على عكس بقية المناطق السورية في التعامل مع القرارات الحكومية الأخيرة برفع الدعم الحكومي عن المشتقات النفطية وخروج تظاهرات وحركات احتجاجية في مدينتي درعا والسويداء جنوب البلاد؛ شهدت مناطق «الإدارة الذاتية» في شمال شرقي سوريا هدوءاً نسبياً دون تجاوب سكانها مع دعوات الإضراب العام التي أطلقها نشطاء معارضون في المحافظات السورية، احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية، في وقت شدّد مسؤول رفيع في هذه «الإدارة» على أنه في ظل تدهور الأوضاع الحالية في عموم سوريا فإنه لا يمكن عزل مناطق نفوذ «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) عن الآثار السلبية الناجمة عن انهيار سعر صرف الليرة السورية، بعدما لامست عتبة 16 ألفاً أمام الدولار الأميركي.
وبدت الحركة طبيعية في شوارع وطرق مدن وبلدات الرقة والحسكة وريف دير الزور الشرقي ومدينتي منبج وعين العرب («كوباني») بريف حلب والطبقة بريف الرقة، وسط ارتفاع درجات الحرارة لمعدلات قياسية. لكن لوحظ أن «الإدارة الذاتية» أصدرت حزمة من القرارات والإجراءات السريعة لتحسين الواقع الخدمي والاقتصادي لسكان مناطقها، بهدف تخفيف حدة التدهور الأخير لقيمة الليرة أمام العملات الأجنبية.

وقررت «الإدارة الذاتية»، في هذا الإطار، زيادة مخصصات الخبز للأهالي بنسبة 25 في المائة، ورفد قطاع الزراعة بالمحروقات وزيادة نسبتها لنحو 20 في المائة، وتعديل توزيع مخصصات السيارات من المازوت على أن يتم توزيعها بشكل شهري وليس أسبوعياً، كما أقرت توزيع الغاز المنزلي بشكل شهري وتشديد الرقابة التموينية على حركة الأسواق وأصحاب المحال التجارية لمنع احتكار أي مواد تموينية وغذائية.
ويقول حسن كوجر نائب الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن المعابر الحدودية مع مناطق سيطرة القوات الحكومية مفتوحة والتعاملات التجارية مستمرة بين العاصمة دمشق والمدن الرئيسية للإدارة، موضحاً أن «التعامل والتداول في مناطق الإدارة شمال شرقي سوريا يتم بالليرة السورية حصراً»، بما في ذلك الأجور والرواتب التي تدفعها «الإدارة الذاتية» للموظفين والقوات العسكرية. ويضيف: «ضمن هذه المعطيات فإن أي انهيار في سعر الليرة سينعكس سلباً بشكل مباشر علينا، حتى الإجراءات التي تتخذها الإدارة غير كافية لكونها جزءاً من سوريا».
ويشير كوجر إلى إن «الإدارة الذاتية» تواجه تحديات اقتصادية عدة من بينها استمرار إغلاق معبر تل كوجر (اليعربية) مع دولة العراق المجاورة، ما يؤدي لصعوبة توفر المواد الغذائية والأدوية وفقدان بعضها. ويتابع قائلاً: «نعمل ضمن حدود إمكاناتنا المتوافرة لضبط أسعار المواد الرئيسية وتشديد الرقابة على الأسواق. لقد قامت الإدارة مؤخراً برفع أجور موظفيها بحيث يبلغ الحد الأدنى 520 ألف ليرة لتعويض الانخفاض بالقدرة الشرائية للدخل».
اقتصادياً، تتميز مناطق «الإدارة الذاتية» بحرية تدفق الأموال وتحويلها واستقبالها من خارج البلاد وضمن مناطق سيطرتها. وتصرف العملات الأجنبية بأسعار السوق الموازية وليس بالسعر الذي يحدده البنك المركزي السوري. ولن يتأثر الموظف الحكومي الذي يعيش مناطق «الإدارة الذاتية» بالقرارات الحكومية الأخيرة برفع الدعم عن المشتقات النفطية، نظراً لأن أسعار الخبز ومشتقات الوقود والغاز المنزلي ستبقى ثابتة دون أي تعديل، وتعمل سلطات الإدارة على ضبط الأسعار ورقابتها، بحسب ما يقول مسؤولوها.

ويباع سعر ليتر المازوت الحر بـ(1700 ليرة) أو ما يعادل (دولاراً وربع سنت أميركي) فيما تباع 4 ربطات من الخبز السياحي بـ(14 ألف ليرة) أي بأقل من دولار. أما جرة الغاز فتباع اليوم في مناطق الإدارة بحدود 10 آلاف ليرة (أقل من دولار)، فيما تباع علبة الزيت ذات 4 ليترات بـ 75 ألفاً (ما يعادل 5 دولارات) وكيلو الرز بـ(13 ألف ليرة) أي أقل من دولار.
وتعمل هياكل الإدارة الذاتية التي تدير 7 مدن وبلدات رئيسية شمال شرقي البلاد، على الإبقاء على دورة الاقتصاد في مناطقها، مستفيدة من الموارد المتاحة. وشهدت أسواقها مؤخراً، كبقية الأسواق السورية، ارتفاعاً كبيراً في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمداخيل. وتعد مناطق الإدارة سلة سوريا الغذائية لوفرة القمح فيها. كما تعد الخزان الرئيسي لآبار النفط. وتبسط قوات «الإدارة الذاتية» العسكرية المدعومة من تحالف دولي تقوده واشنطن، سلطتها على قرابة 90 في المائة من البترول السوري. وتوجد في مناطقها أكبر حقول النفط والطاقة بريف محافظتي دير الزور والحسكة.





