الصدر يربك المشهد السياسي العراقي بدعوة أنصاره لمقاطعة الانتخابات

زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر في 19 أكتوبر الماضي بالنجف (رويترز)
زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر في 19 أكتوبر الماضي بالنجف (رويترز)
TT

الصدر يربك المشهد السياسي العراقي بدعوة أنصاره لمقاطعة الانتخابات

زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر في 19 أكتوبر الماضي بالنجف (رويترز)
زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر في 19 أكتوبر الماضي بالنجف (رويترز)

في توقيت حساس، وجه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ضربة كبيرة للانتخابات المحلية المقرر إجراؤها نهاية الشهر المقبل، لا سيما على صعيد التنافس بينه وبين قوى الإطار التنسيقي الشيعي في المحافظات الوسطى والجنوبية ذات الغالبية الشيعية.

وحسم الصدر موقفه من إجراء الانتخابات، في وقت بدأت تتصاعد فيه حمى التنافس الانتخابي بين مختلف القوى السياسية. وقال ببيان خاطب فيه أنصاره، إن «مشاركتكم للفاسدين تحزنني كثيراً... ومقاطعتكم للانتخابات أمر يفرحني ويغيظ العدا... ويقلل من شرعية الانتخابات دولياً وداخلياً ويقلص من هيمنة الفاسدين والتبعيين على عراقنا الحبيب (...)».

وشدد الصدر على «وحدة الصف والطاعة والإخلاص» بعدّها أهم «قاعدة» لأنصاره. وإذ تفاخر بذلك، أوصى بـ«التزام بالإصلاح وإن مات مقتدى الصدر». وتابع: «ثم إن الوضع العالمي والإقليمي يفيء على الأوضاع في العراق... ومعه يجب أن نكون على حذر واستعداد دائمين، فالعدو يتربص بعراقنا ومقدساتنا، فانتبهوا رجاءً».

هذا ثاني قرار مهم يتخذه الصدر بعد قراره في يونيو (حزيران) عام 2022، بالانسحاب من البرلمان بعد تصدر قائمته المرتبة الأولى وإعلانه الانسحاب من العملية السياسية وعدم المشاركة في أي انتخابات مقبلة، حتى لا يشترك مع «الساسة الفاسدين»، على حد وصفه. وبينما توزع بدلاء نواب الصدر المستقيلين على مختلف قوى الإطار التنسيقي، وهو ما رفع نسبتهم في البرلمان وجعلهم الكتلة البرلمانية الأكثر عدداً التي رشحت رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني لتشكيل الحكومة، فإن شبح عودة الصدر بقيت هاجساً يقلق خصومه في الوسط الشيعي.

في غضون ذلك، وجه المسؤول العام لـ«سرايا السلام» تحسين الحميداوي، الاثنين، تحذيراً إلى تشكيلات السرايا بشأن انتخابات مجالس المحافظات. وقال في مدونة: «كما كان، وسيبقى رأي القائد مقتدى الصدر، فصل الخطاب في مسيرتنا الجهادية والاجتماعية، وبعد جواب (الصدر) بخصوص انتخابات مجالس المحافظات، فهنا أوجه كلامي لمن ينتمي لتشكيلات سرايا السلام المجاهدة وزج نفسه في هذه الانتخابات أن يتراجع عن ترشيحه خلال 15 يوماً، وإلا سيكون لنا رد آخر».

دولة القانون تقلل

وقلل ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي من أهمية دعوة الصدر، وذلك في أول رد من طرف شيعي على دعوة الصدر مقاطعة الانتخابات.

وقال القيادي في دولة القانون سعد المطلبي، إن «جزءاً من المكون الشيعي سيقاطع انتخابات مجالس المحافظات، أما بقية المكون الشيعي فسوف يشارك، ومقاطعة جزء من أي مكون لا يؤثر على شرعية الانتخابات دولياً أو داخلياً، ولو كان كل المكون الشيعي مقاطعاً، لكان هناك تأثير وكذلك الحال بالنسبة للمكونين السني والكردي».

وأوضح المطلبي أن «المكون الشيعي سيشارك في العملية الانتخابية كمرشحين وناخبين، فلا يوجد ما يفقد الانتخابات شرعيتها». وأضاف أن «الدستور العراقي أكد أنه لا يوجد أي سقف لنسبة المشاركين في الانتخابات لتحديد شرعيتها من عدمها، ولهذا فإن أي نسبة حتى لو كانت ضئيلة جداً، فستعدّ انتخابات دستورية وشرعية».

مقاطعة شيعية

وقال الدكتور إحسان الشمري رئيس مركز التفكير السياسي في العراق لـ«الشرق الأوسط»، إن «دعوة زعيم التيار الصدري لمقاطعة الانتخابات، إنما هي استمرار للمسار العام في مقاطعته للعملية السياسية برمتها، وبالتالي لا يقتصر الموضوع على الانسحاب من البرلمان فقط، وإنما على كل الصعد والنواحي، وهو ما يؤشر إلى عدم دخوله مع من يسميهم الفاسدين والقتلة ضمن أي آلية انتخابية أو سواها».

وبحسب الشمري، فإن «المسار الثاني في هذه الدعوة هو مقاطعة أغلبية شيعية لهذه الانتخابات، حيث إن التيار الصدري هو الذي كان متصدراً شيعياً لنتائج الانتخابات، وبالتالي عدم مشاركة جمهوره، وهو ما يعني مقاطعة جمهور شيعي كبير لها».

وفيما يتعلق بالمسار الثالث، يقول الشمري إن «هذا الأمر سوف يضاعف من نسبة المقاطعين، لا سيما أن هناك دعوات للمقاطعة من قوى سياسية مختلفة دعت هي الأخرى إلى مقاطعة الانتخابات، لكنها في كل الأحوال كانت تنتظر الكلمة الفصل من زعيم التيار الصدري في هذا الشأن، وهو ما سوف يؤثر على مجمل العملية السياسية ويربكها تماماً».

ومن جانبه، يرى الدكتور غالب الدعمي الباحث والأكاديمي لـ«الشرق الأوسط»، أن «دعوة الصدر للمقاطعة تعد بمثابة أول تصريح بعد تشكيل هذه الحكومة بهذا الوضوح وهذه الدقة، حيث إنه يقول: لن نشترك في حكومة وفي انتخابات تشرعن للفساد بشكل واضح، ويشكر جمهوره على طاعتهم له، لكي لا يكونوا جزءاً من مشهد فاسد»، مضيفاً أن «هذا يعني أنه يعارض الحكومة ويعارض الانتخابات ويعارض أي فعل يترتب على ذلك».

وأوضح الدعمي أن «الصدر وطبقاً لما ورد في بيانه، يتوقع حصول أمور مستقبلية تتعلق بالمنطقة، ويدعو إلى الاهتمام بها أفضل من الاهتمام بهذه الانتخابات التي لن يكون لها صدى شعبي».


مقالات ذات صلة

غياب التوافق يُهدد بحل البرلمان العراقي

المشرق العربي البرلمان العراقي حدد يوم 11 أبريل لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)

غياب التوافق يُهدد بحل البرلمان العراقي

أصبح الوقت المتبقي من المهلة التي حددتها رئاسة البرلمان العراقي لعقد الجلسة الخاصة بانتخاب الرئيس وتكليف رئيس الوزراء ضئيلاً جداً.

حمزة مصطفى (بغداد)
رياضة عربية لاعبو العراق يحتفلون بالتأهل للمونديال بحافلة مكشوفة وسط بغداد (الاتحاد العراقي)

حافلة مكشوفة تجوب شوارع بغداد احتفالاً بتأهل منتخب العراق للمونديال التاريخي

حظي لاعبو منتخب العراق باستقبال جماهيري وشعبي حافل السبت عقب تأهله إلى كأس العالم لكرة القدم لأول مرة منذ 40 عاماً.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي يتصاعد الدخان من مستودع لزيت المحركات على مشارف أربيل بعد تعرضه لهجوم بطائرة مسيرة (د.ب.أ)

العراق يغلق معبر الشلامجة مع إيران بعد غارات أوقعت 6 ضحايا

أغلق العراق معبر الشلامجة الحدودي الجنوبي مع إيران بعد غارات جوية على الجانب الإيراني أسفرت عن مقتل مواطن عراقي.

المشرق العربي أفراد من «الحشد الشعبي» يقفون للحراسة خلال مظاهرة مؤيدة لإيران في ساحة التحرير ببغداد بتاريخ 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

بغداد ترجع هجمات الفصائل إلى «محاولات فردية»

سعت الحكومة العراقية، الجمعة، إلى احتواء تداعيات تصاعد الحرب الإقليمية، بعدما أطلقت الولايات المتحدة تحذيرات أمنية حادة بشأن احتمال تعرُّض مصالحها لهجمات.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي ضباط الجيش العراقي حديثو التخرج يشاركون في عرض عسكري خلال احتفالات يوم الجيش في الكلية العسكرية ببغداد 6 يناير 2026 (أ.ف.ب)

العراق يؤكد «بذل أقصى الجهود» لمنع التصعيد على أراضيه

أكّد العراق، الخميس، أنه «يبذل أقصى الجهود» لمنع أي تصعيد على أراضيه.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

إسرائيل تنشئ المزيد من المواقع العسكرية في منطقة الخط الأصفر

منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تنشئ المزيد من المواقع العسكرية في منطقة الخط الأصفر

منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تُظهر التحركات الميدانية الإسرائيلية داخل قطاع غزة، إنشاء المزيد من المواقع العسكرية المستحدثة في المناطق الشرقية للقطاع، والواقعة داخل الخط الأصفر، وهي المناطق التي تسيطر عليها وتصل نسبتها إلى أكثر من 53 في المائة من مساحة القطاع.

وكان الجيش الإسرائيلي أنشأ بعد تشكيل الخط الأصفر عدة مواقع، وتوقف لأشهر عن إنشاء أخرى، لكنه في الشهرين الماضيين على الأقل بدأ بإنشاء خندق كبير لمسافات طويلة، ووضع سواتر ترابية كبيرة أمام الخندق، لينشئ لاحقاً مواقع عسكرية جديدة في تلك المناطق، وخاصةً شرقي مدينة غزة، وبلدتي جباليا وتل الزعتر شمال القطاع.

وتوسع القوات الإسرائيلية سيطرتها داخل قطاع غزة، منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وعمقت سيطرتها على مناطق إضافية، بعدما تقدمت إليها، خاصةً على بُعد أمتار من شارع صلاح الدين الرئيس الذي يمتد على طول مناطق القطاع.

فلسطينيون يتلقون طعاماً من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وحسب مصادر ميدانية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإنه لوحظ في الشهرين الماضيين، إنشاء ما لا يقل عن 4 مواقع عسكرية مستحدثة، وتم تزويدها بأجهزة الاتصال والرصد والإنارة، ووضع أبراج مراقبة إلى جانب رافعات مثبت عليها أسلحة تُطلق النار آلياً من خلال التحكم بها عند بُعد.

ووفقاً للمصادر، فإن القوات الإسرائيلية نفذت نشاطاً واسعاً قبل 3 أيام شرق مدينة غزة، في إطار مناورة ميدانية لفحص رفع الجهوزية لدى القوات الجديدة في المواقع المستحدثة، وكان يسمع أصوات صفارات الإنذار بشكل واضح عند تفعيلها، وسط إطلاق نار وقصف مدفعي كان يُسمع بشكل واضح في مناطق مدينة غزة وشمالها.

ولفتت المصادر إلى أن الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية ترصد بشكل واضح التحركات الإسرائيلية، التي تشير إلى نوايا واضحة بأنها لن تنسحب من تلك المناطق، وأنها تريد تثبيت وجودها لوقت طويل.

وقال مصدر قيادي في «حماس» من قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه تم نقل رسائل واضحة حول هذا الخرق الفاضح لوقف إطلاق النار من قبل القوات الإسرائيلية، إلى الوسطاء، بهدف وقف هذه الانتهاكات والخروقات المستمرة، مشيراً إلى أن حركته اعتبرت في رسائلها أن ما يجري هدفه الاستمرار في احتلال القطاع، وهو ما يخالف خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، التي تنص على انسحاب إسرائيلي كامل في نهاية تنفيذ بنود الخطة.

طفلان فلسطينيان ينقلان الماء في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وحسب المصدر، فإن ما يجري على الأرض يشير إلى نوايا إسرائيلية بإقامة منطقة أمنية عازلة لعدة كيلومترات، وحرمان السكان الغزيين من العودة لأراضيهم المحتلة حالياً في نطاق الخط الأصفر.

وطالبت «حماس» خلال الأيام الماضية في اجتماعات مع مسؤولين من «مجلس السلام» ومصريين، بضرورة إلزام إسرائيل بتنفيذ بنود المرحلة الأولى بالكامل من أجل الانتقال إلى المرحلة الثانية.

وكان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، قد أكد منذ أشهر أن الخط الأصفر يمثل حالياً بالنسبة لقواته خط حدودي جديد. فيما قال ضابط كبير في فرقة غزة، بتصريحات للقناة الثانية عشرة، إن الانسحاب من الخط الأصفر ليس مطروحاً على جدول الأعمال بالنسبة لقواته، متهماً حركة «حماس» بمحاولة استغلال الحرب على إيران لإعادة بناء قدراتها العسكرية ومحاولات تنفيذ عمليات اختطاف.

وقال حازم قاسم الناطق باسم «حماس»، في تصريح صحافي، إن الاتهامات لحركته بالتخطيط لخطف جنود إسرائيليين، هي ادعاءات كاذبة ولا أساس لها من الصحة، ومحاولة من الاحتلال لتبرير خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار.

وحول تصريحات الضابط بشأن الخط الأصفر، قال قاسم: «تمثل هذه التصريحات خرقاً واضحاً لاتفاق وقف إطلاق النار، وتكشف نوايا الاحتلال الدائمة بتخريب الاتفاق»، داعياً الجهات الوسيطة والضامنة و«مجلس السلام» لاتخاذ موقف واضح من هذه الخروقات والضغط عليه لتنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق.

ويأتي ذلك على وقع استمرار الخروقات الميدانية، وتردي الوضع الإنساني في قطاع غزة.

وأعلن، السبت، عن وفاة فلسطينية متأثرةً بجروحها إثر قصف إسرائيلي سابق قبل أيام على خان يونس، جنوبي القطاع، فيما أصيب ما لا يقل عن 4 فلسطينيين في إطلاق نار من مسيّرات وآليات إسرائيلية غرب الخط الأصفر شرقي غزة وخان يونس.

وحسب وزارة الصحة بغزة، فقد بلغ إجمالي الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ إلى 715، ونحو 2000 إصابة، ما رفع عدد الضحايا منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 72291، والإصابات 172068.

ولا يزال الوضع الإنساني في حالة تدهور كبيرة بفعل الإغلاق الجزئي لمعبر كرم أبو سالم التجاري الوحيد الذي تسمح إسرائيل بإدخال كميات محدودة من البضائع والمساعدات الإنسانية عبره، وتغلقه منذ أيام بحجة الأعياد اليهودية قبل أن تعيد فتحه السبت بشكل محدود جداً لإدخال بعض المساعدات فقط.


غياب التوافق يُهدد بحل البرلمان العراقي

البرلمان العراقي حدد يوم 11 أبريل لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
البرلمان العراقي حدد يوم 11 أبريل لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
TT

غياب التوافق يُهدد بحل البرلمان العراقي

البرلمان العراقي حدد يوم 11 أبريل لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)
البرلمان العراقي حدد يوم 11 أبريل لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية (إكس)

رغم استجابة قوى «الإطار التنسيقي» لطلب الزعيم الكردي مسعود بارزاني، رئيس الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، ومنحها مهلة إضافية للتوصل إلى اتفاق كردي - كردي بشأن اختيار مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية، فإن الوقت المتبقي من المهلة التي حددتها رئاسة البرلمان لعقد الجلسة الخاصة بانتخاب الرئيس وتكليف رئيس الوزراء أصبح ضئيلاً جداً.

فالبرلمان، الذي كان قد قرر عقد جلسة في 27 مارس (آذار) الماضي قبل نهاية المدة الدستورية بيوم واحد، اضطر لتأجيل الموعد مرة أخرى إلى 11 أبريل (نيسان) الحالي.

وجاء الطلب الذي تقدّم به بارزاني للقوى الشيعية لتأجيل جلسة البرلمان بعد قيام نحو 220 نائباً من مختلف الكتل السياسية بافتتاح الجلسة المقررة لانتخاب رئيس الجمهورية، عملاً بقرار المحكمة الاتحادية رقم 16 لسنة 2022، المفسر للمادة 70 من الدستور.

ومع ما بدا أول محاولة برلمانية جريئة لكسر العرف السياسي القائم على التوافق بين الزعامات السياسية في الغرف الموازية لا قاعة البرلمان، عندما قرر عدد كبير من أعضاء البرلمان المضي في عقد جلسة يتم من خلالها التصويت عبر الاقتراع السري المباشر للمرشحين لمنصب رئيس الجمهورية، ممن تقدموا إلى البرلمان، وقُبلوا من قبل لجانه المتخصصة بعد دراسة سيرهم الذاتية، فإن القوتين الرئيسيتين السياسيتين (الإطار التنسيقي والكردي) وجدا أن من شأن الذهاب مع هذا الخيار أن يفقدهما السيطرة على النواب في أول احتكاك مباشر معهم، ما يمكن أن يؤسس لنوع من الانفصام السياسي مع الرؤوس السياسية.

إحدى جلسات البرلمان العراقي (أرشيفية - إ.ب.أ)

شبح الثلث المعطل

ويقضي العرف السياسي الذي مضت عليه العملية السياسية في العراق بعد 2003 بتقاسم المناصب السيادية العليا توافقياً على أساس المكونات، بحيث تكون حصة الكرد رئاسة الجمهورية، والعرب السنة رئاسة البرلمان، والشيعة رئاسة الوزراء، إلا أن هذا التوافق لم تتمكن أي قوة أو أي محاولة جادة، مثل حراك الشباب الاحتجاجي عام 2019، من تغييره، باستثناء محاولة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في تشكيل حكومة عابرة للمحاصصة، والتي أجهضت بعد ظهور الثلث المعطل لانتخاب رئيس الجمهورية.

وفي الوقت الذي تسلّمت فيه رئاسة البرلمان نحو 15 طلباً لشغل منصب رئيس الجمهورية، فإن أبرز المرشحين للمنصب هما فؤاد حسين، وزير الخارجية الحالي عن الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، ونزار أميدي، القيادي البارز في «الاتحاد الوطني الكردستاني».

في المقابل، تسلّمت قيادة «الإطار التنسيقي» طلبات مماثلة لشغل منصب رئيس الوزراء، بعد أن طلبت من الراغبين في الترشح تقديم سيرهم الذاتية لهذا الغرض.

ومن بين هؤلاء المرشحين ثلاثة رؤساء وزراء، اثنان سابقان هما نوري المالكي وحيدر العبادي، ورئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، في حين المتبقون في لائحة الترشيح هم قاسم الأعرجي، مستشار الأمن القومي، وحميد الشطري، رئيس جهاز المخابرات، وباسم البدري، رئيس هيئة المساءلة والعدالة.

ومع اشتراط انتخاب رئيس الجمهورية تصويت ثلثي أعضاء البرلمان، ما يجعل الثلث المعطل شبحاً يقف في مواجهة أي محاولة للانتخاب خارج التوافقية، فإن منصب رئيس الوزراء يحتاج إلى توافق داخل قوى «الإطار التنسيقي»، وهو ما لم يحصل حتى الآن رغم بدء العد التنازلي لمهلة البرلمان.

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

هل يحل البرلمان؟

ومع استمرار الخلافات الكردية - الكردية بشأن المرشح الكردي لمنصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي - الشيعي حول منصب رئيس الوزراء، فإن مهلة البرلمان باتت مهددة، ما يُثير أسئلة حول إمكانية حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة.

وطوال الأسبوع الماضي، وبعد طلب الزعيم الكردي مسعود بارزاني مهلة إضافية للكرد لحسم أمرهم، لم يظهر أي مؤشر على توصل الكرد إلى مرشح متفق عليه لشغل منصب الرئيس، في حين يقف الشيعة عند مفترق طرق بشأن مرشحيهم نتيجة عدم التوصل إلى اتفاق نهائي حول فيتو ترمب ضد المالكي.

ومع أن المقربين من السوداني يرون أن حظوظه ارتفعت خلال الفترة الأولى من الحرب على إيران، فإنها عادت لتنخفض بعد بيان السفارة الأميركية الذي حمّل الحكومة العراقية عدم القدرة على مواجهة الفصائل المسلحة الموالية لإيران.


جنوب لبنان... من السيطرة العسكرية إلى الهندسة الأمنية للحدود

رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)
رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)
TT

جنوب لبنان... من السيطرة العسكرية إلى الهندسة الأمنية للحدود

رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)
رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)

لم تعد المواجهة الدائرة في جنوب لبنان تُختزل في مشهد الدبابات أو خطوط التماس، بل تتخذ شكلاً أكثر تعقيداً وعمقاً. فإسرائيل، وفق المسار الذي ترسمه عملياتها وتصريحات قادتها، لا تبدو في وارد إعادة إنتاج نموذج الاحتلال التقليدي، بل تتجه نحو صياغة معادلة مختلفة: السيطرة الأمنية من دون احتلال كل الأرض.

هذا التحول لا يعكس مجرد تبدل في التكتيك، بل يُشير إلى انتقال في فلسفة إدارة الصراع، من السيطرة العسكرية التي تقوم على التقدم والتمركز، إلى الهيمنة الأمنية التي تقوم على المنع والتحكم وإعادة تشكيل الجغرافيا والسكان.

الحزام الأمني... نسخة محدثة

في قلب هذا التحول، يبرز مفهوم الحزام الأمني الذي عاد إلى الواجهة بصيغة مختلفة عن تلك التي سادت قبل عام 2000، وهو ما تحدّث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل «تواصل توسيع الحزام الأمني في جنوب لبنان».

بدوره، شدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس على أن هدف إسرائيل هو «نزع سلاح (حزب الله)»، مؤكداً استمرار استهداف قادته وعناصره في «كل أنحاء لبنان». وأضاف أن المنازل التي تُستخدم مواقع للحزب «سيتم تدميرها وفق نموذج رفح وخان يونس»، مع السعي إلى السيطرة حتى نهر الليطاني ومنع عودة مئات آلاف السكان قبل تحقيق الأمن.

ورغم هذا التصعيد، لا تزال إسرائيل تُعلن أنها لا تسعى إلى احتلال كامل للبنان، إذ نقلت «هآرتس» عن الجيش الإسرائيلي أن هذا الخيار ليس هدفاً للحرب، رغم إقراره بأن نزع سلاح «حزب الله» قد يتطلب ذلك نظرياً.

هذا التناقض يعكس جوهر الاستراتيجية: تجنب تكلفة الاحتلال مقابل تحقيق نتيجته عبر وسائل أخرى، قوامها التحكم بالنار وإفراغ الجغرافيا.

تحركات إسرائيلية على الحدود (إ.ب.أ)

إشراف ناري وإعادة رسم الجغرافيا

في السياق، يكشف مصدر مطلع على الواقع الميداني لـ«الشرق الأوسط»: «أن إسرائيل تسعى إلى إعادة احتلال 18 موقعاً استراتيجياً كانت تُسيطر عليها قبل عام 2000، من بينها البياضة وشمع وبيت ليف وتلة العويضة وتلال الطيبة وقلعة الشقيف ومرتفعات إقليم التفاح المشرفة على البقاع الغربي».

ويؤكد أن «الهدف لا يتمثل في الانتشار العسكري الواسع، بل في فرض إشراف ناري شامل على كامل قضاء النبطية، يمتد إلى الزهراني وصيدا والبقاع الغربي وجزين، بما يسمح بالتحكم في الميدان من دون الحاجة إلى تمركز دائم».

ويضيف أن «ما تسعى إليه إسرائيل هو القدرة على إدارة الجنوب من المرتفعات والنقاط الاستراتيجية، بحيث تُصبح السيطرة بالنار بديلاً عن السيطرة المباشرة على الأرض».

كما يُشير إلى أن الحديث الإسرائيلي «عن منع عودة نحو 600 ألف لبناني لا يقتصر على الشريط الحدودي، بل يشمل نطاقاً جغرافياً أوسع يمتد إلى إقليم التفاح وقرى قضاء النبطية وأجزاء من البقاع الغربي، ما يعكس توجهاً لإعادة تشكيل الخريطة السكانية، وليس فقط العسكرية».

الهيمنة الأمنية... السيطرة من خارج الأرض

في قراءة أوسع، يوضح العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن «ما يجري لا يمكن فهمه ضمن إطار السيطرة العسكرية التقليدية، بل في سياق الهيمنة الأمنية، التي لا تعني احتلالاً برياً دائماً، بل القدرة على التحكم في الميدان عبر النار أو الجو أو حتى عبر قوى بديلة».

ويشرح لـ«الشرق الأوسط»: أن «هذا المفهوم يقوم على سيناريوهين متوازيين، إما عبر وجود عسكري مباشر يدير المنطقة، وإما إقامة منطقة عازلة قائمة على الأرض المحروقة، تُمنع فيها أي قدرة على التمركز العسكري أو العودة السكانية».

ويؤكد أن الطروحات الإسرائيلية، رغم تباينها، تلتقي عند هدف واحد متمثل في فرض تحكم أمني مستمر، سواء من داخل الأرض أو من خارجها.

أنقاض منزل دمّرته غارة إسرائيلية في ظل تصاعد المواجهات بين إسرائيل و«حزب الله» (رويترز)

الجغرافيا بوصفها منصة للسيطرة

ويضيف ملاعب أن السيطرة العسكرية التقليدية تظهر في تركيز إسرائيل على «الهضاب الخمس» المحاذية للحدود، التي تؤمّن إشرافاً نارياً واسعاً على الجليل والجنوب اللبناني. ويلفت أنه «قد جرى ربط هذه النقاط بنحو 18 موقعاً عسكرياً لتشكيل ما يُشبه خط بدء الهجوم، يُستخدم نقاط ارتكاز لأي توغل بري، ضمن محاور مدروسة تتلاءم مع حركة الدبابات».

ويشير إلى أن «التوغل الفعلي لا يتجاوز 8 كيلومترات، ما يُعزز فرضية أن الهدف ليس احتلالاً شاملاً، بل تثبيت واقع ميداني يمكن التحكم فيه».

الأرض المحروقة وخط الدبابات

ويشرح ملاعب أن «الفارق الجوهري بين السيطرة العسكرية والسيطرة الأمنية يتمثل في أن الأولى تمسك بالأرض، في حين الثانية تمنع الخصم من استخدامها».

وفي هذا السياق، يُشير إلى أن «تهديد صواريخ (كورنيت) يدفع إسرائيل إلى إنشاء نطاق خالٍ بعمق يتراوح بين 6 و8 كيلومترات، يُسوّى بالكامل ويُحوّل إلى أرض محروقة، ويرتبط ذلك بما يُعرف بـ(خط الدبابات)، أي الحد الذي يمكن أن تصل إليه الآليات ضمن نطاق آمن، مرجحاً امتداده نحو مرتفعات استراتيجية مثل قلعة الشقيف، بما يتيح مراقبة نهر الليطاني والتحكم في الميدان».

ويعدّ أن «استهداف الجسور، ولا سيما على نهر الليطاني، لا يهدف فقط إلى قطع الإمداد، بل إلى التحكم في عودة السكان لاحقاً، بحيث تبقى المنطقة العازلة خالية أو محدودة الاستخدام».