غزّة مُجدّداً... لكن بتكتيك جديد

قصف إسرائيلي انتقامي على مدينة غزة اليوم (أ.ف.ب)
قصف إسرائيلي انتقامي على مدينة غزة اليوم (أ.ف.ب)
TT

غزّة مُجدّداً... لكن بتكتيك جديد

قصف إسرائيلي انتقامي على مدينة غزة اليوم (أ.ف.ب)
قصف إسرائيلي انتقامي على مدينة غزة اليوم (أ.ف.ب)

لا يتوافّر بديل، حتى الآن على الأقلّ، للآلة العسكريّة واستعمال القوّة بين «حماس» وإسرائيل. فالفريقان يريدان الحدّ الأقصى من الأرباح السياسيّة (Maximalists). وإذا كانت السياسة هي فن الممكن، وإذا كانت الحرب تُخاض لخدمة الأهداف السياسيّة، فإن الحد الأقصى من المطالب سوف يُلغي حتماً السياسة في جوهرها. فالسياسة هي فن الأخذ والعطاء، كما التقدّم والتراجع، وتقديم التنازلات، وإظهارها على أنها مكاسب. يحدث هذا خلال عمليّة التفاوض، المباشرة منها أو غير المباشرة. لا تدخل هذه المقدّمة في قاموس كل من «حماس» أو الدولة الإسرائيليّة حالياً. والحرب بينهما مُستدامة من ضمن شعار «الضعيف يقاتل بما يملك، والقوي يضرب بكلّ ما يملك».

انقلبت الأدوار اليوم بين «حماس» والدولة الإسرائيليّة. في القديم، كانت غزة مسرح الصراع بين داوود وغوليات (جالوت)، بحسب ما تقول الروايات اليهودية التاريخية. كان داوود الإسرائيليّ هو الضعيف، مقابل غوليات الفلسطينيّ الجبّار. وحسب الرواية، أسقط داوود غوليات بضربة قاضية على جبينه بواسطة مقلاعه. يُصنّف الخبراء العسكريّون هذه الحادثة على أنها الحرب بين القوّي والضعيف. الضعيف دائماً لديه احتمال أن يخرج منتصراً، أو في الحدّ الأدنى منع القوي من الانتصار. إنها الحرب اللاتماثليّة بامتياز (Asymmetric War).

دبابة إسرائيلية أحرقها الفلسطينيون على حدود قطاع غزة اليوم السبت (أ.ب)

انقلبت الآية اليوم. ففي نفس المكان الجغرافيّ، أي غزّة، أصبحت «حماس» هي داوود، وإسرائيل هي غوليات. لكن نهاية الصراع بينهما ليست كما في القصّة الدينية. أي بضربة واحدة.

بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزّة عام 2005 برعاية آرييل شارون. خاضت إسرائيل نحو 5 عمليات عسكريّة ضد القطاع. أصعبها كان في عام 2014. في هذه العملية المُسماة «الجرف الصامد»، دخلت إسرائيل إلى داخل حدود القطاع الجغرافيّة، لتُدمّر الأنفاق وتُشكّل منطقة عازلة.

في كلّ العمليات الإسرائيليّة على غزّة، والرد الفلسطينيّ عليها، كانت الصواريخ، الطائرات والمُسيّرات، كما الاغتيالات للقيادات الفلسطينيّة، هي النمط السائد. فكلّما كانت مسافة الصاروخ من «حماس» أطول داخل فلسطين المحتلّة، وكلّما عجزت الدفاعات الجويّة الإسرائيليّة عن إسقاط هذه الصواريخ، عُدّ هذا الأمر على أنه نجاح للمقاومة الفلسطينيّة. هكذا كان مقياس النجاح، أو نظريّة النصر الفلسطينيّة (Theory of Victory).

فلسطينيون يحتفلون على آلية عسكرية إسرائيلية نقلوها إلى غزة بعد السيطرة عليها في الهجوم المفاجئ الذي شنته حركة «حماس» اليوم (إ.ب.أ)

عملية «طوفان الأقصى» - في التحليل العسكريّ

في التوقيت، تأتي العمليّة متزامنة مع الأعياد الدينيّة اليهوديّة. كما تتزامن مع ذكرى مرور نصف قرن على حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973.

وإذا كانت حرب أكتوبر قد اعتمدت على الخداع الذي حقّق عامل المفاجأة الاستراتيجيّة، فإن عملية «طوفان الأقصى» تندرج في هذا الإطار، حتى ولو كان الفارق بين الاثنين في الحجم والتأثيرات الجيوسياسيّة كبيراً جدّاً.

أن تُطلق «حماس» ما يُقارب الـ 5000 صاروخ (بحسب بعض المعلومات 7000 صاروخ) من مختلف الأنواع فهذا أمر يدّل على أن لدى هذه الحركة الفلسطينية عمقا لوجستيّا مهمّا. وربما تعمّدت «حماس» إطلاق هذا الكم من الصواريخ لإغراق الدفاعات الجويّة الإسرائيليّة (Overwhelming) وتحضيراً لعمليّة بريّة لم يتوقّعها الجيش الإسرائيليّ، وضمناً استخباراته.

وإذا كانت «حماس» في العمليات السابقة تردّ بالقصف الصاروخيّ، لكن من داخل القطاع، فإن عمليّة «طوفان الأقصى» قد ارتكزت على أبعاد جديدة أهمّها: إلى جانب القصف الصاروخي، عملية إنزال مظليين على المستوطنات. والأهم السعي للسيطرة على «الأرض» داخل فلسطين المحتلّة.

وإذا كانت هذه العمليّة قد فاجأت أجهزة الأمن الإسرائيليّة فهذا يعدّ إنجازاً مهمّاً في عملية الخداع. ألم يقل صان تسو: «إن الحرب تقوم كلّها على الخداع»؟

حرق برج مراقبة إسرائيلي على حدود قطاع غزة اليوم (أ.ب)

إن تعقيدات وحجم هذه العملية قد يعنيان أن التحضير لها كان قد بدأ منذ وقت طويل. والتحضير والتخطيط لها، بثلاثة أبعاد، البرّ، والجو، والبحر، قد يعني أن «حماس» استطاعت القتال على طريقة القتال المُشترك (Combined). وعليه، فإن قدرة «حماس» على الحفاظ على سريّة التحضيرات لهذه العمليّة كانت مميّزة.

ينطبق على العلاقة بين «حماس» وإسرائيل الشعار التاليّ: «تربح حماس إذا لم تخسر، وتخسر إسرائيل إذا لم تربح». لذلك، يكفي أن تُنفّذ العمليّة لتعد «حماس» على أنها الرابحة، على الأقل بالمنظور القصير وليس على المستوى البعيد المدى الذي سيتضح بعد جلاء صورة الرد الإسرائيلي.

إن قتال «حماس» داخل المستوطنات الإسرائيليّة قد يعني تحييد أهم قوّة عسكريّة لدى إسرائيل عن الاشتراك في المعركة ألا وهو سلاح الجوّ، الذي يعاني أصلاً بسبب الوضع الداخلي الإسرائيليّ.

لقد حدّد مؤسس إسرائيل ديفيد بن غوريون المبادئ الاستراتيجيّة للدولة العبرية وأهمّها: إنهاء الحرب مع العدو بسرعة، لأنه لا يمكن لإسرائيل خوض حروب استنزاف طويلة. كما نصح بن غوريون بخوض الحرب على أرض العدو. تدور عملية «حماس» اليوم داخل أرض إسرائيل.

فلسطينيون ينقلون إسرائيلية احتجزوها في مستوطنة على حدود قطاع غزة اليوم السبت (أ.ب)

الامتداد الأقصى لعملية «طوفان الأقصى»

سوف تصل حتما عملية «طوفان الأقصى» إلى امتدادها الأقصى. وعليه، ستستعد إسرائيل لعملية معاكسة بعدما حدّدت القوات الإسرائيليّة منطقة العمليات المقبلة، والتي تمتد مسافة 80 كلم داخل إسرائيل انطلاقاً من حدود القطاع. ستسعى إسرائيل على الأرجح إلى تحقيق الأمور التالية:

استرداد زمام المبادرة وبسرعة وذلك بعد تقييم الوضع الميداني، جمع الاستعلام التكتيكي، تقدير الوضع لزجّ القوات المناسبة (نوعاً وكمّاً).

استرداد المستوطنات التي توجد فيها عناصر من «حماس» مع السعي الحثيث لعدم السماح للعناصر الفلسطينية بالانسحاب مع أسرى من العسكر، أو مدنيين.

العمل على استرداد صورة الردع وبسرعة، بعد أن تظهّرت هشاشة الأمن القومي الداخليّ.

لكن عملية استرداد صورة الردع، تتطلّب عملية عسكريّة كبيرة جدّاً تفوق بكثير ما أنجزته عملية «طوفان الأقصى». فهل ستذهب إسرائيل إلى اجتياح القطاع؟ الصورة غير واضحة، لكن اجتياح القطاع يتطلّب الأمور التالية:

الوقت الطويل لإنهاء العملية، علماً أن إسرائيل لا تملك عامل الوقت.

الوسائل اللازمة، كما الكلفة المالية والبشريّة.

وفي حال نجاح عملية اجتياح القطاع، هذا إذا نجحت، فمن سيحكم القطاع؟

عندما تفكّر إسرائيل في الرد لاسترجاع صورة الردع، فإنما هي تفكّر في الجبهتين السوريّة واللبنانيّة. فهل سيأتي الرد في الخارج إلى جانب الداخل؟

في الختام، قد يمكن القول إن ما حصل في الساعات الماضية سيغيّر نظرة إسرائيل إلى أمنها القوميّ، وإلى كيفيّة التعامل مع كل ما له علاقة بالقضيّة الفلسطينيّة، وإلى كيفيّة التعامل مع المسائل الإقليميّة. فأي خيار ستعتمده الدولة العبرية الآن بعد انفضاح هشاشتها الأمنيّة؟ الجواب قد لا يتأخر كثيراً.


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي: قتلنا خامنئي... ودمّرنا نصف مخزون إيران من الصواريخ

شؤون إقليمية صورة مجمعة تظهر المرشد الإيراني علي خامنئي (يمين) ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي: قتلنا خامنئي... ودمّرنا نصف مخزون إيران من الصواريخ

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأحد) في بيان، أنه شنَّ أمس غارةً وصفها بـ«الدقيقة» في عمق طهران، أسفرت عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي مناصرو «حزب الله» خلال تجمع تضامني مع إيران في الضاحية الجنوبية لبيروت - 26 يناير الماضي (أ.ف.ب)

لبنان يترقَّب تداعيات الحرب الإيرانية... وإسرائيل تهدد «حزب الله» برد قوي

يعيش اللبنانيون ساعات من حبس الأنفاس على وقع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى

يوسف دياب (بيروت)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد في أعقاب انفجار بعد أن شنت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات على إيران (رويترز) p-circle

مصادر: مقتل وزير الدفاع الإيراني وقائد «الحرس الثوري» في الغارات الإسرائيلية

أكد الجيش الإسرائيلي أنه استهدف عدة مواقع في طهران، صباح اليوم (السبت)، حيث كان يجتمع كبار المسؤولين الإيرانيين، في إطار الهجوم الإسرائيلي الأميركي على إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية أشخاص يتفقدون الأضرار في موقع القصف الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على طهران (أ.ف.ب) p-circle

108 قتلى في غارة على مدرسة في جنوب إيران

أسفرت غارة أصابت مدرسة ابتدائية للبنات في جنوب إيران في خضم الهجمات الأميركية الإسرائيلية، السبت، عن مقتل 108 من تلميذاتها، في حصيلة جديدة.

«الشرق الأوسط» (طهران)
المشرق العربي جنديان إسرائيليان يطلقان طائرة مسيّرة (أرشيفية - الجيش الإسرائيلي)

إسرائيل تبلغ واشنطن وباريس عدم ممانعتها دعم الجيش اللبناني

بحسب مصادر عسكرية في تل أبيب، فإن هناك تقييماً إيجابياً لعمل الجيش اللبناني في جنوب لبنان بشكل عام.

نظير مجلي (تل أبيب)

السفارة الأميركية في العراق تحضّ رعاياها على «توخي الحذر الشديد»

متظاهرون يتجمعون قرب مدخل المنطقة الخضراء في بغداد حيث تقع السفارة الأميركية (رويترز)
متظاهرون يتجمعون قرب مدخل المنطقة الخضراء في بغداد حيث تقع السفارة الأميركية (رويترز)
TT

السفارة الأميركية في العراق تحضّ رعاياها على «توخي الحذر الشديد»

متظاهرون يتجمعون قرب مدخل المنطقة الخضراء في بغداد حيث تقع السفارة الأميركية (رويترز)
متظاهرون يتجمعون قرب مدخل المنطقة الخضراء في بغداد حيث تقع السفارة الأميركية (رويترز)

دعت السفارة الأميركية في بغداد رعاياها إلى «توخي الحذر الشديد» من تهديدات تستهدف مصالح الأميركيين في العراق، محذّرة من مخاطر تحوّل المظاهرات قرب مقرها إلى أعمال عنف.

وجاء في بيان للبعثة نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن السفارة الأميركية «تتابع التهديدات النشطة للمصالح الأميركية في العراق، بما فيها المطاعم والشركات والأفراد».

وتابع البيان: «ينبغي للمواطنين الأميركيين توخي الحذر والانتباه لما يحيط بهم وتجنب التجمعات الكبيرة، حيث قد تتحول المظاهرات إلى أعمال عنف. ولا يزال الوضع الأمني معقداً وقابلاً للتغير بسرعة».

وأطلقت الشرطة العراقية الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت، لتفريق مئات المتظاهرين المؤيدين لإيران الذين تجمعوا خارج المنطقة الخضراء في العاصمة بغداد، حيث تقع السفارة الأميركية.

وهتف المتظاهرون: «الموت لإسرائيل، الموت لأميركا».

واشتعلت الأجواء في العراق بعد تأكد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، في ضربات أميركية وإسرائيلية، أمس (السبت).


ترقّب وإرباك في صفوف جمهور «حزب الله»: بين «الثأر» ورفض الحرب

صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع الاستهداف الإسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)
صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع الاستهداف الإسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)
TT

ترقّب وإرباك في صفوف جمهور «حزب الله»: بين «الثأر» ورفض الحرب

صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع الاستهداف الإسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)
صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع الاستهداف الإسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)

تسود حالة من الترقّب والحذر في أوساط جمهور «حزب الله» منذ الإعلان عن مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، علي خامنئي. ويبدو ذلك انعكاساً لحالة «الإرباك» التي بدت على قيادة الحزب في تعاملها مع الخبر، إذ انتظرت حتى ظهر الأحد لإصدار بيان النعي، ودعت إلى التجمع في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد ظهر اليوم نفسه «وفاءً للقائد المعظّم».

صورة لنصر الله وصفي الدين داخل «المدينة الرياضية» في بيروت خلال تشييعهما في فبراير 2024 (رويترز)

وشهدت بعض المناطق ذات الغالبية المؤيدة للحزب، في الساعات الأولى التي تلت انتشار الخبر، تجمعات محدودة رُفعت خلالها صور خامنئي. كما نشط إعلام الحزب ووسائل التواصل الاجتماعي المؤيدة له في تداول صور وخطابات سابقة وتصريحات لخامنئي تؤكد «استمرار النهج وعدم تأثر المسار برحيل القادة».

صدمة المقارنة

وأثار خبر استهداف اجتماع القادة الإيرانيين بالضربات الإسرائيلية صدمةً في صفوف جمهور «حزب الله»، إذ أعاد إلى الأذهان اغتيال عدد من قادة الحزب خلال اجتماع لهم إبان الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان. وقد طرح ذلك علامات استفهام، لا سيما في ظلّ بلوغ التهديدات الأميركية بالحرب ذروتها سياسياً وعسكرياً. وكانت إسرائيل قد استهدفت اجتماعاً للحزب في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ما أسفر عن مقتل خليفة الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، هاشم صفي الدين، إلى جانب عدد من القيادات.

صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع الاستهداف الإسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)

البُعد الديني

وفيما انشغل البعض بالسؤال عن «المرجعية التي يفترض أن يقلدوها بعد اغتيال خامنئي»، تعامل في معظمهم مع اغتياله من زاوية دينية بحتة، عادين أن «الاستشهاد» أمر متوقع لشخص ومرجعية قيادية بالنسبة إليهم، وهو ما ترافق في الوقت عينه مع أسئلة حول كيفية «الثأر» له، خصوصاً أن البعض يعتبر أن الثأر لم يتحقق لأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله.

وفيما تبرز مواقف علنية غاضبة حيال ما يتعرّض له «محور الممانعة» من نكسات وهزائم في السنوات الأخيرة، لا يُبدي جمهور «حزب الله» حماسة لفتح «حرب إسناد جديدة». وقد عكست مواقف واضحة على وسائل التواصل الاجتماعي هذا المزاج، إذ تغيب الدعوات إلى الثأر وما شابه، ليصبح لسان حال كثيرين منهم: «لم يقف أحد إلى جانبنا عندما شُنّت الحرب علينا، ولم نعد قادرين على تحمّل أعباء حرب جديدة».

المزاج الشيعي الأوسع: رفض الحرب

وفي حين لا يعلن جمهور «حزب الله» صراحة رفضه الانخراط في الحرب، تتقاطع مواقفه مع مزاج شيعي أوسع، ومع موقف غالبية اللبنانيين الرافضين زجّ لبنان مجدداً في حروب الآخرين. وقد عبّر عن ذلك جهاراً عدد كبير من أهالي الجنوب والبقاع، الذين لا يزالون يعيشون تحت وطأة تداعيات المواجهات السابقة، إذ إن عدداً من العائلات لم يتمكن حتى الآن من العودة إلى منازله.


«حزب الله» أخذ بنصيحة بري بعدم التدخل إسناداً لإيران

رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد مجتمعاً مع الرئيس جوزيف عون (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد مجتمعاً مع الرئيس جوزيف عون (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

«حزب الله» أخذ بنصيحة بري بعدم التدخل إسناداً لإيران

رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد مجتمعاً مع الرئيس جوزيف عون (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد مجتمعاً مع الرئيس جوزيف عون (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

يترقب لبنان الرسمي والشعبي مدى استعداد «حزب الله» للتجاوب على الأرض مع النصيحة التي قيل إن رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أسداها إليه بعدم التدخل في المواجهة بين إيران؛ والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وإنها جاءت، كما يقول مصدر دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط»، استكمالاً لدوره في التوصل إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 الذي التزمه «الحزب» وامتنعت إسرائيل عن تطبيقه.

ومع أن المصدر الدبلوماسي يتساءل عمّا إذا كان «الحزب» سيأخذ بنصيحه بري وتمسكه بموقفه بعدم التدخل، خصوصاً بعد الإعلان رسمياً عن اغتيال المرشد الإيراني، علي خامنئي، فإن مصادر بارزة في «الثنائي الشيعي» («الحزب» و«حركة أمل») تقول إن المسار العام الذي ستبلغه المواجهة يُفترض أن يشكل اختباراً للتأكد من أن «الحزب» باقٍ على تعهده وأنه لا عودة عنه.

وفد من «حزب الله» برئاسة النائب محمد رعد يلتقون رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - المركزية)

وكشفت المصادر في «الثنائي» لـ«الشرق الأوسط» عن أن تواصل بري و«الحزب» لم يتوقف، وأنه مستمر لمواكبة الوضع المتفجّر في الجنوب امتداداً إلى البقاع؛ جراء تمادي إسرائيل في اعتداءاتها وخرقها اتفاق وقف الأعمال العدائية. وقالت إن تفاهمه مع «الحزب» لم يأت عقب اندلاع المواجهة؛ و«إنما تم التوصل إليه بعد إعلان أمينه العام، نعيم قاسم، أنه لن يقف على الحياد في حال استُهدفت إيران، وأنه سيتدخل ويعود له تحديد طبيعة» هذا التدخل.

وأكدت أن بري على تواصل يكاد يكون يومياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون، الذي بارك أي تحرك له باتجاه «حزب الله» لتحييد لبنان عن الحرب المشتعلة، وأنه يتواصل داخلياً وخارجياً لتأمين شبكة أمان للحفاظ على الاستقرار في البلد ومنع إسرائيل من توسعة الحرب شرط التزام «الحزب» الحياد. وكان لهذا التقى أخيراً رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» محمد رعد، فيما لم ينقطع مستشاره العميد آندريه رحال عن التلاقي من حين لآخر مع الفريق الملحق برعد والمولج ملف الحوار.

وكشفت المصادر عن أن عدم تدخل «الحزب» تصدّر جدول أعمال حوار عون - رعد. وقالت إن بري لعب دوراً في تحضير الأجواء أمام تكثيف التواصل بينهما، ولفتت إلى أن عون يراهن على قدرة بري على إقناع «الحزب» بعدم التدخل، وهذا ما حصل قبل اندلاع المواجهة بين طهران وواشنطن وتل أبيب. ورأت أن قيادة «الحزب» كانت أحيطت علماً بالتحذيرات التي نقلها عدد من السفراء إلى عون؛ آخرهم الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى لبنان، جينين هينيس بلاسخارت. وقالت إنها وضعته في أجواء زيارتها إسرائيل وتحذير قادتها من تدخّل «الحزب» في حال اندلعت الحرب، وإن رئيسَي البرلمان، نبيه بري، والحكومة، نواف سلام، أحيطا علماً بها؛ مما استدعى، منذ ذلك الوقت، تواصل بري مع «الحزب»، عبر معاونه السياسي النائب علي حسن خليل، الذي تعاملت قيادته بجدية مع تحذيرات إسرائيل؛ لأن تدخله سيلحق أضراراً كبيرة بلبنان وبـ«الحزب» مباشرة.

وأكدت المصادر أن «لقاء عون السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، جاء بعد تلقي بري من (الحزب) ما يدعوه إلى الارتياح بأنه لن يتدخل، وهذا سبق اندلاع الحرب». وقالت إن عيسى عاد للقاء عون (وفق البيان الإعلامي الصادر عن رئاسة الجمهورية)، ناقلاً إليه رسالة من إدارته تؤكد أن الجانب الإسرائيلي ليس في وارد تنفيذ أي تصعيد ضد لبنان، ما دام أنه لا أعمال عدائية من الجهة اللبنانية.

مناصرون لـ«حزب الله» خلال تجمع تضامني مع إيران في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم 26 يناير الماضي (أ.ف.ب)

واستبعدت المصادر احتمال تفلُّت «الحزب» من تعهّده الذي قطعه لبري بعدم التدخل. وقالت إنه سيستعيض عنه بمروحة واسعة من حملات التضامن مع إيران والتنديد بالولايات المتحدة وإسرائيل يُفترض أن تتصاعد وتيرتها مع اغتيال خامنئي، من دون أن تتطور على نحو يدفعه إلى التدخل عسكرياً؛ إلا في حال ارتأى من يًسمَّون «عناصر غير منضبطة»، وفق مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط»، ومن باب رد فعلهم الغاضب، إطلاق صواريخ من نوع «كاتيوشا» لم تعد إلى حد كبير صالحة للاستعمال، أسوة بتلك التي أطلقتها «حماس» مع بدء إسناد «الحزب» غزة؛ لأنه لن يكون في وسعهم استخدام صواريخ دقيقة، فمجرد استخدامها سيرتد على «الحزب»؛ بذريعة أنه يستحيل عليهم تأمينها من دون موافقة ضمنية من قيادته المولجة إعدادها وإطلاقها.

وأضافت المصادر أن «الحزب» كان ولا يزال حريصاً على تحالفه مع بري، وأنه لا يحتمل وزر التفريط فيه، خصوصاً أنه لم يسبق له أن أخلّ بما تعهّد به، وهذا ما بدا واضحاً، ليس من خلال تأييده اتفاق وقف الأعمال العدائية فقط، وإنما لالتزامه وقف النار منذ أن أُعلن في 27 نوفمبر 2024، ولم يطلق رصاصة واحدة رداً على مواصلة إسرائيل اعتداءاتها في الجنوب وتوسعتها لتشمل البقاع واستمرارها في ملاحقة قياداته وكوادره واغتيالهم.

وقالت إن بري يتباهى في لقاءاته الموفدين العرب والأجانب بالتزام «حزب الله»، ويدعوهم إلى الضغط على إسرائيل لإلزامها تطبيق الاتفاق الذي رعته واشنطن وباريس، رغم أن عدم ردّه على الاعتداءات، بعد مضي سنة وأكثر من 3 أشهر على الاتفاق، يشكل إحراجاً له أمام بيئته، وهذا ما يكمن وراء دعوة بري إلى تطبيق التلازم في الخطوات مع سيطرة الجيش على منطقة جنوب الليطاني وخروج «حزب الله» منها.

وأكدت أن تمايز بري عن «الحزب» بشأن عدد من القضايا لا يفسد ما بينهما من ودّ؛ لأنه الأقدر على مخاطبة المجتمع الدولي؛ بخلاف حليفه، إضافة إلى أنه لا يمكن التوصل لأي تسوية داخلية من دون الحوار معه؛ لأن معظم القوى السياسية الآن على قطيعة مع «الحزب».

وفي هذا السياق، استبعدت مصادر سياسية إخلال «الحزب» بتعهده عدم التدخل، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن قيادته تدرك ميدانياً أنه لا جدوى منه نظراً إلى عدم قدرته عسكرياً على توجيه ضربات موجعة لإسرائيل في ظل الضربات القاسية التي أُلحقت به بإسناده غزة، والتي أدت إلى الاختلال في ميزان القوى وانعدام قدرته على استعادته قواعد الاشتباك والردع المتوازن.

وأكدت أنه لا مصلحة لـ«الحزب» في تكرار مغامرته العسكرية بإسناده إيران؛ «لما يترتب عليها من تكلفة بشرية ومادية تصيبه وتلحق أضراراً كبيرة بالبلد لا يستطيع (الحزب) تحمّلها ولا تلقى استجابة؛ ليس من المزاج الشيعي فقط، وإنما من بيئته، وسيجد نفسه وحيداً، وبالتالي لم يعد من خيار أمامه سوى وقوفه خلف الدولة والتحصن سياسياً وراء بري، وإلا؛ فإن إقحامه البلد في مغامرة جديدة سيؤدي إلى عزله أعمق مما هو فيها الآن، لذلك؛ فسيقتصر تدخُّل (الحزب)؛ انسجاماً مع البيان الذي أصدره، على التضامن الإعلامي والسياسي مع إيران دون حدود».