أميركا تعود بقوة إلى الشرق الأوسط... من باب الحرب في غزة

قاعدة «سريّة» وحاملتا طائرات وأسراب هجومية وصواريخ مضادة للصواريخ وآلاف الجنود... للتدخل؟

TT

أميركا تعود بقوة إلى الشرق الأوسط... من باب الحرب في غزة

محطة إطلاق لنظام الدفاع الصاروخي الأميركي «ثاد» في إسرائيل (أ.ف.ب)
محطة إطلاق لنظام الدفاع الصاروخي الأميركي «ثاد» في إسرائيل (أ.ف.ب)

أدى الكلام المتكرر عن حجم الانتشار العسكري الأميركي المتزايد في الشرق الأوسط إلى تساؤلات عن الدور الذي تسعى الولايات المتحدة إلى الاضطلاع به على ضوء الحرب في غزة. كان قول الرئيس جو بايدن إنه لا يمكن العودة إلى ما ساد قبل هجمات «حماس» ضد إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، يشي بأن إدارته ترسم خططاً لليوم التالي.

دفعت التقارير عن هذا الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة، ومنها إنشاء قاعدة عسكرية أميركية سريّة في إسرائيل، نائبة الرئيس كامالا هاريس إلى التأكيد أن بلادها «لا تنوي على الإطلاق» نشر قوات في إسرائيل أو غزة. وقالت عبر شبكة «سي بي إس»: «ليست لدينا أي نية على الإطلاق، وليست لدينا أي خطط لإرسال قوات مقاتلة إلى إسرائيل أو غزة». وشددت على دعم حق إسرائيل في الدفاع عن النفس بموازاة الحرص على سلامة المدنيين، مضيفة أنه «من المهم للغاية ألا يكون هناك أي خلط بين (حماس) والفلسطينيين» الذين «يستحقون تدابير متساوية للسلامة والأمن وتقرير المصير والكرامة». ودعت ضمناً إسرائيل إلى «التزام قواعد الحرب وتدفق المساعدات الإنسانية».

أبعد من غزة

توحي الاتصالات الهاتفية المتكررة التي يجريها الرئيس بايدن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والإعلانات المتكررة من وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» والقيادة المركزية للقوات الأميركية، أن النقاشات تركز بالإضافة إلى التطورات في غزة وإطلاق الرهائن، مسائل تتعلق بإجراءات لمنع اتساع رقعة الحرب في اتجاهات كثيرة، بما في ذلك الحيلولة دون انفجار الوضع في الضفة الغربية والأراضي الفلسطينية المحتلة، أو امتداد شرارتها نحو لبنان، حيث ترتفع حدة الاشتباكات والصدامات عبر الخط الأزرق بين «حزب الله» وإسرائيل، ونحو سوريا التي تواجه مزيداً من الضربات الإسرائيلية مع عمليات إطلاق صواريخ عبر مرتفعات الجولان، فضلاً عن الأخطار الجسيمة الأخرى على الأمن الإقليمي بسبب الدور النشط الذي تضطلع به إيران في تسليح وتمويل الجماعات الموالية لها.

كررت هاريس تحذيرات بايدن لإيران من التورط في الوضع. وقالت: «لا تفعلوا ذلك. كلمة واحدة. واضحة للغاية».

هل ينذر ما يحصل بعودة أميركية إلى ملء الفراغ الاستراتيجي الذي أحدثه انكفاء الولايات المتحدة في خريطة الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط؟

قاعدة سريّة؟

يتجاوز الأمر إرسال حاملتي طائرات ونشر آلاف الجنود الأميركيين في محيط إسرائيل، إلى ما ينقل منذ أسابيع كثيرة، وحتى قبل هجوم «حماس» عن منح «البنتاغون» عقداً بملايين الدولارات لبناء منشآت للقوات الأميركية في قاعدة سريّة لها على قمة جبل هار كيرين في عمق صحراء النقب، على بُعد نحو 35 كيلومتراً فقط من غزة، علماً أن القاعدة القديمة التي تحمل اسم «الموقع 512» هي عبارة عن منشأة رادارية تتحسب لأي هجمات صاروخية ضد إسرائيل.

غير أن هذه المنشأة، وفقاً لموقع «إنترسبت»، لم ترصد في 7 أكتوبر الماضي، إطلاق آلاف الصواريخ من غزة نحو إسرائيل، لأن الرادارات فيها تركز على إيران، التي تبعد أكثر من 1100 كيلومتر. وأشار البنتاغون بصورة غير مباشرة إلى عقد المنشأة البالغة قيمتها 35.8 مليون دولار في إعلان صدر في 2 أغسطس (آب) الماضي. ولفت «إنترسبت» إلى أنه على الرغم من أن وزارة الدفاع «بذلت جهوداً كبيرة لإخفاء الطبيعة الحقيقية للموقع» الذي يوصف بأنه مجرد مشروع «مصنف عالمياً»، أظهرت وثائق الميزانية أنه «جزء من الموقع 512».

ونقل عن المحلل الكبير السابق في مركز مكافحة الإرهاب لدى لوكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» بول بيلار أنه «في بعض الأحيان يجري التعامل مع أمر ما بوصفه سراً رسمياً، ليس على أمل ألا يكتشفه الخصم أبداً، بل لأن الحكومة الأميركية لا تريد الاعتراف به رسمياً لأسباب دبلوماسية أو سياسية»، مضيفاً أنه لا معرفة لديه محددة بالقاعدة التي «ربما ستستخدم لدعم العمليات في أماكن أخرى في الشرق الأوسط، والتي يكون فيها أي اعتراف بأنها نُفذت من إسرائيل، أو تنطوي على أي تعاون مع إسرائيل، غير مريح ومن المرجح أن تثير ردود فعل سلبية أكثر من تلك التي أثارتها العمليات».

اعتراف نادر

لقطة من الجانب الإسرائيلي من الحدود مع قطاع غزة تظهر الدخان المتصاعد أثناء القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

 

وجاء الاعتراف النادر بالوجود العسكري الأميركي في إسرائيل في عام 2017، عندما افتتح موقع عسكري وصفته إذاعة «صوت أميركا» التي تمولها الحكومة الأميركية بأنه «أول قاعدة عسكرية أميركية على الأراضي الإسرائيلية».

يومها، وصف الجنرال في سلاح الجو الإسرائيلي تسفيكا هايموفيتش القاعدة بأنها «تاريخية»، قائلاً: «أنشأنا قاعدة أميركية في دولة إسرائيل». وبعد يوم واحد، نفى الجيش الأميركي أن تكون تلك القاعدة أميركية، مصراً على أنها مجرد «منشأة حية» لأفراد الخدمة الأميركية العاملين في قاعدة إسرائيلية.

قوات ضاربة

ويعتقد على نطاق واسع أن هذه المنشأة التي تتسع لألف جندي مخصصة للتعامل ليس مع التهديد الذي تشكله الفصائل الفلسطينية المسلحة، ولكن الخطر الناجم عن الصواريخ الإيرانية المتوسطة المدى. وتضاعف الهاجس الأمني هذا ليدفع «البنتاغون» إلى توسيع وجوده بشكل كبير في الشرق الأوسط، عبر مضاعفة الولايات المتحدة عدد طائراتها المقاتلة في المنطقة مع نشر حاملتي طائرات قبالة سواحل إسرائيل، الأولى هي «يو إس إس جيرالد فورد» التي تضم نحو خمسة آلاف جندي من مشاة البحرية (المارينز)، ومجموعة من السفن الحربية المرافقة، ومنها ما لا يقل عن طراد صواريخ ومدمرتين وعشرات الطائرات، بما في ذلك المقاتلات النفاثة. وكان وزير الدفاع لويد أوستن وجه أيضاً حاملة الطائرات الأخرى «يو إس إس دوايت أيزنهاور»، والسفن المرافقة لها التي وصلت أخيراً إلى البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى السفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس باتان»، التي تحمل أفراداً من وحدة المشاة البحرية السادسة والعشرين.

وبذلك يصل عدد الجنود الأميركيين إلى أكثر من عشرة آلاف. وكذلك وضع الجيش الأميركي حتى الآن نحو ألفي فرد ومجموعة في حالة استعداد عالية للانتشار دعماً لإسرائيل. كما أعلن «البنتاغون» خلال الساعات الماضية إرسال 900 عنصر من وحدات التدخل السريع، في وحدات ملحقة بأنظمة الدفاع الجوي بغية «دعم جهود الردع الإقليمية ومواصلة تعزيز قدرات حماية القوات الأميركية»، طبقاً للناطق باسم «البنتاغون» الجنرال بات رايدر.

 

مقاتلات من طرازات مختلفة تحلق فوق حاملة الطائرات «يو إس إس دوايت أيزنهاور» (أ.ف.ب)

أي دور؟

وشدد مسؤولو الدفاع الأميركيون على أن أمر الاستعداد الأولي للانتشار أن القوات ليس المقصود منها الخدمة في أدوار قتالية، بل هي مكلفة بمهام مثل تقديم المشورة والدعم الطبي. وقال مسؤولون أميركيون إن «البعض قد يدخل إسرائيل لدعم القوات الإسرائيلية»، علماً أن الولايات المتحدة أرسلت ثلاثة جنرالات من ذوي الخبرة في قتال جماعات مثل «داعش» لتقديم المشورة.

وفي غضون ذلك، يسرع «البنتاغون» نشر نحو عشرة من أنظمة الدفاع الصاروخي في المنطقة لحماية القوات الأميركية من الصواريخ وغيرها مما يمكن أن يستهدف القوات الأميركية، بما في ذلك القوات العاملة في العراق وسوريا والأردن والكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس دوايت أيزنهاور» (أ.ف.ب)

ويشمل التعزيز العسكري هذا نظام الدفاع الصاروخي على الارتفاعات الشاهقة «ثاد»، و12 من بطاريات صواريخ «باتريوت»، فضلاً عن نحو 11 سرباً من الطائرات المقاتلة من طرازات «إف 15» و«إف 16» و«إف آي 18» ومقاتلات هجومية من طراز «آي 10».

ويضاف إلى كل ذلك، الدعم العسكري الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل، ويشمل زيادة في الذخيرة والصواريخ الاعتراضية لتجديد نظام القبة الحديدية الإسرائيلي. كما طلب البيت الأبيض من الكونغرس مبلغ 14 مليار دولار لدعم إسرائيل، معظمه للأسلحة، علماً أن الجيش الإسرائيلي يحظى أصلاً بسنوات طويلة من المساعدات العسكرية الأميركية، تصل إلى 3.8 مليار دولار سنوياً، مع مليار دولار من مبيعات الأسلحة المباشرة.


مقالات ذات صلة

واشنطن تدرس نشر 10 آلاف جندي إضافي في الشرق الأوسط

شؤون إقليمية صورة عامة لمبنى «البنتاغون» في العاصمة واشنطن (أ.ب)

واشنطن تدرس نشر 10 آلاف جندي إضافي في الشرق الأوسط

تدرس الولايات المتحدة إرسال ما لا يقل عن عشرة آلاف جندي إضافي إلى الشرق الأوسط في الأيام المقبلة، حسب ما ذكرت وسائل إعلام أميركية الجمعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شرطي أميركي وأحد عناصر القوات الجوية بدورية بعد العثور على جسم مشبوه قرب قاعدة ماكديل في تامبا بولاية فلوريدا الأميركية 18 مارس 2026 (رويترز)

توجيه تهم لشخصين بعد العثور على عبوة ناسفة خارج قاعدة عسكرية في فلوريدا

وجهت محكمة أميركية تهماً لرجل فر إلى الصين وشقيقته بعد وضع شحنة متفجرة خارج بوابة لقاعدة ماكديل للقوات الجوية في تامبا بولاية فلوريدا هذا الشهر>

«الشرق الأوسط» (فلوريدا)
المشرق العربي أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب) p-circle

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

فوق أنقاض مستوصف عسكري بغرب العراق صار ركاماً بعد غارة جوية، يقف أحمد مع اثنين من زملائه العاملين في الوحدة الطبية، غير مصدّقين أنهم نجوا من غارة.

«الشرق الأوسط» (الحبانية)
العالم أشخاص يجتمعون خلال عرض لشركة «بي إيه إي سيستمز» البريطانية للصناعات العسكرية في هانتسفيل بولاية ألاباما الأميركية 28 مارس 2023 (رويترز)

شركة بريطانية للصناعات الدفاعية توقّع عقداً ﻟ7 سنوات مع «البنتاغون»

أعلنت شركة الصناعات العسكرية البريطانية «بي إيه إي سيستمز»، الأربعاء، توقيعها اتفاقية إطارية مدتها 7 سنوات مع وزارة الحرب الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي فرق الدفاع المدني تنتشل جثث جنود عراقيين داخل قاعدة الحبانية (إعلام أمني)

«صلاحيات حرب» في بغداد... وتصعيد أميركي متسارع

كثفت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما الجوية خلال الأيام الـ5 الماضية على مواقع «الحشد الشعبي» التي طالت أيضاً الجيش العراقي؛ ما أسفر عن عشرات القتلى والجرحى.

حمزة مصطفى (بغداد)

صواريخ «حزب الله» تُهدد الطيران المدني

دخان يتصاعد من أحد المباني في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد المباني في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (أ.ب)
TT

صواريخ «حزب الله» تُهدد الطيران المدني

دخان يتصاعد من أحد المباني في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد المباني في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (أ.ب)

في تطور لافت يعكس تحوّلاً في طبيعة المواجهة، أعلن «حزب الله» تنفيذ عمليات متتالية في المجال الجوي اللبناني، تمثّلت في إطلاق صاروخ أرض-جو باتجاه طائرة حربية إسرائيلية في سماء بيروت يوم الجمعة، ومن ثم «التصدي لطائرة استطلاع من نوع (RC12) في أجواء البقاع الغربي، كما في أجواء الجنوب».

وفي حين يعكس استخدام صواريخ أرض-جو، سعياً من قبل «حزب الله» إلى تقليص حرية الحركة الجوية، فإن هذه الخطوة من شأنها أن تُشكّل خطراً على الطيران المدني في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، لا سيما أنه من المرجّح أن يكون الصاروخ أطلق يوم الجمعة من الضاحية الجنوبية لبيروت، أي من محيط المطار.

بيئة مدنية حساسة

ورغم أن إسرائيل كانت قد أدخلت العاصمة بيروت ضمن دائرة الاستهداف عبر الغارات التي تُطلقها في مختلف مناطقها، وتقول إنها تستهدف قياديين في «حزب الله» و«الحرس الثوري» و«فيلق القدس»، فمن شأن الخطوة التي قام بها «حزب الله» أن تزيد من خطورة هذه التطورات بالنظر إلى أماكن تنفيذها، إذ إن إطلاق الصاروخ من محيط المطار يضع العمليات العسكرية ضمن نطاق مدني مكتظ. وهذا يرفع احتمالات الأضرار الجانبية، سواء نتيجة الاستهداف المباشر أو أي رد محتمل.

مطار رفيق الحريري الدولي في العاصمة بيروت (أرشيفية)

وهذا الأمر يتحدث عنه اللواء الركن المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي، مشيراً إلى أن «وجود مثل هذه الصواريخ في محيط مطار بيروت يشكّل خطراً جدياً على سلامة الطيران المدني، مستذكراً حادثة إسقاط طائرة مدنية في إيران نتيجة إطلاق صاروخ عن طريق الخطأ، وما أسفرت عنه من ضحايا».

تقييم القدرات الصاروخية

ويلفت شحيتلي الذي كان قد تولّى مهمة متابعة سقوط الطائرة الأثيوبية في بيروت عام 2010 مع المديرية العامة للطيران المدني، إلى «أن المعطيات المتوفرة حتى الآن لا تكفي لتحديد حجم منظومة الصواريخ المضادة للطيران لدى «حزب الله»، ولا طبيعة انتشارها الجغرافي، سواء أكانت محدودة أم واسعة النطاق، كما لا يزال نوع أنظمة التوجيه المستخدمة فيها غير واضح».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن ثمة فارقاً جوهرياً بين الصواريخ التي تعتمد على التوجيه الحراري، مثل صواريخ «سام 7» التي تتعقب حرارة الطائرة تلقائياً، والصواريخ الموجهة التي يتم التحكم بها مباشرة، معتبراً أن تحديد هذه النقطة أساسي لتقدير مستوى التهديد الفعلي.

دور الرادارات والتحليل التقني

من هنا، يرجّح شحيتلي أن تكون المديرية العامة للطيران المدني قد بادرت إلى إعادة تقييم الوضع في ضوء هذا التطور، مشيراً إلى أن الكوادر المختصة في المديرية تمتلك الخبرة الكافية لاتخاذ قرارات مناسبة استناداً إلى معطيات دقيقة، لافتاً إلى «أن رادارات المطار قادرة على تتبع مسار الصاروخ، وتحديد نقطة إطلاقه والمسافة التي قطعها قبل انفجاره، ما يساعد في تصنيفه من حيث المدى (قصير، متوسط أو بعيد) وآلية التوجيه».

الدخان يتصاعد من ضاحية بيروت الجنوبية إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (رويترز)

إجراءات محتملة للحد من المخاطر

وأشار إلى أن هذه المعطيات تتيح للجهات المعنية تحليل طبيعة التهديد وتقدير مخاطره، وعلى أساسها اتخاذ الإجراءات اللازمة، سواء عبر تعديل مسارات الطيران أو اعتماد تدابير تشغيلية جديدة.

وأوضح: «إن من بين الإجراءات الفورية المحتملة اعتماد مسارات جوية فوق البحر بدلاً من اليابسة، واستخدام المدرج الغربي حصراً للإقلاع والهبوط مع تعليق العمل بالمدرج الشرقي، وذلك للحد من المخاطر».


تقدّم إسرائيلي في جنوب لبنان تحت النار… و«الأرض المحروقة»

مبانٍ متضررة من جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
مبانٍ متضررة من جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

تقدّم إسرائيلي في جنوب لبنان تحت النار… و«الأرض المحروقة»

مبانٍ متضررة من جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
مبانٍ متضررة من جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

يتّسع نطاق المواجهة في لبنان بوتيرة متسارعة، مع انتقال العمليات من ضغط ناري واسع إلى محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض. وبين كثافة الغارات والتقدم البري التدريجي، يبرز نهر الليطاني كخط تماس متقدّم، فيما تتكامل الإنذارات بالإخلاء مع سياسة التدمير المنهجي لإعادة رسم الجغرافيا العسكرية والديموغرافية في الجنوب، في مشهد يعكس تحوّل المواجهة إلى حرب متعددة المستويات.

بالتوازي، أبلغ وزير الدفاع اللبناني الحكومة بأن القوات الإسرائيلية تقدّمت لمسافة تُقدَّر بنحو 8 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وبدأت بهدم منازل في القرى التي دخلتها، في خطوة تهدف إلى منع عودة السكان وتثبيت واقع ميداني طويل الأمد.

وفي السياق نفسه، أعلن بنيامين نتنياهو أن قواته «في طور توسيع المنطقة العازلة في جنوب لبنان»، مضيفاً: «أنشأنا منطقة أمنية حقيقية تمنع أي تسلل باتجاه الجليل والحدود الشمالية»، في مؤشر واضح إلى توجه إسرائيلي لفرض شريط أمني بالقوة.

وقبل الظهر، وسّع الجيش الإسرائيلي نطاق الضغط عبر إنذارات بالإخلاء الفوري لسكان سبع قرى جنوبية، طالباً انتقالهم إلى شمال نهر الزهراني، شملت معشوق، برج الشمالي، الرشيدية، دير كيفا، قعقعية الجسر، وادي جيلو والبص.

تصعيد واسع: قصف مكثف ومحاولة تثبيت

يتواصل القصف الإسرائيلي بعنف مستهدفاً القليلة (155 ملم) وقلاويه وسهلي القليلة ورأس العين، مع غارات ومسيّرات طالت دردغيا والمجادل والمنصوري والحنية، وامتدت إلى كفرا وحاريص وبيت ليف وصربين، إضافة إلى زفتا والنبطية ودير الزهراني وجويا والشهابية وعدلون والبقاع الغربي، وصولاً إلى ضربة فجر السبت على أوتوستراد هادي نصر الله في الضاحية.

بالتوازي، أُطلق أكثر من 70 صاروخاً نحو الطيبة، وسط محاولة تقدم إسرائيلية باتجاه الليطاني تحت غطاء جوي كثيف، ما يعكس انتقال العمليات إلى مرحلة تثبيت خطوط تماس.

وفي هذا السياق، تتركّز المواجهات على التلال الحاكمة، حيث سُجّلت اشتباكات في محيط البياضة وشمع، في محاولة للسيطرة النارية على المرتفعات المشرفة جنوباً، بما يربط بين الضغط الجوي ومحاولات التقدّم البري.

البياضة وشمع: تقدّم واشتباكات على التلال الحاكمة

وفي قراءة ميدانية متقاطعة، نقلت مصادر مطّلعة أن التحركات الإسرائيلية تتركّز على محاور مرتفعة ذات أهمية استراتيجية، وفي مقدّمها تلة البياضة الواقعة شمال الناقورة، التي تُشرف على الأوتوستراد الساحلي بين الناقورة وصور.

حطام متناثر يغطي أحد الشوارع في موقع غارة جوية إسرائيلية في بلدة السكسكية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأوضحت المصادر أن القوات الإسرائيلية وصلت إلى منطقة البياضة وتقدّمت باتجاهها، بالتوازي مع وصولها إلى مشارف بلدة شمع، حيث تدور اشتباكات في محيطهما، في إطار محاولة تثبيت نقاط سيطرة نارية على التلال المشرفة.

وأضافت أن السيطرة على هذه المرتفعات، أو حتى تثبيت إشراف ناري عليها، تتيح عملياً قطع المحاور الحيوية وعزل مناطق الساحل، ولا سيما الناقورة، عن عمقها، في سياق سعي تدريجي لفرض نطاق سيطرة مترابط يمتد من الساحل إلى الداخل.

وعدّت أن هذا النمط من التقدم يقوم على تثبيت نقاط نارية تدريجية وربطها جغرافياً، بما يسمح بفرض واقع ميداني متماسك قبل أي توغّل أوسع.

التقدّم البطيء... ومعركة وجودية

في قراءة عسكرية للتطورات الميدانية في جنوب لبنان، رأى العميد المتقاعد جورج نادر، عبر «الشرق الأوسط» أن إسرائيل «استخلصت دروساً عميقة من حرب عام 2006، لا سيما فيما يتعلق بالقتال المتقارب، حيث تكبّدت خسائر كبيرة أمام مقاتلي (حزب الله)»، لافتاً إلى أنها «تخلّت منذ ذلك الحين عن الاندفاع السريع نحو الاشتباك المباشر، واعتمدت بدلاً من ذلك استراتيجية التقدم البطيء والمدروس، المترافق مع قوة نارية هائلة تهدف إلى تدمير البيئة القتالية قبل دخولها».

وأضاف أن ما يُعرف إعلامياً بـ«سياسة الأرض المحروقة يعبّر فعلياً عن واقع ميداني قائم، حيث تتجنب القوات الإسرائيلية دخول أي بلدة قبل إخضاعها لتدمير شبه كامل باستخدام مختلف الوسائط الجوية والبرية والبحرية»، عادّاً أن «هذا النمط من العمليات يفسّر بطء التقدم الإسرائيلي مقابل حجمه التدميري الكبير».

الدمار في ضاحية بيروت الجنوبية بعد غارة استهدفت مبنى ليلاً (رويترز)

وفي توصيفه لحجم القوات المنخرطة، أشار إلى أن «إسرائيل تدفع بقوات ضخمة إلى الجنوب، إذ تعمل على عدة محاور باستخدام فرق عسكرية متكاملة، يتراوح عدد كل منها بين 15 و18 ألف جندي، ما يعني وجود عشرات آلاف المقاتلين في الميدان، إلى جانب مئات آلاف عناصر الاحتياط الجاهزين للاستدعاء»، موضحاً أن «هذا الحشد يعكس استعداداً لحرب طويلة ومفتوحة».

ورأى نادر أن «المعركة بالنسبة إلى إسرائيل تأخذ طابعاً وجودياً، وكذلك بالنسبة إلى (حزب الله)، ما يرفع منسوب التصعيد ويجعل الميدان هو العامل الحاسم في رسم مسار المفاوضات وحدودها»، مضيفاً أن «القرار الفعلي يُصنع اليوم في الجبهة، لا على طاولات السياسة».

وعن ذكر استخدام «العبوات الناسفة» في بيانات «حزب الله» الذي بدأ يوم الجمعة، عدّ نادر هذا التطور «مؤشراً واضحاً على انتقال القتال إلى داخل القرى، أي إلى نطاق الاشتباك المباشر»، موضحاً أن «التسمية الأدق عسكرياً هي الألغام المضادة للأفراد والآليات، التي تُزرع غالباً خلال الانسحاب بهدف إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف القوات المتقدمة».

وأشار إلى أن «القوات الإسرائيلية باتت تتحرك ضمن ما يُعرف عسكرياً بالأنساق القتالية، وقد تقدّمت من الخطوط الأمامية إلى ما يشبه النسق الثاني، مع احتمال التمدد نحو النسق الثالث وصولاً إلى شمال نهر الليطاني»، لافتاً إلى أن «استهداف الجسور وتدميرها يندرجان في إطار قطع خطوط الإمداد بين شمال الليطاني وجنوبه».

صحافي لبناني يحمل معدات تابعة لمراسل تلفزيون «المنار» علي شعيب ومراسلة قناة «الميادين» فاطمة فتوني اللذين استهدفا بغارة إسرائيلية على طريق جزين السبت (أ.ب)

وفيما يتعلق بالإنذارات التي يوجهها الجيش الإسرائيلي إلى السكان، رأى نادر أنها «لا تندرج فقط في إطار الإجراءات العسكرية، بل تشكّل أداة ضغط نفسي واجتماعي تهدف إلى دفع السكان نحو النزوح، بما يؤدي إلى خلق أزمات داخلية إضافية»، موضحاً أن «التهجير القسري، حتى لو تم تحت عنوان التحذير، يضع المجتمعات المحلية أمام تحديات معيشية واجتماعية معقّدة قد تثير مشاكل داخلية تستفيد منها إسرائيل».

ورأى أنّ «إسرائيل ماضية في توظيف كامل قدراتها التدميرية، مستفيدة من غطاء دولي واسع، ما يرجّح استمرار العمليات لفترة مفتوحة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب احتواء التصعيد».


محاولة غير مضمونة لانتخاب رئيس جديد للعراق

البرلمان العراقي مجتمعاً لمناقشة الأوضاع الأمنية (إكس)
البرلمان العراقي مجتمعاً لمناقشة الأوضاع الأمنية (إكس)
TT

محاولة غير مضمونة لانتخاب رئيس جديد للعراق

البرلمان العراقي مجتمعاً لمناقشة الأوضاع الأمنية (إكس)
البرلمان العراقي مجتمعاً لمناقشة الأوضاع الأمنية (إكس)

رغم توقيع ثلثي أعضاء البرلمان العراقي على رسالة موجّهة إلى رئاسة البرلمان لتخصيص جلسة يوم الاثنين لانتخاب رئيس الجمهورية، فإن الاتجاهات السياسية العامة في البلاد لا تشجّع كثيراً من المراقبين على التفاؤل بحسم ملف تشكيل الحكومة، الذي طال انتظاره لأكثر من 5 أشهر، خصوصاً في ظل الحرب الإقليمية المشتعلة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

وحسب رسالة قدّمها 220 من أصل 329 نائباً في البرلمان، الجمعة، وأوضحوا فيها أنهم يمثلون ثلثي أعضاء البرلمان اللازمة لتمرير انتخاب رئيس الجمهورية، وطالبوا بعقد جلسة الاثنين لهذا الغرض، فإن «استمرار شغور هذا المنصب يُمثّل تعطيلاً لمسار الاستحقاقات الدستورية، ويؤثر سلباً على انتظام عمل السلطات الدستورية، الأمر الذي يستوجب الإسراع في استكمال هذا الاستحقاق الوطني المهم، بما يضمن استقرار العملية السياسية، ويُعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة والنواب الذين يمثلونهم».

وأكد الموقّعون، «ضرورة إدراج فقرة انتخاب رئيس الجمهورية ضمن جدول أعمال الجلسة المذكورة، واتخاذ كل الإجراءات اللازمة لضمان انعقادها في الموعد المحدد».

محاولة غير مضمونة

في المقابل، تتحدث العديد من المصادر السياسية عن عدم نجاح المجلس في تمرير عملية انتخاب الرئيس، الاثنين، بالنظر إلى معارضة قوى وأحزاب وازنة في البرلمان، من بينها ائتلاف «دولة القانون» بزعامة المالكي، والحزب «الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود برزاني، وفقاً للمصادر.

من جهته، أعلن النائب الأول لرئيس مجلس النواب عن «عصائب أهل الحق»، عدنان فيحان الدليمي، يوم السبت، في بيان، أن هيئة رئاسة المجلس تسعى إلى عقد اجتماع «مهم» مع رؤساء الكتل السياسية خلال الأسبوع الحالي، للتباحث بشأن التوصل إلى توافق على تحديد موعد لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية.

وأكد الدليمي «عزم السلطة التشريعية على الاضطلاع بمسؤولياتها الدستورية، والمضي قدماً في استكمال ما تبقّى من الاستحقاقات الوطنية».

وأوضح أن «الظروف الحرجة التي تشهدها المنطقة عموماً، والعراق على وجه الخصوص، تفرض على القوى السياسية التي تُمثل مكونات المجتمع العراقي أن تتحمل مسؤولياتها في دعم خطوة رئاسة وأعضاء مجلس النواب، وجعل مصلحة البلد فوق كل اعتبار، والإسراع في إنجاز هذا الاستحقاق الدستوري».

وما زال الأمر متوقفاً على ما يقرره رؤساء الكتل السياسية قبل التوجه إلى قبة البرلمان. وحتى مع الأحاديث المتداولة بشأن إمكانية انتخاب نزار أميدي عن حزب «الاتحاد الوطني» لمنصب رئيس الجمهورية، وتكليفه محمد السوداني بتشكيل الحكومة لدورة وزارية ثانية، فإن مصادر مقربة من «دولة القانون» ترى أن «لا شيء مؤكداً حتى الآن».

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط»، إن «تحرك بعض النواب هدفه الاستعراض وإظهار بعض الحرص، لكن الواقع يُشير إلى عدم إمكانية تمرير رئيس الجمهورية خلال هذه الفترة، إذ لا يوجد اتفاق سياسية رصين يمكن التعويل عليه».

ويشير المصدر ضمناً إلى «بقاء الأمور على حالها لحين انتهاء الحرب الإقليمية الحالية، خصوصاً مع عدم حسم المرشح لمنصب رئاسة الوزراء داخل قوى الإطار ورئاسة الجمهورية داخل القوى الكردية»، وهو الموقف الذي سبق أن عبّرت عنه شخصيات عديدة داخل قوى «الإطار التنسيقي» وربط مسألة تشكيل الحكومة بمآلات الحرب الدائرة والطرف الذي سيحسمها لصالحه.

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

وتتضارب التقارير والتسريبات المتعلقة بجلسة الاثنين بشكل كبير، سواء من حيث الكتل والقوى السياسية التي ستشارك أو تلك التي ستمتنع عن الحضور، حتى مع انضمام رئيس البرلمان، هيبت الحلبوسي، إلى الجهات المطالبة بحسم منصب رئاسة الجمهورية.

وتُشير تقارير صحافية إلى أن الكتل المتوقع حضورها في الجلسة تشمل الكتلة التي يتزعمها رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد السوداني، والتي تضم 45 نائباً، إلى جانب كتل «تقدّم» و«الاتحاد الوطني» الكردستاني و«صادقون»، وتُمثل جميعها ما مجموعه 137 نائباً، أي أقل بكثير من الثلثين المطلوبين في البرلمان لانتخاب رئيس الجمهورية.

وتلفت التقارير إلى أن معارضة ذلك وعدم حضور جلسة الاثنين تتأتى من كتل «دولة القانون» و«بدر» والحزب «الديمقراطي الكردستاني»، وقوى أخرى لها نحو 131 نائباً في البرلمان. الأمر الذي يُعزز من قناعة المشككين بجلسة الاثنين.

كان رئيس مجلس النواب العراقي، هيبت الحلبوسي، قد أكد مساء الجمعة، أن المجلس سيتحمل مسؤوليته الدستورية، ويمضي نحو انتخاب رئيس الجمهورية وفق الدستور.