صراع الحياة والموت في غرف العناية المركزة بغزة

الاكتظاظ ونقص الإمكانات يجبر أطباءها على خيارات «صعبة ومؤلمة»

TT

صراع الحياة والموت في غرف العناية المركزة بغزة

الفريق الطبي في غرفة العناية المركزة بمستشفى «ناصر» بمدينة خان يونس (الشرق الأوسط)
الفريق الطبي في غرفة العناية المركزة بمستشفى «ناصر» بمدينة خان يونس (الشرق الأوسط)

يرسم الأطباء في قطاع غزة صورة قاتمة للغاية لما آلت إليه الأوضاع في مستشفيات القطاع؛ إذ تخوض الطواقم الطبية منذ نحو شهر معركة صعبة وقاسية لإنقاذ الأرواح وإسعاف الجرحى وإنعاش النظام الصحي الذي يئن تحت وطأة الحرب.

ففي ظل واقع صعب ومغاير لكل جولات الحروب السابقة، يكافح الأطباء «لإنقاذ ما يمكن إنقاذه» سعياً منهم، كما يقولون، لتأجيل الانهيار الكامل للمنظومة الصحية على وقع اتساع دائرة الحرب وارتفاع حصيلة الضحايا ونفاد الدواء والمستلزمات الطبية والوقود. يقول مسؤولون في طواقم طبية لـ«الشرق الأوسط» إن المستشفيات باتت اليوم على حافة الانهيار الكامل، محذرين بأنه ومع مضي كل ساعة دون دخول المساعدات «يصبح الانهيار أمراً حتمياً».

ومنذ سنوات تعاني المستشفيات والطواقم الطبية في غزة من أزمات متفاقمة خلفتها الحروب السابقة وسياسات الحصار، إلا إنها وجدت نفسها اليوم أمام واقع جديد أكثر قسوة، وتواجه تحديات لم تر مثيلاً لها من قبل.

في مستشفى «ناصر» بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، تصل الطواقم الطبية الليل بالنهار للاستجابة للأعداد الضخمة وغير المسبوقة من المصابين الذي يصلون إلى أقسامه. يقول مسؤولون في المستشفى لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد المرضى تخطت «بأضعاف» الطاقة الاستيعابية لهذه المنشأة الطبية، ناهيك بالنقص الحاد في الإمكانات والمستلزمات الطبية والأدوية والوقود اللازم لتشغيل مرافقها.

يقول الدكتور محمد قنديل، رئيس قسم الحوادث والطوارئ، إن الوضع الطبي في المستشفى بات في حال «لا توصف»، مضيفاً أن الطواقم تواجه «تدفقاً مستمراً لمئات الحالات» غالبيتها تعاني من إصابات بليغة.

د. محمد قنديل رئيس قسم الحوادث والطوارئ بمستشفى «ناصر» في خان يونس (الشرق الأوسط)

 

«يصل المصابون أشلاء مقطعة ونادراً ما ينجو أحد من الضربات الإسرائيلية»

رئيس قسم الحوادث والطوارئ في «مسشتفى ناصر» د. محمد قنديل

وبينما تتركز الغارات الإسرائيلية على الأحياء السكنية في غزة، يشرح طبيب الواقع المفزع للإصابات التي تصل من المنازل التي تطالها الضربات بشكل مباشر؛ إذ يصل المصابون «أشلاء مقطعة» ونادراً ما ينجو أحد من هذه الضربات التي تخلّف أيضاً إصابات بليغة جداً في البيوت المجاورة للمناطق المستهدفة.

عمليات دون تخدير

وتشير تقديرات الطواقم الطبية والإسعاف إلى أن عمليات القصف التي تطال البيوت تخلّف في المعدل عشرات الإصابات؛ وأن نحو 60 في المائة منها لنساء وأطفال، كما أن نصف المصابين يصلون في حالة تتطلب الإدخال العاجل لغرف العمليات ومن ثم تحويلهم إلى العناية المركزة، مما يفاقم من أعباء مرافق المستشفى المنهكة.

مصاب في غرفة العناية المركزة بمستشفى «ناصر» بمدينة خان يونس (الشرق الأوسط)

ويقول الدكتور قنديل إنه وفي غالب الأحيان، لا سيما في الأسبوع الأخير، «لم يعد للمرضى مكان في غرفة العمليات، فاضطرت الطواقم الطبية إلى إجراء عملياتها في غرف الطوارئ من دون أدوات تعقيم أو تخدير كامل».

 

حقائق

60 % من المصابين

بالقصف الإسرائيلي على غزة نساء وأطفال

 

وأمام حدة القصف الإسرائيلي ودخول أسلحة جديدة على خط هذه الحرب، يجهد الأطباء والممرضون للاستجابة أيضاً لأنواع جديدة من الإصابات التي تصل إلى المستشفى. وتشير طواقم طبية إلى أن الأسلحة المستخدمة «جنونية» وتخلّف إصابات تنتج عنها حروق شديدة في أنحاء الجسم وتهتك في الأنسجة الداخلية وبتر في الأطراف. يقول الدكتور قنديل إن هذا يخلّف تبعات نفسية صعبة للغاية على الطواقم الطبية خصوصاً «حين ترى أطفالاً وقد أصبحوا أشلاء» ورغم ذلك تواصل الطواقم عملها، لكن «لا أتخيل أن أحداً في العالم يمكن أن يتخيل ما يجري أو يتحمله».

ناجون مجهولون

التعرف على هوية الناجين من الغارات العنيفة التي تودي بحياة عائلات بأكملها، يمثّل تحدياً إضافياً للطواقم الطبية. وفي هذا الإطار، تقول فرق صحية إن غالبية الحالات التي تصل تكون مجهولة في البداية؛ إذ إن «جميع أفراد العائلة هم غالباً من بين المصابين». ويشير أفراد في طواقم طبية إلى أن بعض الإصابات تظل في العناية المركزة مجهولة الهوية «أياماً» في انتظار أن يأتي أحد الأقرباء من الدرجة الثانية للتعرف عليهم بعد أن قضت عائلاتهم بالكامل جرّاء القصف.

حقائق

24 ساعة فقط

يمضيها المصاب في غرفة العناية المكثفة

الضغط الهائل على النظام الصحي بالمستشفى إلى جانب النقص الحاد بالإمكانات حتّم على المسؤولين فيها تبني آليات جديدة و«قاسية» لا سيما في ظل الإصابات البليغة التي تستدعي البقاء في غرف العناية المكثفة؛ إذ يجري حالياً إبقاء الحالات الخطرة 24 ساعة فقط تحت العناية قبل تحويلها للأقسام العادية وذلك لإفساح المجال أمام الحالات الأخرى.

يقول الدكتور قنديل إن سياسة التعاطي مع الإصابات الحرجة للغاية ونقلها سريعاً للأقسام العالية «ليست سهلة مطلقاً، ولها تبعات من الناحية النفسية، ولها كذلك أبعاد من النواحي الأخلاقية والقانونية والاجتماعية»، مشيراً إلى أن ذلك يمثل «قراراً صعباً» على الطاقم الطبي ويلحق أذى بالمرضى لكن «نقص الإمكانات يدفعنا لذلك».

ورغم صعوبة هذه السياسات غير المسبوقة، فإن الفريق الطبي في المستشفى يسعى إلى أن تكون هذه السياسة مغطاة بقرار جماعي من الطاقم وكذلك بقرار من وزارة الصحة. ويوضح الدكتور قنديل أن الطاقم «مكره بالتأكيد على هذا الخيار».

وكان المستشفى قبل الحرب يحوي 12 سريراً مجهزاً في غرف العناية المركزة جرى توسيعها إلى 34 سريراً عبر تفعيل خطط الطوارئ. يوضح الدكتور قنديل أن هذه الأسرّة لا تتوافر جميعها على أجهزة تنفس اصطناعي، ولذلك جرت الاستعانة بأجهزة تنفس قديمة أو أجهزة كانت بالمخازن في مسعى لسد النقص.

خيارات «صعبة ومؤلمة»

وتحت وطأة الضغط الهائل على قسم العناية المكثفة وأمام التدفق غير المنقطع للمصابين، يجد الأطباء أنفسهم أمام خيارات صعبة تدفعهم في بعض الأحيان إلى «المفاضلة» بين الحالات. يقول الطبيب المشرف بغرفة العناية المكثفة إن فريقه يتابع باستمرار الحالات لديه ويعمل فريق طبي مختص على تقييم أي منها «يمتلك فرص النجاة الكاملة». ويشرح أن الحالات الخطرة، لا سيما تلك التي تعاني إصابات بالدماغ قد تدخلها غيوبة طويلة، يُترك صاحبها «لمواجهة مصيره». يقول الطبيب إن الأمر «مؤلم نفسياً وتشعر الطواقم الطبية بعده بالإحباط وبالعجز»، مضيفاً أن الطبيب مهمته الأساسية أن ينقذ الأرواح بغض النظر عن النتائج، لكن «لو توافرت الأجهزة لكنا قادرين على ذلك».

الفريق الطبي في غرفة العناية المركزة بمستشفى «ناصر» بمدينة خان يونس (الشرق الأوسط)

مستشفيات توقفت عن العمل وأخرى تنتظر...

وكان عدد من المستشفيات في غزة قد طالها القصف الإسرائيلي؛ أبرزها المستشفى «المعمداني» وسط مدينة غزة حيث خلّف القصف مئات الضحايا، فيما قالت «وكالة الأنباء الفلسطينية» إن الطيران الإسرائيلي استهدف بضرباته محيط عدد من المشافي الأخرى؛ منها «المستشفى الإندونيسي» شمال القطاع، وكذلك محيط مستشفى «القدس» غرب مدينة غزة، وكذلك محيط مستشفى «الصداقة» التركي الوحيد لعلاج السرطان في غزة والذي توقف عن العمل بعد نفاد الوقود فيه.

تقول الطواقم الطبية لـ«الشرق الأوسط» إن التهديد الذي يطال المستشفيات و القصف الذي يستهدف محيطها يحدث إرباكاً كبيراً سواء لدى طواقمها وما يخلفه من قلق وتعطيل لعملها، ولدى آلاف المدنيين الذين لجأوا للاحتماء بها.

الأطباء... آباء وأمهات أيضاً

تلقي الحرب المستمرة بظلال ثقيلة أيضاً على الأطباء وعائلاتهم يتفاقم معها القلق والتوتر النفسي. فكل طبيب وممرض ترك وراءه أيضاً عائلة «في مكان غير آمن» منذ أصبح كل القطاع غير آمن. يقول الدكتور قنديل إن الطواقم تقدم العناية للمرضى في الوقت الذي تنشغل فيه على سلامة أهلها وأطفالها، مضيفاً أن الجميع «يظل قلقاً ويحاول التواصل بعد كل استهداف للاطمئنان على أهله». بيد أن بعض الأطباء لم يسعفهم الوقت للاتصال والاطمئنان على عائلاتهم؛ إذ وجدوا أهلهم وأبناءهم وأحبتهم ممدين أمامهم في غرف الطوارئ وقد غطتهم الدماء وأصبحوا أشلاء.


مقالات ذات صلة

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطيني يحمل جثمان فتى (12 عاماً) قُتل برصاص إسرائيلي خلال تشييعه خارج «مستشفى الشفاء» بمدينة غزة الجمعة (أ.ب)

فوضى واستقالات «ممنوعة» في «لجنة غزة»

علمت «الشرق الأوسط» من مصدرين مطلعين أن عضوين على الأقل في «اللجنة الوطنية» من سكان قطاع غزة، قدما استقالتَيهما لرئيس اللجنة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون وسط غزة يفحصون موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة شرطة (رويترز) p-circle

خاص فصائل غزة تتحسب لهجوم إسرائيلي على «المنطقة الوسطى»

تهدد إسرائيل بالعودة إلى الحرب في غزة حال رفضت حركة «حماس» والفصائل الأخرى نزع سلاحها، بينما كثف الجيش الإسرائيلي من عملياته في مناطق وسط القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

«لأول مرة منذ شهرين»... 323 شاحنة تدخل غزة في يوم واحد

للمرة الأولى منذ شهرين، شهد قطاع غزة زيادة ملحوظة في عدد الشاحنات التي تحمل مساعدات وبضائع تجارية، كما ارتفعت أعداد المسافرين عبر معبر رفح البري.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا فتاة فلسطينية تحمل وعاء ماء في مخيم للنازحين بخان يونس جنوب غزة (أ.ف.ب)

«رد مشروط» من «حماس» يضع محادثات القاهرة أمام «اختبار صعب»

تقف محادثات القاهرة بشأن استكمال تنفيذ وقف إطلاق النار في غزة، على أعتاب نقاشات محورية بشأن مستقبل سلاح حركة «حماس» والفصائل الأخرى.

محمد محمود (القاهرة )

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
TT

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

أعلن «حزب الله» أن أيدي عناصره «ستبقى على الزناد»، وذلك بعد ساعات من سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، جازماً بأنه لن يسكت عن أي خروق إسرائيلية للاتفاق، ولن يكرر التجربة الماضية حين التزم هو باتفاق أكتوبر (تشرين الأول) 2024، في حين واصلت إسرائيل بوقتها اعتداءاتها واغتيالاتها لعناصره وقيادييه.

وانشغل «الحزب»، في الساعات الماضية، بتأمين عودة عدد كبير من النازحين إلى قُراهم، وبمراقبة التطورات على الأرض، لجهة التحركات الإسرائيلية في المناطق المحتلة والاستعداد لمواجهة جديدة في أي لحظة.

إحصاء القتلى

ووفق مواكبين من كثب لوضع الحزب، فإنه لا يزال يعمل على إحصاء عدد قتلاه، دون التوصل حتى الآن إلى حصيلة نهائية؛ نظراً إلى أن عدداً كبيراً من عناصره ما زالوا تحت الأنقاض في القرى والبلدات التي شهدت مؤخراً مواجهات عنيفة كالخيام وبنت جبيل وهي مناطق توجد فيها القوات الإسرائيلية، ما يصعّب عملية البحث عنهم، كما أنه يصعب التعرّف على هويات بعضهم الآخر مع تحولهم إلى أشلاء، إضافة إلى وقوع عدد آخر في الأَسْر.

وتؤكد المصادر أن «(الحزب) لن يُقْدم، في الوقت الراهن ولا في الفترة المقبلة، على إعلان أي أرقام لقتلاه، كما فعل في الحرب السابقة، إذ توقّف عن نعي قتلاه رسمياً بعد أن تجاوز العدد عتبة الخمسمائة. وهو يواصل اعتماد هذا النهج، اليوم، مع ترجيحات بأن تكون الحصيلة مرتفعة، وقد تتجاوز الألف، ولا سيما بعد المعارك العنيفة في الخيام، وخصوصاً في بنت جبيل».

مواقف «الحزب»

وفي بيانٍ أصدره بعد وقف النار، أعلن «الحزب» أنه وخلال معركة «العصف المأكول» التي استمرت خمسة وأربعين يوماً (من الثاني من مارس «آذار» إلى السادس عشر من أبريل «نيسان» 2026)، نفذ «2184 عمليّة عسكريّة مختلفة، كما استهدفت عمليات المقاومة بالمُسيّرات الانقضاضيّة والنيران الصاروخيّة المتنوّعة المستوطنات والمدن الإسرائيليّة، بدءاً من الحدود اللبنانيّة الفلسطينيّة، حتّى ما بعد مدينة تلّ أبيب بعمق 160 كيلومتراً».

وأشار إلى أن عناصره نفّذوا «نحو 49 عمليّة يوميّاً»، وقال: «وستبقى يد هؤلاء المجاهدين على الزناد، يتحسّبون لغدر العدوّ ونكثه».

مُلصق لعنصر من «حزب الله» بضاحية بيروت الجنوبية في اليوم الأول لوقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

وواكب نواب «الحزب»، يوم الجمعة، النازحين، خلال عودتهم إلى بلداتهم وقُراهم، سواء في الجنوب أم البقاع، أم الضاحية الجنوبية لبيروت.

وأكد عضو كتلة «حزب الله»، النائب حسن فضل الله، خلال جولته في مناطق الضاحية، أن «حزبه» لن يقبل أي استسلام، «ولن نقبل أي خضوع؛ فهذا موضوع محسوم لدينا، وإذا أراد الأميركان أن يعطوا العدو الإسرائيلي، كما يقولون، حرية حركة، وأن بعض المسؤولين في لبنان يخضعون ويتنازلون، فهذا لن يكون له تطبيق على أرض الواقع»، مشدداً على أن «وقف إطلاق النار يجب ألا يكون لابتزاز السلطة من قِبل العدو». وأضاف: «على السلطة اللبنانية الخروج من المفاوضات المباشرة التي لن تؤدي إلا إلى الخضوع للإملاءات الإسرائيلية، وهذا يهدد مستقبل لبنان ومصيره».

هزيمة كبرى

وفي حين يصر «حزب الله» وجمهوره على اعتبار ما خلصت إليه هذه الجولة من الحرب انتصاراً، قال الدكتور رياض قهوجي، الباحث والكاتب في شؤون الأمن والدفاع، لـ«الشرق الأوسط»: «اعتدنا من (حزب الله) دوماً إعلان الانتصار، لكن إذا أردنا مقاربة الموضوع عسكرياً، فعندما بدأت الحرب كان الإسرائيلي يوجد في 5 نقاط بينما كان عناصر (الحزب) ينشطون في محاور كالناقورة وكفركلا وعيناتا، أما اليوم فباتوا في مكان آخر داخل الأراضي اللبنانية، في وقت وصلت السيطرة الإسرائيلية لعمق 10 كلم، بعدما كانت بحدود 2 أو 3 كلم، وبناءً عليه فإن (الحزب) خسر أراضي، وأُجبر على التراجع، وعدد قتلاه بالمئات، بينما عدد أسراه ارتفع، وحجم الدمار في الجنوب والضاحية والبقاع أضعاف ما كان عليه قبل الجولة الأخيرة من الحرب، أضف إلى ذلك أن عدد النازحين الذين دُمّرت منازلهم بعشرات الآلاف، وبالتالي ما هو فيه هزيمة، بكل معنى الكلمة».

وأشار قهوجي إلى أنه «وإن صح أن هناك قتلى بصفوف الجنود الإسرائيليين، لكن عددهم لا يقارَن؛ لا من قريب أو من بعيد، بعدد قتلى الطرف الآخر. تماماً كما أن مقارنة بين حجم الأضرار في لبنان وإسرائيل يؤكد حجم الهزيمة الكبرى». وأضاف: «يعدّ الحزب أنه ما دام موجوداً وقادراً على إطلاق الصواريخ فهذا يُعد انتصاراً، علماً بأنه أثبت مجدداً أنه ليس لبنانياً ولا يقوم بشيء لمصلحة لبنان، وأنه مجرد أداة إيرانية ودخل بالحرب لإسناد إيران».

«الحزب» مستعدّ لمواجهة جديدة

في المقابل، يمتلك الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المُطّلع من كثب على موقف «حزب الله»، قراءة مختلفة تماماً للواقع الراهن، إذ يَعدّ أن «(الحزب) خرج أقوى مما كان عليه، مقارنة بوضعه بعد حرب 2024. وإذا لم نُرد أن نقول إنه انتصر فالمؤكد أن الإسرائيلي لم يتمكن من تحقيق أهدافه العسكرية والأمنية، فتل أبيب لم تستطع أن تستهدف قيادة (حزب الله)، وإن كان قد سقط عدد من القياديين لكنه بقي قليلاً جداً، مقارنة بالحرب الماضية».

ويرى قصير أن «الحزب» «أدار المعركة العسكرية بدقة ونجاح، وهو مستعدّ لسيناريو تجدُّد الحرب ويعيد ترتيب أموره استعداداً لمواجهة جديدة، إلا إذا جرى التوصل لحلول جذرية تؤدي للانسحاب الكلي للجيش الإسرائيلي وإعادة الأسرى ووقف العدوان وإعادة الإعمار».


ترمب: طفح الكيل وسأمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب: طفح الكيل وسأمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أي ربط بين وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل وإعلان إيران في شأن إعادة فتح مضيق هرمز، خلافاً لما أعلنه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشأن وضع هذا الممر الملاحي الدولي.

وفي موقف لافت في «يوم عظيم ومشرق للعالم»، أكد الرئيس ترمب أن بلاده «ستتعامل مع (حزب الله) بالطريقة المناسبة» و«ستمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً» لأن «الكيل قد طفح». ووعد «بجعل لبنان عظيماً مرة أخرى»

وشهدت أزمة المضيق انفراجة لافتة بعدما نشر عراقجي في حسابه على منصة «إكس» أنه «تمشياً مع وقف إطلاق النار في لبنان، أُعلن فتح ممر جميع السفن التجارية عبر مضيق هرمز بالكامل خلال الفترة المتبقية من وقف إطلاق النار، عبر الطريق المنسق كما أعلنته سابقاً منظمة الموانئ والشؤون البحرية» الإيرانية.

وعلى الفور، أطلق الرئيس ترمب سيلاً من المنشورات عبر منصته «تروث سوشيال». وقال في أحد هذه المنشورات: «أعلنت إيران للتو أن مضيق هرمز مفتوح بالكامل وجاهز للمرور الكامل». وأتبعه بآخر قال فيه إن «مضيق هرمز مفتوح بالكامل وجاهز للأعمال والمرور الكامل، لكن الحصار البحري سيظل سارياً ونافذاً فيما يتعلق بإيران فقط، إلى حين إتمام معاملاتنا معها بنسبة 100 في المائة».

وتوقع أن «تتم هذه العملية بسرعة كبيرة نظراً لأن معظم النقاط جرى التفاوض عليها بالفعل». وقال أيضاً إن «إيران، بمساعدة الولايات المتحدة، أزالت، أو هي بصدد إزالة، جميع الألغام البحرية!».

نازحون عائدون إلى جنوب لبنان بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (رويترز)

لبنان وهرمز

وكذلك أفاد في منشور منفصل: «ستحصل الولايات المتحدة على كل (الغبار) النووي الناتج عن قاذفاتنا (بي 2) العظيمة، ولن يجري تبادل أي أموال بأي شكل من الأشكال». وأضاف أن «هذه الصفقة غير مرتبطة بلبنان بأي حال من الأحوال، لكن الولايات المتحدة ستعمل بشكل منفصل مع لبنان، وستتعامل مع وضع (حزب الله) بالطريقة المناسبة». وأكد أن «إسرائيل لن تقصف لبنان بعد الآن. الولايات المتحدة تمنعها من ذلك. طفح الكيل!».

وكرر في منشور منفصل أنه «مرة أخرى! هذا الاتفاق (على فتح هرمز) لا يرتبط بأي شكل من الأشكال بلبنان، لكننا سنجعل لبنان عظيماً مرة أخرى!».

وأطلق الرئيس ترمب العنان لتغريدات أخرى حمل فيها على شركاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، لأنهم «كانوا عديمي الفائدة عند الحاجة، مجرد نمر من ورق!». وفي المقابل، شكر للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر «شجاعتكم ومساعدتكم العظيمة!». وكذلك شكر لـ«باكستان ورئيس وزرائها العظيم (شهباز شريف) وقائدها العسكري (عاصم منير)، إنهما شخصان رائعان!».

دور فانس لبنانياً

وكان الرئيس ترمب قد أعلن وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام بعد مكالمتين هاتفيتين منفصلتين مع كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، داعياً إياهما إلى البيت الأبيض لإجراء محادثات سلام مباشرة. ووجه نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية دان كاين للعمل على التوصل إلى تسوية دائمة.

واضطلع فانس بدور بعيد عن الأضواء، إذ إنه «ضغط على الإسرائيليين لأيام، لتوخي المزيد من الحذر في لبنان»، مضيفاً أن «إنهاء القتال هناك من شأنه أن يهدئ التوترات الإقليمية الأوسع»، طبقاً لما أوردته شبكة «سي إن إن».

تزايد هذا الزخم بعدما عقد روبيو اجتماعاً ثلاثياً مع السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، في أول تواصل مباشر من نوعه بين البلدين منذ عقود. وقال مسؤول في البيت الأبيض: «أقرّ لبنان بأن (حزب الله) يمثل مشكلة مشتركة» خلال ذلك الاجتماع.

نازحون عائدون إلى جنوب لبنان (إ.ب.أ)

مشرعون

وبدا رد فعل الكونغرس على وقف إطلاق النار في لبنان خافتاً أمام تركيز النقاش حول مسار الولايات المتحدة وإيران.

وعبَّر السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام عن تحفظه على وقف إطلاق النار، واصفاً إياه بأنه قد يكون «اتفاق سلام زائف» أو قد «يمنح (حزب الله) شريان حياة»، مشدداً على أنه لن يدعم أي اتفاق بشأن لبنان لا يؤدي إلى نزع سلاح «حزب الله» وحلّه بوصفه منظمة مصنفة إرهابية داخل الولايات المتحدة، ويشكل تهديداً للولايات المتحدة وإسرائيل والمنطقة.

وفي المقابل، انتقد عدد من النواب الديمقراطيين، وبينهم النائب جيم ماكغفرن، الضربات الإسرائيلية المستمرة في لبنان، محذرين من أنها قد تُقوض وقف إطلاق النار مع إيران وتشعل حرباً أوسع، وطالبوا ترمب بالضغط على نتنياهو لوقف القصف. ودعا النائب دون باير إلى وقف فعال لإطلاق النار في لبنان لتجنب الفوضى، مؤكداً أن «القصف ليس سبيلاً للسلام».


حملات إسرائيلية على نتنياهو بعد وقف النار في لبنان

عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)
عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)
TT

حملات إسرائيلية على نتنياهو بعد وقف النار في لبنان

عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)
عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)

من السابق لأوانه تلخيص الحرب على إيران وغيرها من الجبهات، لكن الإسرائيليين بدأوا في التلخيص. والأكثر نشاطاً بينهم، هم أولئك الذين يقفون في المعسكر المعارض لرئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو؛ فهؤلاء يلعبون على وتر مشاعر الناس، الذين ظلوا يتعرضون للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، حتى آخر لحظة؛ فالجمهور الإسرائيلي بغالبية مقتنع بأن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وكذلك على «حزب الله» قد فشلت. ويريدون أن يدفع نتنياهو الثمن، فوراً.

عائدون إلى كريات شمونة بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ مع لبنان (أ.ف.ب)

لهذا، فإن معظم ما يقال في تلخيص الحرب يتحدث عن فشل أميركي إسرائيلي. وفي صحيفة «معاريف»، كتب المحرر العسكري، آفي أشكنازي، الجمعة، أن الحرب التي سميت «زئير الأسد»، تنتهي بقدر أكبر كـ «مواء القط». وراح بعيداً أكثر، وكتب: «يمكن القول إن المنتصرة الكبرى هنا هي واحدة: إيران». ويقول أشكنازي: «إن إحباط قادة وجنود الجيش من المستوى السياسي عظيم. سيكون من الخطأ التوقف هنا. توجد فرصة لتنفيذ المهمة، ولإزالة التهديد عن بلدات الشمال».

إسرائيليون يتلون صلوات يهودية وسط الشارع في مدينة كريات شمونة قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

ويقتبس الكاتب رأي ضابط شاب، يقول: «إذا ما خرجنا من هنا الآن فستكون مسألة أشهر، ربما سنة، إلى أن يتطلب منا الأمر مرة أخرى القيام بمعركة لنعود إلى القتال».

إسرائيلية تضع علم بلادها على سيارة في أثناء العودة إلى كريات شمونة في الشمال قرب الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)

ويتحدث عاموس هرئيل، محرر الشؤون العسكرية في «هآرتس»، عن الموضوع بنفس الروح، لكن من الزاوية اللبنانية فيقول: «انتهت تلك الحرب، كما نعرف، بتعادل مخيب للآمال ومن دون خطابات انتصار، ولكن الأفكار السيئة لا تندثر دائماً في غياهب النسيان، بل تنتظر الحرب المقبلة». واقترح الكاتب غادي عزرا في مقال نشره في «يديعوت أحرونوت» الاحتفال بانتصار إسرائيل على «حزب الله» (الذي لم يتحقق بعد) بخطاب يلقيه رئيس الأركان إيال زمير في بنت جبيل. وهو يعتقد أن هذا سيمثل إغلاق دائرة دراماتيكية، التي ستشير إلى بداية عهد جديد.