نصر الله يسعى للتوفيق بين طمأنة اللبنانيين وإقلاق حلفاء إسرائيل

يقف أمام خيارات صعبة أولها الدعوة لتفادي الحرب

من تشييع أحد مقاتلي «حزب الله» الذي سقط في جنوب لبنان (رويترز)
من تشييع أحد مقاتلي «حزب الله» الذي سقط في جنوب لبنان (رويترز)
TT

نصر الله يسعى للتوفيق بين طمأنة اللبنانيين وإقلاق حلفاء إسرائيل

من تشييع أحد مقاتلي «حزب الله» الذي سقط في جنوب لبنان (رويترز)
من تشييع أحد مقاتلي «حزب الله» الذي سقط في جنوب لبنان (رويترز)

يقف جمهور «حزب الله» على بُعد يومين من الإطلالة الموعودة لأمينه العام حسن نصر الله، نهار الجمعة، في ظل تصاعد وتيرة الحرب المفتوحة بين «حماس» وإسرائيل التي باشرت غزوها البري لقطاع غزة، واحتدام المواجهة العسكرية على الجبهة الشمالية لإسرائيل مع جنوب لبنان، والتي لا تزال تحت السيطرة، وإن كانت شكّلت خرقاً محدوداً لقواعد الاشتباك المعمول بها منذ حرب يوليو (تموز) 2006.

فإطلالة نصر الله هذه المرة على جمهوره غير الإطلالات السابقة؛ لأن الأنظار مشدودة إلى ما سيقوله في ضوء ارتفاع الدعوات للحزب لعدم الانجرار إلى التأزّم العسكري المسيطر على قطاع غزة، وضرورة تحييد الجبهة الشمالية، وقد ترافقت مع تحذير حمَلته وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا في زيارتها لبيروت، بقولها أمام من التقتهم، بدءاً برئيسَي المجلس النيابي نبيه بري وحكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، بأنه لن تكون هناك مناطق آمنة في لبنان في حال انخراط «حزب الله» في الحرب.

وكان «حزب الله» قد أُنذر بمضامين رسالة كولونا إلى لبنان بالواسطة، وبالنيابة عن الولايات المتحدة، كما يقول مصدر نيابي بارز لـ«الشرق الأوسط» بأن واشنطن أوكلت إلى باريس تمرير الرسالة إلى الداخل اللبناني، وأيضاً إلى إيران. وهذا ما دفع ميقاتي إلى التحرك باتجاه الدول، أكانت غربية أو عربية لتوفير الحماية للبنان، تحت عنوان أن قرار الحرب بيد إسرائيل.

وعلى الرغم من أن التهديدات الإسرائيلية والغربية للبنان بعدم توسيع رقعة الاشتباكات في الجنوب أخذت تتراجع؛ لكنها ما زالت قائمة، ويبقى على نصر الله أن يُطمئن اللبنانيين بعدم استدراج لبنان إلى الحرب.

وبكلام آخر، فإن احتمال انتقال الحرب من غزة إلى جنوب لبنان لم يُلغ كلياً، وإن استبعادها نهائياً يتوقف على القرار الذي يتخذه «حزب الله» في تقويمه لمجريات الحرب في غزة، ليكون في وسع القوى السياسية أن تبني على الشيء مقتضاه؛ خصوصاً أن احتمالات المواجهة لم تُسحب نهائياً من التداول، وهي تراهن حالياً على واقعية ومرونة الحزب لإسقاط كل الذرائع من يد إسرائيل.

لذلك، فإن نصر الله وإن كان يستمد موقفه من مجريات الحرب الدائرة في غزة بين «حماس» وأخواتها في محور الممانعة، وبين إسرائيل، فإن طمأنة اللبنانيين باتت أكثر من ضرورة، مع ارتفاع موجة النزوح من الجنوب.

ولم يكن أمام نصر الله خيار إلا تحديد موقف الحزب؛ لأنه مضطر للخروج عن صمته، كون أن الصورة التي جمعته بأمين عام حركة «الجهاد الإسلامي» زياد نخالة، ونائب رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» صالح العاروري، كانت مطلوبة لتبديد الأجواء غير الإيجابية الناجمة عن قول رئيس حركة «حماس» في الخارج خالد مشعل بأن تدخّل الحزب غير كافٍ.

فنصر الله سيحضر شخصياً لمخاطبة جمهوره ومحازبيه؛ لأن أحداً من قياداته ومسؤوليه لا يستطيع أن يملأ الفراغ لو طال غيابه؛ لأن جمهوره لا يتفاعل سياسياً كما يجب ما لم يطلّ عليه مباشرة بالصوت والصورة.

ويبقى السؤال: كيف يمكن لنصر الله أن يوفّق بين طمأنة اللبنانيين بأن لبنان لن يُستدرج إلى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، وبين الإبقاء على الأخيرة ومعها الولايات المتحدة والعدد الأكبر من الدول الأوروبية في دائرة القلق، بإحجامه عن تحديد موقفه في حال أن تل أبيب واصلت اجتياحها البري لقطاع غزة؟

فهل يبادر نصر الله إلى طمأنة اللبنانيين بأن المواجهة مع إسرائيل ستبقى مضبوطة، وأن الوضع الميداني لا يمكن أن يتدحرج نحو إلحاق لبنان بالحرب الدائرة في غزة؟ أم أنه يتمهّل في التجاوب مع النصائح التي أُسديت له، انسجاماً مع دعواته في السابق وفي أكثر من مناسبة لتوحيد الساحات؟ خصوصاً أنه لا يمكنه الاستهانة بحجم المعارضة في الداخل ومطالبتها بتفادي الحرب، كون أن لبنان أصبح مكشوفاً، ويفتقد أصدقاء يؤمِّنون له شبكة الأمان، بخلاف ما كان عليه طوال فترة «حرب تموز» يوليو 2006، عندما لقي احتضانا عربياً ودولياً، تجلى في توفير الدعم المالي والسياسي لإعادة بناء ما دمّرته هذه الحرب؟

وما يعزّز السؤال عن الموقف الذي سيطل به نصر الله على جمهوره، وجود تقدير لدى خصوم الحزب في الداخل بأن الموقف الإيراني لا يزال ملتبساً، ويتراوح بين تلويح وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان بتمدّد النزاع إلى مناطق أخرى خارج غزة، وبين إبداء استعداده للقيام بدور الوسيط للإفراج عن المحتجزين لدى «حماس».

فطهران تبقى الأقدر على التواصل مع حلفائها في محور الممانعة، ولن تتسرّع في حرق أوراقها التي تتمتع بها في الشرق الأوسط، وهذا ما يدعوها لعدم التفريط بها في غير محلها، وبالتالي لن يخطو «حزب الله» خطوة إلا بالتنسيق والتفاهم معها، إنما على قاعدة أن لبنان بإمكاناته الراهنة -كما تقول المصادر السياسية لـ«الشرق الأوسط»- لا يحتمل الدخول في مواجهة غير محسوبة، ولا تأخذ بجنوح السواد الأعظم من اللبنانيين نحو التهدئة، وعدم جرّ الجنوب إلى حرب تطيح بقواعد الاشتباك.

وتبقى الإشارة إلى أن اللبنانيين ينتظرون من نصر الله أن يدعوهم للاطمئنان والصمود في آن معاً. فهل يتناغم ورغبتهم لقطع الطريق على اتساع الهوّة بين اللبنانيين الذين لا يريدون الحرب التي تأخذ البلد إلى مزيد من الانقسام؟ وماذا سيقول في هجومه غير المسبوق؛ ليس على إسرائيل والولايات المتحدة فحسب، وإنما على عدد من الدول التي توافد قادتها إلى تل أبيب للوقوف إلى جانب رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو في اجتياحه لغزة لاسترداد هيبته. وستكون لباريس الحصة الكبرى بانتقاده لمواقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي دعا إلى تشكيل تحالف دولي ضد «حماس» على غرار التحالف في تصدّيه لـ«داعش»؛ لكن على قاعدة الاحتفاظ لنفسه بكلمة السر، ما دامت الحرب على غزة لن تتوقف.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تحدّد «منطقة حمراء» شمال «الخط الأصفر» في جنوب لبنان

تحليل إخباري قافلة تضم آليات لقوات «اليونيفيل» في المنطقة الحدودية في إسرائيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تحدّد «منطقة حمراء» شمال «الخط الأصفر» في جنوب لبنان

استحدث الجيش الإسرائيلي «منطقة حمراء» غير معلنة في جنوب لبنان، تحاذي منطقة الخط الأصفر التي أعلن عنها قبل أسابيع

نذير رضا (بيروت)
خاص الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

خاص «حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الحرب الإعلامية التي اتسمت بسقوف سياسية عالية لن تحجب الأنظار عما حمله البيانان الأخيران للحزب، وتحديداً الذي أصدره أمينه العام نعيم قاسم

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد عقب انفجارات في جنوب لبنان (رويترز) p-circle

قتيلان بينهما عسكري في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان

ندد لبنان بهجوم إسرائيلي على جنوب البلاد، الثلاثاء، أسفر عن مقتل 3 أفراد من الدفاع المدني اللبناني.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً النائب ملحم رياضي موفداً من رئيس حزب «القوات» سمير جعجع (الرئاسة اللبنانية)

اتصالات داخلية لتوحيد موقف لبنان... ودعم واسع لمواقف عون

تتكثف الاتصالات الداخلية في لبنان لتوحيد الموقف حيال المفاوضات مع إسرائيل في ظل الخلاف في مقاربة الموضوع لا سيما مع اعتراض «حزب الله»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أطفال ربيع خريس يتناولون وجبة الإفطار أثناء جلوسهم في مأواهم داخل مخيم مؤقت في بيروت (رويترز)

اليأس يحكم قبضته على أسرة لبنانية نازحة وسط استمرار التوترات

بعد نحو شهرين على اندلاع الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، يكابد ربيع خريس، وهو أب لتسعة أبناء، ظروف نزوح قاسية في خيمة ببيروت بعد فراره من جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت )

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
TT

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)

تحشد واشنطن مع أطراف في بغداد ضغوطها لعزل الفصائل المسلحة الموالية لإيران عن الحكومة العراقية الجديدة، حسبما أفادت مصادر موثوقة.

ورحبت البعثة الأميركية في بغداد، أمس (الأربعاء)، بتكليف علي الزيدي تشكيل الوزارة الجديدة، ودعت إلى «تشكيلها بما ينسجم مع تطلعات العراقيين».

وقالت المصادر، إن «الزيدي أبلغ قادة أحزاب بأن برنامجه يستند إلى إبعاد الجماعات المسلحة»، لكنها أشارت إلى أن «تمرير تشكيلة وزارية بعيدة عن المسلحين يشكل اختبار قوة حاسم».

ويخشى خبراء أن تلجأ فصائل مسلحة إلى خيار المراوغة بشأن وجودها في المؤسسات الحكومية، أو التصعيد مجدداً ضد الأميركيين.

إلى ذلك، قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني.


سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
TT

سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)

أشعلت المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، سجالاً كلامياً بين الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس البرلمان نبيه بري، بعد أن قال عون إنه نسَّق كل خطواته في هذا المجال مع بري ورئيس الحكومة نواف سلام، ليأتي رد بري قاسياً بأن كلامه «غير دقيق، إن لم نَقُلْ غير ذلك».

وكان عون قد قال إنه على إسرائيل أن «تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات»، مؤكداً أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت بتنسيق وتشاور مع بري وسلام». ورد بري على ذلك، سريعاً، إذ قال في بيان، إن الكلام الذي ورد على لسان عون «غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة إلى اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 وموضوع المفاوضات».

ميدانياً، فرضت إسرائيل بالنار «خطاً أحمر»، يهدد عشرات القرى اللبنانية، ويحاذي منطقة الخط الأصفر التي أُعلن عنها قبل أسابيع، وهي عبارة عن منطقة جغرافية واسعة تتعرض للقصف المتواصل ولإنذارات إخلاء وتمتد إلى مسافة تبعد 25 كيلومتراً عن الحدود إلى العمق.


بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
TT

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، في بيان مساء اليوم الأربعاء، أن حديث الرئيس جوزيف عون أمام الهيئات الاقتصادية حول موضوع اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وموضوع المفاوضات، غير دقيق، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال بيان المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب إنه «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، فإن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق نوفمبر عام 2024 وموضوع المفاوضات».

وكان الرئيس اللبناني قد التقى بعد ظهر اليوم في القصر الجمهوري، وفداً من الهيئات الاقتصادية برئاسة رئيسها الوزير السابق محمد شقير.

وأفاد عون خلال اللقاء: «في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام».

رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وعن الانتقادات بأن لبنان وافق في البيان الأميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، قال الرئيس عون: «إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتمد في نوفمبر 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف. وهو بيان وليس اتفاقاً؛ لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات».