المفاجأة في الحروب... غزة مثالاً

قراءة في تداعيات «طوفان حماس» والرد الإسرائيلي

أبنية مدمَّرة نتيجة الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة كما بدت في صورة من جنوب إسرائيل يوم الاثنين (أ.ب)
أبنية مدمَّرة نتيجة الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة كما بدت في صورة من جنوب إسرائيل يوم الاثنين (أ.ب)
TT

المفاجأة في الحروب... غزة مثالاً

أبنية مدمَّرة نتيجة الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة كما بدت في صورة من جنوب إسرائيل يوم الاثنين (أ.ب)
أبنية مدمَّرة نتيجة الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة كما بدت في صورة من جنوب إسرائيل يوم الاثنين (أ.ب)

لا تستمرّ المفاجأة بعد حدوثها إلا لفترة زمنيّة قصيرة. تطول وتقصر هذه المدّة حسب قدرة الذي فوجئ بالحدث على وعيه، ولملمة ذاته تحضيراً للتعامل مع الواقع الجديد.

يمرّ من فوجئ عادةً بحالة الصدمة (Trauma)، التي هي بدورها، أي الصدمة، تتطلّب أربع مراحل للخروج منها: حالة النكران، وحالة الغضب، وحالة القبول بالحدث، ومن ثم الوعد بالخروج من الأزمة. وكلما كان الوقت قصيراً بين حالتي النكران والقبول، كان تأثير الصدمة أقلّ، وكان مشروع الخروج منها أسرع وأفضل وأقلّ تكلفة.

لكن الأكيد أن ذكرى المفاجأة تنغرس في الذاكرة الفرديّة، كما في الذاكرة الجماعيّة للأمم. تأخذ الأمم الدروس من المفاجآت الاستراتيجيّة التي ضربتها، كي تُحضّر سياسات واستراتيجيّات المستقبل. إذاً، هي فعلاً نقطة انثناء (Inflection) في مسار حياة الأمم. لكنّ أخذ الدروس والعبر من الماضي لا يحميها من الوقوع مُجددّاً في شَرَك المفاجآت. فالمفاجأة هي بنت البيئة والظروف الموضوعيّة التي تحدث فيها. وكلّما تبدلت هذه الظروف، اختلفت المفاجأة وتكرّرت.

هناك عدّة مستويات للمفاجأة. هناك المفاجأة الشخصيّة، لحدث غير متوقّع. وهناك المفاجأة على صعيد الأمّة. وأخيراً وليس آخراً، لا يوجد هناك، في المُطلق، شيءّ يُسمّى مفاجأة كاملة وشاملة. هناك دائماً مؤشرات تدل على شيء غير معتاد، يجري تجاهله، بسبب الغطرسة أو التقليل من شأن الآخر - العدو. وهذا الأمر يأخذنا إلى علم النفس.

مروحية إسرائيلية تشارك (الاثنين) في العمليات على الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل (رويترز)

التحيّز البشريّ

يقول علم النفس إن الإنسان مُتحيّز بطبيعته نحو أمور معيّنة، مثل التقييم، أو الحكم، أو التذكّر، أو اتخاذ القرار. فالإنسان يمكن أن يُصدّق أول خبر يسمعه. كما يصعُب تغيير قناعاته لاحقاً. وهو يفتّش، أي الإنسان، دائماً عن حُجج تؤكّد ما هو مقتنع به. والهدف دائماً هو تبسيط عمليّة اتخاذ القرار، والأهمّ هو توفير الجهد والطاقة (Energy). فالخمول هو صفة رئيسيّة مرافقة لحياة البشر.

الأمثلة التاريخيّة

غيّرت مفاجأة بيرل هاربور اليابانيّة ضد الولايات المتحدة كلاً من أميركا واليابان والعالم ككلّ على حدّ السواء. في هذه المفاجأة، اعتمدت اليابان الخداع الدبلوماسي مع أميركا. فسفيرها في واشنطن ظلّ يفاوض الحكومة الأميركيّة، في الوقت الذي كان بلده يعدّ ويُنفّذ الهجوم الذي دخلت أميركا بنتيجته الحرب العالمية الثانية، فغيّرت منطقة الشرق الأقصى، واستعملت السلاح النووي لحسم الحرب. كما غيّرت نتائج الهجوم اليابان نفسها، من بلد أوتوقراطي إلى ديمقراطي وذلك بعد أن ساعد الجنرال الأميركي دوغلاس ماكآرثر على كتابة الدستور اليابانيّ، بما في ذلك إعطاء المرأة حقوقها. في ذلك الوقت، حكم ماكآرثر اليابان مباشرةً لفترة قصيرة. ولا تزال الولايات المتحدة موجودة عسكريّاً حتى اليوم في اليابان.

لم تكن «حرب أكتوبر (تشرين الأول)» عام 1973 على مستوى مفاجأة بيرل هاربور. فهي كانت حرباً إقليميّة محدودة، لتحريك الدبلوماسيّة. وهي حصلت في ظلّ نظام عالمي ثنائي الأقطاب، ممسك إلى درجة كبيرة بديناميكيات الحرب والسلم. لكنها شكّلت مفاجأة استراتيجية لإسرائيل. فهي ضربت صورة جيشها الذي «لا يُقهر». وهي ساوت في النوعيّة بين السلاح الشرقي والسلاح الغربيّ، الأمر الذي جعل مُحللّين يقولون إن الأهم في الحروب، هو ليس «الكم»، كما ليس «النوعيّة» فقط، بل يجب أيضاً إدخال الـ«كيف» في المعادلة.

إسعاف فلسطيني أُصيب في غارة إسرائيلية على رفح جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

في «حرب تموّز» (يوليو - تموز عام 2006) في لبنان، فاجأ «حزب الله» إسرائيل عبر خطف الجنود، وانكفأ. ردّت إسرائيل بحرب دامت 33 يوماً، لكنها فوجئت بأمور مهمّة على غرار: كم كانت القوات الإسرائيليّة غير مستعدّة لهذه الحرب، وكم كان الاستعلام التكتيكي والاستراتيجي ناقصاً بسبب الانهماك في الانتفاضة الداخليّة في إسرائيل، وكم كان «حزب الله» قد استعدّ لحرب يريدها، فهيّأ المسرح كما يرغب.

مفاجأة «حماس» والردّ الإسرائيليّ

بشكل عام، لا شيء مخفياً بين إسرائيل و«حماس» في قطاع غزة. فالصدام مستمرّ، حتى لو كان متقطّعاً. والفريقان يريدان الحدّ الأقصى من الأهداف - إلغاء الآخر. هناك الجيش الأكثر حداثة في العالم، مقابل لاعب من خارج إطار الدولة. كلّ فريق يلعب على نقاط ضعف الآخر (Asymmetry). والإنجاز لكلّ فريق لم يتعدّ تسجيل النقاط في سجلّ الحروب التي دارت بينهما. في حروبهما السابقة، لم تكن المفاجأة ذات بُعد استراتيجي في مفاعيلها. فالصدام بينهما اقتصر على القصف، والقصف المتبادل، مع تغيير في المقاربة الإسرائيليّة في بعض الأحيان عبر دخول جزئي عسكري برّي للقطاع.

أتت مفاجأة «طوفان الأقصى» لتغيّر ديناميكية المعادلة العسكريّة جذريّاً بينهما. رأت إسرائيل أن هذه المفاجأة تخرق قواعد الاستراتيجيّة الكبرى للأمن القومي الإسرائيليّ، ومن هذه القواعد: خوض الحرب على أرض العدو، وإنهاء الحرب بسرعة لأن الداخل الإسرائيلي لا يتحمل حرباً طويلة، وضرب العدو إلى درجة تجعله غير قادر على التعويض خلال فترة زمنيّة قصيرة. في هذا الإطار، شكّلت عمليّة «طوفان الأقصى» لإسرائيل أزمة أكبر من اشتباك اعتادت عليه مع «حماس» منذ عام 2009، لكنها، أي عملية «طوفان الأقصى»، لا تُشكّل خطراً وجودياً مباشراً على كيان إسرائيل كدولة، إلا إذا تكرّرت، وتراكمت، ولم يُردّ عليها فوراً كما يجب.

في ردّها على عملية «طوفان الأقصى»، لم تحترم إسرائيل القانون الدوليّ، خصوصاً الجانب المتعلّق بمبدأ «التناسب»، (Proportionality). فالحرب على «حماس» حرب شاملة. تهدف أكثر ما تستهدف القضاء على هذه الحركة الإسلامية، وخلق بيئة في غزة تختلف جذريّاً عما كانت عليه هذه البيئة أيام حكم «حماس». وبسبب غياب عمل المفاجأة الاستراتيجيّة، تعمد إسرائيل إلى خلق «مفاجآت تكتيكيّة» عبر اعتماد المقاربة التالية:

- تعتيم إعلامي على العمليات العسكريّة، ضمناً من الصحافة الإسرائيليّة، إلا عندما تريد إسرائيل تمرير أخبار تساعد عملياتها العسكريّة.

- تمارس إسرائيل داخل القطاع، وإلى جانب السيطرة الجويّة والبريّة، ما تُسمّى السيطرة «الرقميّة» (Digital Dominance)، وذلك عبر قطع الإنترنت، واتصالات الهاتف الخلويّ، وكل ما يمتّ بصلة إلى قطاع الاتصالات. وإذا سمحت من وقت إلى آخر باستعمال الإنترنت، فهي حكماً ستستفيد استخباراتيّاً عبر التنصّت على كل شيء.

تُجمّع إسرائيل الاستعلام التكتيكيّ، كلّما تقدّمت على الأرض، وهي أنشأت لذلك وحدة استخباراتيّة خاصة لهذه الحرب تُنسّق بين كلّ الوحدات المقاتلة.

- تهدف إسرائيل إلى ضرب منظومة الأنفاق في القطاع، وأغلبها حسب المصادر العامة (مصادر مفتوحة للعامة)، يوجد في شمال القطاع. لكنّ نقاط الانطلاق والعودة إلى هذه الأنفاق من مقاتلي «حماس» توجد داخل مدينة غزة التي تُعد مركز ثقل الحركة.

لذلك، وحسب تقدّم الجيش الإسرائيلي الميدانيّ، قد لا يمكن رؤية جنوده يقاتلون داخل الأنفاق، لكنهم سيسعون بالتأكيد إلى السيطرة على مداخلها، وضرب كامل المنظومة التي تخدمها من تهوية وإضاءة وأمور لوجيستيّة وغيرها، وذلك لإيصال حركة «حماس» إلى درجة الشعور بتهديد وجودي فعليّ يُرغمها على فتح باب تبادل الرهائن والأسرى.


مقالات ذات صلة

عصابة مسلحة مدعومة إسرائيلياً تحرق منازل في غزة

المشرق العربي امرأة فلسطينية نازحة تقف على شرفة داخل مبنى مهدم في جامعة الأقصى جنوب غزة يُستخدم كمأوى (رويترز) p-circle

عصابة مسلحة مدعومة إسرائيلياً تحرق منازل في غزة

في تصعيد لافت، أفاد سكان في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، بأن عناصر تابعة لعصابات مسلحة موالية لإسرائيل أحرقت، يوم الخميس، أراضي ومنازل ثابتة، وصوبات زراعية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية ينظر ابن الصحافي محمد وشاح نحو سترة وميكروفون موضوعين على جثمان والده خلال جنازته في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يقول إن صحافي قتله في غزة ينتمي إلى «حماس»

قال الجيش الإسرائيلي إن الصحافي محمد وشاح، مراسل قناة «الجزيرة مباشر» الذي قتله في غارة جوية على غزة الأربعاء، كان عنصراً في حركة «حماس» يعمل بغطاء مراسل صحافي.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص فلسطينيون يتفقدون الأضرار بعد قصف إسرائيلي في مدينة غزة يوم الاثنين (رويترز)

خاص هل تعوِّل «حماس» على مفاوضات إيران لحل أزمة «نزع السلاح»؟

فرضَ وقف النار الذي أعلنته أميركا وإيران لأسبوعين والتفاوض لإبرام اتفاق نهائي، تساؤلات حول تعويل «حماس» على مخرجاته لإرجاء أو تعديل مسار «نزع السلاح» من غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون بجوار جثامين ضحايا غارة جوية إسرائيلية في وسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle 02:23

خاص محاولة لاختطاف نشطاء من «القسام» تنتهي بمجزرة وسط غزة

أسفرت محاولة عناصر عصابة مسلحة موالية لإسرائيل اختطاف نشطاء من «كتائب القسام» الذراع العسكرية لـ«حماس» وسط غزة عن مقتل ما لا يقل عن 10 فلسطينيين وإصابة 15.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا أطفال يبحثون عن مواد قابلة للتدوير في ساحة نفايات بمخيم البريج للاجئين الفلسطينيين بغزة (أ.ف.ب) p-circle

خبراء: رفض «القسام» نزع السلاح «توزيع أدوار»

دخلت «كتائب القسام» الذراع العسكرية لحركة «حماس» للمرة الأولى منذ أشهر في جدل تسليم السلاح، بعد دخول ذلك الملف مراحل متقدمة في النقاشات مع الوسطاء.

محمد محمود (القاهرة )

نتنياهو يعطي «الضوء الأخضر» لمفاوضات مع لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)
TT

نتنياهو يعطي «الضوء الأخضر» لمفاوضات مع لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، أنه أعطى توجيهاته للبدء بمفاوضات مباشرة مع لبنان «في أقرب وقت ممكن»، ورحّب بدعوة من رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى نزع السلاح في بيروت.

وبينما ترددت معلومات متناقضة عن موعد المفاوضات ومكانها، قال مصدر رسمي لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان لم يتبلغ أي شيء في هذا الخصوص، وإن موعد المفاوضات ومكانها لم يُحدَّدا بعد. وأكد المصدر أن الوفد اللبناني سيكون مصغراً برئاسة السفير سيمون كرم، ولن يضم شيعياً بناءً على طلب من رئيس البرلمان نبيه بري الذي رفض في وقت سابق تسمية عضو شيعي للوفد المفاوض.

وقال نتنياهو، كما نقل عنه مكتبه: «إثر طلبات لبنان المتكررة للبدء بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، أعطيت توجيهاتي أمس (الأربعاء) لخوض مفاوضات مباشرة مع لبنان في أقرب وقت ممكن». وأوضح أن «المفاوضات ستتناول نزع سلاح (حزب الله) وإقامة علاقات سلام بين إسرائيل ولبنان».

وبينما نقلت «جيروزاليم بوست» عن مصدر إسرائيلي قوله إن «سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحئيل لايتر سيقود المفاوضات المتعلقة بلبنان»، نقل «أكسيوس» عن مسؤول إسرائيلي أنه لن يكون هناك وقف لإطلاق النار في لبنان وأن المفاوضات ستبدأ في الأيام المقبلة.

كانت قناة «إن بي سي» قد نقلت عن مسؤول أميركي قوله إن «ترمب طلب من نتنياهو تخفيف القصف في لبنان للمساعدة في إنجاح المفاوضات مع إيران».

مناصرون لـ«حزب الله» يتظاهرون أمام السراي الحكومي ضد قرار رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام نزع السلاح من بيروت (أ.ف.ب)

يأتي تصريح نتنياهو بعد اتصالات جرت الأربعاء، مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف. وستبدأ المفاوضات مع الحكومة اللبنانية خلال الأيام المقبلة.


الجيش الإسرائيلي يتوغل في بنت جبيل... ويوسع نطاق المجازر بلبنان

دبابات إسرائيلية تناور قرب الحدود الشمالية مع لبنان (رويترز)
دبابات إسرائيلية تناور قرب الحدود الشمالية مع لبنان (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي يتوغل في بنت جبيل... ويوسع نطاق المجازر بلبنان

دبابات إسرائيلية تناور قرب الحدود الشمالية مع لبنان (رويترز)
دبابات إسرائيلية تناور قرب الحدود الشمالية مع لبنان (رويترز)

توغّل الجيش الإسرائيلي، للمرة الأولى، في وسط مدينة بنت جبيل، كبرى مدن جنوب الليطاني، حيث اندلعت اشتباكات «من مسافة صفر» بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي «حزب الله»، على وقع مجازر وقعت في أكثر من موقع في الجنوب وبيروت والبقاع في شرق لبنان، جراء ضربات استهدفت مواقع مدنية.

وتعدّ مدينة بنت جبيل عقدة مواصلات، وتتمتع بأهمية استراتيجية ومعنوية، وكانت القوات الإسرائيلية تتحضر لهذه المعركة منذ أسبوعين على الأقل، حين أحرزت تقدماً من أكثر من محور باتجاه المدينة، قبل أن تتوغل فيها بدءاً من الخميس.

طفلة ناجية من استهداف إسرائيلي لمنطقة حي السلم في الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

وقالت مصادر أمنية في الجنوب لـ«الشرق الأوسط» إن المعلومات المستقاة من المعركة أن التوغل في المدينة تم على ثلاثة محاور، هي المحور الجنوبي من جهة عين إبل، والمحور الشرقي من جهة مارون الراس ويارون، والمحور الشمالي من جهة عيترون وعيناثا. وأشارت المصادر إلى أن الخط الوحيد إلى المدينة لا يزال من منطقة صف الهوا – كونين التي تتعرض لحصار ناري وقصف جوي ومدفعي كثيف.

وبدأ التوغل بعد وصول القوات الإسرائيلية إلى مثلث عيناتا – عيترون – بنت جبيل يوم الثلاثاء، وتقدمت القوات من جهة مهنية بنت جبيل باتجاه وسطها الخميس. وقالت وسائل إعلام ناطقة باسم «حزب الله» إن «قوات العدو عمدت منذ يوم الأربعاء إلى تحريك جرافات مسيّرة باتجاه المدينة من أجل محاولة كشف أساليب المقاومة القتالية».

وتحدثت المصادر الأمنية عن أن مقاتلي «حزب الله» في المدينة، لا يزالوا يتمركزون في جيوب قتالية ويقاتلون ضمن مجموعات صغيرة، وحاولوا وقف التقدم عبر استهداف الجرافات والدبابات، إلى جانب إسناد ناري بالقذائف الصاروخية من أكثر من محور. وقالت إن المقاتلين في وسط المدينة، «يشتبكون مع القوات الإسرائيلية التي دخلت إلى المدينة». وقالت المصادر إن القوات الإسرائيلية نسفت مبنى يقع فيه فرع لمصرف لبناني على أطراف المدينة.

الدمار الناتج عن استهداف مجمع الزهراء الديني في مدينة صيدا بغارات إسرائيلية الأربعاء (أ.ف.ب)

وذكرت قناة «المنار» الناطقة باسم الحزب أن الاشتباكات تتواصل في محلتي صف الهوا ومحيط مجمع موسى عباس بالأسلحة الرشاشة والصاروخية، لافتة إلى «استهداف نقاط تجمع وتموضع العدو في محيط المدينة بالأسلحة الصاروخية والمدفعية».

وأفاد الحزب في بيان بعد ظهر الخميس بأن مقاتليه «يخوضون اشتباكات من مسافة صفر بالأسلحة الخفيفة والمتوسّطة والقذائف الصاروخيّة مع قوّة إسرائيليّة مؤلّلة حاولت التقدّم باتجاه سوق مدينة بنت جبيل».

ويُنظر إلى هذه المعركة على أنها «مصيرية» بالنظر إلى أن القوات الإسرائيلية، لم تستطع دخول المدينة في الحرب الماضية في 2024. وجاءت في أعقاب أكثر من 100 غارة إسرائيلية استهدفت بيروت والضاحية الجنوبية، يوم الأربعاء، وأسفرت عن سقوط أكثر من 250 قتيلاً.

وشدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الخميس على أن إسرائيل ستواصل ضرب «حزب الله» المدعوم من إيران «حيثما لزم الأمر»، وقال في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»: «نحن نواصل ضرب (حزب الله) بقوة ودقة وتصميم». وأضاف: «رسالتنا واضحة: أي شخص يتحرك ضد المدنيين الإسرائيليين، سنضربه. سنواصل استهداف (حزب الله) حيثما لزم الأمر، حتى نعيد الأمن بشكل كامل إلى سكان الشمال» في إسرائيل.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه يواصل عملياته البرية في لبنان حيث دخل في مواجهة مع «حزب الله» منذ الثاني من مارس (آذار) المنصرم. وفي بيان منفصل أكد الجيش أنه نفذ ليلاً غارات استهدف فيها «معبرين رئيسيين يستخدمهما عناصر وقادة (حزب الله) للتنقل من شمال نهر الليطاني إلى جنوبه في لبنان لنقل آلاف الأسلحة والصواريخ ومنصات الإطلاق». وأضاف أنه استهدف أيضاً «نحو عشر منشآت لتخزين الأسلحة ومنصات إطلاق ومراكز قيادة» تابعة للتنظيم اللبناني.

من جانبه، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في تصريح مصور بثه مكتبه إن «أكثر من 200 إرهابي تمّت تصفيتهم أمس» في لبنان. وأضاف كاتس أن «منظمة (حزب الله) الإرهابية تتوسّل وقفاً لإطلاق النار، فيما يمارس رعاتها الإيرانيون الضغوط ويطلقون التهديدات خوفاً من أن تسحق إسرائيل (حزب الله) تماماً».

إلى ذلك، واصلت فرق الإسعاف والدفاع المدني البحث عن ناجين وسحب المصابين من تحت أنقاض عدة منازل في بيروت والضاحية والجنوب وشرق لبنان. وأفادت وسائل إعلام محلية بأن «عائلات بأكملها» قتلت في الغارات العنيفة يوم الأربعاء، وأن عدة مجازر تم توثيقها في بيروت والضاحية والجنوب، إضافة إلى مقتل العشرات في شمسطار في شرق لبنان، جراء استهداف مراسم دفن.

وفي تصعيد موازٍ، وسّعت إسرائيل أوامر الإخلاء لتشمل مناطق في الضاحية الجنوبية لبيروت، وأمرت سكان حي الجناح بمغادرة منازلهم فوراً، كذلك سكان الأوزاعي وحي السلم، مما أدى إلى موجة جديدة من نزوح آلاف الأشخاص غصت بها طرقات العاصمة. وشملت الأوامر أيضاً مناطق قرب مطار بيروت وملعب كميل شمعون، أكبر ملاعب لبنان، والذي تحول الآن إلى مأوى نازحين.


توغلات إسرائيلية جديدة بريف القنيطرة... و«أندوف» تراقب

جنود إسرائيليون في المنطقة العازلة بين القوات الإسرائيلية والسورية في مرتفعات الجولان (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون في المنطقة العازلة بين القوات الإسرائيلية والسورية في مرتفعات الجولان (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

توغلات إسرائيلية جديدة بريف القنيطرة... و«أندوف» تراقب

جنود إسرائيليون في المنطقة العازلة بين القوات الإسرائيلية والسورية في مرتفعات الجولان (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون في المنطقة العازلة بين القوات الإسرائيلية والسورية في مرتفعات الجولان (أرشيفية - أ.ف.ب)

مع استمرار توغلات الجيش الإسرائيلي في الأراضي السورية المحاذية لخط وقف إطلاق النار في الجولان السوري المحتل، أكد مصدر رسمي سوري لـ«الشرق الأوسط»، أن تكثيف «قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك» (أندوف) من انتشارها ودورياتها في المنطقة، يأتي في إطار تفاهمات اتفاقية فصل القوات لعام 1974، وليس بموجب تفاهمات جديدة بين سوريا وإسرائيل.

وتوغلت قوة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، الخميس، في قرية العجرف بريف القنيطرة الشمالي. وأوضحت «وكالة الأنباء السورية» الرسمية (سانا)، أن القوة الإسرائيلية تألفت من 8 آليات عسكرية، وأكثر من 30 عنصراً، ونصبت حاجزاً مؤقتاً، ونفذت عمليات تفتيش دقيقة للمارة، قبل أن تنسحب من المنطقة دون تسجيل أي حالات اعتقال.

ويأتي توغل إسرائيل الجديد داخل الأراضي السورية في سياق توغلات متكررة تقوم بها في منطقة عازلة كانت تخضع لمراقبة قوات «أندوف» وتفصل بين القوات الإسرائيلية والسورية في الجولان بموجب اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وذلك منذ الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وفي وقت لاحق، كثّفت إسرائيل من توغلاتها في الأراضي السورية، وباتت شبه يومية وتطول أيضاً عدداً من القرى والبلدات خارج المنطقة العازلة، وقد أقامت فيها 9 قواعد عسكرية.

وعرضت وكالة «سانا»، الخميس، صوراً لقوة تابعة لـ«أندوف» وهي تقف على مفرق قرية صيدا الجولان بريف القنيطرة الجنوبي، بهدف تسيير دوريات للمراقبة على طول الخط الفاصل مع المرتفعات المحتلة.

ويلفت الانتباه، أن «أندوف» كثّفت في الآونة الأخيرة من دورياتها في البلدات والقرى التابعة لمحافظتي القنيطرة ودرعا المحاذية لخط وقف إطلاق النار، والتي يعمد الجيش الإسرائيلي إلى التوغل فيها، وباتت تعقد اجتماعات مع الأهالي، لتوثيق انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بحقهم.

جنود من قوات الأمم المتحدة على مفرق قرية صيدا الجولان بريف القنيطرة الجنوبي (سانا)

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أوضح مدير إعلام القنيطرة، محمد السعيد، أن انتشار قوات «أندوف» في المنطقة الجنوبية، ومنها القنيطرة يأتي في إطار تفاهمات اتفاقية فصل القوات لعام 1974، وليس نتيجة تفاهمات جديدة بين سوريا وإسرائيل.

وأشار السعيد إلى أن دور «أندوف» في المنطقة هو مراقبة وقف إطلاق النار بموجب اتفاقية 1974، ومراقبة الأطراف جميعاً، «وفي المرحلة الحالية لتوثيق انتهاكات إسرائيل بحق السيادة السورية والمدنيين السوريين وممتلكاتهم في المناطق التي يتوغل إليها جيش الاحتلال». وأضاف: «هذا الانتشار روتيني واعتيادي وقد كان سابقاً، وتفعّل في الآونة الأخيرة بشكل أكثر».

مدير إعلام القنيطرة، ذكر أن تكثيف قوات «أندوف» من انتشارها ودورياتها «لم يحد من حركة التوغلات والانتهاكات الإسرائيلية في المنطقة، لكنه يترك ارتياحاً لدى السكان المحليين، كونه يرصد تحركات جيش الاحتلال، ويوثق خروقاته وانتهاكاته بحق المدنيين وممتلكاتهم».

وتقوم عناصر جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال توغلاتهم بعمليات مداهمة للمنازل واعتقال المدنيين وإقامة الحواجز ونقاط لتفتيش المارة وإغلاق الطرق وتقطيع أوصال البلدات والقرى وتعطيل الخدمات، إضافة إلى إطلاق النار لترهيب المواطنين.

من دورية قوات الأمم المتحدة قرب صيدا في القنيطرة (سانا)

وأوضح السعيد «أن ما تقوم به إسرائيل من توغلات وانتهاكات بحق المواطنين يأتي في سياق ضغوط تهدف إلى إيجاد حالة من التهجير الذاتي للسكان».

وأشار إلى «أن جيش الاحتلال من خلال تغييبه للخدمات، ومع وجود جنوده واستمرار انتهاكاتهم، يعمل على إيجاد بيئة طاردة للسكان، لكن المواطنين متنبهون لهذه الترتيبات ولهذا الوضع، ولا يريدون تكرار مأساة آبائهم وأجدادهم في عام 1967 عندما عمد جيش الاحتلال إلى هذه الممارسات فنزحوا وخسروا قراهم».

وأكد السعيد «أن السكان يرفضون ترك قراهم وبلداتهم، على الرغم من كل الانتهاكات التي تُمارس عليهم ليلاً ونهاراً من قبل جيش الاحتلال والتحديات التي تواجههم».