محمد مهدي شمس الدين: لا مصلحة للشيعة في إنشاء نظام مصالح خاص بهم وربطه بإيران

«الشرق الأوسط» تنشر نص حوار غير معلن بين رجل الدين اللبناني ومناصرين لـ«حزب الله» عام 1997

الشيخ محمد مهدي شمس الدين (أرشيف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الراحل)
الشيخ محمد مهدي شمس الدين (أرشيف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الراحل)
TT

محمد مهدي شمس الدين: لا مصلحة للشيعة في إنشاء نظام مصالح خاص بهم وربطه بإيران

الشيخ محمد مهدي شمس الدين (أرشيف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الراحل)
الشيخ محمد مهدي شمس الدين (أرشيف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الراحل)

تنشر «الشرق الأوسط»، اليوم، حلقة ثالثة (أخيرة) من نص مطوَّل هو عبارة عن حوار بين رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان، الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين، وأعضاء قريبين من بيئة «حزب الله»، عام 1997. وجادل شمس الدين في الحوار بضرورة اندماج الشيعة في بلدانهم، محذراً من خطورة إنشاء نظام مصالح خاص بهم وربطه بإيران.

ومن المقرر أن ينشر إبراهيم محمد مهدي شمس الدين، نجل الشيخ الراحل، نص الحوار في كتاب يحمل عنوان: «الشيعة اللبنانيون والشيعة العرب - العلاقة مع الغير والعلاقة مع الذات». وتنشر «الشرق الأوسط» النص بمناسبة ذكرى مرور 25 سنة على وفاة رجل الدين الشيعي اللبناني التي صادفت يوم السبت، 10 يناير (كانون الثاني).

شمس الدين و«كرةُ النار»

سُئل شمس الدين من أحد الحاضرين عن «ابتعاد شريحة من الشيعة عنكم»، مشيراً إلى أنها قد تكون «وجدت منكم ابتعاداً عنها في مواقف سياسية ومواقف ربما فكرية، ولهذا السبب ربما ذهبت في اتجاه آخر»، فردَّ قائلاً:

«أنْ يكون الابتعاد قد حصل بسبب بعض المواقف السياسية أو الفكرية، أقول لك: نعم حصل ابتعاد، ولكنْ من جانبكم... الذين ابتعدوا عنّي كانوا ضحيَّة التضليل. لا توجد عندي طروحات فكرية منفّرة ولا مواقف سياسية منفّرة. الشيء الذي أنتم معي عليه الآن هو ما كنت عليه في الماضي. في وقت من الأوقات أنا كنت شيخ (حزب الله)، فلماذا غيَّروا وبدَّلوا؟! أنا كنت خطيب حفلاتهم، وأنا كنت أنظّر لهم، فما عدا مما بدا؟!».

الشيخ محمد مهدي شمس الدين مع أطفال في مبرّة السيدة زينب التابعة لمؤسسات الشيخ شمس الدين بحاروف في جنوب لبنان (أرشيف الشيخ شمس الدين)

فقال له أحد الحضور: لم تعد هناك كرة نار؟ فرد قائلاً:

«كرةُ النار هذه أنا حملتُها وأنا استخدمتُ هذا المصطلح... مع اجتياح 1982 كنتُ في طهران، وعزمتُ فوراً على العودة إلى لبنان. تمنَّى عليَّ السيد الخامنئي ألا ألقيَ بنفسي في هذه المعمعة، وأن أبقى في طهران ولو بضعة أيام. قلت له: وأفعل ماذا؟ أسمع الأخبار؟! أتيت إلى الشام. الأخ عبد الحليم خدام استغرب أيضاً أني عائد إلى لبنان وهو تحت العدوان الكامل. كانت رائحة حريق جثث الجنود السوريين تعبق وادي القرن عندما مررت فيه ورأيت الدبابات السورية وهي لا تزال مشتعلة. ذهبت أولاً إلى منزل والدي الشيخ عبد الكريم في الشياح، ومكثتُ في خدمته بعض الوقت، ثم انتقلتُ إلى داخل بيروت المحاصرة. قلت آنذاك: لن يخرج الشيعة من بيروت، ومجدهم وكرامتهم أن يكونوا محاصرين مع السنّة ومع الفلسطينيين داخل بيروت. كرة النار هذه أنا تحملت مسؤوليتها الدنيوية والأخروية، ولم آكل من غنائمها شيئاً. أما أولئك الذي كانوا يقولون لي: هذا حرام وإلقاء بالنفس إلى التهلكة، فهم الآن سلاطين المقاومة وكُرة النار! لا باركَ الله لإيران ولا لـ(حزب الله) فيهم!».

وعندما قال له أحد المشاركين في الحوار إنه يُطلق «عبارات اتهامية» ضد بعضهم (من مؤيدي تيارات شيعية معارضة له)، رد قائلاً:

«أحب أن أجاوب على الفقرة الأولى من سؤالكم لأنها محزنة لي. بعضكم، الإخوان المشايخ يعرفونني جيداً. أيضاً يعرفون أنني في الحديث، عندما آخذ راحتي، أتباسط. يعني أن التعابير المتساهلة تصدر مني... وهذا لا أعرف إن كان من كمالاتي أو من عيوبي. (...) نعم بعض تعابيري التي صدرت -كأنْ أقول أنتم، أنا، جماعتكم- أرجوكم يا أحبائي، هذا الكلام لا يعني إلا لفظه. كونكم عندي الآن وبين يدي، فهذا كافٍ لأنْ أُحسن الظن بكم وأن أبذل جهدي في أن أزيل من نفوسكم أو نفوس بعضكم أي شائبة من عدم الوضوح. فمن هذه الجهة تأكَّدْ أنَّ ما تقوله عن نفسك وعن إخوانك هو ما أعتقده فيكم... هذه سنستريح منها... تفضلْ، واصلْ سؤالك!».

مؤيدون لـ «حزب الله» يستمعون إلى كلمة لزعيمه الراحل حسن نصر الله في قرية جنتا بشرق لبنان في 19 أغسطس 2022 (أ.ف.ب)

فقال موجّه السؤال: الهمّ الأساسي عندنا هو وحدة القوى الشيعية في لبنان... فالأعداء لا يستثنون أحداً، لا سماحتكم ولا «حزب الله» ولا حركة «أمل». المسألة الثانية تتعلق بإيران: ذكرتم في سياق كلامكم أنكم تتمنون الخير للجمهورية الإسلامية وتدعمونها قدر استطاعتكم بوصفها جزءاً من المشروع الإسلامي العام. ولكنْ كان ملاحَظاً حتى على المستوى الشعبي أنكم في أثناء «عدوان نيسان» سنة 1996 في كلمتكم خلال تشييع شهداء قانا، شكرتم الفرنسيين وكل الناس، ولكن استثنيتم تحديداً إيران التي كانت أيضاً موضع هجوم سياسي من الأميركيين الذين حاولوا أن يستثنوها من الوساطات التي كانت تجري بموضوع «تفاهم نيسان». كان لافتاً عدم ذكركم موضوع إيران، وكذلك موضوع المقاومة التي كانت الجهة الأساسية في المواجهة!

«داعية تفاهم بين أمل وحزب الله»

أجاب شمس الدين قائلاً: «موضوع الالتباس حول أنتم وأنا أزلناه، وأنا أعتبر أنكم أنا... نأتي الآن إلى سؤالكم الأخير. كلامكم ورد فيه أمران: أمر أول عن حكاية وحدة الشيعة وأنهم موضوع مؤامرة. والأمر الثاني موضوع علاقتنا مع إيران، من خلال تفصيل محدد هو تأبيني لشهداء قانا.

أما بخصوص الأمر الأول، فإن أبناءنا في حركة (أمل) يعرفون، من مستوى جناب الرئيس نبيه بري إلى آحادهم، أني داعية تفاهم بينهم وبين (حزب الله). وقيادة الحزب كلها أو جلّها التي ألتقيها -قواعد الحزب لا ألتقي معها لأنها محجوبة عني- أيضاً تعرف منّي هذا. أي وسيلة من وسائل اللقاء بينهم تتاح لي لا أقصّر. بالمناسبة أنا قلت لقيادة الحزب: بعد أن اكتشفتم أنني أصلح للحديث معكم، لماذا يقتصر اللقاء عليكم وحدكم؟ قواعدكم ما زالت تسبّ وتشتم وتتبرأ وتفحش في هذا، لماذا؟ أنا أكلفكم يا أعزائي أن تجلبوا لنا الجواب.

الشيخ محمد مهدي شمس الدين مع مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد والرؤساء تقي الدين الصلح وسليم الحص وحسين الحسيني (أرشيف الشيخ شمس الدين)

هذا الأمر (الوحدة) أنا من أكبر دعاته، والطرفان (أمل والحزب) يعرفان هذا. وأنا -شهد الله- (لا أريد لحركة أمل أن تكون حزباً)، أريدها أن تكون حالة عضوية داخل الشيعة، والحزب لا أريده أن يكون حزباً. مفهوم الحزب مفهوم خطر. الحالة الحزبية أريدها أن تنحلّ، تنحلّ عضوياً. لها تمايز ولكن لها حالات عضوية. لا أريدها أن تكون مثل بعض الحيوانات الدودية التي عندما تحس بجسم غريب تنكمش على حالها وتُقفل على نفسها، كما هو موجود فعلاً. أنا شديد الاهتمام والعمل من أجل الوحدة، ولا أظن أنني أقل الناس سعياً وعملاً بين التنظيميين. لماذا؟ هل لأن الشيعة في خطر؟ أنا لا أرى أن الشيعة في خطر. الشيعة ليسوا في خطر. وإذا كان هناك خطر على الشيعة فهو من أنفسهم وليس من غيرهم؛ وهذه مسألة أخرى تحتاج إلى جلسة أخرى. ولذلك الأسبوع الماضي كنت على وشك أن أقول كلاماً علنياً حول التحذير من تكتل الشيعة لأنفسهم أو ضد الغير. هذا الأسلوب خطر وأنا لا أوافق عليه، بكل صراحة. فبالنسبة إلى الشيعة أنا لا أتصرف من موقع الخوف. أنا أرى أن الشيعة حققوا مكاسب أريدُ أن أحافظ عليها. ليسوا في خطر.

أمّا أنَّ الشيعة -كما تفضل جناب الأستاذ- هم رأس الحربة في مقاومة المشروع الصهيوني بحكم جغرافيتهم أو بحكم مقاومتهم، فاعلموا أنهم في الواقع ليسوا الوحيدين في هذا، ونعرف أنه فيما مضى كان غير الشيعة أيضاً منخرطين في هذه المقاومة. انحصرت الآن في بعض الشيعة لأسباب مَرَضية تحتاج إلى معالجة وسوف أعالجها، أخبركم أنني سأعالجها. لا يناسبني أن يبقى الشيعة وحدهم... ولا أريد أن يكون هذا الوضع يتكئ على شيء، فإذا زال ذلك الشيء، المشروع كله يفرط (ينهار). وأكتفي الآن بهذا المقدار من التوضيح.

إذَنْ موضوع الوحدة مرحَّبٌ به، ونحن زكَّينا أي شيء. الآن عندما جاء جناب الأستاذ نبيه وصار يلتقي مع الحزب، هو سمع منّا ما يشجعه على ذلك... ولو أنّ الحزب سألَنَا لَسَمِعَ منّا أيضاً ما يشجعه على ذلك. عندما يتفق هؤلاء الأعزاء، شغلي أنا يصبح أسهل عليّ. لا أعود أحتاج إلى أن أعمل مجاملات أو أن أعمل صياغات لغوية وتعابير خاصة. يصبح عملي ميسراً أكثر، من قبيل والدٍ أولاده متَّفقون. إذا تنازع الشيعة وتقاتلوا، أنا أشعر بالخِزْي! لمّا تقاتل (حزب الله) و(أمل)، كنتُ إذا التقيت البطريرك صفير، يقول لي: شو قصّتكم؟! أذهب إلى مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد، فأسمعُ منه التعجَّبَ نفسه! تلك كانت بالنسبة لي فضيحة.

أحد عناصر الأمم المتحدة أمام أنقاض مبنى قصفته إسرائيل في قانا بجنوب لبنان (غيتي)

إهمال ذكر إيران في تأبين ضحايا قانا

أما بالنسبة إلى الموضوع الثاني (كلامي في تأبين شهداء قانا) فأقول لكم لو أن قانا تكررت لكرّرتُ موقفي وأهملت ذكر إيران. أنا لم أنسَ إيران ولم أغلط بشأنها. ما تهمة الشيعة؟ (ما الصفة التي كانت تُلصق أو تُطلق على الشيعة اللبنانيين؟) لمّا كان رابين أو بيريز يقول: نريد أنْ نجرِّد (حزب الله)، حزب إيران، عملاء إيران من السلاح؟ المقاومة الآن -ليس في نيسان الماضي وإنما الآن- هي مقاومة من؟ (هم يرون أنها) مقاومة إيران، أنها لا مقاومة الشيعة ولا مقاومة المسلمين، وإنما هي فصيل إيراني ناطق بالعربية يقاوم! إسرائيل روَّجت هذه المقولة؛ من البيت الأبيض إلى الكرملين. وهذا الكلام تم تسويقه ليس في وزارات الخارجية فقط، وإنما عند عجائزنا في الجنوب يتم تسويقه أيضاً. وأخبركم أن الناس صدّقوه. ثلاثة أرباع الناس صدقوه... أنا لي صفة رسمية، يوجد في لبنان مَن لا يصدق بها (من الحزبيين)، لكن في أميركا وأوروبا والعالم يرون أني وجه الشيعة ولسانهم الناطق. خطبة (تأبين شهداء قانا) كانت تُبثّ في اللحظة نفسها على ملايين البشر. أجهزة المخابرات في كل العالم كانت تُصغي، لا تسجل الكلمات فقط، (بل تحلل الكلام والتعابير للوصول إلى خلفياتها). معروف هذا الشيء. لو أني في كلامي أيَّدت إيران وجعلتها جزءاً من عمل المقاومة لكنتُ أبدو كأني أؤيد المزاعم الإسرائيلية!

الشيخ محمد مهدي شمس الدين مع بابا الفاتيكان الراحل يوحنا بولس الثاني (أرشيف الشيخ شمس الدين)

يوجد نوعان من الناس: هناك مَنْ يلطم في العزاء من أجل الهريسة، وهناك مَنْ يحبس دموعه في العزاء وقلبه يبكي، لأنه يريد أن يحفظ كرامة أهل العزاء. أنا الآن -لا قدَّر الله- لو تكررت قضية نيسان الماضي وصعدت المنبر سأهمل ذكر إيران، لا لأنني لا أرى إيران، وإنما حفاظاً على شيعة لبنان. لو أردتُ أن أتملق الإيرانيين لكنتُ ذكرتهم وأثنيت عليهم ومدحتهم، ولكُنتم حينها سمعتم تصفيق إيران و(حزب الله) لي! أنا لا أعمل هكذا... أنا أمثّل قيادةً مسؤولةً، أنا مسؤول عن الشيعة. أنا لا أريد أيضاً أن أقدم برهاناً على أنَّ شيعة لبنان دُمى أمام مشروع إيراني تُستخدم فيه المقاومة ورقة ضغط. إذا كان هناك منطق مقابل، أستمع إليه. إذا أقنعني هذا المنطق أكون مخطئاً، وجلَّ من لا يخطئ. إذا ما أقنعي هذا المنطق فأنا ما زلت على صواب... أما بالنسبة إلى المقاومة فأنا أول من أطلق المقاومة (المقاومة المدنية الشاملة)، وأنا في تلك السنوات رغم فقري، دفعت فلوساً للمقاومة، ليس فقط للمقاومة المدنية، وكان يأتي البعض، وهم وجهاء الشعارات الآن، ويقولون لي: هذا حرام شيخنا! لا يجوز شيخنا!».

المرشد الإيراني على خامنئي في طهران يوم 25 أكتوبر 2025 (موقع خامنئي - أ.ف.ب)

إيران ليست مرجع الشيعة لا في سياسة ولا في دين

وسأله أحد الحاضرين مجدداً عن إيران، فقال:

«القول بأن إيران هي جمهورية شيعية، أنا لا أرى مصلحةً في هذه المقولة، لا مصلحة إيران ولا مصلحة الشيعة. إيران دولة إسلامية موجودة في المنطقة الله يعزها، وهي تعرف مصلحتها أكثر مما نعرف نحن، ولا داعي لأن يقال إنها دولة الشيعة. لا أنصح إيران بأن تقول هكذا ولا أنصح الشيعة بأن يقولوا هكذا، ورأيي أكرره وتعرفونه جنابكم؛ وهو أن إيران ليست مرجع الشيعة لا في سياسة ولا في دين. ثمَّةَ مشتركٌ بيني وبين معظم أهلها، هو أننا من أتباع مذهب أهل البيت، على طريقة الإمامية الاثنى عشرية. أما القول بنظام مصلحةٍ واحدٍ بين الشيعة وإيران، فهذا يَفترض أن نقول بأن للشيعة نظام مصالح إقليمياً خاصاً بهم؛ مثلاً في العالم العربي أو في العالم التركي أو في العالم الآسيوي... وهذا أمر أنا لا أقرَّه! الدولة لا تستطيع أن تتعامل مع أنظمة مصالح سرية، كما يحاول البعض أنْ يعملوا هنا عندكم أو في أمكنة أخرى. لا مصلحة للشيعة على مستوى إقليمي أو على مستويات وطنية أن يُنشئوا نظام مصالح خاصاً لهم ويربطوه بإيران. كذلك لا يستطيع السفير الإيراني أو وزير الخارجية الإيراني أن يأتي إلى فارس بويز (وزير خارجية لبنان) أو (رفيق) الحريري (رئيس الحكومة) ويقول له: شيعة لبنان يهمنا أمرهم. عندما يقولها يُدمّر نفسه ويدمرنا معه! نحن ننتفع من استثمارات إيرانية وغير إيرانية في لبنان، والموارنة يشتركون معنا والسُّنة يشتركون معنا، وندخُل مع كل الناس في منفعة عامة. فهمي في هذه المسألة هو هذا. أي شيء يُدخل ظلّية سياسية، أو تبعية سياسية، أنا أرى فيه ضرراً. تُرى إذا اقتضت سياسةُ إيران أو مصلحتُها أن تتعاون اقتصادياً مع جهة غير شيعية فماذا نقول لهم؟ أنقول لهم: أنتم مخطئون؟! أنا أقول لهم: يعطيكم العافية! أنا أريد إيران عزيزة مصونة، ولكنّي لا أُريدُها حالةً مَرَضيَّةً فيما بيننا، أن تكونَ (ليلى الجميلة) التي نتشاجرُ في أمرها، ونتسابقُ لخَطْبِ ودِّها، ونتبارى في الإخلاص لها!».

الشيخ محمد مهدي شمس الدين مع مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد والرؤساء تقي الدين الصلح ورشيد كرامي وسليم الحص في ما يُعرف بـ «قمة عرمون» التي دعت إلى حوار إسلامي مسيحي في لبنان (أرشيف الشيخ شمس الدين)

ورداً على سؤال آخر عن الأنظمة العربية، قال: «أمَّا أن تضع الحركة الإسلامية المباركة نفسَها في حضن الأنظمة، فأنا لا أدعو إلى ذلك. أنا ضد مبدأ الدولة الكلية، أنا مع ولاية الأمة على نفسها. الدولة هي مجرد منسق عام لأنشطة المجتمع. إذا أردنا أن نقارن بين الدولة الكلية الموجودة الآن وبين التركيب الفقهي للدولة نجد أن الدولة الآن تُمسك بأكثر من ثمانين في المائة من مصائر الناس، في حين أن التركيب الفقهي للدولة -حسب اجتهادي الإسلامي- يكاد لا يصل إلى ثلاثين في المائة. حيث لا ضرورة، لا يجوز للدولة أن تمد يدها. نعم إذا صارت ضرورة، فالضرورات تقدَّر بقدرها. نعم، ينبغي أن يكون للدولة جيش قوي، ومالية قوية، وسياسة اقتصادية تنمّي ثروة الناس، وميزانية معتبرة تُسيّر بها أمورها... أما أن تكدس الثروة على حساب الناس وتعمل مشاريع خنفشارية...!».

لا أريد أن يكون الشيعة أتباعاً لإيران

ورداً على سؤال عن دعوته الشيعة إلى الاندماج في أوطانهم، أجاب الشيخ شمس الدين:

«التعاطف مع دولة وشعب هو غير الولاء السياسي لهذه الدولة. أنا لا أريد أن يكون الشيعة أتباعاً لإيران. الفاتيكان مرجع ديني للكاثوليك في العالم، وليس مرجعاً سياسياً. إسبانيا الكاثوليكية لا تربط نظام مصالحها الاقتصادي والسياسي والثقافي وشبكة علاقاتها داخل أوروبا المتحدة بالفاتيكان. إيطاليا حاضنة الفاتيكان مكانياً هي كذلك أيضاً... كون البابا يمون (يضغط) على بعض الجماعات الكاثوليكية في العالم في موقف سياسي معين، كونُه حرّك الكاثوليك في بولندا ضد النظام الشيوعي، فهذا الأمر قد حدث، ولكن من أي موقع؟ من موقع الانسجام مع النظام الدولي وليس ضد النظام الدولي. انسجم مع أميركا ومع أوروبا الغربية. فلتفعلْ إيران هكذا وتأخذ منّي خمسمائة نعم وليس نعم واحدة!

(...) أما موضوع اليهود وإسرائيل، فهو ما لا نريده نحن! أنا قلتُ بالأمس في إحدى المقابلات بأنَّ إسرائيل ليست مشروعاً يهودياً، إنما هي مشروع صهيوني... وأنا أرجوكم يا أعزائي ويا أبنائي ألا تجعلوا إيران مرجعيةَ الشيعة كما جعل اليهود إسرائيل مرجعيتَهم. الصهيونية استطاعت أن تكيِّف الرأي العام العالمي بحيث يقبل أن تكون مرجعية اليهودي هي إسرائيل وأن تجلب اليهودي الروسي وتُسكنه فيها.

هذه ليست مصلحة إيران ولا مصلحة الشيعة. الشيعة قوتهم أن يندمجوا في جسم الإسلام وليس أن يصيروا جالية خاصة بالإيرانيين. وهذه أيضاً ليست مصلحة إيران... وإلا تفتح إيران على نفسها حروباً! أنتم تغلّبون الجانبَ العاطفي والولائي على نظرتكم إلى إيران. إيران الدولة قد تجد أحياناً مصلحتها السياسية مع غير الشيعة في بعض البلدان، فتنحازُ إلى مصلحتها. مثلاً، في النزاع الآذري - الأرمني، التزموا وجهة النظر الأرمنية في مقابل الشيعة. في قضية الشيشان وروسيا، إيران تقول: ماذا أفعل؟! هؤلاء لهم الله! أنا لا أستطيع أن أقاوم الاتحاد الروسي، لأني بحاجة لأن أشتري منه السلاح وأريد أن أُصدِّر لهم الكافيار! دَعُوا إيران تشتغل وفقاً لنظام مصالحها، وأنا يكفيني أن تكون هناك إيران قوية. الآن يُقال في لبنان -وأنا أشهد بصحة ما يقال- بأنَّ السوريين يضيقون ذرعاً بمراجعات بعض اللبنانيين: نواب ووزراء ومديرين «رايحين جايين» يستنصرون على جماعتهم بالسوريين! إيران من هذا القبيل، صارت ضحية تملُّق كثير، ضحية مدح غير مخلص، ضحية تخويف بما لا يخوّف».

الشيخ محمد مهدي شمس الدين مع زعيم «حزب الله» حسن نصرالله (أرشيف الشيخ شمس الدين)

مواطنة بلا غِشٍ

وقيل له إن دعوته لاندماج الشيعة في مجتمعاتهم قد تُفهم على أنها دعوةٌ للذوبان المذهبي، فأجاب: «أنا أدعو إلى الاندماج السياسي والمجتمعي. أما المذهبي؛ فكل واحد على مذهبه. الشيعي عنده فقهه وأصوله يحافظ عليهما. أما على المستوى السياسي والاجتماعي، نعم يندمج، وهو لا يذوب. أنا لم أستخدم مصطلح الذوبان. أن يذوب يعني إلغاء الشخصية. أنا لا أدعو أبداً إلى إلغاء الشخصية! وعلى صعيد علاقة الشيعي بالآخرين، من مذاهبَ أو أديانٍ أخرى في الوطن، أنا أدعو إلى مواطنةٍ بلا غِشٍ... يعني أن يأتي أحدُ المعمَّمين الأدعياء بفتوى تقول بأنَّ سرقة مال السنّي أو المسيحي حلال، فكلَّا! هذا حرام، كلُّه حرام! لا يجوز هذا العمل!

- الدولة، مالها تجوز سرقته؟

كلا، كذلك حرام! الدولة تملك وملكيتها صحيحة.

- فإذا كانت ظالمة؟

كيف ظالمة؟ الآن الدولة اللبنانية بأي أمر هي ظالمتك؟! يجب أن يكون هناك صدق، اسمع، هذا ليس موضوع مُزاح! أخشى أن تكون أنت من ظُلَّام الدولة وليس أن الدولة تظلمك! المسألة ليست حالة (التقية). (المطلوب) اندماج حقيقي، مواطنة حقيقية، شراكة مصالح حقيقية... هذا هو الفقه. أما القول بأن وصايا أئمتنا، عليهم السلام، هي كذا... فغير صحيح. دَعْنِي أرَ نصوصاً تؤيد هذا. بالعكس، أنا أقول وصايا الأئمة (ع) هي ما أقوله وليس ما تقوله جنابك.

الشيخ محمد مهدي شمس الدين مع وفد كويتي في لبنان (أرشيف الشيخ شمس الدين)

(...) أما موضوع الفساد، فطبعاً يوجد فساد. أيام الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يوجد فساد؛ الفساد غيرُ الظلم. قسم من كتب (رسائل) الإمام علي في (نهج البلاغة) إلى بعض وُلاتِه في الأقطار متعلقة بخيانتهم أمانة الناس واستيلاء على أموال عامة؛ هل نقول إن نظام أمير المؤمنين كان نظاماً ظالماً؟

يا أحبائي، هذا الموضوع أنا بيَّنته في كتاب نظام الحكم وغيره؛ وهو موضوع يقع فيه كثير من الناس في خطأ كبير. كل ما ورد في السنة عن حكام الجَوْر والدولة الجائرة هذا ذهب، انتهى. هذا يُعنى به أنظمة الحكم الموجهة ضد ولاية أهل البيت، يعني ما يتعلق بنظام الخلافة واغتصاب السلطة... هذا كله راح. على الأكثر استمر إلى نهاية الدولة العثمانية. الآن الأنظمة السياسية الحاكمة في البلاد الإسلامية تقوم على فلسفة حكم ونظرية حكم ليست لها علاقة لا بالإمام علي ولا بالسقيفة ولا بأبي بكر. هي قائمة على معطيات أخرى. فمفهوم (نظام جور) و(حاكم جور) لم يعد موجوداً، وكل ما يُقال من بعض أدعياء العلم أو غَفَلتهم في هذا الشأن لا أساس فقهياً له على الإطلاق. الدولة الحديثة ملكيتها ملكية صحيحة، ونُفتي بحرمة اختلاس أموالها، وبحرمة خيانة القوانين، وبحرمة الإخلال بالنظام العام. لحياة المجتمع حرمة كبيرة، من الغش بالامتحانات إلى تزوير فاتورة التليفون.

قصدي أنَّ مصطلح «حكّام الجَوْر» يرتبط بالجذر الفقهي السياسي الذي يقوم على أساس ولاية الأئمة المعصومين بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)، من الإمام عليّ بن أبي طالب (س) حتى غَيْبة الإمام المهدي الكبرى. هذا المصطلح لا ينطبق على الدولة الوضعية الحديثة. الدولة الوضعية الحديثة هي جهاز تنظيمي للمجتمع لا يرتبط بالنظام (المصير) الأخروي للبشر. في هذا العصر أنا أقول بولاية الأمة على نفسها.

  • انتقلتُ إلى داخل بيروت المحاصرة (عام 1982) وقلت: لن يخرج الشيعة من بيروت ومجدهم وكرامتهم أن يكونوا محاصرين مع السنّة والفلسطينيين داخلها
  • لو أردتُ أن أتملق الإيرانيين لكنتُ ذكرتهم وأثنيت عليهم ومدحتهم ولكُنتم حينها سمعتم تصفيق إيران و«حزب الله» لي!
  • الدولة لا تستطيع أن تتعامل مع أنظمة مصالح سرّية كما يحاول البعض أنْ يعملوا هنا عندكم أو في أماكن أخرى
  • أدعو إلى مواطنةٍ بلا غِشٍّ... أن يأتي أحدُ المعمَّمين الأدعياء بفتوى تقول إنَّ سرقة مال السنّي أو المسيحي حلال فكلَّا! هذا حرام
  • مفهوم «نظام جور» و«حاكم جور» لم يعد موجوداً... الدولة الحديثة ملكيتها ملكية صحيحة ونُفتي بحرمة اختلاس أموالها وبحرمة خيانة القوانين وبحرمة الإخلال بالنظام العام

محمد مهدي شمس الدين


مقالات ذات صلة

القبض على أبرز أذرع نظام الأسد في الرقة ودير الزور

المشرق العربي تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)

القبض على أبرز أذرع نظام الأسد في الرقة ودير الزور

ألقت قوات الأمن الداخلي في مدينة الرقة القبض على تركي البوحمد المتعاون مع الميليشيات الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري» و«حزب الله» وأبرز قيادات النظام في الرقة

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
المشرق العربي خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)

التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

الحكومة والجيش الإسرائيليان يتعرضان لانتقادات، ونتنياهو يخشى أن يتسبب ذلك في هزيمته الانتخابية، والجنرالات يخشون من فقدان الهيبة.

نظير مجلي (تل أبيب)
تحليل إخباري الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

تحليل إخباري بين إسقاط الحكومات وفقدان السيطرة: «حزب الله» أمام معادلة سياسية جديدة

منذ دخوله العمل السياسي عام 1992، انتقل «حزب الله» مع مرور السنوات من لاعب نيابي محدود التأثير إلى طرف أساسي في معادلة الحكم اللبنانية.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي سيدة تقف على أنقاض منزلها بعد استهدافه بقصف إسرائيلي في منطقة البرج الشمالي جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الاجتماع العسكري «اللبناني - الإسرائيلي» بموعده لتبادل الطروحات دون الحسم

تتصدر الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مدينتي النبطية وصور وجوارهما، وتعد الأعنف والأوسع منذ أسابيع، جدول أعمال أول اجتماع عسكري بين لبنان وإسرائيل.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي عمال إنقاذ وسكان محليون يتفقدون الأضرار التي لحقت بمبنى في أعقاب غارة جوية إسرائيلية بمنطقة الشويفات جنوب بيروت على مشارف الضاحية الجنوبية للعاصمة 28 مايو 2026 (أ.ف.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي يعلن تنفيذ غارة جوية «دقيقة» في منطقة بيروت

أعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفَّذ غارة جوية «دقيقة» في منطقة بيروت، اليوم (الخميس)، وذلك بعد غارات سابقة على جنوب لبنان أسفرت عن مقتل 14 شخصاً على الأقل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

القبض على أبرز أذرع نظام الأسد في الرقة ودير الزور

تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
TT

القبض على أبرز أذرع نظام الأسد في الرقة ودير الزور

تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)

ألقت قوات الأمن الداخلي في مدينة الرقة القبض على تركي البوحمد داخل إحدى المزارع بريف المحافظة، في عملية أمنية نفذت بناء على متابعة ميدانية دقيقة، ويعد الموقوف من أبرز الأسماء القيادية لدى ميليشيات النظام البائد، وأبرز المجرمين في المحافظة خلال فترة النظام البائد والمتعاون مع الميليشيات الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري» و«حزب الله» اللبناني.

يعرف البوحمد، واسمه الحقيقي تركي مخلف المرعي، بكونه أحد قيادات ميليشيا قوات مقاتلي العشائر التي ارتبطت بشعبة الاستخبارات العسكرية، حيث برز اسمه خلال السنوات الأولى من الثورة في سوريا.

تركي البوحمد قائد ميليشيا العشائر في الرقة ودير الزور (متداولة)

عرفت مجموعته باسم بـ«مغاوير الصحراء» التابعة لميليشيا الدفاع الوطني السابقة. وقد ارتبط اسمه بعمليات نهب وسلب وتعذيب طالت معظم سكان المناطق التي دخلتها تلك الميليشيا، فضلاً عن مساهمته في اعتقال عدد كبير من مؤيدي الثورة السورية. ونشرت مواقع سورية فيديو لـ«قصر» يملكه المدعو تركي مخلف المرعي بين قريتي البوحمد وغانم - العلي في ريف الرقة الشرقي.

يُعتبر البوحمد مسؤولاً عن ارتكاب العديد من الجرائم بحق أبناء المنطقة الشرقية منذ عام 2017، بما في ذلك جرائم الحرب، والتهجير القسري، كما يُعدّ من أبرز المسؤولين عن تجنيد الشباب في المنطقة للانضمام إلى صفوف الميليشيات الإيرانية.

مجموعة صور لقائد الميليشيا السابق مع رموز نظام الأسد ويبدو فيها اثنتان منهما مع العميد سهيل الحسن بنظام الأسد (إعلاميون بلا حدود - الرقة)

وكان موقع «الذاكرة السورية» قد وثّق أنه عمل لصالح الأجهزة الأمنية في بدايات الثورة السورية، وساهم باعتقال المتظاهرين والمتعاطفين مع الجيش الحر. وفي منتصف عام 2014 شكّل مع «عمر العلاوي» الأمين العام لـ«حركة الاشتراكيين العرب» ميليشيا مسلحة تدعى «قوات مقاتلي العشائر» للقتال إلى جانب قوات الأسد في الرقة ودير الزور، وتتبع الميليشيا لشعبة الاستخبارات العسكرية، وتخضع لتدريب من روسيا و«حزب الله»، وربطته علاقة متينة مع سهيل الحسن وروسيا التي منحت الأخير 15 وساماً، بالإضافة إلى دكتوراه فخرية في العلوم العسكرية.

يُعد البوحمد أحد أبرز قادة الميليشيات التي قـاتلت إلى جانب النظـام السوري السابق في ريف الرقة الجنوبي الشرقي كما شارك في المعارك التي شهدها ريف دمشق وسط اتهـامات بارتكـاب انتـهاكات وجـرائم حـرب بحق المدنيين.

ارتبط اسمه خلال سنوات سيطرة ميليشياته على مناطق ريف الرقة بسلسلة من الانتهاكات بحق المدنيين، شملت وفق مصادر محلية عمليات نهب وابتزاز، إضافة إلى فرض قيود على عودة السكان إلى قراهم، حيث جرى اشتراط انخراط مقاتلين من بعض العائلات للسماح لهم بالعودة، إلى جانب منع عائلات أخرى لأسباب تتعلق بالانتماء أو المواقف السياسية.

تركي البوحمد قائد ميليشيا العشائر في الرقة ودير الزور (متداولة)

في عام 2017، أعلن البوحمد نفسه شيخ عشائر «البوشعبان» خلال فعالية أقامتها مجموعته، وهو ما أثار حالة من الجدل والاستياء داخل أوساط اجتماعية وعشائرية، في ظل رفض بعض أبناء العشيرة لهذا التوصيف والانقسام حوله.

تركي البوحمد الذي يُلقب شعبياً بـ«كركاعة»، هو من قرية البوحمد شرق الرقة ونسب نفسه إليها في اسمه. وبعد تشكيله ميليشيا مقاتلي العشائر بدأ بعمليات نهب وسرقة وخطـف وابتــزاز بحق مدنيين في المناطق التي دخلها عناصره. وبحسب مصادر محلية، فإن تركي له علاقة بعمليات استهداف رُعاة الأغنام في البادية السورية وسرقة مواشيهم، وتعفيش منازل المدنيين في قرى حطلة وخشام ومراط خلال سيطرة النظام البائد على هذه القرى.

وكان موقع «الرقة تذبح بصمت» قد نشر في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن قوى الأمن الداخلي في معدان ألقت القبض على عناصر خلية مسلحة مرتبطة بالمدعو «تركي البوحمد» العامل تحت جناح ميليشيا#قسد وذلك في بلدة معدان شرق الرقة.

مجموعة صور لقائد الميليشيا السابق البوحمد مع رموز نظام الأسد (إعلاميون بلا حدود - الرقة)

وبعد اعتقال البوحمد اليوم تفاعلت مواقع التواصل الاجتماعي مع الخبر ودعم معظمها القبض على أحد رجالات الأسد من مجرمي الحرب، وأشارت إلى أن بعض المتنفذين يتواصلون مع السلطات السورية للإفراج عنه.

إلا أن حساب «إعلاميون بلا حدود - الرقة»، نشر أنه بعد الأنباء المتداولة عن خروج المدعو «تركي البوحمد» المعروف بلقب «كركاعة»، والمتهم بالتورط بعدة انتهاكات وتجاوزات بحق المدنيين في مدينة الرقة وريفها الشرقي، إضافة لورود اسمه ضمن شهادات وملفات متداولة تتعلق بقضايا تعذيب وانتهاكات بحق عدد من أبناء المنطقة؛ أطلق عدد من الأهالي مناشدات للجهات المعنية بضرورة تحويله إلى القضاء وفتح كامل الملفات المرتبطة به ومحاسبة جميع المتورطين وفق القانون، مؤكدين أن الجهات الأمنية تتحمل كامل المسؤولية أمام الأهالي والرأي العام في حال تم الإفراج عنه أو إغلاق ملفه دون محاسبة قانونية واضحة وعادلة.


التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
TT

التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)

على الرغم من التصريحات التي توحي بأن التصعيد الحربي الإسرائيلي على لبنان جاء لـ«سحق (حزب الله)»، كما قال رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ولأجل «تدمير ما تبقى من قدرات للحزب»، كما يقول الجيش، ومن أجل تحطيم القوة المتنامية لحركة «حماس» في قطاع غزة، يبدو أن الأمر الحاسم فعلاً هو الحسابات الداخلية التي يجريها القادة السياسيون والعسكريون في تل أبيب.

فالحكومة تتعرض لانتقادات لاذعة، ليس فقط من أحزاب المعارضة، بل من الجمهور الواسع والصحافة وحتى من بعض الشخصيات اليمينية، لأن الجميع يجد أن أهداف الحرب لم تتحقق. وكل الوعود الرسمية العلنية، بتصفية المشروع النووي الإيراني والصواريخ الباليستية، وإسقاط النظام في طهران، والقضاء على الأذرع العسكرية الإقليمية، وتفكيك «حزب الله» من سلاحه وإلحاق ضربة قاضية بـ«حماس»، تبخرت. صحيح أن هذه القوة تلقت ضربات قاسية جداً، ولم تستطع حماية كبار قادتها من الاختراق الأمني الإسرائيلي والاغتيالات، إلا أن إيران تحافظ على نحو نصف ترسانتها، وتواصل تهديداتها، و«حزب الله» يجعل حياة سكان الشمال الإسرائيلي كابوساً، ويقوّض قدرات الحكومة اللبنانية على إدارة مفاوضات واشنطن من موقع قوة، و«حماس» تفرض سيطرتها بالقوة في قطاع غزة.

بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير خلال جلسة للكنيسيت في 23 مايو 2026 (أ. ب)

ويسخر الإسرائيليون من تصريحات نتنياهو، التي يعلن فيها مرتين في اليوم أنه والرئيس الأميركي، دونالد ترمب، صديقان، وعلى تنسيق تام في المواقف، بينما يقول ترمب إن «نتنياهو ولد جيد يفعل كل ما أطلبه منه». ويسخرون أيضاً من ترمب الذي «لم يفِ بوعوده حول أهداف الحرب».

ويتعرض الجيش الإسرائيلي لهزة في هيبته؛ فالحكومة نفسها تتهمه بالعجز عن توفير الأمن، وتتهمه بالإهمال. وقد ظهر نتنياهو بنفسه يدعي بأنه عندما ظهرت الطائرات المسيّرة بالألياف البصرية في حرب أوكرانيا، تنبه إلى خطورتها، وحذر جيشه، وطلب الاستعداد لمواجهتها. وسكان الشمال الإسرائيلي، الذين يضطرون إلى الركض إلى الملاجئ أكثر من 20 مرة في اليوم الواحد، يتهمون الجيش بالفشل في حمايتهم، ويطالبونه باستغلال كل قدراته للقضاء على «حزب الله» حتى لو كان الأمر يتطلب احتلال لبنان كله.

وسكان الجنوب يروون أنهم كلما رأوا كيف تتصرف «حماس» يستعيدون ذكريات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

لذلك، انطلق نتنياهو إلى التصعيد، لأن الانتقادات ضده تتغلغل في نفوس الجمهور الواسع، وهو في عزّ معركته الانتخابية. ومع أن منافسيه من المعارضة يعانون من الشرذمة والضعف ولا يطرحون بديلاً مقنعاً لسياسته، فإنه يخشى من هزيمة. وهو يحتاج إلى لهيب الحرب للتغطية على فشله، وربما يستغل الحرب لتأجيل الانتخابات «بسبب حالة الطوارئ الحربية».

فلسطينيون يعاينون الدمار قرب مبنى استهدفته غارة إسرائيلية مدينة غزة الخميس (رويترز)

والجيش، الذي لا يطيق اعتباره ضعيفاً أمام الجمهور وأمام أهالي جنوده وضباطه، ويحاول الظهور كأقوى جيش في الشرق الأوسط، ويدير حملات حربية شرسة لا ترحم طفلاً أو امرأة في لبنان أو غزة، يوسع نطاق احتلاله ويدمر العمارات والبنى التحتية أكثر، ويشرد مئات الألوف، ويعيث فساداً ونهباً للبيوت التي يجتاحها، ويفرض معادلة مريعة: «مقابل كل إسرائيلي يقتله (حزب الله) نقتل 30 لبنانياً»، و«مقابل كل جدار تدمره مسيرات (حزب الله) في البلدات الإسرائيلية ندمر عشرات العمارات في لبنان»، ويطلق موجة جديدة من عمليات الاغتيال في قطاع غزة، وفي لبنان (حاولوا اغتيال نعيم قاسم مرتين على الأقل). وجنباً إلى جنب مع ذلك، رد بحملة يلقي فيها باللائمة على الحكومة.

في البداية، قال إنه حقق إنجازات عسكرية هائلة، لكن الحكومة لم تنجح في استثمارها سياسياً. ثم قال إن سحق «حزب الله» هو شعار شعبوي، وإن نزع سلاح «حزب الله» يحتاج إلى قرار سياسي باحتلال لبنان كله، وحتى في هذه الحالة لا نضمن القضاء على كل بندقية.

والأمر نفسه في قطاع غزة. لكنه راح لاحقاً يتهم الحكومة بأنها تقيد يديه، ولا تصدر القرارات السياسية المناسبة.

وقد اضطر نتنياهو إلى إلقاء المسؤولية على ترمب، قائلاً إنه لا يريد أن يقصف بيروت، أو أن يتخذ قرارات حربية واسعة تخرب على ترمب في مفاوضاته مع إيران، «وهو أكبر صديق لإسرائيل في التاريخ الأميركي».

دمار بمبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مدينة صور بجنوب لبنان الخميس (أ. ب)

من هنا، فإن الصراعات الداخلية في إسرائيل، الغارقة في المصالح الشخصية والحزبية لنتنياهو وحكومته من جهة، والمصالح الذاتية التي تتعلق بالهيبة للجيش، من جهة ثانية، هي التي تحكم التصرفات وتملي التصعيد. وفي ممارسات «حزب الله» و«حماس» ما يجدون فيه دائماً حجة يتذرعون بها، ويقنعون الرئيس ترمب بدعمهم في «معالجتها» بمزيد من التصعيد. وعلى الطريق، يجربون مزيداً من الأسلحة الفتاكة لتصبح قابلة للبيع بأسعار تفضيلية خدمةً لشركات الأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي تُعتبر أكبر الرابحين من هذه الحرب.


بين إسقاط الحكومات وفقدان السيطرة: «حزب الله» أمام معادلة سياسية جديدة

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
TT

بين إسقاط الحكومات وفقدان السيطرة: «حزب الله» أمام معادلة سياسية جديدة

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

منذ دخوله العمل السياسي عام 1992، انتقل «حزب الله» مع مرور السنوات من لاعب نيابي محدود التأثير إلى طرف أساسي في معادلة الحكم اللبنانية. فهو الذي انخرط في العمل التشريعي أولاً، ولم يدخل الحكومات مباشرة إلا في عام 2005، بعد اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، وخروج الجيش السوري من لبنان.

ومنذ ذلك الوقت حاول الحزب فرض سيطرته ونفوذه على الحكومات المتعاقبة، فعطّل بعضها، وأطاح ببعضها الآخر بعد ابتداعه مفهوم «الثلث المعطل»، والتوافقية في اتخاذ القرارات، واستحواذه وحليفته حركة «أمل» على كامل الحصة الوزارية الشيعية لاستخدامها ورقة لإسقاط الحكومات، أو منعها من العمل.

لذلك لا يبدو خروج أمين عام الحزب الحالي الشيخ نعيم قاسم، على اعتبار أنه «من حق الناس أن تنزل إلى الشوارع، وتسقط الحكومة، وتسقط المشروع الأميركي–الإسرائيلي»، مفاجئاً لمن تابع عن كثب على مر السنوات أداء «حزب الله» في عمليتي تشكيل وإسقاط الحكومات، كذلك قول عضو المجلس السياسي في «حزب الله» الوزير السابق محمود قماطي «رئيس الجمهورية أو غيره بأغلبية حكومية يريدون ضرب المقاومة في هذا العهد، وبالتالي على هؤلاء أن يعلموا أنهم جهة عابرة تأتي، وتذهب، فيما نحن المتجذّرون في هذا البلد...».

نعيم قاسم الأمين العام لـ«حزب الله»

مسار طويل من محاصرة الحكومات

وتعود أول محاولة لـ«حزب الله» لمحاصرة الحكومة سعياً لإسقاطها للعام 2006 حين سحب وحركة «أمل» وزراءهما من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة احتجاجاً على التصويت لصالح إنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الحريري.

ونظم «الثنائي الشيعي» و«التيار الوطني الحر» اعتصاماً طويلاً في وسط بيروت لاعتبارهم الحكومة غير ميثاقية. إلا أنها واصلت أعمالها حتى مايو (أيار) 2008 حين تحرك «حزب الله» عسكرياً في بيروت وبعض مناطق جبل لبنان للتصدي لقرارات اتخذتها الحكومة بخصوص شبكة اتصالاته. وقد أدى ذلك إلى اجتماع القوى اللبنانية في قطر ليخرجوا بما عُرف بـ«اتفاق الدوحة» الذي انتزع الحزب من خلاله «الثلث المعطل»، أي حصوله وحلفائه على ثلث عدد الوزراء، ما يسمح لهم بإسقاط الحكومة.

وهذا ما حصل فعلياً في العام 2011، فأقدم «حزب الله» وحلفاؤه على سحب وزرائهم من حكومة الرئيس سعد الحريري، ما أدى إلى سقوطها.

«تحرر» حكومة سلام

وبعدها توالى تشكيل الحكومات التي يمتلك فيها الحزب وحلفاؤه «الثلث المعطل» الذي سمح لهم بالتحكم بقرارات ومصير مجالس الوزراء المتعاقبة. بحيث تم تشكيل 6 حكومات منذ العام 2011، وصولاً للحكومة الحالية التي يرأسها نواف سلام، والتي تُعتبر أول حكومة من العام 2008 تتحرر من سطوة الحزب عبر «الثلث المعطل». ونتيجة لذلك، فشل في منع الحكومة من اتخاذ قرارات حصرية السلاح، واعتبار جناحه العسكري غير شرعي، وغيرها من القرارات التي رفضها الحزب، وهاجمها، ولم يتمكن من منع صدورها.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتوسط النائبين علي حسن خليل وقاسم هاشم خلال زيارته إلى بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان قبل بدء الحرب الأخيرة (أ.ف.ب)

ابتزاز الحكومات المتعاقبة

ويعتبر الكاتب السياسي ورئيس تحرير موقع «جنوبية»، علي الأمين، أن «حزب الله»، ومنذ «اتفاق الدوحة»، «حاول ابتزاز الحكومات المتعاقبة التي كان يتم تشكيلها، سواء من خلال بدعة (الثلث الضامن)، أو التوافق، أو الميثاقية»، لافتاً إلى أنه «في المرحلة الأخيرة، وبالتحديد في الحكومة الحالية، انقلبت المعادلات تماماً، فتشكلت على قواعد مختلفة عكست التوازنات السياسية الجديدة».

ويرى الأمين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «حتى ولو كان (حزب الله) يعتبر أن إسقاط الحكومة الحالية ممكن في الشارع، ولكنه يدرك أن تشكيل أخرى بشروطه أمر غير متاح، لذلك فإن تهديداته راهناً بإسقاط الحكومة لا تتعدى التهويل، والصراخ، وليس أكثر من تعبير عن المأزق الذي يعيشه الحزب، ويعبر عنه الشيخ نعيم قاسم بخطابه المتناقض. أضف أن الرئيس بري ليس بالوارد ملاقاة الحزب في هذه الخطوة، وبالتالي لا فرصة للحزب إطلاقاً لإسقاط الحكومة، أو تعديل السياسات التي يشكو منها».