفلسطينيين في سجونها، بينهم محكومون وأسرى إداريون، في وقت تتهم فيه جهات فلسطينية ومنظمات حقوقية، إسرائيل، بارتكاب انتهاكات تتعلق بظروف الاعتقال، بما في ذلك الإهمال الطبي وسوء المعاملة.

وينص الإطار العام للمقترح على أن كل شخص «يتسبب عمداً في وفاة (شخص آخر) بقصد الإضرار بمواطن أو مقيم إسرائيلي، وبنية إنهاء وجود دولة إسرائيل، يُعاقب بالإعدام أو بالسجن المؤبد»، وفق ما جاء في النص، حسبما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

صورة عامة لقاعة الجلسات العامة للكنيست الإسرائيلي (أرشيفية - د.ب.أ)

غير أن المشروع ينص، بالنسبة إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، على أن تكون عقوبة الإعدام هي العقوبة الافتراضية إذا صنّفت المحاكم العسكرية الإسرائيلية جريمة القتل على أنها «عمل إرهابي».

وبهذه الصيغة، يمكن لإسرائيل تطبيق عقوبة الإعدام على أي مواطن فلسطيني يقتل مواطناً إسرائيلياً، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال تطبيقها على إسرائيلي يقتل فلسطينياً.

وتحتل إسرائيل الضفة الغربية منذ عام 1967، حيث يخضع الفلسطينيون الذين يرتكبون مخالفات للمحاكم العسكرية الإسرائيلية، بينما يُحاكم المستوطنون الإسرائيليون أمام القضاء المدني. وفي كل الحالات، يُمكن تنفيذ حكم الإعدام خلال مهلة 90 يوماً بعد صدور الحكم النهائي، مع إمكان تأجيل التنفيذ حتى 180 يوماً.