سكان غزة... مخاوف من «الموت عطشاً»

انقطاع الكهرباء والوقود عطّل تشغيل محطات المياه وفاقم الأزمة

مركز لتعبئة المياه في قطاع غزة (الشرق الأوسط)
مركز لتعبئة المياه في قطاع غزة (الشرق الأوسط)
TT

سكان غزة... مخاوف من «الموت عطشاً»

مركز لتعبئة المياه في قطاع غزة (الشرق الأوسط)
مركز لتعبئة المياه في قطاع غزة (الشرق الأوسط)

على عربات صغيرة أو على دراجاتهم الهوائية، يحمل فتية صغار غالونات بلاستيكية نحو محطة صغيرة لتحلية المياه وسط مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة علّهم يجدون ما يسد حاجة عائلاتهم من مياه الشرب على وقع الأزمة المتفاقمة التي خلفتها الحرب المتصاعدة في القطاع. وأمام المحطة، يصطف عشرات السكان، بمن في ذلك كبار السن والفتية، للحصول على المياه بعد أن قطعت إسرائيل إمداداتها منذ بداية الحرب، كما قطعت الكهرباء وإمدادات الوقود اللازمة لتشغيل محطات المياه ومضخاتها، ما فاقم أزمة المياه في غزة، وأثار مخاوف من وصول حدة الأزمة إلى درجة موت السكان عطشاً.

يقول أحمد، وهو من سكان خان يونس، لـ«الشرق الأوسط» إن الحرب خلّفت وضعاً كارثياً طال جوانب الحياة الأساسية لا سيما قطاع المياه، ويشرح بينما ينهمك بجر عربة حديدية صغيرة تحمل غالونات صفراء ملأها من المحطة بعد طول انتظار، إنه يضطر للمخاطرة والتحرك من بيته تحت القصف للحصول على المياه التي ينقلها على أشواط عدة كي يملأ الخزان في بيته الذي بات الآن يضم مع عائلته 25 شخصاً من أقاربه الذين نزحوا من مناطق سكنهم الأصلية. ويضيف: «لدينا أزمة مياه غير مسبوقة في غزة، وما فاقمها أيضاً الضغط الذي خلّفه وصول أعداد كبيرة من السكان من المناطق الأخرى. الأزمة الخانقة التي نعاني منها لا تقتصر على المياه فحسب، بل تطول الخبز والكهرباء والغاز وكل شيء».

قطاع غزة يواجه أزمة مياه شديدة (الشرق الأوسط)

تحاول السلطات المحلية في قطاع غزة جاهدة، رغم ظروف الحرب الصعبة، الاستجابة لاحتياجات السكان من المياه. وتمثّل الآبار الجوفية مصدر المياه الرئيسي في قطاع غزة، لكن العمل توقف أو تعطّل بشكل كبير بسبب انقطاع الكهرباء، وعدم توافر الوقود اللازم لتشغيل المولدات.

يقول المهندس منذر شبلاق مدير عام مصلحة مياه الساحل في غزة، ومسؤول لجنة الطوارئ لقطاع المياه لـ«الشرق الأوسط» إن الأزمة تفاقمت حين قررت إسرائيل قطع الكهرباء عن قطاع غزة مع بداية الحرب، «فلجأنا لاستخدام المولدات التي تعمل بالسولار لضخ المياه، الأمر الذي استمر نحو 3 أيام، إلا أنه مع قرار إسرائيل الاستمرار بقطع الكهرباء وإمدادات الوقود بدأت المعاناة تزداد». ويشير المهندس شبلاق إلى أن محطتي تحلية اثنتين تعملان فقط حالياً وبنصف طاقتهما في منطقتي وسط القطاع وجنوب الوسط، بينما المحطة الثالثة تقع في المنطقة الشمالية التي ما عاد ممكناً الوصول إليها؛ إذ باتت في نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية. وكانت هاتان المحطتان توفران المياه لربع مليون شخص في هذه المناطق قبل الحرب، أما الآن فهي تكافح للاستجابة لاحتياجات مئات آلاف السكان الذين نزحوا من مناطقهم نحو الوسط.

فتية عند مركز لتعبئة المياه في قطاع غزة (الشرق الأوسط)

ويوضح المهندس شبلاق أن الأزمة خانقة، محذراً من أنه إذا استمرت الحال كذلك في ضوء نقص إمدادات الوقود فلن تكون السلطات المحلية قادرة على توفير إمدادات المياه للسكان، مشيراً إلى «أننا الآن نعمل بكل الإمكانات المتاحة لتفادي موت الناس من العطش»، مضيفاً أن بعض المناطق لم تصلها المياه منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وأخرى وصلتها المياه مرة واحدة في أحسن الأحوال، وكلها إمدادات إما نُقلت بالشاحنات وإما حُملت من السكان أنفسهم.

وكان وزير الطاقة الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، قد أعلن قبل أيام استئناف إمدادات المياه لقطاع غزة، إلا أن المهندس شبلاق أوضح أن هذه المناطق التي تغطيها الإمدادات الإسرائيلية شرق القطاع أُفرغت من سكانها، وما عاد ممكناً الوصول إليها.

غالونات ماء تُنْقَل على متن عربة خشبية (الشرق الأوسط)

ولجأت سلطات المياه في غزة إلى استخدام صهاريج المياه في محاولة للتعاطي مع الأزمة، وإيصال المياه للمناطق التي تعاني من النقص، لا سيما المدارس التي باتت تضم مئات آلاف النازحين، إلا أن «الصهاريج المتوافرة هي 4 صهاريج فقط، وهي أيضاً يلزمها السولار لتظل قادرة على العمل، وملؤها وإفراغها يستغرقان وقتاً، لكن الأخطر هو أنها تعمل وتتحرك تحت القصف. الأمر غاية في التعقيد»، وفق ما يشير إليه المهندس شبلاق.

وإلى جانب محطات المياه التي تعمل بالكهرباء أو الوقود، يعمل عدد محدود من المحطات في غزة بالطاقة الشمسية لتوفير مياه الشرب. يشرح المهندس جهاد الجبور، مالك إحدى هذه المحطات، لـ«الشرق الأوسط» أن المصدر الوحيد لمياه الشرب هو الخزان الجوفي، لكن في ظل انقطاع التيار الكهربائي والسولار، وعدم القدرة على تشغيل المولدات، يتفاقم العجز القائم أساساً قبل الحرب، والذي كان يصل إلى 95 في المائة في مياه الشرب. ويضيف أن بعض المحطات التي تعمل على الطاقة الشمسية هي الوحيدة حالياً القادرة على العمل، ولكن لمدة محدودة ومرتبطة بالظروف الجوية، موضحاً أنه «في اليوم الماضي مثلاً لم نستفد من الطاقة الشمسية ساعة واحدة، وبالتالي اضطُررنا إلى تشغيل مولد يحتاج إلى السولار غير المتوافر حالياً. هذا الواقع قد يدفعني لإغلاق المحطة في أي لحظة».

غزة تواجه أزمة عطش (الشرق الأوسط)

وتشير السلطات إلى أن آبار المياه والمحطات الأخرى لم يصلها السولار منذ بداية الحرب، وهي تحتاج في الظروف الطبيعية إلى 20 ألف لتر من الوقود يومياً، وفقاً للتقديرات الرسمية. وتقول سلطة المياه إن بعض إمدادات الوقود وصلت من المخزون الاحتياطي للأمم المتحدة و«الصليب الأحمر» إلا أنها لم تتمكن من تغطية سوى جزء يسير من احتياجاتها. ويوضح المدير العام لسلطة المياه أن هناك وعوداً من الجهات الأممية والمنظمات الإنسانية بالعمل على إدخال الوقود، لكن «ما لم يحدث ذلك خلال اليومين المقبلين فسنكون أمام كارثة حقيقية».

وبينما تتركز عمليات إيصال المياه في مناطق وسط القطاع وجنوبه، تعاني المناطق الشمالية من نقص حاد؛ حيث أضحت مهمة إيصال المياه إليها معقدة ومحفوفة بالمخاطر. يقول المهندس شبلاق إن هناك «مخاوف عميقة من استهداف شاحناتنا بالطيران في حال تحركت إلى الشمال، ولدينا خشية حقيقية من أن من لم يمت من السكان بالقصف قد يموت من العطش».


مقالات ذات صلة

فصائل غزة تتوقع هجمات كثيفة بعد طلبها تعديل خطة «نزع السلاح»

خاص فلسطينية مسيحية تحضر صلاة بكنيسة القديس برفيريوس في غزة الأحد (د.ب.أ)

فصائل غزة تتوقع هجمات كثيفة بعد طلبها تعديل خطة «نزع السلاح»

توقعت مصادر عدة من فصائل فلسطينية كبيرة في غزة تكثيف إسرائيل لهجماتها داخل القطاع بعد طلبها عبر «حماس» تعديل خطة «مجلس السلام» لنزع السلاح.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

إسرائيل تنشئ مزيداً من المواقع العسكرية في منطقة الخط الأصفر

توسع القوات الإسرائيلية سيطرتها داخل قطاع غزة، منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مسلّحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة - فبراير 2025 (إ.ب.أ)

«حماس» تأمل نجاح ضغوطها في تعديل خطة نزع سلاحها

تتطلع حركة «حماس» إلى نجاح الضغوط التي تمارسها، عبر الوسطاء، في إحداث تعديلات على الخطة التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولاي ميلادينوف، إلى قيادة…

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تشد دعائم خيمتها وسط يوم عاصف في خان يونس جنوب غزة الخميس (رويترز) p-circle

«حماس» في القاهرة بعد أنقرة بحثاً عن تفاهمات «نزع السلاح»

بدأ وفد من حركة «حماس» محادثات في القاهرة، الخميس، قادماً من جولة أخرى في أنقرة، لمناقشة تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل في غزة.

محمد محمود (القاهرة)
خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

خاص مصادر من «حماس» تُقر بـ«تباين» مع الوسطاء حول خطة نزع السلاح

كشفت مصادر فلسطينية أن مصر وقطر وتركيا شاركت في صياغة خطة «مجلس السلام» لنزع السلاح من غزة، بينما أقرت مصادر من «حماس» بوجود «تباين» مع الوسطاء بشأنها.

«الشرق الأوسط» (غزة)

عون وسلام يدينان الاعتداءات الإسرائيلية: خرق للقوانين الدولية وجهود التهدئة

سيارات محترقة في موقع غارة جوية إسرائيلية على حي كورنيش المزرعة في بيروت (إ.ب.أ)
سيارات محترقة في موقع غارة جوية إسرائيلية على حي كورنيش المزرعة في بيروت (إ.ب.أ)
TT

عون وسلام يدينان الاعتداءات الإسرائيلية: خرق للقوانين الدولية وجهود التهدئة

سيارات محترقة في موقع غارة جوية إسرائيلية على حي كورنيش المزرعة في بيروت (إ.ب.أ)
سيارات محترقة في موقع غارة جوية إسرائيلية على حي كورنيش المزرعة في بيروت (إ.ب.أ)

في ظل تصاعد الغارات الإسرائيلية على لبنان، والتي تُعد الأعنف منذ بدء الحرب، شدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام على إدانة الهجمات التي طالت مناطق سكنية مكتظة، وأوقعت ضحايا مدنيين في لبنان، معتبرين أنها تمثل خرقاً للقوانين الدولية، وجهود التهدئة.

وقال عون عبر «إكس» إنّ «هذه الاعتداءات الهمجيّة، التي لا تعرف الحقّ، ولا تحترم أيّ اتفاقات أو تعهّدات، قد أثبتت مراراً وتكراراً استخفافها بكافة القوانين والأعراف الدولية. وقد شهدنا، على مدى خمسة عشر شهراً من اتفاق وقف الأعمال العدائية، حجم الانتهاكات والخروقات التي تمّ ارتكابها دون أيّ رادع».

وأضاف: «اليوم، يُمعن الإسرائيلي مجدداً في عدوانه، مرتكباً مجزرة جديدة تُضاف إلى سجله الأسود، في تحدٍّ صارخ لكل القيم الإنسانية، وضارباً بعرض الحائط جميع الجهود الرامية إلى التهدئة والاستقرار».

وشدد على أن «هذا التصعيد الخطير يُحمّل الإسرائيلي كامل المسؤولية عن تداعياته»، مؤكداً أنّ «استمرار هذه السياسات العدوانية لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر، وانعدام الاستقرار، في وقتٍ أحوج ما يكون فيه الجميع إلى التهدئة، واحترام الالتزامات».

وإذ أدان هذه الجريمة بأشدّ العبارات، أكد ضرورة تحمّل المجتمع الدولي مسؤولياته لوقف هذه الاعتداءات المتكررة، ووضع حدٍّ لهذا النهج العدواني الذي يهدّد الأمن والاستقرار في المنطقة.

سلام يدعو أصدقاء لبنان للمساعدة على وقف الاعتداءات

من جهته، قال سلام: «في حين رحّبنا بالاتفاق بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وكثّفنا جهودنا للتوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في لبنان، تواصل إسرائيل توسيع اعتداءاتها التي طالت أحياء سكنية مكتظّة، وراح ضحيتها مدنيون عزّل في مختلف أنحاء لبنان، ولا سيّما في العاصمة بيروت، غير آبهة بكل المساعي الإقليمية والدولية لوقف الحرب، ناهيك عن ضربها عرض الحائط بمبادئ القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، التي لم تحترمها يوماً أصلاً».

وأكد أن «جميع أصدقاء لبنان مدعوون إلى مساعدتنا على وقف هذه الاعتداءات بكل الوسائل المتاحة».

وهزت لبنان قرابة الثانية والربع من بعد ظهر اليوم سلسلة غارات إسرائيلية عنيفة متزامنة، استهدفت بيروت، وصيدا، والجنوب، والبقاع.

وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن على لسان المتحدث باسمه أفيخاي أدرعي أنه نفذ أكبر ضربة في أنحاء لبنان منذ بدء عملية «زئير الأسد»، فخلال 10 دقائق وفي عدة مناطق بالتزامن أنجز الجيش الإسرائيلي ضربة استهدفت نحو 100 مقر وبنية تحتية عسكرية تابعة لـ«حزب الله».

وسادت حالة من الهلع والفوضى الكاملة في العاصمة بيروت بعد الغارات وسط مناشدات لتأمين وحدات الدم للمستشفيات، وفتح الطرقات لسيارات الإسعاف، والدفاع المدني. وقد أُبلغ عن سقوط عدد كبير من الضحايا، والإصابات، خاصة أن مباني سقطت على قاطنيها.

وتحدث رئيس الصليب الأحمر اللبناني عن سقوط أكثر من 300 قتيل وجريح في بيروت، والضاحية الجنوبية.

وأطلق الجيش الإسرائيلي اسم «الظلام الأبدي» على حربه ضد «حزب الله».

وتحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن أن 50 طائرة حربية شاركت بإلقاء 160 قنبلة على لبنان.


محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

طفل يدوس صور الرئيس السوري بشار الأسد ووالده حافظ الأسد في مدينة سلمية وسط سوريا 7 ديسمبر 2024 (أ.ب)
طفل يدوس صور الرئيس السوري بشار الأسد ووالده حافظ الأسد في مدينة سلمية وسط سوريا 7 ديسمبر 2024 (أ.ب)
TT

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

طفل يدوس صور الرئيس السوري بشار الأسد ووالده حافظ الأسد في مدينة سلمية وسط سوريا 7 ديسمبر 2024 (أ.ب)
طفل يدوس صور الرئيس السوري بشار الأسد ووالده حافظ الأسد في مدينة سلمية وسط سوريا 7 ديسمبر 2024 (أ.ب)

نفى رجل سوري متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية عشرات التهم الموجهة إليه بالتعذيب والعنف الجنسي، وذلك في افتتاح محاكمته في هولندا، الأربعاء، حسب وكالة «أسوشييتد برس».

وادعى الرجل، البالغ من العمر 58 عاماً، والذي عُرف باسم (رفيق ق) فقط -التزاماً بقوانين الخصوصية الهولندية- أنه ضحية مؤامرة، ونفى اتهامات دعمه الرئيس السوري السابق بشار الأسد. وقال المدعون في محكمة لاهاي الجزئية إنه كان عضواً في قوات (الدفاع الوطني) الموالية للأسد، وعمل محققاً رئيسياً في هذه الجماعة شبه العسكرية خلال الحرب السورية.

ووصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

المتهم أبلغ القضاة بأنه كان يعمل موظفاً حكومياً في مدينة سلمية وسط البلاد، ونفى تورطه في أي أعمال تعذيب. وخلال إحدى جلسات المحاكمة، حاول الرجل تقديم دليل، ولوّح بورقة أمام القاضي، غير أن محاميه، أندريه سيبرغتس، قال إنه لم تتضح ماهية الدليل، فأجاب المتهم: «لا أخبر محاميّ بأي شيء».

هذا وتستند المحاكمة إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، وهو مبدأ قانوني يسمح بمحاكمة المشتبه بهم عن جرائم دولية، كجرائم الحرب، حتى لو ارتُكبت في بلد آخر. وكان المتهم قد طلب اللجوء في هولندا عام 2021، وأقام في بلدة دروتن الصغيرة شرق البلاد عندما أُلقي القبض عليه عام 2023.

وحاكمت هولندا عدداً من السوريين بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال النزاع السوري. وفي عام 2024، أدانت محكمة هولندية عضواً سابقاً رفيع المستوى في ميليشيا موالية للحكومة السورية بتهمة الاحتجاز غير القانوني والتواطؤ في التعذيب. كما أُدين رجل سوري آخر عام 2021 بارتكاب جرائم حرب لدوره في إعدام سجين بإجراءات موجزة.

وقفة في بلدة دوما بريف دمشق 7 أبريل إحياءً للذكرى الثامنة لمجزرة الكيماوي (سانا)

كان الصراع في سوريا قد بدأ باحتجاجات سلمية ضد حكومة الأسد في مارس (آذار) 2011، لكنه سرعان ما تحول إلى حرب أهلية شاملة استمرت نحو 14 عاماً، بعد قمع الحكومة الوحشي للمتظاهرين.

وفي نهاية عام 2024، زحف مسلحون بقيادة «هيئة تحرير الشام»، التي يتزعمها الرئيس الحالي أحمد الشرع، إلى دمشق وأطاحوا بالأسد من السلطة. ومنذ ذلك الحين، يُحسّن الشرع العلاقات مع الدول الغربية، وأصبح العام الماضي أول رئيس دولة سوري يزور واشنطن منذ استقلال سوريا عام 1946.

قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

للتذكير، رفعت هولندا وكندا دعوى قضائية منفصلة ضد سوريا أمام أعلى محكمة تابعة للأمم المتحدة، متهمتين دمشق بحملة تعذيب استمرت لسنوات ضد مواطنيها. وفي عام 2023، أمرت محكمة العدل الدولية الحكومة باتخاذ «جميع التدابير الممكنة» لمنع التعذيب.

تجدر الإشارة إلى أن جلسات الاستماع ستستمر لمدة أسبوعين آخرين، ومن المتوقع أن تُصدر المحكمة حكمها في التاسع من يونيو (حزيران) المقبل.


العراق يتنفس الصعداء... والفصائل ترفض نزع السلاح

صبيّ يقود دراجة هوائية ويمرّ بجانب بقع دم في موقعٍ تعرّض فيه منزل لدمارٍ جزئي نتيجة مقذوف سقط فجر 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
صبيّ يقود دراجة هوائية ويمرّ بجانب بقع دم في موقعٍ تعرّض فيه منزل لدمارٍ جزئي نتيجة مقذوف سقط فجر 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

العراق يتنفس الصعداء... والفصائل ترفض نزع السلاح

صبيّ يقود دراجة هوائية ويمرّ بجانب بقع دم في موقعٍ تعرّض فيه منزل لدمارٍ جزئي نتيجة مقذوف سقط فجر 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
صبيّ يقود دراجة هوائية ويمرّ بجانب بقع دم في موقعٍ تعرّض فيه منزل لدمارٍ جزئي نتيجة مقذوف سقط فجر 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

تنفّس العراقيون الصعداء بعد ليلة مليئة بالأحداث الأمنية الخطيرة التي سبقت إعلان الهدنة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، حيث تعرضت أكثر من 10 مناطق عديدة في بغداد إلى هجمات صاروخية وضربات جوية أدت إلى مقتل مدنيين اثنين وعشرات الإصابات، فضلاً عن جانب الهجمات التي طالت مواقع لـ«لحشد الشعبي».

ورغم أن الحكومة العراقية تقول إنها على «الحياد» في الحرب بين واشنطن وطهران، فإن الفصائل الموالية لإيران أدخلت العراق رسمياً في أتون المعركة، بحيث تعرضت البلاد لأكثر من 1000 ضربة وهجمة صاروخية، سواء من خلال تلك التي نفَّذها الطيران الأميركي على مواقع تابعة لـ«الحشد الشعبي» والفصائل المسلحة، أو الهجمات التي نفذتها الأخيرة وإيران على مواقع مدنية ودبلوماسية ونفطية في عديد من المناطق، كان لإقليم كردستان النصيب الأكبر فيها.

شرارات من مبنى مشتعل عقب غارات جوية متعددة مساء 7 أبريل 2026 (رويترز)

ألقى هذا الانخراط الفعلي في الحرب بظلاله القاتمة على البلاد بشكل عام، سواء من خلال المخاوف التي سيطرت على السكان، أو عبر تعطيل معظم النشاطات التجارية والمالية في البلاد، إلى جانب المخاوف من فقدان كثير من الخدمات نتيجة الحرب، خصوصاً المتعلقة بتجهيز الطاقة الكهربائية والوقود وأزمة أسطوانات غازل المنازل.

ورحبت وزارة الخارجية العراقية، الأربعاء، بإعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وعدّت الخطوة، تطوراً من شأنه الإسهام في خفض التوترات وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة.

وقالت الوزارة في بيان، إن «العراق يدعم أي جهود إقليمية ودولية تُسهم في احتواء الأزمات وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية، وعلى أهمية البناء على هذه الخطوة عبر إطلاق مسارات حوار جاد ومستدام».

وفي بيان منفصل، أدانت الوزارة الاعتداء على القنصلية العامة لدولة الكويت في البصرة، فضلاً عن الهجوم الصاروخي الذي استهدف قضاء الزبير، مؤكدةً رفض بغداد القاطع أي مساس بالبعثات الدبلوماسية أو بسيادة البلاد.

لا نزع للسلاح

وبينما رحّب معظم الفعاليات السياسية بوقف الحرب، وسارع معظم الأحزاب والجماعات الشيعية إلى تهنئة إيران بما وصفته بـ«النصر» خلال الحرب، جدد رئيس المجلس التنفيذي لـ«حركة النجباء» ناظم السعيدي، الأربعاء، تأكيده أن «سلاح المقاومة لن يسلَّم»، مستبعداً الاستجابة لأي دعوات مستقبلية لنزع سلاح الفصائل، مما يرجح بقاء حالة الانقسام العراقية القائمة بين السلطات الحكومية الرسمية والأجنحة المسلحة الموالية لإيران، حسب مراقبين.

ويقول مصدر مقرّب من قوى «الإطار التنسيقي» لـ«الشرق الأوسط»، إنه «من الصعب جداً التكهن بمسار الأمور في العراق بعد نهاية الحرب خلال هذه الأيام، خصوصاً أن إمكانية تجدد الحرب بعد أسبوعين ما زالت قائمة».

ويضيف: «يبدو أننا أمام تحدي الانتهاء من ملف الحكومة، أما ملف القوى والفصائل الموازية لقوى الدولة، فسيكون غالباً بترتيبات ما بعد المفاوضات الأميركية - الإيرانية وما قد ينتج عنها من تخلي إيران عن أذرعها في العراق والمنطقة».

ويستبعد المصدر «قدرة القوى السياسية العراقية على حسم ملف الفصائل من دون صيغة للتفاهم مع طهران، وقد شاهدنا كيف أن السلطات العراقية عجزت عن إقناع الفصائل بعدم توريط العراق في الحرب».

متظاهر يحاول تفادي الغاز المسيل للدموع الذي أطلقته الشرطة العراقية خلال احتجاج أمام القنصلية الكويتية في البصرة 8 أبريل 2026 (أ.ب)

تنشيط الاقتصاد

ومع سريان هدنة وقف الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وإيران، تشير مصادر مقربة من الحكومة إلى تركيزها على «إعادة تنشيط الاقتصاد عبر تسريع إعادة تصدير النفط»، حيث تمثل مداخيله 95 في المائة من موارد البلاد المالية، وهو الذي توقف نتيجة الحرب وإغلاق مضيق هرمز. وتشير بعض التقديرات الاقتصادية إلى خسارة العراق بين 6 و10 مليارات دولار خلال فترة الحرب ووقف تصدير النفط، الأمر الذي ستكون له تداعياته المالية والاقتصادية الكبيرة خلال الأشهر المقبلة.

وأعلنت شركة نفط البصرة، الأربعاء، إمكانية إعادة إنتاج مليوني برميل نفط خلال ساعات.

وقال مدير الشركة، باسم عبد الكريم، لوكالة الأنباء العراقية، إن «عمليات الإنتاج المحلية لتغطية الحاجة المحلية من شركة نفط البصرة تبلغ 900 ألف برميل يومياً لتغطية المصافي ومحطات الغاز، وإن الغاز المستثمر يُستخدم لإنتاج المحطات الكهربائية».

عودة الطيران

نتيجة لوقف الحرب، أعلنت قيادة العمليات المشتركة، الأربعاء، وبالتنسيق مع سلطة الطيران المدني والدفاع الجوي والجهات القطاعية المختصة، استئناف العمل في جميع المطارات العراقية وعودة الرحلات الجوية خلال الساعات القليلة المقبلة.

يأتي هذا الإعلان، حسب بيان لقيادة العمليات، بعد استكمال الإجراءات الفنية والأمنية اللازمة لضمان سلامة الملاحة الجوية، حيث تؤكد الجهات المعنية أنها عملت بشكل مشترك لإعادة تنظيم حركة الطيران وفق المعايير المعتمدة.

وأضافت أن «سلطة الطيران المدني ستتولى إصدار التعليمات الخاصة بجداول الرحلات وتوقيتاتها»، داعيةً المواطنين إلى متابعة التحديثات الرسمية الصادرة عنها بشكل مستمر عبر مواقعها الإلكترونية المعلنة.

ومنذ أكثر من شهر تجدد السلطات العراقية تعليمات إغلاق أجواء البلاد نتيجة الحرب، الأمر الذي تسبَّب في خسائر مالية كبيرة لهذا القطاع، فضلاً عن عرقلة سفر معظم المواطنين العراقيين والاكتفاء بالسفر براً عبر الأراضي التركية أو الأردنية.

Your Premium trial has ended