قواعد قتالية مختلفة تكبّد «حزب الله» خسائر بشرية كبيرة

50 قتيلاً للحزب وحلفائه على جبهة جنوب لبنان

تشييع عنصر من «حزب الله» في بعلبك شرق لبنان (رويترز)
تشييع عنصر من «حزب الله» في بعلبك شرق لبنان (رويترز)
TT

قواعد قتالية مختلفة تكبّد «حزب الله» خسائر بشرية كبيرة

تشييع عنصر من «حزب الله» في بعلبك شرق لبنان (رويترز)
تشييع عنصر من «حزب الله» في بعلبك شرق لبنان (رويترز)

فرضت حرب إسرائيل على غزّة واقعاً جديداً على إدارة المعركة بينها وبين «حزب الله»، ودفعت الأخير لاعتماد استراتيجية العمليات المحدودة المختلفة عن نمط الحروب السابقة، لا سيما أن الفريقين خرقا «قواعد الاشتباك» السائدة منذ حرب عام 2006، وتكبدا خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات العسكرية.

وعلى مدى أسبوعين سقط حوالي 50 قتيلاً على الجانب اللبناني، بينهم 27 مقاتلاً لـ«حزب الله»، والباقون لحلفائه من فصائل فلسطينية ولبنانية، وهذا العدد من الضحايا يعدّ مرتفعاً.

ويشدد مدير مركز «المشرق للشؤون الاستراتيجية» الدكتور سامي نادر، على أن «(حزب الله) غير مستعدّ الآن للدخول بحرب مدمرة يعرف أن تداعياتها ستكون كبيرة عليه وعلى لبنان، كما أنه وجد نفسه أمام هذه المواجهة من دون تنسيق مسبق معه، إذ إنه لم يكن شريكاً في عملية (طوفان الأقصى) ولم يختر توقيتها أو يتحضّر لها، بدليل انتقاد خالد مشعل لحلفائه في محور المقاومة».

ويتابع نادر: «لا شكّ أن (حزب الله) محرج الآن، لأنه إذا أخذ مسافة عن (حماس) سيُلام من الرأي العام العربي والإسلامي، وإذا اندفع إلى المواجهة سيقع في الفخّ الذي تريده إسرائيل».

قواعد قتال جديدة

الخسائر البشرية المرتفعة لدى «حزب الله» مبنيّة على قواعد قتال مختلفة عمّا كان يعتمده في السابق، وفق تقدير الخبير العسكري والاستراتيجي العميد خالد حمادة، الذي يعدُّ أن «ما يجري من مواجهات بين لبنان وإسرائيل يندرج ضمن قواعد اشتباك جديدة فرضتها التطورات في غزّة».

تشييع أحد عناصر «حزب الله» في ضاحية بيروت الجنوبية الاثنين (أ.ف.ب)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «العمليات العسكرية تدور بين مواقع ظرفية لـ(حزب الله) في المناطق المتاخمة للشريط الحدودي، وبين مواقع إسرائيلية لا تبعد أكثر من كيلو متر واحد عن لبنان». ويلاحظ أنه «في حرب الـ2006، اعتمد الحزب على غزارة الصواريخ التي أطلقها على العمق الإسرائيلي، وعلى انتظار العدو ليتوغّل وينصب له الكمائن»، لافتاً إلى أن «قتال المواقع الذي يحصل الآن لا يتفق مع قواعد تدريب (حزب الله) ولا مع سياسة القوات غير النظامية التي تستخدم عمليات التسلل والتفجير والمباغتة»، مشدداً على أن الحزب «لا يعتمد تكتيك الجيوش الكلاسيكية، وهذا الفنّ الذي لا يتقنه نهائياً يكبّده هذا العدد من الخسائر البشرية».

تدمير أبراج المراقبة

وفرض تدمير «حزب الله» أبراج المراقبة الإسرائيلية المنصوبة على الحدود مع لبنان واقعاً جديداً من المواجهة بين الطرفين، إذ أفقدها أبرز أدوات المراقبة والتنصّت ورصد التحركات على طول الحدود مع لبنان، لكنّ نادر يعد أن «تدمير هذه الأبراج لا يعني أن إسرائيل فقدت وسائل الرقابة، فلديها التقنيات البديلة الكافية من طائرات تجسس واستطلاع التي لا تغيب عن أجواء الجنوب، خصوصاً المناطق المحاذية للشريط الحدودي»، لافتاً إلى أن «البوارج الأميركية تمتلك تقنيات هائلة لرصد أي تحرّك وبما يخدم إسرائيل».

تشييع أحد عناصر «حزب الله» في ضاحية بيروت الجنوبية الاثنين (أ.ف.ب)

استراتيجية ردع

وفيما ترتفع الأصوات المنتقدة لانكفاء «حزب الله» عن الانخراط في حرب تخفف من وطأة الضغط الإسرائيلي على قطاع غزّة، وتخفف من المجازر التي ترتكب بحق المدنيين، ثمّة من يطالبه بعدم أخذ البلد إلى حربٍ مدمرةٍ، وبرأي المنسّق السابق للحكومة اللبنانية لدى قوات «اليونيفيل» العميد منير شحادة، فإن «(حزب الله) يعتمد سياسة ردع للعدو من دون توريط لبنان في حرب لها تداعياتها ونتائجها على الأرض». ويعدُّ في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «حسابات حرب عام 2006 تختلف عن حسابات حرب جديدة، فالحزب يدرك جيداً أن الوضع الاقتصادي اللبناني لا يحتمل الانخراط بحرب شاملة، ومنذ عملية (طوفان الأقصى) تعلو الأصوات التي تناشد وتحذر من أخذ لبنان في الحرب، لكن هذا لا يعني أنه إذا فرضت الحرب لن يشارك فيها».

ويلفت العميد شحادة إلى أن «العمليات التي ينفذها الحزب في الجنوب تعدّ ناجحة، فرغم التكلفة التي يدفعها بعدد مقاتليه، يكبّد إسرائيل خسائر كبيرة، حيث قتل وأصاب حتى الآن حوالي 50 ضابطاً وجندياً إسرائيلياً ودمّر مراكز وآليات وأبراج مراقبة». 

وتستقطب المستجدات العسكرية في غزّة اهتمام المراقبين لما ستتركه من تداعيات على الجبهة مع لبنان وربما جبهات أخرى، ويشدد العميد منير شحادة على أن «كلّ خطوة سيقدم عليها (حزب الله) ستكون مدروسة، ومسألة فتح جبهة الجنوب على نطاق واسع مرهونة بالتطورات العسكرية في غزّة، ومن المؤكد أن الحزب ومحور المقاومة لن يسمحا بهزيمة (حماس) لأنها مسألة حياة أو موت لهذا المحور بأسره». 

ضربات محدودة 

ومع ارتفاع وتيرة العمليات العسكرية يوماً بعد يوم بين الجيش الإسرائيلي و«حزب الله»، بدا لافتاً التزام الأخير بضربات محدودة رغم تأكيده مجدداً على وحدة الساحات لدى محور المقاومة، ويرى الدكتور سامي نادر أن هناك اعتبارات كثيرة تفرض على الحزب تغيير قواعد المواجهة من إسرائيل، ويذكّر بأن «إيران لا تريد الدخول في الحرب وتسعى بكل الوسائل السياسية لوقف إطلاق النار في غزّة، لتحقق انتصاراً عسكرياً بالنقاط». ويؤكد نادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «(حزب الله) فقد القدرة على المبادرة وتوجيه ضربة استباقية لإسرائيل كما لوّح وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان». ويقول: «إسرائيل تفكّر الآن بتوجيه ضربة استباقية للبنان، وفق ما سرّب عن بنيامين نتنياهو، لكنّ ما يؤخر ذلك الضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية التي لا تريد تورّط إسرائيل في حرب على جبهة ثانية». 

 

ضربة استباقية للبنان 

السيناريو المعتمد حالياً قد يستمرّ طويلاً، فالمعطيات المتوافرة على الجانبين اللبناني والإسرائيلي تنذر بإمكان اشتعال الجبهة بأي وقت، بدليل إخلاء كلّ المستوطنات الإسرائيلية القريبة من الحدود اللبنانية، ولجوء آلاف العائلات المحسوبة على بيئة «حزب الله» لاستئجار مساكن تبعد عن الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت تحسباً لوقوع الحرب، ويشير نادر إلى أن «بعض الجنرالات في إسرائيل يريدون توجيه ضربة استباقية للبنان، كبديل عن تأخير الهجوم البرّي على قطاع غزّة، لأن الجيش الإسرائيلي يتهيّب الدخول بحرب طويلة مع (حماس)، لكنّ إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن هي التي تؤخر الضربة حتى الآن».


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

المشرق العربي سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

أعلن «حزب الله» أن أيدي عناصره ستبقى على الزناد، بعد ساعات من سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)

حملات إسرائيلية على نتنياهو بعد وقف النار في لبنان

من السابق لأوانه تلخيص الحرب على إيران وغيرها من الجبهات، لكن الإسرائيليين بدأوا في التلخيص.

نظير مجلي (تل أبيب)
تحليل إخباري نازحون عائدون إلى جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تحليل إخباري لبنان يراهن على ضغوط أميركية تقنع إسرائيل بتنازلات

يأتي إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل لاتفاق بين لبنان وإسرائيل لوقف النار لمدة 10 أيام في سياق فتح الباب أمام التحضير لبدء المفاوضات المباشرة بين…

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي نازحة من الضاحية الجنوبية لبيروت تعود إليها بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان حيز التنفيذ (الشرق الأوسط)

سكان الضاحية الجنوبية يتريثون بعودتهم: الاتفاق لا يطمئن

زار سكان الضاحية الجنوبية لبيروت، ديارهم، لتفقدها فقط، بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ منتصف ليل الخميس - الجمعة

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مركبات على الطريق بينما يشق النازحون طريقهم للعودة إلى منازلهم بعد دخول وقف إطلاق النار الذي استمر عشرة أيام بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ... قرب مدينة صور اللبنانية 17 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: نازحون لبنانيون يعودون إلى ديارهم... وخرق إسرائيلي لوقف النار

بدأت أعداد من النازحين اللبنانيين يعودون إلى ديارهم التي تعرّضت لدمار شديد في الضاحية الجنوبية والجنوب، فيما قصف الجيش الإسرائيلي بلدة الخيام خارقاً الهدنة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

لبنان يلملم خسائره في ظل «هدنة هشّة»

نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
TT

لبنان يلملم خسائره في ظل «هدنة هشّة»

نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)

بدأ لبنان لملمة خسائره بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، في ظل هدنة هشّة، خرقتها إسرائيل بغارة من مسيّرة أدت إلى مقتل شخص، أمس، وفرض منطقة عازلة تضم 55 بلدة، حسبما أعلن الجيش الإسرائيلي، بينها 41 بلدة محتلة، ورفض عودة السكان إليها.

وتقدم الرئيس اللبناني جوزيف عون بالشكر للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية للمساهمة في التوصل إلى الاتفاق، معلناً الانتقال إلى مرحلة «العمل على اتفاقات دائمة». وأكد عون في خطاب وجّهه للبنانيين «نحن اليومَ نفاوضُ عن أنفسِنا، ونقرّرُ عن أنفسِنا. لم نعدْ ورقةً في جيبِ أيٍ كان، ولا ساحةً لحروبِ أيٍ كان، ولن نعودَ ابداً. بل عدنا دولةً تملكُ وحدَها قرارَها، وترفعُه عالياً، وتجسّدُه فعلاً وقولاً، من أجلِ حياةِ شعبِها وخيرِ أبنائِها لا غير».

وأضاف: «أنا مستعد للذهابِ حيثما كان، لتحريرِ أرضي وحمايةِ أهلي وخلاصِ بلدي». وزاد: «أقول لكم بكل صراحة وثقة، هذه المفاوضات ليست ضعفاً، وليست تراجعاً، وليست تنازلاً، بل هي قرار نابع ‌من قوة إيماننا بحقنا، ومن ‌حرصنا على شعبنا».

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده لم تنهِ المهمة بعد في حربها ضد «حزب الله»، قائلاً إن «هناك إجراءات نعتزم اتخاذها بشأن ما تبقى من تهديدات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ولن أتطرق إليها هنا».

في المقابل، حَظَرَ ترمب على تل أبيب قصف لبنان، وأكد أن بلاده «ستتعامل مع (حزب الله) بالطريقة المناسبة»، و«ستمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً»؛ لأن «الكيل قد طفح». ووعد بـ«جعل لبنان عظيماً مرة أخرى».


العراق يترقب مرشحاً لرئاسة الحكومة

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
TT

العراق يترقب مرشحاً لرئاسة الحكومة

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)

تتجه الأنظار، اليوم (السبت)، إلى اجتماع حاسم لقوى «الإطار التنسيقي» في بغداد، وسط انقسامات متصاعدة وضغوط دستورية لتسمية رئيس الوزراء الجديد خلال مهلة محدودة.

ويُعقد اللقاء في منزل عمار الحكيم، أحد قادة التحالف الحاكم، بعد تأجيل سابق، في ظل تنافس بين ثلاثة خيارات: تجديد ولاية محمد شياع السوداني، أو ترشيح نوري المالكي أو من يمثله، أو التوافق على شخصية ثالثة.

وتشير مصادر إلى طرح صيغة تقضي باعتماد مرشح يحظى بدعم ثُلثي قادة التحالف؛ لتفادي الانقسام، رغم تعقيد التوازنات. وقالت المصدر إن هناك صيغة تفاهم أولية قيد النقاش، تقضي بأن المرشح الذي يحصل على دعم ثُلثَي قادة «الإطار التنسيقي» (8 قادة من أصل 12) سيتم اعتماده، على أن تلتحق بقية القوى لاحقاً بالقرار في محاولة لتفادي الانقسام.


الشرع يؤكد العمل على «اتفاق أمني» مع إسرائيل

الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
TT

الشرع يؤكد العمل على «اتفاق أمني» مع إسرائيل

الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، الجمعة، أن بلاده تعمل حالياً على إبرام «اتفاق أمني» مع إسرائيل، مشدداً على ضرورة انسحابها من مناطق حدودية سيطرت عليها في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) عام 2024.

وقال الشرع، خلال جلسة حوارية في إطار الدورة الخامسة لمنتدى أنطاليا الدبلوماسي الذي انطلق في جنوب تركيا، أمس، إن الجولان أرض سورية محتلة من جانب إسرائيل باعتراف المجتمع الدولي، ولا يمكن لأي دولة الاعتراف بأحقية إسرائيل فيها، وسيكون هذا الاعتراف باطلاً. وتابع أن إسرائيل تنتهك اتفاق فض الاشتباك و«نعمل حالياً على الوصول إلى اتفاق أمني» يضمن عودتها إلى خطوط 1974.

في السياق ذاته، قال المبعوث الأميركي إلى سوريا، السفير توم براك، إن سوريا لم تُطلق منذ 8 ديسمبر 2024 رصاصة واحدة على إسرائيل، بل على العكس صرّح الرئيس الشرع، مراراً، بأنهم منفتحون على اتفاق عدم اعتداء وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.