تسارع سقوط قادة من الصف الأول في نظام الأسد

اعتقالات تشمل مسؤولين عسكريين وأمنيين بارزين... ودعم أميركي لمسار «العدالة الانتقالية»

رئيس الأمن السياسي السابق بمحافظة درعا في جنوب سوريا عاطف نجيب خلال مثوله أمام المحكمة في دمشق يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
رئيس الأمن السياسي السابق بمحافظة درعا في جنوب سوريا عاطف نجيب خلال مثوله أمام المحكمة في دمشق يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
TT

تسارع سقوط قادة من الصف الأول في نظام الأسد

رئيس الأمن السياسي السابق بمحافظة درعا في جنوب سوريا عاطف نجيب خلال مثوله أمام المحكمة في دمشق يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
رئيس الأمن السياسي السابق بمحافظة درعا في جنوب سوريا عاطف نجيب خلال مثوله أمام المحكمة في دمشق يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

بالتزامن مع تفعيل مسار العدالة الانتقالية في سوريا، الذي انطلق مع بدء محاكمة رموز النظام السابق في نهاية أبريل (نيسان) الماضي، ارتفعت وتيرة ملاحقة من يوصفون بـ«فلول» نظام الأسد، وتركزت على استهداف شخصيات من الصف الأول في القيادتين العسكرية والأمنية، بالإضافة إلى مطلوبين بارزين في جرائم جسيمة ارتكبها «شبيحة» الحكم السابق. ووصل عدد المعتقلين من المسؤولين العسكريين والأمنيين المعلن عنهم خلال مايو (أيار) الحالي إلى ثمانية مسؤولين، منهم خمسة يحملون رتبة لواء وثلاثة يحملون رتبة عميد، بالإضافة إلى أربعة من «الشبيحة» المتهمين بعمليات اغتيال والتسبب بتغييب آلاف السوريين في ريف دمشق ومحافظتي اللاذقية وحمص.

وأعلن وزير الداخلية أنس خطاب، مساء الجمعة، القبض على اللواء واصل العويد، نائب رئيس الأركان في عهد النظام السابق، واللواء الطيار السابق إبراهيم محلا. وقال في بيان، عبر حسابه في منصة «إكس»، إن «المجرمين اللواء واصل العويد واللواء الطيار إبراهيم محلا - رئيس أركان الفرقة 22 في القوى الجوية - من رموز النظام الدموي، باتا في قبضتنا الأمنية».

وجاء ذلك بعد أيام قليلة من إعلان القبض على اللواء الطيار الركن جايز حمود الموسى قائد أركان القوى الجوية والدفاع الجوي الأسبق ومحافظ الحسكة السابق المتهم بالمسؤولية عن تنفيذ غارات جوية دموية واستخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين.

وخلال الشهر الحالي، أعلن عن القبض على اللواء وجيه علي العبد الله مدير مكتب الشؤون العسكرية للرئيس السابق بشار الأسد لمدة 13 عاماً. ويعد العبد لله أحد أركان «الدائرة الضيقة» المسؤولة عن تنسيق الممارسات القمعية. وأيضاً توقيف العميد سهل فجر حسن وهو قائد كتيبة سابق في الحرس الجمهوري بمحافظة دير الزور، واللواء الطيار غسان شاهين رئيس أركان القوات الجوية المدرج على لوائح العقوبات الدولية لمسؤوليته المزعومة عن قمع المدنيين والهجمات الكيميائية. كما أُعلن عن القبض على العميد خردل أحمد ديوب، رئيس فرع المخابرات الجوية السابق في محافظة درعا، والعميد طلال العلي رئيس فرع الأمن العسكري في منطقة سعسع جنوب سوريا.

وخلال النصف الثاني من شهر أبريل (نيسان) الماضي، أعلن القبض على ثلاثة مسؤولين عسكريين هم العميد آمر الحسن رئيس فرع «أمن الدولة» الأسبق في محافظة اللاذقية وقد اعتقل في عملية أمنية اشتبكت خلالها قوات الأمن مع مرافقيه في جبلة بريف اللاذقية، والعميد غيث محمد شاهين قائد الفرقة 18 دبابات سابقاً، وأُوقف مع شقيقه العقيد نزار شاهين في نفس مداهمة اللاذقية بتهمة تشكيل مجموعة مسلحة استهدفت قوى الأمن الداخلي.

بالتوازي مع ذلك، تم إلقاء القبض على عدد من المتهمين بالمشاركة في أعمال قتالية وحملات عسكرية إلى جانب قوات النظام المخلوع، أبرزهم النقيب عمر أحمد المطر رئيس قسم المداهمة في فرع أمن الدولة وفرع الخطيب في مدينة حمص، ونوري عبد الرحمن العلي، المتهم بارتكاب انتهاكات والاشتراك بأعمال قتالية في المناطق التي عارضت النظام.

وكان لافتاً خلال الأيام القليلة الماضية الاحتفالات التي شهدتها بلدة مضايا في ريف دمشق لدى إعلان القبض على جلال ملح الملقب بـ«الطحان»، الذي يُعد من «الشبيحة» البارزين في المنطقة والمتهم بالضلوع في عمليات اغتيال طالت عدداً من أبناء المنطقة، من أبرزهم الملازم أول المنشق محمود عيسى، وتسليم القيادي في «المجلس العسكري» في مضايا عبد الله محرز. وتشير شهادات من أهالي المنطقة، وفق تقارير إعلام محلي، إلى أن القبض على «الطحان» شكّل «لحظة فارقة» لأهالي الضحايا والمفقودين في مضايا، إذ يأملون أن يقود التحقيق معه إلى الكشف عن مصير أبنائهم.

كذلك كان لافتاً احتفال الأهالي في حي الصليبة باللاذقية بإعلان القبض على سعيد شاكوش المرتبط بفرع الأمن السياسي، وأحد قادة حملات مداهمة المنازل وترويع المدنيين وملاحقة المناهضين لنظام الأسد في بداية الاحتجاجات الشعبية عام 2011. وبحسب شهادات لأهالي الحي فإن شاكوش تسبب باعتقال عشرات من شبان الحي بمن فيهم أبناء شقيقته.

يشار إلى أن احتفالات مماثلة شهدها حي التضامن جنوب دمشق وعدة مناطق سورية بنبأ اعتقال المتهم الرئيسي بارتكاب مجازر حي التضامن 2013، أمجد يوسف، في 24 أبريل (نيسان). وقالت مصادر أمنية إنه تجري حالياً ملاحقة جميع الأشخاص المشتبه بهم ممن وردت أسماؤهم في التحقيق مع أمجد يوسف.

بلدة دوما في ريف دمشق استُهدفت بهجوم كيماوي من قبل نظام الأسد عام 2018 (رويترز)

وفي سياق ملاحقة فلول الميليشيات الرديفة لقوات النظام السابق و«الشبيحة»، أعلنت وزارة الداخلية السورية أنها، بالتنسيق مع جهاز الاستخبارات العامة، نجحت خلال شهري أبريل (نيسان) الماضي ومايو (أيار) الحالي في تفكيك خلايا تنظيمية عدة قالت إنها مرتبطة بـ«محور إيران» في عمليات أمنية بمحافظات عدة. وكان أبرزها «خلية المحافظات الخمس» (دمشق، حلب، حمص، طرطوس، واللاذقية)، و«خلية ريف دمشق وفلول النظام»، بحسب وزارة الداخلية التي قالت إن تلك الخلايا كانت تهدف لإحداث توترات حدودية.

وخلال الفترة ذاتها وضمن عملية تعقب ما تبقى من عناصر تنظيم «داعش»، أعلنت وزارة الداخلية السورية القبض على عناصر خلية في ريف حلب الشرقي عقب استهداف عناصر من وزارة الدفاع والضابطة الجمركية على طريق الباب، وعناصر خلية أخرى في الغوطة الغربية بريف دمشق.

وبدأت في دمشق في 26 أبريل الماضي محاكمة عدد من رموز النظام السابق، بينهم عاطف نجيب، مسؤول الأمن العسكري في محافظة درعا عام 2011، في خطوة مثّلت بداية انطلاق لـ«مسار العدالة الانتقالية» في سوريا.

ووزعت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، نص كلمة ألقتها السفيرة تامي بروس، نائبة المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة، خلال جلسة لمجلس الأمن، ورحبت فيها بالاعتقالات التي شملت أركان نظام الأسد في سوريا. وقالت بروس في كلمتها: «يقف الرئيس ترمب والولايات المتحدة إلى جانب الشعب السوري في دعم العدالة الانتقالية الحقيقية وسيادة القانون في سوريا. تمثل الاعتقالات التي قامت بها سوريا مؤخراً لأعضاء نظام الأسد الذين يُزعم أنهم ارتكبوا فظائع ضد المدنيين السوريين، خطوة قوية بعيداً عن الإفلات من العقاب ونحو المساءلة».

وتابعت المسؤولة الأميركية: «إن الولايات المتحدة تقف متضامنة مع الملايين من الناجين من وحشية الأسد. لذلك نحث الحكومة السورية على الاستفادة من الموارد والخبرات التي يقدمها الشركاء الدوليون المستعدون لمساعدة سوريا في جهودها المتعلقة بالعدالة والمساءلة، بما في ذلك الآلية الدولية والمحايدة والمستقلة التابعة للأمم المتحدة. كما أننا نعلم أيضاً أن مئات الآلاف من العائلات السورية، إلى جانب العديد من العائلات الأميركية، لا تزال تنتظر إجابات بشأن أحبائها المفقودين. وللمضي قدماً والبدء فعلياً في تعافي سوريا، يحتاج السوريون إلى إغلاق هذا الملف».


مقالات ذات صلة

تركيا تُطالب الأمم المتحدة بوقف عدوان إسرائيل على جنوب سوريا

المشرق العربي المتحدث الإعلامي باسم وزارة الدفاع التركية زكي أكتورك خلال إفادة صحافية في أنقرة في 2 يوليو (الدفاع التركية - «إكس»)

تركيا تُطالب الأمم المتحدة بوقف عدوان إسرائيل على جنوب سوريا

طالبت تركيا قوة الإشراف على وقف إطلاق النار ومراقبة تنفيذ اتفاقية فض الاشتباك التابعة للأمم المتحدة (أوندوف) باتخاذ التدابير اللازمة في مواجهة هجمات إسرائيل.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لدى وصوله إلى السراي الحكومي في بيروت (أ.ب)

وزير الخارجية السوري في بيروت لتبديد مخاوف لبنان من تدخل عسكري

بدّد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الخميس، مخاوف لبنان من تدخل عسكري سوري في البلاد، وطمأن إلى أنه «لا نية لسوريا في القيام بأي خطوة عسكرية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يعرضان اتفاقية إنشاء «اللجنة العليا» بعد توقيعها (إ.ب.أ)

«لجنة عليا» بين لبنان وسوريا تؤسس لمرحلة «التكافؤ والنديّة»

دشّن لبنان وسوريا مرحلة جديدة في علاقاتهما الثنائية، عنوانها إعادة صياغة العلاقة بين البلدين على أسس مختلفة عن تلك التي حكمتها منذ تسعينات القرن الماضي.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي الأمن السوري يتفقد موقع تفجيرعبوة ناسفة في مقهى قرب مجمع المحكاكم في قصر العدل في دمشق الخميس  (إ.ب)

ارتفاع ضحايا انفجار المقهى بدمشق إلى 6 قتلى و22 جريحاً

قُتل ستة أشخاص، على الأقل، الخميس، جراء انفجار عبوة ناسفة كانت مزروعة داخل مقهى قرب القصر العدلي في وسط دمشق.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحم يتلو قائمة الثلث المكمل لعضوية مجلس الشعب والمتضمنة أسماء 70 عضواً (سانا)

البرلمان السوري يُكمل ثلثه وينطلق الأسبوع المقبل

استكملت سوريا عضوية الثلث المتبقي في مجلس الشعب الانتقالي، بإعلان حصة الرئيس أحمد الشرع، أمس (الأربعاء)، على أن تعقد أولى الجلسات، منذ إطاحة الحكم السابق.

سعاد جرّوس (دمشق)

مسيّرة إسرائيلية تقصف قرب مستشفى في النبطية بجنوب لبنان

مبانٍ مدمرة في قرية لبنانية على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
مبانٍ مدمرة في قرية لبنانية على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

مسيّرة إسرائيلية تقصف قرب مستشفى في النبطية بجنوب لبنان

مبانٍ مدمرة في قرية لبنانية على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
مبانٍ مدمرة في قرية لبنانية على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

جدّدت مسيّرة إسرائيلية إغارتها على محيط «مستشفى غندور»، في يبلدة النبطية الفوقا بجنوب لبنان، «للمرة الثانية في أقل من نصف ساعة»، وفق ما نقلته «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية.

ونفّذت القوات الإسرائيلية، بعد ظهر الخميس، عملية تفجير استهدفت عدداً من المنازل في بلدة حداثا بجنوب لبنان؛ ما أسفر عن دويّ انفجارات قوية وصل صداها إلى البلدات والقرى المجاورة في منطقة بنت جبيل، وفق ما أعلنته «الوكالة الوطنية».

ويستمرّ الجيش الإسرائيلي في استهداف مناطق واسعة بجنوب لبنان والبقاع شرق لبنان، بعد الإعلان الأول عن وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 16 أبريل (نيسان) الماضي، ثم تمديده في 23 من الشهر نفسه لمدة 3 أسابيع، وتمديده مرة أخرى في 15 مايو (أيار) الماضي لمدة 45 يوماً.

وأعلن، في 20 يونيو (حزيران) الماضي، عن وقف لإطلاق النار، انخفضت بعده وتيرة الاستهدافات الإسرائيلية لجنوب لبنان.


إسرائيليون يحيون ذكرى 1000 يوم على «7 أكتوبر» بمظاهرات وانقسامات

سيدة ترفع يديها المصبوغتين باللون الأحمر خلال احتجاج أمام مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس الخميس (أ.ب)
سيدة ترفع يديها المصبوغتين باللون الأحمر خلال احتجاج أمام مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس الخميس (أ.ب)
TT

إسرائيليون يحيون ذكرى 1000 يوم على «7 أكتوبر» بمظاهرات وانقسامات

سيدة ترفع يديها المصبوغتين باللون الأحمر خلال احتجاج أمام مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس الخميس (أ.ب)
سيدة ترفع يديها المصبوغتين باللون الأحمر خلال احتجاج أمام مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس الخميس (أ.ب)

أحيا إسرائيليون، الخميس، ذكرى مرور 1000 يوم على هجوم «حماس» على البلدات والمواقع العسكرية المحيطة بقطاع غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بمظاهرات ونشاطات أظهرت عمق الشرخ في المجتمع والخلافات الحادة حول القضايا الجوهرية والانفضاض عن رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو.

وعبَّر المتظاهرون عبر اللافتات عن أن هجوم «حماس» كان «كارثة على إسرائيل، وأكبر كارثة لليهود منذ الحرب العالمية الثانية».

كما ركزوا إفادات لمتفاعلين مع الحدث ومعلقين سياسيين استنتاجات مختلفة، منها أن الجيش غيّر العقيدة القتالية بشكل حاد، بعدما ظهر أن مجرد النجاح في احتلال 21 بلدة و11 موقعاً عسكرياً لعدة ساعات في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يعتبر إخفاقاً استراتيجياً، متهمين إياه باستغلال ممارسات «حماس» ليرد بحرب إبادة على غزة أسفرت عن مقتل أكثر من 74 ألف فلسطيني، وتوسيعها إلى حرب على سبع جبهات (لبنان والضفة الغربية وإيران والعراق واليمن وسوريا، إضافة إلى غزة).

وعلى المستوى الشعبي، فقد الإسرائيليون ثقتهم بقادتهم وبمؤسساتهم؛ ففي استطلاع معمق لمعهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، جاء أن نحو 80 في المائة لا يشعرون بالأمان الشخصي.

وقال 31 في المائة فقط إنهم يثقون برئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وقال 25 في المائة إنهم يثقون بالحكومة (61 في المائة يثقون برئيس الأركان إيال زامير و73 في المائة يثقون بالجيش).

مزيد من الحروب

وعلى الرغم من أن الحرب الدائرة منذ 1000 يوم لا تتوقف، ولا تنتهي بحلول سياسية كما تنتهي عادة الحروب، فإن غالبية الإسرائيليين تطلب مزيداً من الحروب.

ووفقاً للاستطلاع ذاته، قال 57 في المائة إنهم يعارضون الانسحاب من لبنان حتى لو التزم «حزب الله» باتفاق وقف النار، وقال 59 في المائة إنهم يؤيدون شن حرب على لبنان، و42 في المائة شن حرب مع إيران حتى لو أدى ذلك إلى صدام مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ناقلة جند إسرائيلية تغادر غزة بينما يتجمع جنود قرب تلة متاخمة للقطاع (أ.ف.ب)

وفيما يتعلق بترمب، وعلى الرغم من مساندته الكبيرة لإسرائيل ومشاركتها في الحرب على إيران وإغراقها بالأسلحة ودعمها سياسياً ومالياً وعسكرياً، تعلن الغالبية الإسرائيلية عن فقدان الثقة به، وفقط 12 في المائة يثقون بأن ترمب ملتزم حقاً بأمن إسرائيل، وقال 57 في المائة إن ترمب يدعم أمن إسرائيل فقط إذا كان هذا الدعم يخدم مصالحه.

الانفصال عن الفلسطينيين

وعلى الرغم من ذلك، وجد الاستطلاع أنه في حال تقديم طروحات عقلانية لتغيير الواقع، يستجيب قسم جدي من الإسرائيليين. فعلى سبيل المثال، لا يطرح الإسرائيليون حلولاً سلمية. ولا يلتفتون إلى الفلسطينيين والعدد الهائل من الضحايا الذي أوقعوه.

لكن عندما سئلوا عن آفاق الحل للقضية الفلسطينية قال 27 في المائة إنهم يؤيدون الانفصال عن الفلسطينيين، وقال 25 في المائة إنهم يؤيدون حل الدولتين.

وعندما سئلوا كذلك عن توسيع «اتفاقيات إبراهيم» بشرط أن يتضمن ذلك إقامة دولة فلسطينية تعيش بسلام مع إسرائيل، انقسم الإسرائيليون إلى نصفين، فأجاب بالإيجاب 42 في المائة، وأجاب بالرفض 41 في المائة.

جنود إسرائيليون يحملون نعش زميل لهم قتل في غزة (إ.ب.أ)

والمعروف أن نتنياهو يتباهى بالحروب ويعتبر أنها حققت لإسرائيل مكاسب ضخمة، وبفضل قيادته لها تغير وجه الشرق الأوسط.

وقد علق الكاتب شاحر كلاين على ذلك في صحيفة «هآرتس» بالقول: «اغتيال كبار قادة المحور الإيراني وسقوط نظام الأسد واتفاق الإطار مع لبنان، تدل فعلاً على أن الشرق الأوسط تغير بالفعل، لكن ليس بالضرورة لصالح إسرائيل». ورأى أن «قوة الحوثيين ازدادت، و(حماس) صمدت في غزة، و(حزب الله) صمد في لبنان، وإيران ما زالت صامدة وتفرض إرادتها على إسرائيل والولايات المتحدة».

وكتب بن درور يميني في «يديعوت أحرونوت»: «نحن مغرمون قليلاً بالمقولة المبتذلة (العالم كله ضدنا). هذه المقولة غير دقيقة. صحيح أن الكثيرين ضدنا، لكن ليس الجميع ضدنا... المشكلة تكمن في أننا ضد أنفسنا. الحماقة مسجلة باسمنا، والهزيمة السياسية من صنع أيدينا».

واستدرك: «عندما قال دونالد ترمب، أعظم وأهم وأقوى حليف لإسرائيل في العالم، على الأقل حتى قبل أسبوعين، لنتنياهو: (الجميع سئم منك)، فقد جسّد الهزيمة».


إسرائيليون تسللوا إلى قرية فلسطينية فاحتلها الجيش خشية «اختطافهم»

جندي إسرائيلي يستخدم مصوب ليزر خلال دورية في البلدة القديمة بنابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
جندي إسرائيلي يستخدم مصوب ليزر خلال دورية في البلدة القديمة بنابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

إسرائيليون تسللوا إلى قرية فلسطينية فاحتلها الجيش خشية «اختطافهم»

جندي إسرائيلي يستخدم مصوب ليزر خلال دورية في البلدة القديمة بنابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
جندي إسرائيلي يستخدم مصوب ليزر خلال دورية في البلدة القديمة بنابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

تعرضت قرية مخماس الفلسطينية لعملية احتلال طيلة 6 ساعات، فجر الخميس، قامت خلالها قوات من الجيش والمخابرات الإسرائيلية بالتفتيش عن 10 من اليهود المتدينين دخلوا إليها.

وقد قاد عملية الاحتلال كبار الجنرالات، الذين اعتبروه حدثاً أمنياً خطيراً، ولكن في ختام العملية تبين أنها محاولة من يهود دخلوا للصلاة في مقام قبر يوسف في نابلس خلافاً للتعليمات. فأثاروا الهلع في أروقة القيادات العسكرية والسياسية.

وبحسب تقرير لصحيفة «معاريف» العبرية، وقع الحادث في الساعات الأولى بعد منتصف الليل، واتضح في ختام العملية أن 10 إسرائيليين حريديم قدموا من إسرائيل إلى مدينة نابلس للصلاة في مقام يوسف، وهو ضريح يعتقد اليهود أنه قبر النبي يوسف، ويعتقد الفلسطينيون أنه مقام لأحد الولاة.

جنود إسرائيليون يقفون في دورية حراسة خلال جولة أسبوعية للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 مايو 2026 (رويترز)

وقد انسحب الجيش الإسرائيلي من هذا المقام، بموجب اتفاقيات أوسلو التي نصّت على تسليم السلطة الفلسطينية 40 في المائة من مساحة الضفة الغربية أواسط التسعينات من القرن الماضي.

ويعدّ اليهود الموقع مقاماً مقدساً، سمح لهم بدخوله والصلاة فيه، ولكن وفق ترتيبات أمنية صارمة، حيث يرافق الجيش المصلين من لحظة دخولهم حتى عودتهم.

تسللوا في الليل وزعموا حصارهم

ويبدو أن اليهود العشرة المذكورين قرروا مخالفة التعليمات وعدم انتظار دخول وفد منظم، فتسللوا في الساعة الواحدة بعد منتصف الليلة الفائتة، إلى نابلس وأقاموا الصلاة وعادوا أدراجهم بسلام.

إلا أنه في هذه الأثناء وصلت معلومات إلى جهاز الأمن العام (الشاباك) الإسرائيلي تفيد بأن سيارة ترانزيت إسرائيلية دخلت إلى المنطقة المحظورة في نابلس، فتم إرسال سيارة شرطة إسرائيلية إلى المكان. وعندما شاهد المواطنون اليهود سيارة الشرطة هربوا منها بسرعة جنونية، وبعد المرور مسافة 60 كيلومتراً، دخلوا إلى قرية مخماس الفلسطينية الواقعة جنوب شرق رام الله، وهم يقودون السيارة بسرعة عالية وبطريقة مهووسة، وأصابوا سيارات فلسطينية في الشارع، واختفوا في أزقة القرية.

جنديان إسرائيليان يشاركان في حراسة جولة أسبوعية للمستوطنين الإسرائيليين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 14 فبراير 2026 (رويترز)

وبعد فترة من عمليات التعقب الاستخبارية، شوهدت السيارة وعرف صاحبها، وبعد الفحص في حاسوب الشرطة، اتصلوا بصاحبها، فحاول تبرير فعلته بأنه دخل بالخطأ للقرية الفلسطينية، وزعم أنه ورفاقه يتعرضون للمحاصرة من قبل مجموعة من الفلسطينيين الذين يرشقون مركبتهم بالحجارة.

وفي الحال تم الإعلان عن حدث أمني كبير وخطير يخشى أن يتحول إلى عملية اختطاف، فتم استنفار عدد هائل من قوات الجيش والكوماندوز والمخابرات فحاصروا قرية مخماس الفلسطينية وأقاموا حواجز التفتيش في جميع مداخلها وبداخلها، وأوقفوا السيارات وراحوا ينكلون بالفلسطينيين حتى «يعترفوا بالتهمة»، وفق شهادات محلية، وراحت طيارة مروحية مقاتلة تحوم في سماء القرية وطائرات مسيرة.

ولكن سيارة الإسرائيليين كانت قد غادرت القرية في طريقها إلى وسط إسرائيل. وفي ساعات الصباح، أعلن الجيش عن انتهاء الحدث وتم توقيف المتدينين اليهود للتحقيق، وفكّ الحصار عن القرية الفلسطينية.

الفلسطيني سعود الأطرش يعانق والدته بينما تهدم قوات إسرائيلية منزل العائلة يوم الثلاثاء جنوب الخليل بالضفة الغربية بحجة عدم الحصول على ترخيص بناء (أ.ف.ب)

يذكر أن قرية مخماس تعرضت خلال سنوات الاحتلال الستين إلى العديد من الاقتحامات والاعتداءات من الجنود الإسرائيليين، وكذلك من ميليشيات المستوطنين التي أقيمت بتشجيع الحكومة.

وخلال سنوات أوسلو الثلاثين الماضية دخل مئات من الإسرائيليين بالخطأ إلى بلدات فلسطينية، وفي العادة كان يتم تسليمهم إلى الجيش الإسرائيلي بسلام، باستثناء بعض الحالات النادرة.

ولكن الجيش والمخابرات الإسرائيلية يعتقدون أنه في أعقاب «حرب الإبادة» في غزة والاعتداءات اليومية في الضفة الغربية يوجد فلسطينيون يخططون لعمليات انتقام، باختطاف إسرائيليين أو تنفيذ عمليات تفجير.

وتتأهب أجهزة الأمن الإسرائيلية، طيلة الوقت لمواجهة محاولات كهذه. وتغلق مدن الضفة الغربية بأكثر من ألف بوابة حديدية صفراء تقيد بها حياة المواطنين ومجالات التعليم والعمل والخدمات الطبية وتكبل التنقل من بلدة لأخرى وتجعل حياة الناس قاسية تفتقر في بعض الأحيان للقمة العيش وأبسط العلاجات الطبية وللحد الأدنى من الأمان.

وتدير سلطات الاحتلال سياستها بهذا الشأن وسط هلع وفزع دائمين، وتبطش بلا رحمة. الأسبوع الماضي، كانت حالة شبيهة عندما نشر أن الشرطة في الضفة الغربية أنقذت جندياً إسرائيلياً من فلسطينيي بلدة ترقوميا قرب رام الله، وتبين لاحقاً أن جندياً دخل البلدة وتخاصم مع فلسطيني من سكانها على خلفية جنائية. ما تسبب أيضاً في استنفار عسكري ضخم.

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون في حقل بينما يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

والمعروف أن اتفاقيات أوسلو قسّمت الضفة الغربية إلى 3 مناطق إدارية وأمنية رئيسية. تشمل المنطقة (أ) المدن الفلسطينية الكبرى، مثل رام الله ونابلس والخليل وجنين، وتخضع لسيطرة مدنية وأمنية فلسطينية كاملة، والمنطقة (ب) تخضع لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية مشتركة، في حين تقع المنطقة (ج) تحت سيطرة إسرائيلية كاملة، وتشمل المستوطنات والمناطق العسكرية. ويمنع دخول الإسرائيليين اليهود إليها بموجب أوامر عسكرية، حيث تُوضع لافتات تحذيرية عند مداخلها. وإذا دخلها أي إسرائيلي يتلقى بلاغاً من تطبيق «وييز» يقول: «احذر. أنت تدخل منطقة محظورة على الإسرائيليين».