التضخم وانهيار العملة يجبران السوريين على حمل أموالهم في حقائب للتسوق

أشخاص يتسوقون لشراء اللوازم المدرسية في إحدى أسواق دمشق (رويترز)
أشخاص يتسوقون لشراء اللوازم المدرسية في إحدى أسواق دمشق (رويترز)
TT

التضخم وانهيار العملة يجبران السوريين على حمل أموالهم في حقائب للتسوق

أشخاص يتسوقون لشراء اللوازم المدرسية في إحدى أسواق دمشق (رويترز)
أشخاص يتسوقون لشراء اللوازم المدرسية في إحدى أسواق دمشق (رويترز)

تخلت السورية أمينة الياسري عن محفظة نقودها الصغيرة، واشترت حقيبة كبيرة تستوعب كمية أكبر من النقود التي باتت تضطر إلى حملها للتسوق اليومي لشراء السلع الأساسية في ظل ارتفاع معدلات التضخم وغلاء الأسعار.

وتقول أمينة، التي تعمل مدرسة للغة الروسية في معهد خاص بدمشق، لـ«وكالة أنباء العالم العربي» (AWP): «فوتة (مشوار) السوق صار بدها شوال مصاري (نقود)»، مشيرة إلى صعوبة شراء السلع الأساسية نظراً لغلاء الأسعار وانخفاض قيمة الليرة السورية.

وأضافت: «في كل مرة أذهب إلى غرفة المحاسبة لأقبض راتبي الشهري، وأطلب أن يكون من فئة 5000 ليرة، وهي أكبر فئة نقدية من العملة المحلية، لا أحصل إلا على رزم جميعها من فئة 500 ليرة تزن كيلوغراماً واحداً تقريباً، وهو ما جعلني بحاجة لحقيبة يد كبيرة سعرها بنصف الراتب الذي سيوضع بداخلها شهرياً».

عدا ذلك، تقول أمينة إن أكثر ما يستفزها هو رد المحاسب بجملة «هذا الموجود» التي تشعرها بأنها لو اعترضت يمكن أن يعاقبها بمنحها راتبها بنقد من فئة 200 ليرة.

وتابعت قائلة بنبرة ساخرة: «عندما أرى حقيبتي مكدسة بالنقود أتوهم بأنني من أصحاب الثراء إلا أن مبلغ 500 ألف ليرة الذي أقبضه لا يكفي أسبوعاً واحداً فقط لشراء المواد الغذائية والأساسية لعائلتي».

عد النقود

معاناة أمينة ليست فردية، بل إن الكثير من الموظفين وغيرهم من التجار وشركات الصرافة يعانون من أزمة تتعلق بتداول العملة المحلية التي تواصل الانهيار أمام العملات الأجنبية.

ويقول مهند سليمان، الذي يملك مخزناً لتجارة الملابس في حي البرامكة في دمشق، إن ضعف العملة الورقية بات يشكل أزمة حقيقية ومسألة معقدة، سواء للزبائن أو للعاملين في المخزن.

وأضاف: «يأتي الزبائن لشراء ما يملأون به محلاتهم الصغيرة، يحملون معهم ثمن البضاعة التي يمكن أن تكون 75 مليون ليرة في أكياس وحقائب، ولكن المشكلة ليست هنا، إنما تكمن في عد هذه المبالغ الذي يستغرق أحياناً ساعة رغم وجود العداد الآلي».

أكوام من الليرات السورية داخل محل صرافة (رويترز)

ومع انخفاض سعر الصرف من نحو 47 ليرة للدولار في 2010 إلى أكثر من 15 ألف ليرة للدولار هذا العام، باتت الأمر يؤرق السوريين الذين يعانون من تفاقم التضخم وتدهور قيمة العملة المحلية.

وقفز معدل التضخم في سوريا إلى 228 في المائة، وفقاً لخبراء اقتصاديين أميركيين. ولم ينشر مصرف سوريا المركزي في موقعه على الإنترنت أي بيانات عن التضخم منذ أغسطس (آب) 2020، عندما قفز إلى ما يقرب من 140 في المائة على أساس سنوي.

ومن جانبها، تشتكي فرح إبراهيم، التي تعمل في مديرية التربية صباحاً وبائعة ملابس مساء في أحد المتاجر الشهيرة بحي القصاع في وسط دمشق، من الغلاء وانخفاض قيمة الرواتب، ما دفعها للعمل في وظيفتين رغم أنها أم لثلاثة أطفال.

وتقول: «لا أدري كيف سأقارن راتبي مقابل الدولار المرتفع... كيف سيعيش أولادي إن لم أعمل منذ الصباح حتى المساء، وكيف سأتأقلم مع الأسعار التي تتضاعف في كل لحظة، وسعر الصرف ليس معقولاً والليرة كل يوم في قاع جديد».

وأضافت: «فئات 200 و100 و50 ليرة باتت بلا قيمة وعاجزة عن شراء أي سلعة... والبائعون يرفضون التعامل بها حتى الأولاد عندما يجدون في الأرض عملة من فئة 200 ليرة لا يلمّونها، لأنها أصلاً لا تساوي شيئاً، ولا يمكن أن تشتري لهم حبة علكة صغيرة».

وأوضحت الباحثة والأستاذة بكلية الاقتصاد رشا سيروب أن البعض بات يرفض التعامل بالعملات الصغيرة التي فقدت قوتها الشرائية رغم أنها ما زالت مقبولة قانونياً، وقالت: «الإشكالية الفعلية الحاصلة هي في إحجام بعض الأشخاص والأنشطة عن قبول هذه العملات كأداة لتسديد المدفوعات».

أسباب متشابكة

عزت سيروب زيادة التضخم إلى الكثير من الأسباب المتشابكة والمترابطة، معتبرة أن أحد الأسباب الأساسية يتمثل في «رفع أسعار حوامل الطاقة (النفط ومشتقاته والغاز الطبيعي والكهرباء) التي أدت إلى رفع تكاليف الإنتاج».

وأعلنت الحكومة السورية في وقت سابق من الشهر الحالي زيادة جديدة في أسعار المحروقات، وذلك بعد نحو شهر من زيادة سابقة شهدت رفع أسعار المازوت والبنزين بنسبة تزيد على 150 في المائة.

ومن بين أسباب التضخم الأخرى، وفقاً لأستاذة الاقتصاد، تحول سوريا إلى اقتصاد استهلاكي يعتمد على تلبية الاستهلاك المحلي عن طريق الاستيراد، إضافة إلى سعر الصرف.

وأضافت الباحثة الاقتصادية أن انخفاض العرض هو أحد أسباب التضخم. ومضت تقول: «العرض، أي الإنتاج المحلي، منخفض، وبالتالي كي نعالج إشكالية التضخم يجب أن نتوجه في البداية إلى زيادة الإنتاج المحلي وتنشيطه... وإغلاق الفجوة بين العرض والطلب».

ورداً على سؤال حول إمكانية إصدار فئة جديدة من الليرة، قالت سيروب: «في حال لم يكن مترافقاً مع نشاط اقتصادي، فهذا سينعكس تضخماً قولاً واحداً».

أشخاص ينتظرون شراء الخبز خارج مخبز على مشارف دمشق (رويترز)

وأرجع الخبير الاقتصادي عامر شهدا موجات التضخم التي تشهدها سوريا إلى القرارات الحكومية برفع الأسعار من أجل زيادة مواردها، مضيفاً أن هذه الموارد لا تُستخدم في تمويل مشاريع إنمائية «وإنما تُستخدم في تغطية العجز في الموازنة».

وقال: «عجز الموازنة يتعلق بالهدر وعدم وجود شفافية أو قواعد بيانات يمكن من خلالها حساب الاحتياجات الحقيقية للبلاد»، وهي أمور يرى أنها تشكل 50 في المائة من أسباب التضخم في سوريا.

وأصدرت الحكومة السورية قرارات اقتصادية في أغسطس (آب) شملت زيادة الرواتب والأجور والمعاشات للعاملين والمتقاعدين بمؤسسات الدولة، لكنها شملت أيضاً إلغاء الدعم كلياً عن البنزين، وجزئياً عن مشتقات نفطية أخرى. وتزامن هذا مع قرار مصرف سوريا المركزي خفض سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار من 10300 ليرة إلى 10700 للدولار.

الدفع الإلكتروني

ترى أستاذة الاقتصاد سيروب أن التحول إلى الدفع الإلكتروني وسيلة تعكس تقدم الدول وترسي مبادئ الشفافية في المعاملات التجارية، وتساعد المؤسسات الحكومية على معرفة الأرقام الضريبية الحقيقية والفعلية.

وأكدت سيروب ضرورة تحول سوريا نحو الدفع الإلكتروني «خصوصاً أننا في القرن 21، وهو أمر له الكثير من الإيجابيات ويقلل الفساد، كما أن الدفع الإلكتروني يمكن أن يساعد الحكومة في تحصيل مستحقاتها الضريبية».

غير أن شهدا يرى أن تأثير الدفع الإلكتروني على التضخم في سوريا سيكون بطيئاً وحلاً طويل الأمد نتيجة الافتقار إلى ثقافة الدفع الإلكتروني وعدم وجود بنية تحتية تساعد على ذلك.

وأضاف الخبير الاقتصادي: «هذه الأمور ليست حلاً للتضخم في سوريا، بل في خلق أدوات للسياسة النقدية تستطيع سحب أكبر كتلة نقدية من السوق كإنشاء شركات مساهمة كبيرة، وهي تعد إحدى السياسات النقدية المساعدة للدولة في موضوع التضخم».

وأوضح أنه إذا ترافق الدفع الإلكتروني مع إنشاء شركات مساهمة، سيكون هناك تحسن في معدلات التضخم، لافتاً إلى ضرورة اعتماد بطاقة مسبقة الدفع يمكنها سحب مبالغ كبيرة، والذي سيكون من شأنه السيطرة على التضخم، وفقاً للخبير الاقتصادي.


مقالات ذات صلة

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

خاص نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

تسود أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب بريف حماة الغربي، عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق.

سعاد جروس (دمشق)
شمال افريقيا لاجئات سودانيات في أسوان (مفوضية اللاجئين)

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

رَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي ومستمرة إلى الآن.

رحاب عليوة (القاهرة)
المشرق العربي قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

وصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

«الشرق الأوسط» (لاهاي (هولندا))
المشرق العربي تفتيش دقيق للكنائس السورية قبل انطلاق احتفال عيد الشعانين (الداخلية السورية)

كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

أحيت الكنائس المسيحية التي تتبع التقويم الغربي أحد الشعانين بالصلوات داخل حرم الكنائس، وسط إجراءات أمنية مكثفة في محيطها.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)

سوريا: عودة الهدوء إلى مدينة مسيحية بعد أحداث شغب

عاد الهدوء إلى مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة، بعد ليلة من أعمال الشغب، إلا أن أجواء قلق ما زالت تسود في أوساط المسيحيين قبل «أحد الشعانين».

سعاد جروس (دمشق)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.