كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

جلسة صلح في منطقة الغاب لإنهاء التوتر بين السقيلبية وقلعة المضيق

انتشار قوى الأمن الداخلي في بلدة معلولا بريف دمشق لتأمين الكنائس خلال صلاة عيد الشعانين الأحد (سانا)
انتشار قوى الأمن الداخلي في بلدة معلولا بريف دمشق لتأمين الكنائس خلال صلاة عيد الشعانين الأحد (سانا)
TT

كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

انتشار قوى الأمن الداخلي في بلدة معلولا بريف دمشق لتأمين الكنائس خلال صلاة عيد الشعانين الأحد (سانا)
انتشار قوى الأمن الداخلي في بلدة معلولا بريف دمشق لتأمين الكنائس خلال صلاة عيد الشعانين الأحد (سانا)

عقدت إدارة منطقة الغاب بريف حماة الغربي، الأحد، جلسة صلح بين وجهاء بلدة قلعة المضيق ومدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية، لمعالجة الإشكالات والتوترات التي شهدتها منطقتهم وكان لها ارتدادات سلبية أدت إلى إشعال موجة تحريض واسعة، فيما أحيت الكنائس المسيحية التي تتبع التقويم الغربي أحد الشعانين بالصلوات داخل حرم الكنائس، وسط إجراءات أمنية مكثفة في محيطها.

وأحيت الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الغربي في سوريا عيد أحد الشعانين، بإقامة الصلوات داخل الكنائس وسط إجراءات أمنية مكثفة في محيطها، وذلك بعد إعلان عدد منها إلغاء «الزياح» وهو مسير الشوارع وعزف الفرق الكشفية، على خلفية موجة تحريض كبيرة تشهدها مواقع التواصل الاجتماعي، وتصل تأثيراتها إلى الأرض.

تأمين بلدة معلولا بريف دمشق أثناء صلاة عيد الشعانين في كنيستها الأحد (سانا)

واتخذت وزارة الداخلية التدابير الأمنية اللازمة لصون الأمن العام، وتوفير أجواء ممارسة الطقوس والشعائر الدينية الخاصة بعيد أحد الشعانين، بحسب وزارة الداخلية السورية. وشملت الإجراءات انتشاراً واسعاً للدوريات في محيط الكنائس، وإقامة نقاط تفتيش ثابتة ومتحركة، إضافة إلى تعزيز الإجراءات الاحترازية ورفع الجاهزية بما يضمن حماية التجمعات ودور العبادة.

شابة من عناصر الأمن الداخلي تساعد امرأة مسنة على دخول كنيسة في دمشق الأحد (الداخلية السورية)

وقال مصدر من أهالي القصاع بدمشق، مكتفياً بذكر اسمه الأول، فادي، إن الأهالي أيدوا إجراءات الكنيسة بسبب الخوف من تصرفات قد تقوم بها عناصر منفلتة، تكون بمثابة صب الزيت على النار في ظل موجة التحريض الرهيبة.

وسبق وشهدت كنائس القصاع خلال الأشهر الماضية، تصرفات غير مريحة، كتخريب تمثال للسيدة العذراء في كنيسة الكيرلس وتخريب مزار في سيدة الصوفانية، وقال فادي إنها كانت بمثابة رسائل تحذيرية، وأضاف أنه يشعر بالأسف لإلغاء مظاهر الاحتفال التي ينتظرها الأطفال كل عام، مذكراً بأن العام الماضي عاش المسيحيون أجمل أعيادهم، «كنا نتمنى أن يكون هذا العيد أجمل من عيد العام الماضي، لكن أجواء التحريض تنغص علينا العيد هذا العام».

تفتيش دقيق للكنائس السورية قبل انطلاق احتفال عيد الشعانين (الداخلية السورية)

ويحتفل المسيحيون عموماً، بعيد الشعانين، وهو ذكرى دخول السيد المسيح إلى مدينة القدس، وأقيمت بهذه المناسبة قداديس وصلوات ترأسها البطاركة والمطارنة. وبثت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» إقامة قداس في كاتدرائية سيدة النياح للروم الملكيين الكاثوليك بحارة الزيتون، ترأسه بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك يوسف العبسي، وعاونه فيه لفيف من الكهنة، وقامت بخدمة القداس جوقة الكاتدرائية.

وأحيت جميع الكنائس التي تتبع التقويم الغربي أحد الشعانين، وألقى البطاركة والمطارنة العظات بهذه المناسبة، داعين «أن يحمي الله سوريا وشعبها، وأن يسود السلام والمحبة أرجاء البلاد» وفق «سانا».

جلسة صلح

في سياق آخر، عقدت إدارة منطقة الغاب بريف حماة الغربي، الأحد، جلسة صلح بين وجهاء بلدة قلعة المضيق ومدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية، لمعالجة الإشكالات والتوترات التي شهدتها منطقتهم وكان لها ارتدادات سلبية أدت إلى إشعال موجة تحريض واسعة.

الجلسة عقدت بهدف التوصل إلى «حل المشكلة التي أدت لشجار وتوترات في المنطقة»، وإصدار صكّ صلحي موافق عليه من جميع الأطراف، وفق مديرية إعلام حماة.

وحضر الجلسة مدير المنطقة، واللجنة المكلفة من محافظ حماة لمتابعة القضية، وقائد الأمن الداخلي في المنطقة، إضافة لمدير مكتب الشؤون السياسية في الغاب، ومديرية القبائل والعشائر.

شهدت مدينة السقيلبية غرب حماة اجتماعاً السبت ضم مدير منطقة الغاب ومطران حماة وعدداً من وجهاء المدينة لمناقشة تداعيات الخلاف الأخير (محافظة حماة)

ويطالب أهالي السقيلبية بتطبيق القانون ومحاسبة المتورطين في الهجوم الذين تسببوا بالتوتر من كل الأطراف وسحب السلاح المنفلت، وتعويض الأضرار المادية، ومحاسبة المتسببين بالتوتر، ومنع دخول شباب القلعة إلى شارع المشوار في مدينة السقيلبية في ساعات المساء التي تخرج فيها العائلات للتنزه، وتحصل عادة احتكاكات مع من يجهلون عادات المدينة، وفق ما قالته مصادر محلية في السقيلبية لـ«الشرق الأوسط».

اجتماع ضم مدير منطقة الغاب ومطران حماة وعدداً من وجهاء المدينة لمناقشة تداعيات الخلاف الأخير الذي شهدته مدينة السقيلبية غرب حماة (محافظة حماة)

في حين قالت مصادر في بلدة قلعة المضيق، إن «أهالي المضيق ليسوا طائفيين، وإن الهجوم قام به شباب رداً على تعرض أحدهم إلى ضرب بالسكين».

ووصفوا الهجوم بـ«فورة دم» وساعة غضب، وتابعوا: «لكن فوجئنا بحملات التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي، من حسابات من خارج سوريا، وتحميل الحادثة أبعاداً طائفية خطيرة، أبعد ما تكون عن طبيعة المنطقة». وأكدت المصادر أن أهالي القلعة يؤيدون الحكومة السورية ويقفون معها في توطيد الأمن والاستقرار.


مقالات ذات صلة

في مؤشر على تعزيز مكانتها... سوريا تشارك في «اجتماعات الـ7» بباريس

الاقتصاد وزير المالية السوري محمد يسر برنية (رويترز)

في مؤشر على تعزيز مكانتها... سوريا تشارك في «اجتماعات الـ7» بباريس

قال مصدر مطلع لـ«رويترز» إن سوريا ستشارك في جلسة مغلقة مع وزراء مالية «مجموعة السبع» ومحافظي البنوك المركزية في باريس يوم الاثنين...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي صورة أرشيفية متداولة لسعيد أحمد شاكوش الذي وشى بالعديد من الشباب السوريين في فترة نظام الأسد بمدينة اللاذقية

«شاكوش اللاذقية» في قبضة الأمن السوري

تورط شاكوش في اعتقال وتسليم أعداد كبيرة من أبناء محافظة اللاذقية إلى الأفرع الأمنية التابعة للنظام البائد، ولا يزال مصير بعضهم مجهولاً.

«الشرق الأوسط» (اللاذقية (سوريا))
المشرق العربي المتحدث باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري الدكتور نوار نجمة (سانا)

برَّاك ناقش في دمشق التحديات التي تواجه «الدمج» واستكمال الانتخابات

قالت مصادر مقربة من الحكومة السورية، إن زيارة توم برَّاك ولقاءه الرئيس أحمد الشرع، السبت، كانا ضروريين لمناقشة عملية الدمج وملف العلاقات السورية- اللبنانية.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يخلع علم الدروز المعلّق على آلية عسكرية إسرائيلية قرب السياج الفاصل في قرية مجدل شمس (أ.ف.ب)

مستوطنون يربطون أنفسهم بالسياج الحدودي مع سوريا ويطالبون بتشكيل مستوطنة

خلال وجودهم في المكان، قام أعضاء الحركة الاستيطانية بربط أنفسهم بالسياج؛ كي يصعبوا على القوات الإسرائيلية إجلاءهم من المكان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص مبنى مصرف سوريا المركزي في دمشق (سانا)

خاص ملفات ساخنة تختبر حاكم «المركزي» الجديد في سوريا

دخلت السلطة النقدية في سوريا مرحلة مفصلية جديدة عقب إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع، تعيين محمد صفوت رسلان حاكماً جديداً للمصرف المركزي.

موفق محمد (دمشق)

«حزب الله» يعلن استهداف منصة للقبة الحديدية في شمال إسرائيل

تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على جنوب لبنان (د.ب.أ)
تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على جنوب لبنان (د.ب.أ)
TT

«حزب الله» يعلن استهداف منصة للقبة الحديدية في شمال إسرائيل

تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على جنوب لبنان (د.ب.أ)
تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على جنوب لبنان (د.ب.أ)

أعلن «حزب الله»، اليوم الاثنين، أنه استهدف منصة للقبة الحديدية في معسكر تابع للجيش الإسرائيلي في شمال الدولة العبرية، التي تُواصل غاراتها على جنوب لبنان، رغم تمديد الهدنة، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلن «الحزب»، في بيان، استهداف «منصة للقبة الحديدية تابعة لجيش العدوّ الإسرائيليّ في معسكر غابات الجليل بمحلّقة انقضاضية»؛ وذلك «رداً على خرق العدوّ الإسرائيليّ وقف إطلاق النار والاعتداءات التي طالت القرى في جنوب لبنان وأسفرت عن ارتقاء شهداء وعدد من الجرحى بين المدنيّين».

ساد الهدوء الحذِر قرى وبلدات جنوب لبنان، بعد دخول وقف إطلاق النار الثالث، الذي أعلنته وزارة الخارجية الأميركية، حيز التنفيذ منتصف ليل أمس.

وذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام»، اليوم، أن الهدوء الحذِر ساد «قرى وبلدات القطاع الغربي، وصولاً إلى القطاع الأوسط، في جنوب لبنان، بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، منتصف الليل، إلا أن الطائرات المُسيرة المعادية لم تغادر أجواء منطقة صور، بالإضافة إلى بعض أصوات الانفجارات التي سُمعت صباحاً في القطاع الغربي».

ولم تسجل عودة للنازحين إلى بلداتهم؛ خوفاً من الاعتداءات التي تتكرر مع كل هدنة أو وقف لإطلاق النار. وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد أعلنت، يوم الجمعة الماضي، تمديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً، بعد انتهاء الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، برعاية أميركية، التي عُقدت يومي الخميس والجمعة الماضيين في واشنطن، كما أعلنت انطلاق المسار الأمني بين البلدين في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في 29 من الشهر الحالي، بمشاركة وفود عسكرية من كلا البلدين. على أن يستأنف المسار السياسي في الثاني والثالث من يونيو (حزيران) المقبل.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام بين لبنان وإسرائيل، ابتداء من منتصف ليل 16 أبريل (نيسان) الماضي، بعد غارات إسرائيلية مكثفة استهدفت لبنان منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي. كما أعلن، في 23 من الشهر الماضي، تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لمدة ثلاثة أسابيع. ولم تلتزم إسرائيل بوقف إطلاق النار.


حساب الخسارة والربح في الحرب غير المتعادلة بين إسرائيل و«حزب الله»

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

حساب الخسارة والربح في الحرب غير المتعادلة بين إسرائيل و«حزب الله»

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)

يُخاض أغلب حروب القرن الحادي والعشرين حتى الآن، بين قوى ليست متعادلة، إن كان في القوى العسكريّة؛ الوسائل كما التنظيم وغيرها. في القرن الحادي والعشرين، تناقصت تكلفة الحرب إلى حدّها الأدنى، وبحيث أصبح اللاعب «اللادولتيّ» (Non State Actor) قادراً على خوضها وبتكلفة بخسة. يقدّر كثير من المصادر تكلفة كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بأنها لا تتجاوز 500 ألف دولار أميركيّ. بينما تجاوزت تكلفة الردّ الأميركي العسكري، ومن ضمن الحرب العالمية على الإرهاب أكثر من 5.8 تريليون دولار. هذا عدا ضرب هيبة الولايات المتحدة وأنها المُهيمن، بالإضافة إلى التداعيات على الأمن القومي الأميركي والاستقرار العالميّ. وعليه، كيف يمكن للأقوى قياس النصر على عدوّ أضعف منه بدرجات، ولا يريد الاعتراف بالهزيمة؟ وكيف يمكن للأقوى أن يقيس نصره على عدو لا يسعى إلى المعركة الفاصلة والحاسمة، لكنه يرسم استراتيجيّته على أساس كسب الوقت، وإطالة أمد الحرب كما استنزاف عدوّه وبالحدّ الأدنى عدم الخسارة؟

في اللاتناسب بشكل عام

يهدف القانون الدولي إلى حماية المدنيين خلال الحروب والأزمات، كما يُحدّد كيفيّة استخدام القوة، وبشكل آخر تجنّب الأضرار الجانبيّة. فهناك اتفاقات جنيف، كما البروتوكولات الإضافيّة، التي تُحدّد في بعض بنودها الشروط التالية خلال الحرب: يجب أن يكون الهدف عسكريّاً، أو يُسهم مباشرةً في الأعمال العسكريّة، مع العمل والتخطيط وتجنّب الضرر ضد المدنيّين. يجب أن يكون الهدف ضرورة عسكريّة، وبشكل آخر أن تكون نتائج استهدافه مباشرة وآنيّة، وليست ضمن مُخطّطٍ طويل الأمد. بكلام آخر، يجب حساب/قياس اللاتناسب قبل التنفيذ وليس بعده. كما يجب ألا يكون هناك تدمير ممنهج للنظام البيئيّ (Ecosystem): ضمناً؛ الطرق، والبنى التحتيّة كما شبكات الخدمات، التي تسمح لهذا النظام البيئي بالعيش (بشر+شجر+حجر+حيوان... إلخ) والتفاعل داخلياً وخارجياً، وذلك من ضمن ديناميكيّة مُنتجة.

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان في 15 مايو 2026 (أ.ف.ب)

لم تحترم إسرائيل كل هذه المبادئ خلال حربها في قطاع غزّة. فهي خاضت حرباً استعملت فيها برامج الذكاء الاصطناعيّ، وأهمها: برنامج لافندر وغوسبل (Lavender & Gospel). ففي برنامج لافندر مثلاً، المُخصص لاقتراح الأهداف البشريّة (مسؤولو حركة «حماس») بسرعة فائقة، يُسمح للمنُفذ (بشري) بأخذ القرار بالتنفيذ حتى لو كانت هناك أضرار جانبيّة بشريّة (بمعدّل 20 شخصاً) في حال القيادي من الصف الثاني، أما في حال كان القياديّ من الصف الأوّل فيُسمح بأضرار بشريّة جانبيّة قد تصل إلى 100 شخص مدني. حصل هذا الأمر في بداية الحرب في مخيّم جباليا عندما استعمل سلاح الجوّ الإسرائيليّ قنبلة بوزن 2000 باوند، وكانت النتيجة نحو 400 ضحيّة.

السياسة vs الحرب

تعرف إسرائيل في قرارة نفسها، أنه لا يمكن لها ترجمة أيّ إنجاز عسكريّ إلى نصر سياسيّ. وبذلك، تعتمد مبدأ الحرب المُستدامة (Perpetual War) باعتماد عديد من العقائد العسكريّة (Doctrine). من أهم هذه العقائد، مبدأ «الحرب بين الحروب» و «جزّ العشب». بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، غيّرت إسرائيل كل العقائد القديمة لتعتمد عقيدة الهجوم أفضل وسيلة دفاع، كما الاستباق لضرب الخطر قبل تراكمه. وإذا كانت لا تستطيع إكراه العدو على قبول الحل السياسيّ، فإنها تذهب إلى اعتماد مبدأ «الردع العقابيّ-النكبويّ». وهذا فعلاً ما حصل في غزّة، وما يحصل اليوم في لبنان. يأخذنا هذا الوضع إلى مبدأ اللاتناسب كما ورد أعلاه. فماذا عنه؟

ينطبق مبدأ اللاتناسب على كل من «حزب الله» كما على الردّ الإسرائيلي العسكريّ على الحزب. يريد «حزب الله» تحرير الأرض، ودحر الجيش الإسرائيليّ، لكن بوسائل متواضعة جدّاً حتى ولو سُمّيت حربه الحرب اللاتماثليّة. وحتى ولو غيّر طريقة قتاله بالانتقال من جيش هجين خلال حرب الإسناد، إلى حرب العصابات ضمن مبدأ «الموزاييك». أي القتال بمجموعات صغيرة، من دون قيادة مركزيّة، كما تجنّب الالتحام المباشر إلا عند الضرورة التكتيكيّة.

لقطة من فيديو وزَّعه «حزب الله» لإحدى مسيّراته تهاجم دبابة وجنوداً إسرائيليين في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أدخل «حزب الله» مؤخراً المسيّرة «من منظور الشخص الأوّل (FPV)» التي تعمل بالألياف الضوئيّة، الأمر الذي يعطيها ميزة نوعيّة في عدم القدرة على التشويش عليها. غيّرت هذه المسيّرة خصائص الحرب في أوكرانيا، خصوصاً خلال حرب إقليم «كورسك» الذي احتلّته أوكرانيا. ألغت هذه المسيّرة خطوط التماس، وبدل حشد القوى على هذه الخطوط أصبحت هذه الخطوط خالية من العديد والعتاد. حرمت هذه المسيّرة الدبابة المرعبة، التي تعد قوّة الصدم، من أن تلعب دورها الأساسيّ. جعلت هذه المُسيّرة مسرح الحرب شفّافاً (Transparent) إلى الحدّ الأقصى، بحيث لا يمكن التمويه والاحتماء داخل ساحة القتال كما كان الوضع من قبل. تُقلق هذه المفاجأة التكتيكيّة الجيش الإسرائيليّ جداً. فهي ستضرب عقيدته القتالية في العمق، كما ستضرب كيفيّة قتاله على الساحة اللبنانيّة خصوصاً في المنطقة الصفراء. لا سيما أن التكتيك، وحسب المفكّر البروسي، كارل فون كلوزفيتز، هو «نظريّة استخدام القوّة العسكريّة في حقل المعركة». وعليه، وجب على الجيش الإسرائيليّ التأقلم وبسرعة. لكن كيف؟

يعد الانتشار (Dispersion) أحد التكتيكات. تُضاف إليه المقاربات التالية: استعمال الرادارات في الخط الأمامي لرصد المسيّرة، كون الرصد يعد أهمّ مرحلة من مراحل التصدّي. واستعمال ما تُسمّى في أوكرانيا «خريطة السماء (Sky Map)» التي ترتكز على زرع وسائل سمعيّة (Acoustic) على طول الجبهة وفي العمق. مهمّة هذه الوسائل الرصد السمعيّ-الصوتيّ للمسيّرة، ونقل الداتا إلى مركز التحليل، الذي بدوره يُحدّد مكان المسيّرة؛ اتجاهها، كما هدفها، ليعطي الأمر إلى مشغّلي المسيّرات المُضادة بالتدخّل. يمكن أيضاً، استغلال العمق الجغرافي لمدى المُسيّرة، عبر التدخّل في العمق، كما استهداف مُشغّلي المسيَّرات. يمكن أيضاً استعمال المسيّرات المُضادة للمسيّرات، التي تحمل الشباك، لتلقيها على المسيّرة المُهاجمة وتسقطها. وأخيراً وليس آخِراً، يمكن استعمال بندقيّة النار (Shot Gun) التي تُطلق ذخائر متشظية. لكن استعمال هذه الوسائل يتطّلب الوقت، كما اعتماد «مبدأ التجربة والخطأ»، (Trial & Error)، للوصول إلى أفضل منظومة دفاعيّة.

لقطة من فيديو وزَّعه «حزب الله» تُظهر عنصراً منه يجهز مسيّرات لإطلاقها باتجاه الأراضي الإسرائيلية

يتبجّح «حزب الله» في هذا الإنجاز، الذي لا يتناسب بالطبع مع الخسائر التي مُني بها، إن كان في قوّاته أو بيئته الحاضنة. فعلى سبيل المثال، ذهب «حزب الله» إلى حرب يوليو (تموز) 2006 متفرّداً في قراره. فكانت الخسائر على لبنان الدولة تُقدّر بما بين 3 و4 مليارات دولار. في حرب الإسناد الأخيرة، خصوصاً بعد العودة إلى الحرب في 2 مارس (آذار) الماضي، تُقدّر خسائر لبنان الدولة بما بين 7 و10 مليارات دولار. هذا مع التذكير بأن الدخل القوميّ الوطني في لبنان لا يتجاوز 35 مليار دولار. أي إن الخسائر الأخيرة تُشكّل نسبة 22 في المائة من الدخل القوميّ. لكن الفارق بين حرب 2006 وحرب اليوم، أنه في ذلك الوقت، ساعد كثير من الدول العربيّة وعلى رأسها المملكة العربيّة السعوديّة على إعادة الإعمار، كما ساعدت إيران وكيلها مباشرةً. لكن حرب اليوم مختلفة خصوصاً أن إيران تستهدف عسكرياً دول الجوار. كما تعاني من خسائر داخليّة (مباشرة) بسبب الحرب مع إسرائيل وأميركا، تُقدّر حسب صحيفة «وول ستريت جورنال» بـ275 مليار دولار.

كذلك الأمر، تحتّل إسرائيل مباشرةً داخل لبنان المنطقة الصفراء. لكنها تخلق منطقة عازلة انطلاقاً من المنطقة الصفراء حتى الليطاني عبر اعتماد مبدأ «منطقة عازلة بالنار»، (Buffer by Fire). وهي تعمد إلى تدمير البيئة الحضريّة المؤيّدة للحزب. فعلى سبيل المثال، تُقدّر نسبة التدمير للقرى في المنطقة الصفراء بـ90 في المائة. ومن المنطقة الصفراء إلى نهر الليطانيّ، تُقدّر نسبة تدمير البلدات والقرى بأكثر من 60 في المائة. أدّى هذا التدمير الممنهج إلى تهجير أغلب بيئة «حزب الله» إلى الداخل اللبنانيّ. يُقدّر عدد النازحين بأكثر من مليون نسمة. فكيف ستتم إعادة الاعمار؟ ومن سيتكفّل بالثمن؟ وكيف تتطابق فكرة اللاتناسب؟

في الختام، كيف يُمكن قياس النصر لحرب لا تماثلية ولا تناسبيّة في الوقت نفسه؟ وكيف يمكن لـ«حزب الله» ربط نفسه بما قد تنتجه طاولة إسلام آباد، إن كان سلماً أو حرباً؟ إن غداً لناظره قريب.


البرغوثي يحصد أصوات «فتح» رغم الأَسر

عباس أثناء خطابه في المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله (إ.ب.أ)
عباس أثناء خطابه في المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله (إ.ب.أ)
TT

البرغوثي يحصد أصوات «فتح» رغم الأَسر

عباس أثناء خطابه في المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله (إ.ب.أ)
عباس أثناء خطابه في المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله (إ.ب.أ)

حصد القيادي الفلسطيني البارز في حركة «فتح» والأسير بالسجون الإسرائيلية منذ عام 2002، مروان البرغوثي، أعلى الأصوات بين الفائزين بعضوية «اللجنة المركزية» للحركة.

وأُعلنت نتائج المؤتمر العام الثامن لـ«فتح»، أمس (الأحد)، وأظهرت احتفاظ البرغوثي بمقعده في «المركزية» التي تعد أعلى مستوى بالحركة، بعد نحو عشر سنوات من آخر انتخابات مماثلة نال فيها أيضاً أكثر الأصوات.

وتتشكل «المركزية» من 18 عضواً، ويمكن لرئيس الحركة تعيين 3 أعضاء إضافيين. وحصل البرغوثي على 1879 صوتاً، ثم جاء بعده مدير المخابرات ماجد فرج فرج بـ1861 صوتاً، ثم أمين سر «اللجنة المركزية» السابقة جبريل الرجوب بـ1609 أصوات، ونائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ بـ1570 صوتاً. كما فاز بعضوية اللجنة ياسر عباس (نجل الرئيس محمود عباس) بعدما حصل على 1290 صوتاً. وعززت النتائج حضور أسرى آخرين، منهم زكريا الزبيدي وتيسير البرديني.