نصائح خارجية للبنان بضبط النفس في الجنوب

اتصالات دولية للاطمئنان لموقف «حزب الله» لكنه يحتفظ لنفسه بقراره

مناصرون لـ«حزب الله» خرجوا في مظاهرة تضامن مع غزة ببيروت (د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» خرجوا في مظاهرة تضامن مع غزة ببيروت (د.ب.أ)
TT

نصائح خارجية للبنان بضبط النفس في الجنوب

مناصرون لـ«حزب الله» خرجوا في مظاهرة تضامن مع غزة ببيروت (د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» خرجوا في مظاهرة تضامن مع غزة ببيروت (د.ب.أ)

أدخلت عملية «طوفان الأقصى» التي أطلقتها «حماس» ضد إسرائيل، لبنان في دائرة الاهتمام الدولي لرصد رد فعل «حزب الله» الذي وجّه، الأحد، رسالة تحذيرية لإسرائيل بإطلاقه دفعة أولى من القذائف الصاروخية استهدفت فيها ثلاثة مواقع إسرائيلية في مزارع شبعا المحتلة، اضطرت تل أبيب للرد عليها، من دون أن يؤدي تبادل القصف حتى الساعة إلى تبديل في قواعد الاشتباك المعمول بها منذ صدور القرار الدولي 1701 عن مجلس الأمن الذي أدى إلى وقف حرب تموز 2006.

ومع أن «حزب الله» أدرج إطلاقه للقذائف الصاروخية في سياق مواصلته لتحرير الأراضي المحتلة وتضامنه مع المقاومة الإسلامية في فلسطين المحتلة، فإن الاتصالات الدولية بلبنان جاءت في سياق جسّ نبض «حزب الله»، في محاولة أُريدَ منها الحصول على تطمينات من الحزب بأن الجبهة الشمالية ستبقى هادئة ولن تنخرط في مواجهة للتخفيف من الضغط العسكري الذي يمكن أن تقوم به إسرائيل ضد «حماس» لاسترداد هيبتها العسكرية ورفع معنويات وحداتها المقاتلة التي أُصيبت بحالة من الذهول من جراء الصدمة غير المتوقعة التي أحدثتها المقاومة الإسلامية في اجتياحها للمرة الأولى لمعظم المستعمرات الإسرائيلية الواقعة في منطقة غلاف غزة.

لا تطمينات

لكن الاتصالات الدولية والعربية، وإن كانت دعت إلى ضبط النفس والحفاظ على الاستقرار في جنوب لبنان، بعدم إلحاق الجبهة الشمالية بالحرب الدائرة في قطاع غزة وغلافها الذي يحتضن عدداً من المستعمرات الإسرائيلية، فإنها في المقابل لم تحصل على التطمينات المطلوبة، وتحديداً من «حزب الله» الذي يربط قراره بما سيؤول إليه الوضع العسكري على أرض المعركة الدائرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

جندي إسرائيلي ينظر إلى الاراضي اللبنانية من خلف ساتر حدودي (رويترز)

وبكلام آخر، فإن الحزب، كما تقول مصادر مواكبة للاتصالات الدولية التي كان محورها رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي وقيادة الجيش اللبناني، يحتفظ لنفسه بكلمة السرّ ولن يبوح فيها. وتؤكّد المصادر لـ«الشرق الأوسط» أنه يراقب بدقة الوضع على الأرض ليكون في مقدوره أن يبني على الشيء مقتضاه، وبالتالي لن يبقى مكتوف اليدين، إذا ما بادر رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو للقيام بعملية عسكرية يستهدف من خلالها اجتياح قطاع غزة للتعويض عن الصدمة التي أصابت القيادة العسكرية التي فوجئت بتوغّل «حماس» في عمق المستعمرات من دون أن تلقى مواجهة.

 

خروج عن الصمت

 

فـ«حزب الله» وبخلاف المعارك السابقة التي كانت تدور بين «حماس» والجيش الإسرائيلي ويترتب عليها إطلاق صواريخ مجهولة الهوية من سهل بلدة القليلة في جنوب لبنان من دون أن يؤدي سقوطها في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى إحداث أضرار مادية جسيمة، فإنه أراد هذه المرة الخروج عن صمته بإطلاقه عدة قذائف تحذيرية أراد منها تمرير رسالة إلى الخارج بأن «حماس» ليست متروكة لوحدها، وإن كانت بقيت تحت سقف عدم الإخلال بقواعد الاشتباك، وإنما في سياق إعلانه التعبئة العامة لمواجهة ما سيترتب من تطورات عسكرية في الحرب الدائرة بين غزة وغلافها.

 

وفي سياق الاتصالات، علمت «الشرق الأوسط» من المصادر المواكبة أن الرئيس ميقاتي تلقى اتصالات من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومستشار الرئيس الأميركي لشؤون الطاقة آموس هوكستين، ومسؤولين أوروبيين تشارك دولهم في قوات «يونيفيل» العاملة في جنوب الليطاني لمؤازرة لبنان لتطبيق القرار 1701، والمنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان يوانا فيرونيتسكا، وقيادة الطوارئ، فيما بقي على تواصل مع قيادة الجيش اللبناني لمتابعة الوضع في الجنوب، إضافة إلى تواصله مع المعاون السياسي للأمين العام لـ«حزب الله» حسين خليل.

متابعة الجيش

وتأكد أن قيادة الجيش اللبناني تتابع الوضع على الأرض، وتعد تقارير تتعلق بتقديرها للموقف استناداً إلى ما يتوافر لها من معطيات معطوفة على اتصالاتها المفتوحة بقيادة «يونيفيل» وسفراء الدول المشاركة في القوات الدولية العاملة في جنوب الليطاني، وإن كانت تراقب عن كثب ما يمكن أن يقوم به نتنياهو، برغم أن الجيش الإسرائيلي لم يتمكن حتى الساعة من استعادة سيطرته على عدد من المستعمرات التي ما زالت تدور فيها معارك لإخراج مقاتلي «حماس» منها.

جنود لبنانيون في نقطة تفتيش قرب الحدود مع إسرائيل (أ.ف.ب)

ويبقى السؤال: كيف سيتصرف نتنياهو؟ وهل يغامر باجتياحه لقطاع غزة بما يتيح له تقطيع أوصاله لتأمين سيطرته على المناطق المحاذية لغلاف غزة؟ وأي مصير ينتظر أسرى الجيش الإسرائيلي ومن بينهم قائد العمليات الاستراتيجية الذي كان يتولى سابقاً قيادة المنطقة الجنوبية.

وينسحب السؤال نفسه على الدول المعنية باستقرار لبنان الذي يقف حالياً في منتصف الطريق بين السقوط وبين منعه من أن يلتقط أنفاسه، في ظل استمرار الفراغ في رئاسة الجمهورية الذي يعطّل إعادة الانتظام إلى المؤسسات الدستورية بدءاً بانتخاب رئيس للجمهورية؟

 

وعليه، هل أن «حزب الله» يستخدم سلاحه الثقيل بالمفهوم السياسي للكلمة لاستحضار الضغط الدولي لمنع نتنياهو من اجتياحه لقطاع غزة لما يترتب عليه من تداعيات لن يبقى الجنوب في منأى عنها، ويمكن أن يطيح بقواعد الاشتباك؟ مع أن الحزب يقدّر حساسية الوضع الداخلي وهشاشته من جراء الأزمات المتراكمة التي يتخبّط فيها والتي لا تجد من حلول حتى ولو كانت متواضعة للتخفيف قدر الإمكان من معاناة اللبنانيين.

دورية لـ«يونيفيل» في محاذاة الحدود الإسرائيلية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأخيراً قد يكون من السابق لأوانه التكهن بما يمكن أن يصيب الجبهة الشمالية من ارتدادات قبل التأكّد من الوضع الأمني والعسكري الذي يستقر عليه قطاع غزة ومدى قدرة نتنياهو للثأر من «حماس»، وكيف ستكون عليه الحال في فلسطين المحتلة إذا ما قررت الضفة الغربية الانتفاض ضد الاحتلال والوقوف بكل إمكانياتها إلى جانب غزة؟ مع أن الوضع في جنوب لبنان يبقى تحت السيطرة، لكن إلى متى؟ بعد أن أوصل «حزب الله» رسالته عبر قنواته الدبلوماسية بأن «حماس» ليست متروكة لوحدها، من دون أن يفصح للذين تواصلوا معه عن خطته للتضامن معها، علماً بأن لبنان تلقى تحذيرات دولية تنصحه بضبط النفس والحفاظ على الاستقرار على طول الجبهة الشمالية!

 


مقالات ذات صلة

بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

على وقع الضغوط والتحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية، تبرز العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الراعي مستقبلاً السفير بخاري في بكركي (الوكالة الوطنية للإعلام)

تأكيد سعودي على ترسيخ مناخات الأمان والاستقرار في لبنان

شدّدَ اللقاء الذي جمع البطريرك الماروني بشارة الراعي في الصرح البطريركي مع سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد بخاري على أولوية تثبيت الاستقرار في لبنان

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري قافلة تضم آليات لقوات «اليونيفيل» في المنطقة الحدودية في إسرائيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تحليل إخباري إسرائيل تحدّد «منطقة حمراء» شمال «الخط الأصفر» في جنوب لبنان

استحدث الجيش الإسرائيلي «منطقة حمراء» غير معلنة في جنوب لبنان، تحاذي منطقة الخط الأصفر التي أعلن عنها قبل أسابيع

نذير رضا (بيروت)
خاص الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

خاص «حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الحرب الإعلامية التي اتسمت بسقوف سياسية عالية لن تحجب الأنظار عما حمله البيانان الأخيران للحزب، وتحديداً الذي أصدره أمينه العام نعيم قاسم

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي مشاركون في تشييع عدد من القتلى بينهم عناصر في «حزب الله» قتلوا خلال الحرب مع إسرائيل في بلدة المنصوري في جنوب لبنان (رويترز)

«حزب الله»... مسار طويل من الانقلاب على قرارات الحكومة اللبنانية

ليس جديداً على «حزب الله» الانقلاب على قرارات الحكومة اللبنانية أو تجاوزها عند تعارضها مع خياراته السياسية والعسكرية.

بولا أسطيح (بيروت)

«العدالة الانتقالية في سوريا»: قضية أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة»

وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يتفحص موقع جريمة مجزرة أمجد يوسف في حي التضامن (الهيئة)
وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يتفحص موقع جريمة مجزرة أمجد يوسف في حي التضامن (الهيئة)
TT

«العدالة الانتقالية في سوريا»: قضية أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة»

وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يتفحص موقع جريمة مجزرة أمجد يوسف في حي التضامن (الهيئة)
وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يتفحص موقع جريمة مجزرة أمجد يوسف في حي التضامن (الهيئة)

قال رئيس إدارة المساءلة وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، إن قضية المتهم الرئيسي في مجازر التضامن، أمجد يوسف، وصلت إلى «مرحلة متقدمة».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه ستتم إحالة المتهم إلى محكمة الجنايات الرابعة بدمشق التي يمثل أمامها رئيس فرع المخابرات العسكرية بدرعا عاطف نجيب، وذلك «سواء تم إقرار قانون العدالة الانتقالية أم لا».

ولا تزال قضية أمجد يوسف تتفاعل في الشارع السوري مع تجدد فتح ملف المفقودين والمغيبين قسرياً، لا سيما في «حي التضامن» الذي عاد إلى دائرة الاهتمام الإعلامي.

ومع انطلاق المحاكمات، قال رئيس إدارة المساءلة وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، رديف مصطفى، إن ملف قضية أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في مجازر التضامن 2013، «يشهد تقدماً واضحاً بعد إلقاء القبض عليه»، وذلك رداً على سؤال «الشرق الأوسط» عما إذا كانت محاكمة المتهم قريبة.

وأوضح مصطفى أن «هناك عملاً مستمراً على استكمال التحقيقات وتجهيز الملف القضائي وفق الأصول القانونية»، لافتاً إلى أنه بعد الانتهاء من التحقيقات سيتم تحويل يوسف إلى النيابة العامة للادعاء عليه، ثم سيتم تحويله إلى قاضي التحقيق وإصدار القرار الظني، ومن ثم إحالته لقاضي الإحالة ليصدر القرار الاتهامي بتحويله إلى المحكمة المتخصصة بالعدالة الانتقالية.

سكان حي التضامن الدمشقي يتحدثون إلى وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا

ورأى مصطفى أن الحديث عن «موعد محدد للمحاكمة يبقى مرتبطاً باستكمال الإجراءات وضمان جاهزية الملف بشكل متكامل»، مع التأكيد على أن «القضية انتقلت إلى مرحلة متقدمة ضمن مسار المساءلة».

وزار وفد من الهيئة موقع مجزرة التضامن، أمس الثلاثاء، «ضمن مسار كشف الحقيقة والتواصل المباشر مع الضحايا وذويهم، والاطلاع الميداني على الموقع المرتبط بالجريمة، إضافة إلى الاستماع للشهادات والإجابة عن الاستفسارات المتعلقة بالمسارات القانونية».

وهدفت الزيارة إلى «تعزيز ثقة الأهالي بمسار العدالة الانتقالية، والتأكيد أن هذه الملفات تُتابع بشكل جدي ومباشر»، وفق مصطفى، الذي أشار إلى العمل على «تنظيم وتمكين الضحايا وتقديم المساعدة القانونية المجانية لهم وتسهيل آليات رفع الدعاوى من قبل المتضررين وذوي الضحايا، بما يضمن السير بالإجراءات بشكل قانوني ومنظم، ويساعد في دعم ملفات المساءلة بالأدلة والشهادات اللازمة»، وذلك رداً على سؤال عما إذا تم بالفعل تنظيم رفع دعاوى من ذوي الضحايا بحق المتهم، وكم بلغ عددها؟

سيدة من أهالي ضحايا مجزرة التضامن تتحدث لوفد هيئة العدالة

وأكد «وجود دعاوى وإفادات وشهادات تم العمل عليها ضمن عدد من الملفات المرتبطة بالانتهاكات والجرائم الجسيمة، لكن في هذه المرحلة لا يتم الإعلان عن الأرقام الدقيقة أو تفاصيل بعض الإجراءات، حفاظاً على سرية التحقيقات وسلامة المسار القضائي».

خلال زيارته الميدانية إلى موقع «مجزرة التضامن»، شرح وفد هيئة العدالة لأهالي الضحايا آليات رفع الدعاوى بحق مرتكبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة، إلى جانب الإجابة عن استفساراتهم المتعلقة بالمسارات القانونية والإجراءات المتبعة ضمن إطار العدالة الانتقالية. ويطالب أهالي الضحايا في «حي التضامن»، بالإنصاف وإخراج رفاة شهدائهم ونقلها إلى قبور تحمل أسمائهم، كما يطالبون بالقصاص من المجرمين وتحقيق العدالة.

فحص الأدلة والبقايا البشرية الناتجة عن مجزرة التضامن عام 2013 في الحي الدمشقي الثلاثاء (هيئة العدالة الانتقالية)

وفيما يتعلق بالمحكمة المختصة بالعدالة الانتقالية التي سيمثل أمامها المتهم والقانون الذي سيحاكم على أساسه، سيما وأن القانون الخاص بالعدالة الانتقالية لم يصدر بعد؟ قال مصطفى إن «المتهم سيمثل أمام محكمة الجنايات الرابعة فور الانتهاء من الإجراءات القانونية المذكورة أعلاه»، وستتم إحالة المتهم أمجد يوسف إلى المحكمة نفسها التي أحيل إليها عاطف نجيب، «سواء تم إقرار قانون العدالة الانتقالية أم لا، ولكن نحن نأمل ومقتنعون بأن أمجد سيحاكم وفق قانون.

يشار إلى أن قانون العقوبات السوري الذي تعمل به المحاكم السورية، وبدأت بموجبه محاكمة رموز النظام البائد، غير منصوص فيه على جرائم الحرب والإبادة الجماعية. وفي محاكمة عاطف نجيب «عمل قاضي التحقيق مواءمة ما بين قانون العقوبات السوري والقوانين والأعراف الدولية في جرائم الإرهاب وجرائم الحرب والإبادة الجماعية»، وفق تصريحات سابقة لنقيب المحامين في سوريا، محمد علي الطويل.

وألقت السلطات السورية القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي في قضية «مجازر التضامن 2013» وراح ضحيتها نحو 500 مدني بينهم نساء وأطفال، حسب اعترافات متورطين في تلك المجازر تم القبض عليهم العام الماضي.

وكشف مقطع فيديو مسرب لإحدى المجازر عام 2022 في تحقيق نشرته صحيفة «الغارديان» عن أمجد يوسف مع رفاقه يقتلون نحو أربعين شخصاً بإطلاق النار عليهم ثم حرق جثثهم في حفرة أعدت مسبقاً لدفنهم.

وبين حين وآخر يعثر أهالي الحي على رفاة وعظام بشرية مبعثرة في الأزقة الترابية والحارات قيد الإنشاء، في الوقت الذي لا يزال مصير العشرات من أبناء الحي مجهولاً.


بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)
TT

بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

على وقع الضغوط والتحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية، تبرز العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري، بوصفها أحد العوامل الأساسية المؤثرة في مسار القرار الداخلي. وبينما يفرض الواقع تواصلاً مستمراً وتنسيقاً على مستوى المؤسسات، تكشف التطورات الأخيرة عن تباينات واضحة في المقاربات السياسية، ولا سيما تلك المرتبطة بالتفاوض مع إسرائيل لوقف الحرب، وهو ما يضع العلاقة أمام اختبار فعلي في ظل تعقيدات المرحلة والتحديات المتزايدة على الداخل اللبناني والمسؤولين في بيروت.

وفيما كان لافتاً كلام رئيس الجمهورية، الأربعاء، بتأكيده أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام»، يتقاطع التباين بين عون وبري من موقع كل منهما ضمن التموضع السياسي للأفرقاء اللبنانيين، حيث يرتبط بري بتحالف وثيق مع «حزب الله» الذي يقود حملة ضد الرئيس عون على خلفية التفاوض مع إسرائيل، في حين يسعى الأخير إلى تقديم مقاربة أكثر مرونة تجاه المجتمع الدولي ولا تدفع باتجاه مواجهة داخلية، ما يضع العلاقة بينهما ضمن إطار «شدّ الحبال» السياسي المستمر.

من الاطمئنان إلى الخلاف

وآخر لقاء كان قد جمع بري وعون كان في 23 مارس (آذار) الماضي، خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان، وعبّر حينها عن ثقته بما يقوم به الرئيس عون عند سؤاله عما إذا كان مطمئناً للوضع الداخلي، قائلاً: «بوجود فخامة الرئيس أنا مطمئن».

أما اليوم، ومع التبدلات التي طرأت على الوضع الداخلي اللبناني، والاختلاف في مقاربة بعض الأمور الأساسية بين الطرفين، وعلى رأسها المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وهي التي أعلن بري رفضه لها، يطرح السؤال عما إذا كان بري لا يزال مطمئناً أم أن التوتّر دخل إلى العلاقة بينهما، لا سيما بعد تأجيل الاجتماع الثلاثي الذي كان مقرراً الأربعاء في القصر الرئاسي ليجمع بين عون وبري ورئيس الحكومة نواف سلام للبحث في المفاوضات مع إسرائيل، بحيث أشارت بعض المعلومات إلى أن السبب كان الخطاب الأخير للرئيس عون الذي توجه به إلى «حزب الله» رداً على حملات التخوين ضده قائلاً: «الخائن من أخذ بلده للحرب تحقيقاً لمصالح خارجية».

مبنى مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي في مدينة صور (رويترز)

تواصل مستمر ولقاء مؤجل

ومع إقرارها بالاختلاف في وجهات النظر، تصف مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية العلاقة بين عون وبري بـ«الجيدة»، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الاتصالات مستمرة بينهما، وأن آخر اتصال بينهما كان مساء الثلاثاء.

وهذا الأمر يؤكده النائب في كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها بري، علي خريس، رابطاً اللقاء بوقف إطلاق النار، ويقول: «الاتصالات بين الطرفين لم تنقطع، وكان آخرها مساء الثلاثاء بحيث الأولوية تبقى لتكريس وقف إطلاق النار»، مشيراً إلى أنه بعد ذلك قد يحصل اللقاء.

ويوضح خريس: «ليس هناك تباعد أو انقطاع بين الطرفين، إنما هو اختلاف في وجهات النظر حول آلية التفاوض، بحيث ندعم خيار المفاوضات غير المباشرة، في حين أخذ رئيس الجمهورية خيار المفاوضات المباشرة».

من هنا، يشير خريس إلى أن المشاورات مستمرة بوتيرة مكثفة، بانتظار ما ستسفر عنه في المرحلة المقبلة، مؤكداً «أن الهدف الأساسي في هذه المرحلة هو وقف العدوان على لبنان وترسيخ التهدئة، خصوصاً في ظل استمرار سقوط ضحايا من المدنيين والصحافيين وعناصر الدفاع المدني، بما يعكس واقعاً ميدانياً يتناقض مع الحديث عن وقف لإطلاق النار ولا يمت إليه بصلة».

بدورها، تؤكد المصادر الوزارية أن جهود الرئيس عون تنصب لتكريس وقف إطلاق النار، مؤكدة «أن اللقاء سيحصل في وقته».

سيدة تصلي أمام تمثال مار شربل على مقربة من صور معلقة في الشارع دعماً لرئيس الجمهورية جوزيف عون (أ.ف.ب)

منسى موفداً من عون وسلام إلى المجلس الشيعي

وسجل يوم الثلاثاء زيارة وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، كما إلى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، ناقلاً تحيات رئيسي الجمهورية والحكومة.

وقال منسى إنه «يقوم بجولة على القيادات الروحية للمساهمة في جمع البلد على كلمة واحدة»، فيما أكد الخطيب «ضرورة التفاهم الوطني على كل الأمور؛ لأننا لن نصل إلى نتيجة من دون هذا التفاهم ومن خلال المبادرات الفردية».

وفي إشارة واضحة إلى الخلاف حول المفاوضات مع إسرائيل، قال الخطيب: «نحن نريد النجاح لفخامة الرئيس، وقد أيدناه ودعمناه، ولكن يجب أن تحظى كل خطوة بإجماع وطني، وننصحه بالاستعانة بخبرة وحكمة دولة الرئيس نبيه بري».


تأكيد سعودي على ترسيخ مناخات الأمان والاستقرار في لبنان

البطريرك الراعي مستقبلاً السفير بخاري في بكركي (الوكالة الوطنية للإعلام)
البطريرك الراعي مستقبلاً السفير بخاري في بكركي (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

تأكيد سعودي على ترسيخ مناخات الأمان والاستقرار في لبنان

البطريرك الراعي مستقبلاً السفير بخاري في بكركي (الوكالة الوطنية للإعلام)
البطريرك الراعي مستقبلاً السفير بخاري في بكركي (الوكالة الوطنية للإعلام)

شدّدَ اللقاء الذي جمع البطريرك الماروني بشارة الراعي في الصرح البطريركي في بكركي مع سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد بخاري على أولوية تثبيت الاستقرار في لبنان، عبر دعم مسار الدولة ومؤسساتها وتعزيز مناخات التلاقي الوطني في مقاربة تستند إلى فرضية «اكتمال الفواجع الرمزية والعودة إلى القواسم المشترك» كونها مدخلاً لمرحلة جديدة من التلاقي الوطني.

وقال بيان صدر عن البطريركية المارونية إنه جرى خلال اللقاء «التركيز على سُبل تعزيز الاستقرار في لبنان ودعم مسار الدولة ومؤسساتها». ونقل السفير بخاري للراعي تحيّات القيادة السعودية، مشيداً بالدور «الوطني والروحي الذي يضطلع به غبطته»، ومؤكداً أنّ المرحلة الراهنة تحتاج إلى حكماء يعملون على ترسيخ مناخات الأمان والاستقرار، ودعم الرئاسات الدستورية في مقاربتها للتحديات القائمة. كما شدّد على أنّ «بناء الإنسان يسبق بناء الحجر، وأنّ ترسيخ الولاء للوطن يبقى الركيزة الأساسية لأي نهوض مستقبلي».

لقاء يجمع البطريرك الراعي والسفير بخاري في مقر البطريركية المارونية (الوكالة الوطنية للإعلام)

الحكمة السياسية والعقلانية في إدارة المرحلة

وتناول الحديث مقاربة فكرية - تاريخية للوضع اللبناني، مستنداً إلى قراءات في أعمال عدد من المؤرخين والمفكرين، وفي مقدّمهم فيليب حتي وكمال صليبي وأسد رستم، حيث طُرحت فكرة «اكتمال الفواجع الرمزية» لدى مختلف مكوّنات المجتمع اللبناني، بما قد يفتح الباب أمام العودة إلى القواسم المشتركة الجامعة، بعيداً من منطق الانقسام. وفي هذا السياق، جرى التأكيد على أنّ التاريخ اللبناني، بما يحمله من محطات متكررة، يدعو إلى استخلاص العِبَر، تفادياً لتكرار الأزمات، والانطلاق نحو مرحلة جديدة قوامها التلاقي الوطني.

كما شدّد المجتمعون على أهمية «الحكمة السياسية والعقلانية في إدارة المرحلة، معتبرين أنّ الانتصار الحقيقي لا يكون بالقوة، بل بالقدرة على بناء توافقات وطنية صلبة». وتمّ التأكيد على ضرورة استثمار اللحظة الراهنة لتفادي ضياع الفرص، والانطلاق نحو رؤية مستقبلية تعزّز الشراكات مع الدول الشقيقة والصديقة التي تكنّ محبة صادقة للبنان.

دعم المبادرات الحوارية واللقاءات الوطنية

وتطرّق اللقاء إلى أهمية دعم المبادرات الحوارية، ولا سيما اللقاءات الدينية والوطنية الجامعة، لما لها من دور في تثبيت الاستقرار وتعزيز روح التلاقي بين مختلف المكوّنات، مع التأكيد على أن نجاح هذه المبادرات يفتح آفاقاً جديدة أمام الحلول البنّاءة.

بدوره، شدّد الراعي على أهمية التمسك بالثوابت الوطنية، والعمل على صون كرامة الإنسان اللبناني ومستقبله، معبّراً عن تقديره للجهود المبذولة في سبيل دعم لبنان واستقراره. وأكد أن المرحلة «تتطلب وعياً جماعياً ومسؤولية وطنية، من أجل حماية الوطن وإعادة بنائه على أسس متينة».