أزمة «حزب الله» المالية تعرقل صرفه بدلات إيواء لآلاف النازحين

الغموض والحيرة يدفعان السكان للبحث عن بدائل

صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

أزمة «حزب الله» المالية تعرقل صرفه بدلات إيواء لآلاف النازحين

صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)
صورة لحسن نصر الله أمام أنقاض مبنى دمّره الطيران الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - د.ب.أ)

لم يتلقَ وسام (اسم مستعار) المقيم في الضاحية الجنوبية لبيروت، أي إجابة على موعد صرف تعويضات بدل الإيواء للسنة الثانية من «حزب الله». أبلغه المسؤول عن التعويضات بأنه «حتى الآن لا موعد محدداً لصرف التعويضات»، وأنه «حين تجهز الدفعة، سنبلغك هاتفياً».

لم يكشف المسؤول عن الأسباب التي حالت، حتى الوقت الراهن، دون صرف تعويضات بدل الإيواء المحددة بـ4800 دولار سنوياً، كبدل إيواء عن كل وحدة سكنية دُمرت خلال الحرب، وترك هذا الغموض آلاف الأسر من سكان الضاحية في حيرة، ما يكرر الأسئلة على لسان السكان: «هل سيوقف (حزب الله) الدفعات أم أنها ستتأخر فقط؟»، و«هل التأخير ناتج عن أزمة مالية، أم عن أسباب تقنية؟».

51 ألف وحدة سكنية مدمرة تماماً

ويتخطى عدد الوحدات السكنية المدمرة بالكامل جراء الحرب، الـ51 ألف وحدة سكنية، حسب تقديرات شركة «الدولية للمعلومات» الإحصائية، بينها 9 آلاف في الضاحية الجنوبية، و1500 وحدة في البقاع، و22 ألفاً في منطقة الشريط الحدودي. وازداد هذا الرقم خلال العام الماضي، إثر الضربات الإسرائيلية والتفجيرات التي طالت منازل في منطقة الشريط الحدودي، فضلاً عن الاستهدافات بعد إنذارات إخلاء على دفعتين طالت الضاحية الجنوبية لبيروت.

صورة للأمينين العامّين السابقين لـ«حزب الله» حسن نصر الله وهاشم صفي الدين على مبنى استُهدف في عملية اغتيال القيادي هيثم الطبطبائي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - رويترز)

وبعد أقل من شهر على توقف الحرب، بدأ «حزب الله» بصرف تعويضات بدل إيواء للسكان، وخصص مبالغ 400 دولار شهرياً للمتضررين في الضاحية الجنوبية، و300 دولار للمتضررين في الجنوب والبقاع، إضافة إلى صرف بدل أثاث يتراوح بين 6 و8 آلاف دولار تُدفع مرة واحدة، بينما تُصرف تعويضات بدل الإيواء سنوياً، أو على دفعات، كما دفع الحزب مبالغ تُقدر بعشرات ملايين الدولارات، بدل ترميم المباني المتضررة وغير المهدمة كلياً.

وبعدما تلقى معظم السكان بدلات الإيواء عن السنة الماضية، لم يتلقَّ هؤلاء، حتى الآن، أي إشعار بالقبض عن السنة الثانية. يقول وسام لـ«الشرق الأوسط»: «لا يملك من نراجعهم إجابة واضحة، كما لا يجيبون عن التساؤلات التي نسمعها في الشارع عن أن الحزب سيوقف الدفع نهائياً، أو سيؤخره».

تحقيقات في دفوعات السنة الأولى

في أوسط جمهور الحزب، تتردد قصة تتحدث عن تحقيقات يجريها الحزب في دفعات العام الماضي. ويقول أحد هؤلاء لـ«الشرق الأوسط» إن التحقيقات الأولى، أفضت إلى وجود «محسوبيات» في الدفعات، حيث «حصل بعض المتضررين على تعويضات تتخطى قيمة الأضرار الفعلية، نتيجة سوء تقييم، أو محاباة لبعض الناس». ويضيف: «لم تكن الدفعات متناسبة مع حجم الأضرار، فمثلاً بلغت تقديرات بعض المنازل 800 دولار، لكن حصل في النهاية على نحو 1500 دولار... وفي المقابل، صُرفت بدلات ترميم أقل من قيمتها الفعلية، فلجأ أصحاب المنازل السكنية إلى الاعتراض، وبالفعل، تم دفع مبالغ إضافية». ووضع المصدر هذا الأمر في إطار «الفوضى»، و«المحسوبيات»، لافتاً إلى أن هناك تحقيقات تتم لتسوية الأمر، وهو ما أدى إلى التأخير في الدفوعات.

أزمة مالية

لكن التحقيقات في ملفات إعادة الترميم، يُفترض ألا تعرقل دفع بدلات الإيواء، بالنظر إلى أن الحزب حدّد قيمتها الشهرية أو السنوية، كما أن المنازل المدمرة أُجريت كشوفات عليها، حسبما تقول مصادر معارضة لـ«حزب الله»، واضعة التأخير في صرف تعويضات بدل الإيواء، إلى «الأزمة المالية التي يعاني منها (حزب الله)».

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «المنطق يقول إن تحديد بدلات الإيواء لا تشوبه محسوبيات ولا محاباة ولا زبائنيّة، خلافاً لتعويضات الأضرار والترميم، ويجب أن تُصرف من دون عوائق... لكن المرجح أن الحزب يعاني من أزمة مالية، وهو ما يجعله يؤخر الدفعات».

وتضيف المصادر: «منذ العام الماضي، بدأت الضغوط على الحزب تشتد، وبدأت من إغلاق الحدود السورية، ومنع الطائرات الإيرانية من الهبوط في مطار بيروت، وتشديد الإجراءات في المطار والمرافئ، إضافة إلى الضغوط على (مؤسسة القرض الحسن)، كلها تدابير قلصت قدرة وصول الأموال الإيرانية إلى الحزب»، مشيرة إلى أن الأعباء المالية التي ترتبت على الحزب «تضاعفت بشكل غير مسبوق، حيث بات ملزماً بدفع رواتب عناصره الذين قُتلوا في الحروب، ودفع تقديمات اجتماعية إضافية لعائلاتهم، إضافة إلى زيادة الإنفاق على الطبابة للجرحى جراء الحرب، في وقت تعاني فيه إيران من مشكلات مالية إضافية تمنعها من زيادة مخصصات الحزب، وهو ما يفاقم الأزمة المالية عنده».

البحث عن بدائل

بمعزل عن الحالتين (الأزمة المالية أو التحقيقات الداخلية)، لم تُصرف بدلات الإيواء لهذا العام، ولم يستكمل الحزب دفع بدلات الترميم المتبقية للمتضررة منازلهم من الحرب؛ ما وضع السكان في حيرة، ودفع بعضهم للبحث عن بدائل. ويقول لبناني من البقاع لـ«الشرق الأوسط» إنه تخلى عن المنزل المُستأجر قبل 3 أشهر، وانتقل إلى بلدة ثانية في البقاع ليقيم في منزل قريب له، لعصر النفقات، وتحسباً لئلا يُدفع بدل الإيواء. ويضيف: «كانت الأمور واضحة منذ الصيف، حين توقف الحزب عن استكمال دفع بدلات الترميم؛ ما يشير إلى أزمة تعتريه، فاتخذت القرار قبل بدء الموسم الدراسي، لتجنب أي تقصير في دفع بدل إيجار منزلي».

مواطنون يتجمعون أمام مبنى مدمّر بالضاحية الجنوبية لبيروت إثر غارات إسرائيلية استهدفته قبل أشهر (أرشيفية - إ.ب.أ)

وفي السياق نفسه، ضغط سكان في منطقة المريجة بالضاحية، على الحزب لتدعيم أساسات مبنى تعرض لضربة عنيفة لكنه لم يسقط، كما ضغطوا على «جهاد البناء» لتركيب مصعد للبناية، لتجنب هدمه وبقائهم خارج منازلهم أوقاتاً طويلة، وتولى السكان إصلاح منازلهم على نفقتهم الخاصة، كي يتمكنوا من العودة، تحسباً لئلا يتلقوا بدلات الإيواء. وقال أحدهم إنه استدان نحو 20 ألف دولار، لإصلاح منزله، وذلك «لتخفيف الإيجارات في ظل تراجع إمكاناتي المادية».

وسدد «حزب الله» قسماً كبيراً من بدلات إعادة الترميم، في معظم المناطق، لكن الدفوعات اقتصرت على الوحدات السكنية نفسها، ولم تشمل الأقسام المشتركة، مثل إعادة طلاء المباني من الخارج، أو ترميم مداخل الأبنية، لكن الناس، لا تجد بديلاً سوى العودة إلى المنازل «لتجنب دفع الإيجارات».


مقالات ذات صلة

يوسف هاشم المُعَاقب أميركياً... أرفع قيادي بـ«حزب الله» تغتاله إسرائيل

المشرق العربي رجال أمن لبنانيون في موقع استهداف إسرائيلي للقيادي العسكري البارز في «حزب الله» يوسف هاشم في منطقة الجناح بمحيط بيروت (رويترز)

يوسف هاشم المُعَاقب أميركياً... أرفع قيادي بـ«حزب الله» تغتاله إسرائيل

يتصدّر القيادي البارز في «حزب الله» يوسف هاشم لائحة الشخصيات العسكرية التي اغتالتها إسرائيل منذ بدء الحرب القائمة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص سيدة تشارك في تشييع صحافيين قتلوا بغارة إسرائيلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

خاص رسالة خامنئي إلى قاسم: تأكيد المؤكد وإعلان سياسي للداخل والخارج

أتت الرسالة التي بعث بها خامنئي إلى قاسم في لحظة مفصلية من التصعيد الإقليمي

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي اجتماع سابق بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)

تحرك لبناني نحو تدخلات دولية تخرج مساعي وقف النار من الجمود

دخول الاتصالات اللبنانية لوقف الحرب المشتعلة مرحلةً من الجمود السياسي يعني حكماً أن كلمة الفصل تبقى للميدان بقرار من الفريقين المتحاربين...

محمد شقير (بيروت)
خاص رجال إطفاء يشاركون في إخماد نيران اندلعت في سيارات استهدفتها إسرائيل في منطقة الجناح بمحيط بيروت فجر الأربعاء وأسفرت عن اغتيال القيادي بـ«حزب الله» يوسف هاشم (أ.ب)

خاص «داتا إيران» ترشد إسرائيل إلى قيادات «حزب الله» في لبنان

كشف اغتيال القيادي البارز في «حزب الله» يوسف هاشم، فجر الأربعاء، عن ملامح اختراقات أمنية قال الحزب في وقت سابق إنه عالجها

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي أنقاض مبنى دمرته غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت 14 مارس 2026 (أ.ب)

1300 قتيل حصيلة الغارات الإسرائيلية على لبنان منذ بدء الحرب

تجاوزت حصيلة الغارات الإسرائيلية على لبنان منذ بدء الحرب مع «حزب الله» في الثاني من مارس (آذار)، 1300 قتيل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

يوسف هاشم المُعَاقب أميركياً... أرفع قيادي بـ«حزب الله» تغتاله إسرائيل

رجال أمن لبنانيون في موقع استهداف إسرائيلي للقيادي العسكري البارز في «حزب الله» يوسف هاشم في منطقة الجناح بمحيط بيروت (رويترز)
رجال أمن لبنانيون في موقع استهداف إسرائيلي للقيادي العسكري البارز في «حزب الله» يوسف هاشم في منطقة الجناح بمحيط بيروت (رويترز)
TT

يوسف هاشم المُعَاقب أميركياً... أرفع قيادي بـ«حزب الله» تغتاله إسرائيل

رجال أمن لبنانيون في موقع استهداف إسرائيلي للقيادي العسكري البارز في «حزب الله» يوسف هاشم في منطقة الجناح بمحيط بيروت (رويترز)
رجال أمن لبنانيون في موقع استهداف إسرائيلي للقيادي العسكري البارز في «حزب الله» يوسف هاشم في منطقة الجناح بمحيط بيروت (رويترز)

يتصدّر القيادي البارز في «حزب الله» يوسف هاشم، لائحة الشخصيات العسكرية التي اغتالتها إسرائيل منذ بدء الحرب القائمة، كونه يشغل موقع «قائد جبهة الجنوب» في الحزب، بعد أن كان يشغل موقع المسؤول العسكري والأمني للحزب في ملف العراق، في وقت وسّعت فيه إسرائيل دائرة تحذيراتها في لبنان من الضربات العسكرية والمسعفين والمنشآت المالية، إلى شخصيات تتهمها بالتعامل مع «حزب الله» في العمل المالي.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه قتل قائد جبهة الجنوب في «حزب الله» يوسف إسماعيل هاشم، وأن الهجوم قام به سلاح البحرية. وقال إنه كان «يتمتع بخبرة تزيد على 40 عاماً، ويُعد أحد الأعمدة الأساسية في (حزب الله)»، وكان مسؤولاً عن وحدات قتالية مهمة فيه خلال السنوات الماضية.

صورة للقيادي في «حزب الله» يوسف هاشم يتناقلها مقربون من «حزب الله» في مواقع التواصل الاجتماعي (متداول)

وقال مصدر أمني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «قيادياً كبيراً في (حزب الله)، وهو المسؤول العسكري والأمني عن ملف العراق، يدعى يوسف هاشم الملقب بالسيد الصادق، قتل في الضربة على منطقة الجناح في بيروت»، وذلك في ضربة قالت وزارة الصحة اللبنانية إنها أودت بسبعة أشخاص. وأوضح المصدر أن هاشم «كان في اجتماع مع عناصر آخرين في الحزب، داخل خيمة قرب عدّة سيارات».

وأكّد مصدر مقرب من «حزب الله» هذه المعلومات، مشيراً إلى أن هاشم هو «أرفع مسؤول يُستهدف منذ بدء الحرب». ونعى «حزب الله» أيضاً أحد عناصره ويدعى محمد باقر النابلسي، قتل في الغارة على الجناح.

لائحة العقوبات الأميركية

وهاشم مدرج على لوائح العقوبات الأميركية منذ عام 2018، بسبب عمله لحساب «حزب الله» أو لمصلحته، بحسب ما أفادت «الخزانة الأميركية» آنذاك. وقالت إنه «يتولى الإشراف على جميع الأنشطة العملياتية المتعلقة بـ(حزب الله) في العراق، كما أنه مسؤول عن حماية مصالح الحزب في العراق. كذلك، يهتم هاشم بتأمين الحماية لطباجة داخل العراق». ووفقاً للخزانة، تولّى هاشم أيضاً إدارة علاقات «حزب الله» مع مجموعات مذهبية مسلحة في العراق، بما في ذلك تنسيق نشر المقاتلين في سوريا.

لبناني يقف في موقع استهداف إسرائيلي للقيادي العسكري البارز في «حزب الله» يوسف هاشم في منطقة الجناح بمحيط بيروت (رويترز)

الأرفع رتبة عسكرية

ومنذ بدء الحرب، بات هاشم، المسؤول الأرفع رتبة بين القادة العسكريين الذين تم اغتيالهم، وهو بديل علي كركي الذي قتل في غارة إسرائيلية استهدفت أمين عام الحزب الأسبق حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت في 27 سبتمبر (أيلول) 2024.

ورغم الملاحقات والاغتيالات، وصلت إسرائيل في وقت سابق إلى مسؤول أدنى رتبة من هاشم؛ فقد قتل في 10 مارس (آذار) الماضي، قائد وحدة «نصر» في الحزب حسن سلامة.

وتنقسم جبهة الجنوب إلى 3 قطاعات، تعمل كل منها في وحدة مستقلة، هي: «وحدة نصر» و«وحدة عزيز» و«وحدة بدر»، حسبما يقول الإعلام الإسرائيلي، ويقود هاشم الوحدات الثلاث.

سيارة للشرطة في موقع استهداف إسرائيلي للقيادي العسكري البارز في «حزب الله» يوسف هاشم في منطقة الجناح بمحيط بيروت (رويترز)

تحذيرات للصرافين

ووسعت إسرائيل دائرة استهدافاتها وتحذيراتها في لبنان إلى «صرافي الأموال العاملين في خدمة (حزب الله)». وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، في تغريدة على حسابه في منصة «إكس»، إن الجيش الإسرائيلي «استهدف خلال الحرب مصادر تمويل (حزب الله) من خلال جمعية (القرض الحسن) وشبكات الوقود. مصدر آخر تم استهدافه هو شبكة الصرافين التي تُعد المصدر المالي الرئيسي والأهم لهذه المنظمة الإرهابية».

وتابع: «المدعوان محمد نور الدين وحسين إبراهيم يعملان صرافين رئيسيين لصالح (حزب الله)». ووجه «رسالة إلى صرافي الأموال العاملين في خدمة (حزب الله)»، قال فيها: «نظراً لنشاطكم في تمويل (حزب الله) يحذركم جيش الدفاع من أن استمراركم في تمويل (حزب الله) يعرّضكم للخطر». ودعا اللبنانيين إلى تجنب «أي تواصل مع صرافي (حزب الله)»، و«الابتعاد عنهم»، وذلك «من أجل سلامتكم»..

إعادة انتشار

وتتزامن الغارات الإسرائيلية الكثيفة مع إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أنه «مع انتهاء العملية، سيُقيم الجيش الإسرائيلي منطقة أمنية داخل لبنان، على خط دفاعي ضد الصواريخ المضادة للدبابات، وسيُحكم سيطرته الأمنية على المنطقة بأكملها حتى نهر الليطاني»، في عمق يمتد لمسافة تناهز 30 كيلومتراً من الحدود. وندّد وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى، في بيان، بتصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس «التي لم تعد مجرد تهديدات، بل تعكس نية واضحة لفرض احتلال جديد لأراض لبنانية».

وأمام التصعيد الإسرائيلي، أعلن الجيش اللبناني أنه «نفّذ عملية إعادة تموضع وانتشار» في جنوب لبنان، وذلك «نتيجة تصعيد العدوان الإسرائيلي على لبنان، ولا سيما في المناطق التي تشهد توغلاً معادياً في محيط البلدات الحدودية الجنوبية».

وأوضح مصدر عسكري لبناني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن قوات الجيش اللبناني انسحبت من نحو أربع بلدات، الثلاثاء، بينما لا تزال منتشرة في عدة قرى وبلدات في الجنوب.

وقال المصدر: «حيث يوجد توغل أو تقدم إسرائيلي نقوم بالإخلاء... لأنه حين يحصل توغل إسرائيلي قد يكون هناك احتمال حصول استهداف مباشر للجيش اللبناني... وإذا لم يحصل استهداف مباشر فهناك خطر أن يحاصر الجيش». وأفاد المصدر بأن الجيش الإسرائيلي توغّل حتى الآن بحدود عشرة كيلومترات في بعض النقاط في القطاع الغربي لجنوب لبنان.


رسالة خامنئي إلى قاسم: تأكيد المؤكد وإعلان سياسي للداخل والخارج

سيدة تشارك في تشييع صحافيين قتلوا بغارة إسرائيلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
سيدة تشارك في تشييع صحافيين قتلوا بغارة إسرائيلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

رسالة خامنئي إلى قاسم: تأكيد المؤكد وإعلان سياسي للداخل والخارج

سيدة تشارك في تشييع صحافيين قتلوا بغارة إسرائيلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
سيدة تشارك في تشييع صحافيين قتلوا بغارة إسرائيلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

أتت الرسالة التي بعث بها المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى الأمين العام لـ«حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، «تقديراً على تعازيه بمناسبة استشهاد (والده) قائد الثورة الإسلامية»، في لحظة مفصلية من التصعيد الإقليمي، ما يمنحها طابعاً سياسياً يجعلها تحمل رسائل مباشرة إلى الداخل والخارج. فإضافة إلى أنها بدت تأكيداً على ثبات العلاقة بين إيران والحزب وتثبيت موقعه ضمن الاستراتيجية التي تقودها طهران، فهي تحثّه على الاستمرار في المواجهة المفتوحة.

وفيما تجاهلت رسالة خامنئي الدولة اللبنانية، جاءت في وقت يسعى فيه المسؤولون في لبنان إلى «فك الارتباط» مع إيران التي فتح «حزب الله» الحرب على جبهة الجنوب إسناداً لها، وقامت بخطوات عدّة في هذا الإطار منها «طرد السفير الإيراني» وحظر الجناح العسكري للحزب.

«تأكيد المؤكد»

وفي هذا الإطار تختصر مصادر وزارية لبنانية قراءتها لرسالة المرشد الإيراني الجديد، بوصفها «تأكيداً للمؤكد». وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا تحمل الرسالة أي جديد، بل تأتي في سياق تثبيت واقع قائم ومعروف مسبقاً. فالعلاقة بين إيران و(حزب الله) لم تشهد في أي مرحلة فك ارتباط، بل بقيت ثابتة ضمن إطار الدعم المتبادل والتنسيق المستمر، وخير دليل على ذلك العمليات المشتركة التي تحصل في الحرب الجارية».

وترى المصادر أن «مضمون الرسالة ينسجم بالكامل مع الخطاب المعلن من الطرفين، ما يجعلها أقرب إلى إعادة تأكيد للمواقف القائمة»، مضيفة: «وبالتالي النقاش لم يعد مرتبطاً بالكلمات أو الصياغات، إذ إن جوهر العلاقة بات واضحاً ومكشوفاً وأصبح جزءاً من مشهد سياسي ثابت، يعكس نمطاً من التعاطي يتجاوز مفهوم الدولة التقليدية».

رسالة المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي إلى أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (متداولة)

وحدة المعركة وإدراج أميركا عدواً

وفي قراءته لما بين سطور الرسالة الإيرانية، يرى المحلل السياسي علي الأمين أنها تعكس بوضوح أن المعركة التي تخوضها إيران والتي يخوضها «حزب الله» هي واحدة في مواجهة العدو، كما ورد في توصيف مجتبى الخامنئي، ولا سيما في حديثه عن «الصمود والاستقامة أمام أعتى أعداء الأمة الإسلامية، من الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني». ويشير إلى أن «السردية التي تقدم بها فيما يتصل برموز (حزب الله) ورموز إيران الذين اغتالتهم إسرائيل، هي محاولة للتأكيد على النهج والمسار الواحد بين إيران و(حزب الله)»، «وإن لم يكن جديداً للمتابعين فإنه محاولة لتأكيد المسار الواحد والعلاقة الوثيقة وفي الوقت نفسه المصير الواحد فيما يتعلق بهذه الحرب».

ويضيف أن «ربما الجديد الذي تضفيه الرسالة هو إدراج أميركا باعتبارها عدواً بالمساواة نفسها مع إسرائيل»، وهو ما يظهر في خاتمة الرسالة عبر التأكيد على «هزيمة العدو الصهيوني الأميركي».

وفي رسالته خاطب خامنئي قاسم قائلاً: «إنه يقود اليوم الحركة في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ المقاومة، مؤكداً ثقته في حنكته وذكائه وشجاعته لإفشال مخططات العدو الصهيوني وسحقها، وإعادة الفخر والهناء للشعب اللبناني».

واختتم رسالته بالتأكيد على أن «سياسة إيران ثابتة على خطى الإمام الراحل والقائد الشهيد، تواصل دعم المقاومة ضد العدو الصهيوني والأميركي».

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

تغييب الدولة اللبنانية ومعاناة بيئة «حزب الله»

ويتوقف الأمين عند تجاهل الدولة اللبنانية في هذه الرسالة، ويقول: «ويبرز واضحاً أنه لم يتم التطرق في الرسالة إلى أي كلمة مرتبطة بالدولة اللبنانية، موضحاً: «هو يتحدث عن الشعب ولكن ليس عن الدولة التي لها سيادتها واحترامها»، بحيث يكتفي بالإشارة إلى «الشعب اللبناني» من دون أي ذكر للدولة. ويضيف أن «الحديث موجَّه إلى الحزب»، وهو ما يظهر أيضاً في مخاطبة الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، بالقول إنه «يقود اليوم الحركة في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ المقاومة».

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)

ويشير الأمين إلى أن «كل التركيز في الرسالة هو على المواجهة وعلى دور (حزب الله) وما يسميه المقاومة»، لافتاً إلى أنه «واضح تماماً أنه لا يأخذ بعين الاعتبار أي إشارة إلى وجود الدولة اللبنانية وسلطة رسمية ودولة صاحبة قرار».

من هنا يضيف الأمين «الرسالة لا تعير اهتماماً لكل ما أصاب لبنان من أضرار وتهجير وتدمير ونزوح... كان حرياً به أن يشير خصوصاً إلى هذه المعاناة عندما نتحدث عن أكثر من مليون نازح جلّهم من الطائفة الشيعية، وجزء أساسي منهم من مناصري الحزب الذين خرجوا من بيوتهم وتشردوا في أماكن متفرقة في لبنان».


تحرك لبناني نحو تدخلات دولية تخرج مساعي وقف النار من الجمود

اجتماع سابق بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
اجتماع سابق بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
TT

تحرك لبناني نحو تدخلات دولية تخرج مساعي وقف النار من الجمود

اجتماع سابق بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
اجتماع سابق بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)

دخول الاتصالات اللبنانية لوقف الحرب المشتعلة بين «حزب الله» وإسرائيل مرحلةً من الجمود السياسي يعني حكماً أن كلمة الفصل تبقى للميدان بقرار من الفريقين المتحاربين؛ ولكل منهما أسبابه وذرائعه، فإسرائيل تصر على نزع سلاح «حزب الله» بضوء أخضر من الولايات المتحدة الأميركية، في مقابل تمسك «الحزب» بوحدة المسار والمصير بينه وبين إيران، وعدم تجاوبه مع دعوة رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون، إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل على أن تبدأ بالتوصل إلى هدنة لئلا تُعقد تحت الضغط النار، وهي تلقى تأييداً من واشنطن على ألا تكون مقرونة بشروط مسبقة.

فالحرب الدائرة في جنوب لبنان باتت بحكم الواقع معلقةً على ما ستؤول إليه الحرب المشتعلة على الجبهة الإيرانية، وما إذا كانت الوساطات المتعددة الجنسية ستؤدي إلى تهيئة الأجواء أمام معاودة المفاوضات الأميركية - الإيرانية في ضوء إصرار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على إعطاء فرصة للجهود الرامية لوقفها، من دون أن يتعامل بالمثل مع المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله» التي بلغت ذروتها ولم يعد لها من ضوابط بتجاوزها الخطوط الحمر، ورفعت من منسوب المخاوف اللبنانية - الأوروبية من تحويل إسرائيل جنوب نهر الليطاني منطقةً محروقة منزوعة السلاح والبشر؛ لصعوبة العيش فيها بعد أن هجّرت إسرائيل أهلها ودمّرت بيوتهم.

مبنى تعرض لقصف إسرائيلي في منطقة «الحدث» الواقعة على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

ومع أن «حزب الله» كان تلقى تطمينات من إيران بأن وقف حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل سينسحب تلقائياً على لبنان وإلا فلن يرى النور، فإن مصادر دبلوماسية غربية تسأل عن مدى استعداد أميركا للتدخل لإلزام إسرائيل وقف النار في جنوب لبنان، فيما تصر على استئصال الجناح العسكري لـ«حزب الله» ونزع سلاحه، وترفض بحث أي اتفاق لوقف النار ما لم تحقق ما تصبو إليه بضوء أخضر أميركي.

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» من مصادر وزارية أن رئيسَي؛ الجمهورية العماد جوزيف عون، والحكومة نواف سلام، يصران على مواصلة اتصالاتهما لعلها تؤدي إلى استقدام مداخلات دولية لوقف النار في الجنوب، وإن كان لافتاً سفر السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، إلى واشنطن لتمضية عطلة عيد الفصح من جهة، ولمواكبة الاتصالات لوقف الحرب على الجبهة الإيرانية من جهة ثانية، مع أنه كان قال كلمته لأركان الدولة بوجوب نزع سلاح «حزب الله» شرطاً لا بد منه للضغط على إسرائيل لوقف النار.

وأكدت المصادر الوزارية أن عون يتمسك بدعوته إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وأنه لا يترك مناسبة إلا ويؤكد فيها صموده على موقفه لتمرير رسالة إلى المجتمع الدولي برفض لبنان أن يُربط مصيره بإيران، وأنه «لا بديل عن الخيار الدبلوماسي بالتفاوض مع إسرائيل، بعد أن أوصلتنا الخيارات العسكرية إلى ما نحن عليه الآن بانسداد الأفق للتوصل لوقف النار». ونفت ما تردد أخيراً من أنه يدرس تسمية أعضاء الوفد المفاوض بغياب أي ممثل للطائفة الشيعية، وقالت إنه «لا داعي للاستعجال وحرق المراحل ما دامت إسرائيل ترفض التجاوب حتى الساعة مع دعوته إلى مفاوضات مباشرة، وتصر على مواصلة حربها لنزع سلاح (حزب الله) بوصفه إحدى الأذرع الأساسية لـ(الحرس الثوري) في الإقليم، وهي تحظى بتأييد أميركي لا لبس فيه».

عناصر من الدفاع المدني اللبناني يعملون على إطفاء حريق في عدد من السيارات بعد غارة إسرائيلية (أ.ب)

ولفتت المصادر الوزارية إلى أن دولاً أوروبية تواجه مشكلة في التواصل مع قيادة الصف الثاني في «الحرس الثوري» في إيران خلفاً للصف الأول الذي اغتالت إسرائيل معظم أركانه. وقالت إنها «تبدي تشدداً بما يوحي بأن قرار الحرب والسلم بيدها، وأنه لا جدوى من الاتصالات مع رأس الدولة، أي رئيس الجمهورية وآخرين؛ لأنه لا قدرة لهم على تهذيب سلوك (الحرس) وتنعيمه بما يسمح بتحرير القرار اللبناني الذي أودعه إياه (حزب الله)، بدلاً من أن يضعه في عهدة الدولة اللبنانية ليكون في وسعها التفاوض لوقف الحرب في الجنوب».

على صعيد آخر، تأمل المصادر الوزارية أن «تستعيد الاتصالات الرئاسية في لبنان حرارتها بزوال الفتور الطارئ على علاقة عون وسلام برئيس المجلس النيابي، نبيه بري، على خلفية الخلاف الذي انتابها برفض الأخير قرار وزير الخارجية والمغتربين، يوسف رجّي، بِعدّه السفير محمد رضا شيباني، الذي انتدبته إيران لتمثيلها لدى لبنان، غير مرغوب فيه، أي إنه مرفوض لبنانياً، ومطالبته بسحب أوراق اعتماده».

وكشفت المصادر عن أن الشيباني كان دخل إلى بيروت بحصوله؛ بوصفه دبلوماسياً، على «سمة دخول» لمدة 6 أشهر، وقالت إن «وضعه سيبقى معلقاً بعدم التراجع عن القرار، في مقابل التريُّث في القيام بخطوة إلى الأمام، أي المطالبة بترحيله فوراً». وقالت إن «قرار وزارة الخارجية نَزَعَ عنه الحصانة الدبلوماسية، وهو يحتمي الآن بالحصانة التي يتمتع بها مبنى السفارة الإيرانية في بيروت؛ بوصفها تخضع لسيادة بلدها؛ مما يسمح له بالإقامة داخلها بوصفه مواطناً إيرانياً عادياً، وربما إلى حين انتهاء المدة الزمنية الممنوحة له للإقامة في لبنان». ومع أنه تردد أن البحث جارٍ للتوصل إلى مخرج للأزمة بين لبنان وإيران المترتبة على رفض اعتماد شيباني سفيراً، فقد اكتفت المصادر بالقول إن «الاتصالات أدت إلى إطفائها مؤقتاً، لوقف السجال الدائر بشأنها».

ورداً على سؤال، فقد أوضحت المصادر أن «فتور العلاقة على المستوى الرئاسي لم يمنع التواصل القائم بين عون وبري عبر المستشار الرئاسي؛ العميد المتقاعد آندريه رحال، الذي يتردد من حين إلى آخر على مقر بري». وأكدت أنه «لا بد من أن تستعيد الاتصالات الرئاسية حيويتها لمواكبة الظروف الصعبة والدقيقة التي يمر بها لبنان، وتستدعي تضافر الجهود على أعلى المستويات لاستقدام المداخلات الدولية لوقف الحرب التي لا دخل للبنان فيها، كما يقول عون وسلام في لقاءاتهما مع الموفدين العرب والأجانب إلى بيروت، وكان (حزب الله) تفرّد بها؛ بدءاً بإسناده غزة، وانتهاء بإيران، من دون العودة إلى الدولة التي يعود إليها وحدها قرار السلم والحرب».