التضخم وانهيار العملة يجبران السوريين على حمل أموالهم في حقائب للتسوق

أشخاص يتسوقون لشراء اللوازم المدرسية في إحدى أسواق دمشق (رويترز)
أشخاص يتسوقون لشراء اللوازم المدرسية في إحدى أسواق دمشق (رويترز)
TT

التضخم وانهيار العملة يجبران السوريين على حمل أموالهم في حقائب للتسوق

أشخاص يتسوقون لشراء اللوازم المدرسية في إحدى أسواق دمشق (رويترز)
أشخاص يتسوقون لشراء اللوازم المدرسية في إحدى أسواق دمشق (رويترز)

تخلت السورية أمينة الياسري عن محفظة نقودها الصغيرة، واشترت حقيبة كبيرة تستوعب كمية أكبر من النقود التي باتت تضطر إلى حملها للتسوق اليومي لشراء السلع الأساسية في ظل ارتفاع معدلات التضخم وغلاء الأسعار.

وتقول أمينة، التي تعمل مدرسة للغة الروسية في معهد خاص بدمشق، لـ«وكالة أنباء العالم العربي» (AWP): «فوتة (مشوار) السوق صار بدها شوال مصاري (نقود)»، مشيرة إلى صعوبة شراء السلع الأساسية نظراً لغلاء الأسعار وانخفاض قيمة الليرة السورية.

وأضافت: «في كل مرة أذهب إلى غرفة المحاسبة لأقبض راتبي الشهري، وأطلب أن يكون من فئة 5000 ليرة، وهي أكبر فئة نقدية من العملة المحلية، لا أحصل إلا على رزم جميعها من فئة 500 ليرة تزن كيلوغراماً واحداً تقريباً، وهو ما جعلني بحاجة لحقيبة يد كبيرة سعرها بنصف الراتب الذي سيوضع بداخلها شهرياً».

عدا ذلك، تقول أمينة إن أكثر ما يستفزها هو رد المحاسب بجملة «هذا الموجود» التي تشعرها بأنها لو اعترضت يمكن أن يعاقبها بمنحها راتبها بنقد من فئة 200 ليرة.

وتابعت قائلة بنبرة ساخرة: «عندما أرى حقيبتي مكدسة بالنقود أتوهم بأنني من أصحاب الثراء إلا أن مبلغ 500 ألف ليرة الذي أقبضه لا يكفي أسبوعاً واحداً فقط لشراء المواد الغذائية والأساسية لعائلتي».

عد النقود

معاناة أمينة ليست فردية، بل إن الكثير من الموظفين وغيرهم من التجار وشركات الصرافة يعانون من أزمة تتعلق بتداول العملة المحلية التي تواصل الانهيار أمام العملات الأجنبية.

ويقول مهند سليمان، الذي يملك مخزناً لتجارة الملابس في حي البرامكة في دمشق، إن ضعف العملة الورقية بات يشكل أزمة حقيقية ومسألة معقدة، سواء للزبائن أو للعاملين في المخزن.

وأضاف: «يأتي الزبائن لشراء ما يملأون به محلاتهم الصغيرة، يحملون معهم ثمن البضاعة التي يمكن أن تكون 75 مليون ليرة في أكياس وحقائب، ولكن المشكلة ليست هنا، إنما تكمن في عد هذه المبالغ الذي يستغرق أحياناً ساعة رغم وجود العداد الآلي».

أكوام من الليرات السورية داخل محل صرافة (رويترز)

ومع انخفاض سعر الصرف من نحو 47 ليرة للدولار في 2010 إلى أكثر من 15 ألف ليرة للدولار هذا العام، باتت الأمر يؤرق السوريين الذين يعانون من تفاقم التضخم وتدهور قيمة العملة المحلية.

وقفز معدل التضخم في سوريا إلى 228 في المائة، وفقاً لخبراء اقتصاديين أميركيين. ولم ينشر مصرف سوريا المركزي في موقعه على الإنترنت أي بيانات عن التضخم منذ أغسطس (آب) 2020، عندما قفز إلى ما يقرب من 140 في المائة على أساس سنوي.

ومن جانبها، تشتكي فرح إبراهيم، التي تعمل في مديرية التربية صباحاً وبائعة ملابس مساء في أحد المتاجر الشهيرة بحي القصاع في وسط دمشق، من الغلاء وانخفاض قيمة الرواتب، ما دفعها للعمل في وظيفتين رغم أنها أم لثلاثة أطفال.

وتقول: «لا أدري كيف سأقارن راتبي مقابل الدولار المرتفع... كيف سيعيش أولادي إن لم أعمل منذ الصباح حتى المساء، وكيف سأتأقلم مع الأسعار التي تتضاعف في كل لحظة، وسعر الصرف ليس معقولاً والليرة كل يوم في قاع جديد».

وأضافت: «فئات 200 و100 و50 ليرة باتت بلا قيمة وعاجزة عن شراء أي سلعة... والبائعون يرفضون التعامل بها حتى الأولاد عندما يجدون في الأرض عملة من فئة 200 ليرة لا يلمّونها، لأنها أصلاً لا تساوي شيئاً، ولا يمكن أن تشتري لهم حبة علكة صغيرة».

وأوضحت الباحثة والأستاذة بكلية الاقتصاد رشا سيروب أن البعض بات يرفض التعامل بالعملات الصغيرة التي فقدت قوتها الشرائية رغم أنها ما زالت مقبولة قانونياً، وقالت: «الإشكالية الفعلية الحاصلة هي في إحجام بعض الأشخاص والأنشطة عن قبول هذه العملات كأداة لتسديد المدفوعات».

أسباب متشابكة

عزت سيروب زيادة التضخم إلى الكثير من الأسباب المتشابكة والمترابطة، معتبرة أن أحد الأسباب الأساسية يتمثل في «رفع أسعار حوامل الطاقة (النفط ومشتقاته والغاز الطبيعي والكهرباء) التي أدت إلى رفع تكاليف الإنتاج».

وأعلنت الحكومة السورية في وقت سابق من الشهر الحالي زيادة جديدة في أسعار المحروقات، وذلك بعد نحو شهر من زيادة سابقة شهدت رفع أسعار المازوت والبنزين بنسبة تزيد على 150 في المائة.

ومن بين أسباب التضخم الأخرى، وفقاً لأستاذة الاقتصاد، تحول سوريا إلى اقتصاد استهلاكي يعتمد على تلبية الاستهلاك المحلي عن طريق الاستيراد، إضافة إلى سعر الصرف.

وأضافت الباحثة الاقتصادية أن انخفاض العرض هو أحد أسباب التضخم. ومضت تقول: «العرض، أي الإنتاج المحلي، منخفض، وبالتالي كي نعالج إشكالية التضخم يجب أن نتوجه في البداية إلى زيادة الإنتاج المحلي وتنشيطه... وإغلاق الفجوة بين العرض والطلب».

ورداً على سؤال حول إمكانية إصدار فئة جديدة من الليرة، قالت سيروب: «في حال لم يكن مترافقاً مع نشاط اقتصادي، فهذا سينعكس تضخماً قولاً واحداً».

أشخاص ينتظرون شراء الخبز خارج مخبز على مشارف دمشق (رويترز)

وأرجع الخبير الاقتصادي عامر شهدا موجات التضخم التي تشهدها سوريا إلى القرارات الحكومية برفع الأسعار من أجل زيادة مواردها، مضيفاً أن هذه الموارد لا تُستخدم في تمويل مشاريع إنمائية «وإنما تُستخدم في تغطية العجز في الموازنة».

وقال: «عجز الموازنة يتعلق بالهدر وعدم وجود شفافية أو قواعد بيانات يمكن من خلالها حساب الاحتياجات الحقيقية للبلاد»، وهي أمور يرى أنها تشكل 50 في المائة من أسباب التضخم في سوريا.

وأصدرت الحكومة السورية قرارات اقتصادية في أغسطس (آب) شملت زيادة الرواتب والأجور والمعاشات للعاملين والمتقاعدين بمؤسسات الدولة، لكنها شملت أيضاً إلغاء الدعم كلياً عن البنزين، وجزئياً عن مشتقات نفطية أخرى. وتزامن هذا مع قرار مصرف سوريا المركزي خفض سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار من 10300 ليرة إلى 10700 للدولار.

الدفع الإلكتروني

ترى أستاذة الاقتصاد سيروب أن التحول إلى الدفع الإلكتروني وسيلة تعكس تقدم الدول وترسي مبادئ الشفافية في المعاملات التجارية، وتساعد المؤسسات الحكومية على معرفة الأرقام الضريبية الحقيقية والفعلية.

وأكدت سيروب ضرورة تحول سوريا نحو الدفع الإلكتروني «خصوصاً أننا في القرن 21، وهو أمر له الكثير من الإيجابيات ويقلل الفساد، كما أن الدفع الإلكتروني يمكن أن يساعد الحكومة في تحصيل مستحقاتها الضريبية».

غير أن شهدا يرى أن تأثير الدفع الإلكتروني على التضخم في سوريا سيكون بطيئاً وحلاً طويل الأمد نتيجة الافتقار إلى ثقافة الدفع الإلكتروني وعدم وجود بنية تحتية تساعد على ذلك.

وأضاف الخبير الاقتصادي: «هذه الأمور ليست حلاً للتضخم في سوريا، بل في خلق أدوات للسياسة النقدية تستطيع سحب أكبر كتلة نقدية من السوق كإنشاء شركات مساهمة كبيرة، وهي تعد إحدى السياسات النقدية المساعدة للدولة في موضوع التضخم».

وأوضح أنه إذا ترافق الدفع الإلكتروني مع إنشاء شركات مساهمة، سيكون هناك تحسن في معدلات التضخم، لافتاً إلى ضرورة اعتماد بطاقة مسبقة الدفع يمكنها سحب مبالغ كبيرة، والذي سيكون من شأنه السيطرة على التضخم، وفقاً للخبير الاقتصادي.


مقالات ذات صلة

سوريا: القبض على عدنان حلوة أحد أبرز المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة

المشرق العربي صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة

سوريا: القبض على عدنان حلوة أحد أبرز المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة

أعلن وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، الأربعاء، عن اعتقال اللواء عدنان حلوة، أحد ضباط النظام المخلوع المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة الشرقية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
خاص نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

خاص السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

تسود أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب بريف حماة الغربي، عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق.

سعاد جروس (دمشق)
شمال افريقيا لاجئات سودانيات في أسوان (مفوضية اللاجئين)

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

رَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي ومستمرة إلى الآن.

رحاب عليوة (القاهرة)
المشرق العربي قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

وصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

«الشرق الأوسط» (لاهاي (هولندا))
المشرق العربي تفتيش دقيق للكنائس السورية قبل انطلاق احتفال عيد الشعانين (الداخلية السورية)

كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

أحيت الكنائس المسيحية التي تتبع التقويم الغربي أحد الشعانين بالصلوات داخل حرم الكنائس، وسط إجراءات أمنية مكثفة في محيطها.

سعاد جرَوس (دمشق)

السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
TT

السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)

دعت السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل، معتبرة أن البلاد تقف عند «مفترق طرق» يتيح لشعبها فرصة تاريخية لاستعادة السيادة وبناء مستقبل مستقل.

وفي بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أشارت السفارة إلى أن التهدئة الممتدة التي تحققت «بناءً على طلب شخصي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، وفّرت للبنان مساحة لطرح مطالبه بدعم كامل من الحكومة الأميركية.

وأضافت أن عقد لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، برعاية ترمب، قد يشكّل للبنان فرصة للحصول على ضمانات تتعلق بالسيادة الكاملة، وسلامة الأراضي، وأمن الحدود، إضافة إلى دعم إنساني وإعادة الإعمار، واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها.

وختمت السفارة بيانها بالتأكيد أن الولايات المتحدة مستعدة للوقوف بجانب لبنان في هذه المرحلة، داعية إلى اغتنام الفرصة «بثقة وحكمة»، معتبرة أن الوقت لم يعد يحتمل التردد.


ترمب يدعو رئيس الوزراء العراقي المكلّف لزيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة

رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدعو رئيس الوزراء العراقي المكلّف لزيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة

رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)

​هنّأ الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب، ‌اليوم (​الخميس)، ‌علي ⁠الزيدي ​على ترشيحه ⁠لتولي منصب ⁠رئيس ‌وزراء العراق، ‌قائلاً ​في ‌منشور على ‌منصة «تروث ‌سوشال» إنه يتطلع ⁠إلى علاقة جديدة ⁠مثمرة للغاية.

وأعلن الزيدي أنه تواصل هاتفياً مع ترمب، الذي دعاه إلى زيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة في بغداد.

وجاء، في بيان نقلته «رويترز» عن المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء، أن الزيدي تلقى «اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأميركي السيد دونالد ترمب، قدّم خلاله التهنئة لسيادته بمناسبة تكليفه رسمياً لتشكيل الحكومة الجديدة، كما وجّه له دعوة رسمية لزيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة».

وكُلّف الزيدي، الاثنين، بتأليف الحكومة بعدما رشّحه الإطار التنسيقي، المؤلف من أحزاب شيعية مقرّبة من طهران، بدلاً من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي قوبل ترشيحه بمعارضة من الولايات المتحدة وترمب.


«البحرية الإسرائيلية» حشدت نصف قوتها للتنكيل بـ«أسطول الصمود»

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
TT

«البحرية الإسرائيلية» حشدت نصف قوتها للتنكيل بـ«أسطول الصمود»

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)

حشد سلاح البحرية الإسرائيلية أكثر من نصف قوته للسيطرة على «أسطول الصمود العالمي» الذي يضم 60 سفينة وقارباً من التنظيمات المتعاطفة مع القضية الفلسطينية في أوروبا والعالم، واعتقلت - حسب منظمين - 211 ناشطاً كانوا يسعون إلى إيصال مساعدات إلى قطاع غزة.

وأدانت إسبانيا بشدة، الخميس، اعتراض الجيش الإسرائيلي للأسطول وقالت خارجيتها في بيان إنها استدعت القائمة بالأعمال الإسرائيلية لنقل احتجاجها على احتجاز سفن الأسطول.

وطالبت ألمانيا وإيطاليا، إسرائيل باحترام القانون الدولي، على خلفية التوقيف، وجاء في بيان مشترك لحكومتي البلدين أنهما تتابعان بـ«قلق بالغ» اعتراض أسطول «الصمود العالمي» في المياه الدولية قبالة السواحل اليونانية، وأضاف البيان: «نطالب بالاحترام الكامل للقانون الدولي الساري والكف عن التصرفات غير المسؤولة».

وقالت المتحدثة باسم منظمة «الصمود العالمي - فرنسا» هيلين كورون، الخميس، في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، إن من بين مَن احتُجزوا، 11 مواطناً فرنسيّاً. وأضافت: «ليست لدينا معلومات عن الجنسيات الأخرى، لكن القوارب كانت مختلَطة من حيث الجنسيات، وكان على متنها أفراد من جميع الوفود الـ48».

سيطرة مختلفة لإثبات الجدارة

وقد أكدت مصادر مطلعة في تل أبيب أن طريقة السيطرة على هذا الأسطول «جاءت مختلفة عن طرق التعامل مع الموجات السابقة من (أسطول الحرية)، وضعها القائد الجديد في سلاح البحرية، اللواء ايال هرئيل، الذي بدأ مهامه قبل أربعة أسابيع ويريد إثبات جدارته مع أنها (معركة بلا قتال). وقام بالإشراف شخصياً على العملية التي غلب عليها هدف التنكيل».

والجديد في الهجوم على الأسطول، أنه «تم في منطقة تبعد 1000 كيلومتر عن شاطئ قطاع غزة، ضمن ما يسمى (الضربة الاستباقية المفاجئة)».

سفن ضمن «أسطول الصمود العالمي» تعتزم التوجه إلى غزة تقف في ميناء برشلونة الإسباني منتصف الشهر الحالي (إ.ب.أ)

وتعمدت «البحرية الإسرائيلية» ألا تجر السفن التي تتم السيطرة عليها - كما حدث سابقاً - بل تم إحضار فريق من الميكانيكيين، الذين قاموا بتفكيك المحركات من السفن التي تم اعتقال ركابها، وبدلاً من مصادرتها وجرها إلى إسرائيل تم إبقاؤها عائمة وعرضة للغرق.

مُعتقَل عائم... وقوة كوماندوز

وفي الوقت نفسه، تم إعداد سفينة خصيصاً لتتحول مُعتقَلاً عائماً يتم فيه حبس النشطاء، وقد اختارت المخابرات الإسرائيلية 170 ناشطاً من مجموع المشاركين تعدّهم «قيادات أساسية»، فاعتقلتهم ونقلتهم إلى إسرائيل ليس بوصفهم نشطاء احتجاج بل عدّتهم «معتدين ارتكبوا عملاً جنائياً ضد إسرائيل»، لذلك؛ تم إذلالهم أيضاً.

وأمرت القوات البحرية المهاجمة النشطاء بالركوع على الأرض بركبهم وأيديهم، كما تفعل عادة مع المعتقلين الفلسطينيين، وقد تم وضع هذه السفينة تحت قيادة قوة الكوماندوز، الخاص بمصلحة السجون الإسرائيلية (متسادا)، المعروفة بشراسة اعتداءاتها على الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

تُظهِر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم في حين اعترض الجيش الإسرائيلي السفينة (رويترز)

وضمت القوة الإسرائيلية سفنها الحربية الصاروخية وقوة من الكوماندوز البحرية التي تولت مهمة السيطرة على «سفن القيادة» في هذا الأسطول، وقوة من سلاح الجو، لكنها لم تكن في حاجة إلى استخدام هذه القوة؛ فالنشطاء أعلنوا أنهم قوة سلمية تعمل بوسائل سلمية، وعندما أمرتهم القوات الإسرائيلية بالاستسلام، لم يقاوموا.

وحسب مصادر عسكرية اعتمدتها صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الخميس، فإن سفن سلاح البحرية الإسرائيلية فاجأت سفن الأسطول بهجومها، وأبلغتهم أن رحلتهم إلى غزة غير قانونية. وأنهم في حال رغبتهم في إرسال مساعدات إلى أهل غزة، فإنها ترحب بهم إذا توجهوا إلى ميناء أسدود الإسرائيلي وتتولى هي التوصيل، ولكنهم رفضوا هذا العرض وقالوا إن إسرائيل دولة احتلال لا يريدون التعاون معها، وما يريدونه هو وقف الحصار على القطاع، المستمر منذ 18 سنة.

السيطرة على 21 سفينة

وادعت السلطات الإسرائيلية أن سفن الأسطول أحاطت بسفينة إسرائيلية كانت في طريق عودتها إلى البلاد، وفرضوا عليها حصاراً. عندها، أعطيت الإشارة بتنفيذ المخطط المعد سلفاً للهجوم. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، إن الخطة الأصلية كانت الاكتفاء بالسيطرة على 10 سفن من الأسطول، لكنها اضطرت إلى السيطرة على 21 سفينة، تضم الشخصيات القيادية. واعتقلتهم جميعاً.

ورافق القوات، فريق من دائرة الناطق بلسان الجيش، والذي عمل فوراً على نشر فيديوهات وبيانات وهم في عرض البحر لصد الدعاية المنظمة لقادة الأسطول، وركز على تشويه المشاركين.

وقال الناطق العسكري الإسرائيلي، في بياناته، إن الجيش خيَّر النشطاء بين العودة إلى برشلونة، التي انطلقوا منها وبين الاعتقال والترحيل.

يذكر أن هذا الأسطول، الذي حمل اسم «مهمة ربيع 2026»، يعد أضخم حراك لرحلات كسر الحصار على غزة، التي بدأت في سنة 2010 بسفينة مرمرة التركية، والتي هاجمتها إسرائيل وقتلت عشرة من ركابها.

قطعة عسكرية تابعة لـ«البحرية الإسرائيلية» ترافق إحدى سفن «أسطول الصمود» إلى ميناء أشدود بعد اعتراضها أكتوبر الماضي (رويترز)

وانطلق الأسطول الضخم، من مدينة برشلونة الإسبانية في 12 أبريل (نيسان)، ومرّ في جزيرة صقلية الإيطالية في 23 أبريل، لتنضم إليها لاحقاً سفن ونشطاء من إيطاليا عبر مدينتي سيراكوزا وأوغوستا.

وارتفع عدد القوارب المشاركة في الأسطول بميناء أوغستا لليخوت إلى 65 قارباً، قبل أن تُستكمل الإجراءات اللازمة لمغادرة الميناء، الأحد؛ ليبحر المشاركون تدريجياً وفق نظام محدد باتجاه البحر الأبيض المتوسط في ساعات العصر من اليوم نفسه. واستقبلت السفن في عرض البحر سفينة تابعة لمنظمة «غرينبيس» (السلام الأخضر) الداعمة للأسطول.

وخلال مغادرة القوارب للميناء، ردد عدد من الناشطين هتافات «فلسطين حرة» وأشعلوا المشاعل، في حين ودّع النشطاء بعضهم بعضاً بعبارة «نلتقي في غزة».

وتحاصر إسرائيل قطاع غزة منذ عام 2007، وبات نحو 1.5 مليون فلسطيني من أصل نحو 2.4 مليون بالقطاع بلا مأوى بعد أن دمرت حرب الإبادة مساكنهم.

وجرى التوصل لاتفاق وقف النار عقب عامين من الحرب، التي قتل فيها ما يزيد على 72 ألف قتيل وأكثر من 172 ألف جريح فلسطينيين.

ويؤكد الفلسطينيون أن القطاع يعيش أزمة إنسانية وصحية مخيفة، إذ إن الحرب أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية. كما تعاني غزة قيوداً إسرائيلية مشددة على إدخال الوقود والمستلزمات الطبية، إلى جانب نقص حاد في الأدوية والمعدات.