خيار بقاء حاكم «المركزي» اللبناني يطل مجدداً

مساعٍ حثيثة لتحييد القطاع المالي عن «الكباش» السياسي

حاكم «المصرف المركزي اللبناني» رياض سلامة (رويترز)
حاكم «المصرف المركزي اللبناني» رياض سلامة (رويترز)
TT

خيار بقاء حاكم «المركزي» اللبناني يطل مجدداً

حاكم «المصرف المركزي اللبناني» رياض سلامة (رويترز)
حاكم «المصرف المركزي اللبناني» رياض سلامة (رويترز)

استعاد خيار الطلب من حاكم «مصرف لبنان» رياض سلامة الملاحق قضائياً لبنانياً وأوروبياً، الاستمرار في مهامه بعد انتهاء ولايته القانونية نهاية يوليو (تموز) المقبل، أرجحيته بين الاحتمالات المحدودة المتاحة أمام حكومة تصريف الأعمال للحؤول دون بلوغ مرحلة الشغور في رأس هرم السلطة النقدية، وتوخياً للحفاظ على التهدئة السارية في أسواق العملات والاستهلاك في ظل تنامي حدة الخلافات والاصطفافات السياسية المتصلة باستحقاق انتخابات رئاسة الجمهورية.

وبالتوازي، يشهد القطاع المالي حسماً مبكراً لاستحقاق انتهاء ولاية مجلس إدارة «جمعية المصارف» في نهاية يونيو (حزيران) الحالي، بعدما أفضت المشاورات بين رؤساء البنوك، وفق معلومات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إلى بلورة توافق عريض وشبه إجماع على تعديل النظام الأساسي، بما يتيح التمديد للمجلس الحالي برئاسة الدكتور سليم صفير، وتجنيب القطاع الدخول في «بازار» انتخابي لا طائل منه في ظل الظروف الحاضرة.

ووفق معلومات محدثة لدى مصادر مالية ومصرفية، فقد فرض ارتفاع منسوب الهواجس الداخلية من التداعيات المحتملة على القطاع المالي جراء احتدام معركة رئاسة الجمهورية، وما تشهده من انقسامات عمودية سياسية وطائفية، إيقاعه الخاص لدى مراكز القرار في السلطتين التشريعية والتنفيذية، لا سيما لجهة البحث الجدي في درء المخاطر الماثلة نتيجة تكوين محفزات مستجدة لنشوء فوضى نقدية كبيرة تطيح تماماً الاستقرار الهش الذي تشهده أسعار صرف الليرة.

إباحة المحظورات

ووفق المصادر التي تواصلت معها «الشرق الأوسط»، عاد بالفعل التداول وبزخم في كواليس مراكز القرار النيابي والحكومي بهدف استنباط مخارج عملانية تؤول إلى تحييد القطاع المالي عن الخضات السياسية القائمة حالياً أو المرتقبة، ومن دون تجاوز روحية الآليات القانونية السارية. وذلك بالاستناد إلى قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، وأولوية حماية هدوء الأسواق النقدية والاستهلاكية، ما دام يتعذّر التقدم نحو محطة التوافق الداخلي في شأن الاستحقاق الرئاسي.

ووفق المعطيات المتوفرة، فإنه مع تعذّر تعيين البديل على رأس السلطة النقدية من قبل حكومة «تصريف أعمال»، فإن الخيار الأول والمرجح في أحوال عادية، يرد صريحاً في قانون النقد والتسليف (المادة 25)، ويقضي بانتقال الموقع والمهام حصراً إلى نائبه الأول الدكتور وسيم منصوري. وهو إجراء تحوّطي يقوم أساساً على حصول شغور «مؤقت» أو غياب قسري للحاكم الأصيل، ويتيح المهلة الضرورية لتمكين الحكومة المكتملة الصلاحيات من إصدار مرسوم التعيين.

لكن حساسية الأوضاع القائمة في الميدان المالي والنقدي، فرضت التحرك الاستباقي لتلافي تبعات المرحلة الانتقالية، والذي سيجري تحت ظلال الإرباكات الداخلية والغموض السياسي غير البناء. لذا؛ فثمة قناعات سياسية، وتتمدّد أيضاً إلى الأوساط المالية والمصرفية، بأنه ليس بوسع النائب الأول حمل ثقل الموقع والمهام التي ستوكل إليه، لا سيما أن سلامة يتسلّم قيادة البنك المركزي والقرار النقدي منذ 30 عاماً بالتمام والكمال.

ووفق السيناريو البديل، تركز الاقتراحات المتداولة، التي يرتقب اعتماد أحدها خلال الأسابيع الفاصلة عن انتهاء الولاية الخامسة لسلامة نهاية يوليو المقبل، على خيارين أساسيين يخصان وضعية حاكم البنك المركزي؛ هما: إما يستمر التعاون معه «استشارياً» في إدارة المرحلة الانتقالية، وإما يقدم منصوري على الاستقالة «النظرية» في التوقيت المناسب، بغية إتاحة الفرصة للحكومة للطلب من سلامة الاستمرار في مهامه إلى حين تعيين حاكم جديد.

وتبرز أهمية موقع الحاكم في الصلاحيات الواسعة الممنوحة له قانوناً؛ إذ إضافة إلى مهمته الإدارة العامة للمصرف وتسيير أعماله، فهو مكلف أيضاً، ومن دون طابع حصري، تطبيق مندرجات قانون النقد والتسليف، وهو الممثل الشرعي للبنك المركزي، ويوقع باسمه جميع الصكوك والعقود والاتفاقات، ويجيز إقامة جميع الدعاوى القضائية، ويتخذ جميع الإجراءات التنفيذية او الاحتياطية التي يرتئيها؛ بما في ذلك التأمينات العقارية. كما ينظّم دوائر المصرف ويحدد مهامها، ويعيّن ويقيل موظفي المصرف من جميع الرتب.

الجبهة المصرفية

أما على صعيد الجبهة المصرفية التي اعتادت تقليدياً تسيير الشؤون المصرفية بتوافقات عريضة سابقة لمواعيد الاستحقاقات، فقد علمت «الشرق الأوسط» أن رئيس الجمعية وجه الدعوات لانعقاد جمعية عمومية غير عادية في 20 يونيو الحالي، وعلى جدول أعمالها البند الرئيسي المتضمن طلب الموافقة على تعديل المادة «13» من النظام الأساسي.

ووفق المعلومات الخاصة؛ فإن مشاورات حثيثة جرت أخيراً بين القيادات المصرفية قبل دعوة الجمعية العمومية، وأفضت إلى التوافق على ضرورات الطلب من رئيس وأعضاء مجلس الإدارة الاستمرار في مهامهم بعد انتهاء ولايتهم نهاية الشهر الحالي، على أن يتم تعديل النظام الذي يحدّد الولاية القانونية بسنتين قابلتين للتجديد لمرة واحدة.

ويرجح أن تجدد الجمعية الثقة بمجلس الإدارة ورئيسه لولاية جديدة، أي لغاية منتصف عام 2025، مع إمكانية النظر لاحقاً في التعديل وفترته وفق وجهة التطورات ذات الصلة، خصوصاً ما يتعلق منها بإعادة انتظام القطاع المالي وخطط الدولة للإنقاذ الاقتصادي وحيثيات الملف «المعلٌّق» لعقد اتفاقية برنامج التمويل مع صندوق النقد الدولي.


مقالات ذات صلة

سجناء لبنان أمام الكارثة... سبع وفيات بانتظار قرار «الدستوري»

المشرق العربي لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو لتطبيق قانون «العفو العام» (المركزية)

سجناء لبنان أمام الكارثة... سبع وفيات بانتظار قرار «الدستوري»

يضيق الوقت في سجن رومية المركزي، في حين يطول انتظار القرار المفترض أن يصدره المجلس الدستوري بالطعن الذي تقدّم به تكتل «لبنان القوي» لإبطال قانون العفو العام.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام متفقداً مركز أمن عام النبطية (الوكالة الوطنية للإعلام)

سلام من النبطية: قرار الحرب والسلم للدولة ولا انتظار لتسوية إقليمية

أعاد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، من النبطية، طرح مقاربته لمستقبل الجنوب، رابطاً تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل بإعادة بناء دولة «قادرة وفاعلة»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يحملون العلم اللبناني وعلم الحزب خلال إحياء الذكرى الثانية لاغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله (إ.ب.أ)

رسائل تهدئة أمنية بين سوريا و«حزب الله» بوساطة تركية

تصدر الملف الأمني مباحثات سرية بين «حزب الله» والجانب السوري برعاية تركيا، تبادلا خلالها «رسائل التهدئة».

نذير رضا (بيروت)
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي في واشنطن (رويترز)

صندوق النقد الدولي: لبنان بحاجة إلى إصلاحات رئيسية لإبرام اتفاق دعم جديد

أكد صندوق النقد الدولي الخميس أن لبنان بحاجة إلى مواصلة تنفيذ إصلاحات رئيسية في القطاعين الاقتصادي والمصرفي للتوصل إلى اتفاق دعم جديد مع الصندوق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في «الخارجية» الأميركية (رويترز)

جولة مفاوضات لبنانية إسرائيلية يتصدّرها توسيع «المناطق التجريبية» وتثبيت وقف النار

يقف لبنان على بُعد أقل من ثلاثة أسابيع لانعقاد الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أميركية، وهذه المرة على المستوى العسكري.

محمد شقير (بيروت)

سجناء لبنان أمام الكارثة... سبع وفيات بانتظار قرار «الدستوري»

لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو لتطبيق قانون «العفو العام» (المركزية)
لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو لتطبيق قانون «العفو العام» (المركزية)
TT

سجناء لبنان أمام الكارثة... سبع وفيات بانتظار قرار «الدستوري»

لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو لتطبيق قانون «العفو العام» (المركزية)
لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو لتطبيق قانون «العفو العام» (المركزية)

يضيق الوقت في سجن رومية المركزي، في حين يطول انتظار القرار المفترض أن يصدره المجلس الدستوري بالطعن الذي تقدّم به تكتل «لبنان القوي» لإبطال قانون العفو العام، ولا سيما أن الأزمة التي بدأت احتجاجاً على تعليق العفو باتت تضع السلطات اللبنانية أمام اختبار سياسي وأمني واجتماعي صعب، جراء الانهيار السريع لصحّة السجناء المضربين، واتساع دائرة الخطر داخل الزنازين. فبين الترقّب القاتل لـ«العفو العام» ومصير المستفيدين منه، والاستنفار الطبي لاحتواء تداعيات الامتناع عن الطعام والدواء، ارتفع عداد الموت ليبلغ 7 سجناء توفوا منذ 12 أغسطس (آب) الماضي؛ تاريخ تصويت البرلمان اللبناني على القانون، خمسة منهم قضوا نتيجة الإضراب عن الطعام، وهو ما عزز المخاوف من كارثة إنسانية يصعب تداركها إذا استمر الانتظار.

سجن رومية المركزي (أرشيفية - الوكالة الوطنية)

اتساع الإضراب وتدهور صحة السجناء

يقترب نزلاء المبنى «ب» في سجن رومية من إنهاء الأسبوع الثالث لإضرابهم عن الطعام، وسط تدهور متسارع في الأوضاع الصحية للعشرات منهم، ما استدعى نقل عدد منهم إلى المستشفيات، ولم يعد الاحتجاج محصوراً بهذا المبنى، بعدما انضم إليه نزلاء من المبنى «د» وموقوفون آخرون في سجن بعلبك (البقاع)، ما وسّع نطاق الأزمة وزاد الضغط على إدارة السجن والأجهزة المعنية بمتابعة الحالات الصحية.

وأعلن أحد السجناء في «رومية» أن عدد المشاركين في الإضراب عن الطعام بلغ حتى الآن 532 سجيناً، 470 منهم في المبنى «ب» و42 في المبنى «د» في سجن رومية، و22 في سجن بعلبك. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «عدد الوفيات أصبح سبعة منذ إقرار قانون العفو العام، خمسة منهم ماتوا جراء الإضراب عن الطعام والشراب والأدوية»، وأن «عدد الحالات الحرجة في المستشفيات بلغ 51 سجيناً». وطالب السلطات الرسمية بـ«الاستجابة السريعة لإنقاذ المصابين». وقال إن «المشهد الإنساني في سجن رومية صعب للغاية»، داعياً إلى «إنهاء تعليق (العفو العام) وإعادة تفعيله وإنهاء مأساة السجناء».

لقطة عامة لسجن رومية المركزي شرق بيروت تعود إلى أكتوبر 2020 (أرشيفية - رويترز)

استنفار طبي وسباق مع التدهور

تتزامن هذه التطورات مع مخاوف من ارتفاع حصيلة الوفيات، جرّاء تدهور صحّة العشرات، وفق ما أفادت لجنة أهالي السجناء، في حين لا يزال الطعن بقانون العفو العام أمام المجلس الدستوري ينتظر الحسم، وأوضح مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» أن الوضع «بات مقلقاً، في ظل تمسك السجناء بالإضراب، وانضمام نزلاء المبنى (د) إليهم في مقاطعة الطعام والشراب والدواء منذ أربعة أيام». وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن إدارة السجون «رفعت مستوى جهوزيتها، وتُخضع المضربين المرضى لمراقبة طبية دقيقة، سعياً إلى رصد أي تدهور والتعامل معه بسرعة».

وكشف المصدر عن «وضع عدد من سيارات الإسعاف في حالة تأهب لتأمين نقل الحالات الطارئة إلى المستشفيات فور ظهور مؤشرات تستدعي ذلك»، مشيراً إلى أن الاستنفار الطبي واللوجستي «يواجه أزمة متحركة، تتزايد صعوبتها مع استمرار الإضراب واتساع دائرة المشاركين فيه، بما يجعل المتابعة الصحية اليومية سباقاً مع احتمالات التدهور».

الخطر لم يعد يقتصر على السجناء المرضى؛ إذ بدأت علامات الوهن الجسدي تظهر على أشخاص لم يكونوا يعانون مشكلات صحية سابقة، وفق تعبير المصدر الأمني، الذي لفت إلى أن «عدداً من المضربين عن الطعام فقدوا القدرة على التنقل، ما يعكس انتقال الأزمة إلى مرحلة أشد خطورة، بعدما بات الإنهاك يطول أيضاً من كانوا أقدر على التحمّل».

سجن رومية المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام - أرشيفية)

القضاء يترقب قرار المجلس الدستوري

من جهتها، تواكب السلطات القضائية تطورات الوضع في سجن رومية، وتجد نفسها عاجزة التحرّك، باعتبار أن الأزمة عالقة لدى المجلس الدستوري، وأوضح مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج «يتابع القضية مع إدارة السجون على مدار الساعة، ويعطي توجيهاته تبعاً لتطور الأوضاع». وأشار إلى أن القاضي الحاج «أمر بالنقل الفوري إلى المستشفى لأي حالة صحية تستدعي ذلك، من دون انتظار إشارة مسبقة من المرجع القضائي المختص، تفادياً لأي تأخير في تقديم العلاج»، مشدداً على أن القضاء «لا يتحمل مسؤولية الطعن بقانون العفو العام، ولا التأخير في إجراءات البتّ فيه»، ومؤكداً أن النيابة العامة التمييزية «تعمل على متابعة الوضع الصحي، بالتوازي مع التحضير لما سيترتب على قرار المجلس الدستوري».

استعدادات لتنفيذ العفو إذا رُدّ الطعن

وسبق لمجلس القضاء الأعلى أن ناقش في اجتماعاته الأخيرة آليات تطبيق قانون العفو العام. ولفت المصدر القضائي إلى أن النائب العام التمييزي «بحث مع قيادة وحدة الدرك في قوى الأمن الداخلي الإجراءات الواجب اتخاذها وإنجاز ملفات مئات السجناء إذا قرر المجلس الدستوري ردّ الطعن، حتى يتمكن القضاء من الإفراج عنهم بالسرعة القصوى». أما في حال إبطال القانون، فيشير المصدر إلى أن «الإجراءات المرتبطة بتطبيق القانون تتوقف فوراً».


سلام من النبطية: قرار الحرب والسلم للدولة ولا انتظار لتسوية إقليمية

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام متفقداً مركز أمن عام النبطية (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام متفقداً مركز أمن عام النبطية (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

سلام من النبطية: قرار الحرب والسلم للدولة ولا انتظار لتسوية إقليمية

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام متفقداً مركز أمن عام النبطية (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام متفقداً مركز أمن عام النبطية (الوكالة الوطنية للإعلام)

أعاد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، من النبطية، طرح مقاربته لمستقبل الجنوب، مشدداً على تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وإعادة بناء دولة «قادرة وفاعلة»، يكون جيشها واحداً وقرارها واحداً، «لا سيما قرار الحرب والسلم»، ورافضاً في الوقت نفسه إبقاء لبنان معلقاً على انتظار «تسوية إقليمية كبرى» قد تتأخر أو تأتي «على حسابه».

وجاءت مواقف سلام بعد أيام من زيارته واشنطن، حيث شدد خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على تفعيل الإطار الثلاثي، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وبسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها، ضمن مسارين متوازيين وجدول زمني واضح، وفق ما أعلن مكتبه الإعلامي.

ومن النبطية، حرص سلام على تأكيد أنه لا يبدل موقفه بين الداخل والخارج، قائلاً: «أعرف أن بين الموجودين في هذه الغرفة من قد تكون لديه مقاربة مختلفة عن مقاربتي. وهذا حقه. لكنني أقول أمامكم ما أقوله في بيروت، وما قلته في واشنطن، وما أقوله في أي مكان؛ لأنني لست ممن يغيّرون كلامهم حسب المكان أو الزمان».

الانسحاب وبناء الدولة

ووضع سلام الانسحاب الإسرائيلي وإعادة بناء الدولة في مسار واحد، قائلاً: «الضمانة الحقيقية أمامنا هي أن نمضي، وفي آن واحد، في حشد ما استطعنا من إمكانات ودعم لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل ولإعادة بناء الدولة. دولة قادرة وفاعلة، دولة واحدة لكل أبنائها، جيشها واحد، وقرارها واحد، لا سيما قرار الحرب والسلم.

وأضاف: «فهذه هي الطريق كي لا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام حرب جديدة، أو ذرائع جديدة للاعتداء على لبنان، أو توسع جديد للاحتلال». وتطابق هذا الموقف مع الخطوط التي طرحها سلام خلال جولته الأميركية، ولا سيما الربط بين استعادة السيادة وبسط سلطة مؤسسات الدولة.

وحدَّد سلام أولويات حكومته في الجنوب قائلاً: «أريدكم أن تعرفوا أن أولوياتكم ستبقى أولوياتنا: وقف الاعتداءات الإسرائيلية، انسحاب إسرائيل الكامل من أراضينا، وعودة الناس عودة آمنة كريمة إلى بيوتهم، واستعادة مصادر رزقهم، وإعادة الحياة إلى مدن الجنوب وبلداته وقراه».

زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مدينة النبطية (الوكالة الوطنية للإعلام)

لا انتظار لتسوية إقليمية

وذهب سلام في الجانب السياسي من كلمته إلى رفض تعليق معالجة الوضع اللبناني على مآلات الصراعات والتسويات الإقليمية، قائلاً: «أما أن نقول إن بإمكاننا انتظار تسوية إقليمية كبرى، فهذا بالنسبة لي ليس خياراً للبنان؛ لأن هذه التسوية قد تأتي أو لا تأتي، أو قد تتأخر سنوات، وإذا حصلت، فقد تكون على حسابنا».

وسأل: «ماذا لو اندلعت حرب جديدة في المنطقة؟ هل نقبل بأن يدفع لبنان والجنوب ثمنها مرة أخرى؟ وهل نبقى منتظرين، ويبقى أهلنا نازحين، وتبقى أرضنا محتلة، ويبقى أسرانا في الأسر، ويبقى الإعمار مؤجلاً، ونبقى معلقين على ما يقرره لنا الآخرون؟ بالتأكيد، لا يمكن لعاقل أن يقبل بذلك».

وختم هذا الجزء من خطابه بالدعوة إلى الالتفاف حول الدولة: «فلنلتف جميعاً تحت راية دولتنا، فهي تقوى بوحدتنا ونحن نقوى بها، وهي ملاذنا الأول والأخير، وحدها الضمانة لأمننا واستقرارنا ومستقبل أولادنا».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام متفقداً سرية درك النبطية (الوكالة الوطنية للإعلام)

من واشنطن إلى النبطية

وربط سلام جولته في الجنوب بتحركاته الخارجية الأخيرة، مؤكداً أنه حمل ملفات المنطقة معه إلى نيويورك وواشنطن. وقال: «كانت حاجاتكم وهمومكم معي في نيويورك وواشنطن، في كل من لقاءاتي مع الأمين العام للأمم المتحدة والمسؤولين الأميركيين ورئيس البنك الدولي؛ سعياً لتأمين الموارد المطلوبة لتنفيذ خطتنا للتعافي وإعادة الإعمار».

وكان سلام قد شدد، خلال اجتماعه مع روبيو في 28 سبتمبر (أيلول)، على أن لبنان يتطلع إلى شراكة مع الولايات المتحدة تواكب إعادة بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها الشرعية، في حين أكد مكتبه لاحقاً أن الطرح اللبناني شمل الانسحاب الإسرائيلي الكامل وحصر السلاح بيد الدولة ووضع آلية موثوقة للتحقق من تنفيذ الالتزامات.

«لست هنا لأبيعكم أوهاماً»

وفي موازاة الرسالة السياسية، أقرّ سلام بحجم الصعوبات التي تعترض إعادة الإعمار، قائلاً: «مسؤوليتي اليوم هي أن أصارحكم أيضاً. أنا أدرك حجم الأزمة. أعرف تعبكم وأفهم معاناة من خسر منزله، ومن خسر عمله أو مصدر رزقه، ومن ينتظر أن يتمكن من ترميم بيته أو العودة إلى بلدته واستعادة حياته:.

وأضاف: «لكن حجم الحاجات يفوق إمكانات الدولة اللبنانية وقدرتها على تحمل هذه الأعباء وحدها. لست هنا لأبيعكم أوهاماً، ولا لأعدكم بما لا أستطيع الوفاء به. فنحن لا نزال نحتاج إلى تمويل كبير». وتابع: «لكن أريدكم أن تثقوا أننا نسعى، وسنواصل السعي، لتأمين كل ما نستطيع تأمينه للنهوض بالجنوب».

23 مناقصة و12 إضافية

وأعلن سلام أن مجلس الإنماء والإعمار أطلق 23 مناقصة في قضاء النبطية، تشمل، من بين مشاريع أخرى، إزالة العوائق وترميم الطرق، وإعادة تأهيل مراكز الإيواء، وتأمين سيارات إسعاف وأجهزة طبية وأجهزة اتصالات لاسلكية وعبر الأقمار الاصطناعية.

كما أعلن أن المجلس يعمل على إطلاق 12 مناقصة إضافية خلال أكتوبر (تشرين الأول)، تشمل ترميم خمسة مستشفيات، بينها مستشفى النبطية الحكومي، إضافة إلى توريد آليات للإنقاذ والإطفاء، بالتزامن مع العمل على تلزيم مشاريع لتأهيل محطات الكهرباء وشبكات المياه. وأشار إلى أن مجلس الجنوب سيباشر، بعدما قام بمسح الأضرار ورفع الأنقاض، بناء المقر الجديد للدفاع المدني الذي وضع حجر أساسه خلال الجولة.

وأكد سلام أن الهدف لا يقتصر على افتتاح ما أنجز أو الإعلان عن مشاريع جديدة، «بل للتأكيد أن مسيرة التعافي وإعادة الإعمار لم تنطلق إلا لتستمر».

صورة من زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مدينة النبطية جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

عودة المؤسسات

ووضع سلام إعادة تشغيل المؤسسات الرسمية ضمن مسار تثبيت حضور الدولة في النبطية، قائلاً: «أنا هنا اليوم لتأكيد عودة مؤسسات الدولة إلى عملها. فهي جزء أساسي من عودة الحياة إلى هذه المدينة العزيزة، وسوف تكون في خدمة دعم صمود أهلها الطيبين وتثبيت بقائهم في أرضهم».

وأعلن الانتهاء من ترميم سراي النبطية، وإعادة افتتاح مركز أمن الدولة ودائرة النفوس ومركز الأمن العام، على أن يعاد قريباً افتتاح قصر العدل. وشملت الجولة أيضاً إعادة افتتاح السراي الحكومي والإعلان عن تسميتها «سراي شهداء أمن الدولة».

الحجار: بسط سلطة الدولة

من جهته، أكد وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار أن بلديات الجنوب متمسكة «بالأرض وبالدولة»، وقال: «نقول لأهل الجنوب إن الدولة لا تتخلى عن جنوبها، ونعمل بجهدنا لتحرير الجنوب، ونأمل في الوقت القريب أن ترفرف الأعلام اللبنانية في مناطق الجنوب كافة».

وشدَّد على أن «أولوية الدولة المطلقة هي تحرير الجنوب وبسط سلطة القوى الأمنية على آخر ذرة من تراب الجنوب»، مؤكداً أن ذلك هو هدف الحكومة.


نصف مليون فلسطيني في الضفة يخشون تدمير المستوطنين والجيش لموسم الزيتون

مزارعون فلسطينيون يستعدون لقطف الزيتون في بيرزيت (إ.ب.أ)
مزارعون فلسطينيون يستعدون لقطف الزيتون في بيرزيت (إ.ب.أ)
TT

نصف مليون فلسطيني في الضفة يخشون تدمير المستوطنين والجيش لموسم الزيتون

مزارعون فلسطينيون يستعدون لقطف الزيتون في بيرزيت (إ.ب.أ)
مزارعون فلسطينيون يستعدون لقطف الزيتون في بيرزيت (إ.ب.أ)

في الوقت الذي يستبشر فيه الفلسطينيون خيراً بموسم الزيتون؛ إذ إن الأشجار حاملة بغزارة هذه السنة، والجيش الإسرائيلي تعهد بتسهيل عمليات القطف التي يفترض أن تبدأ هذا الشهر، يجد المزارعون أنفسهم أمام هجمة جديدة؛ فالمستوطنون المتطرفون، الذين جعلوا الموسم الماضي الأكثر عنفاً طيلة الـ20 سنة الماضية، يعطون إشارات تفيد بأنهم يستعدون لموسم أشد عنفاً وعدواناً، والجيش يقوم بنفسه بعمليات اقتلاع ويواصل حماية هؤلاء المعتدين.

مستوطنان مسلحان يحاولان إخافة ومنع المزارعين الفلسطينيين من قطف الزيتون في بيتا قرب نابلس (رويترز)

وبحسب معطيات وزارة الزراعة الفلسطينية، وكذلك السلطات الإسرائيلية، يعدّ الزيتون المصدر الرئيسي للدخل لأكثر من نصف مليون فلسطيني من سكان المناطق الريفية في الضفة الغربية. وقد زاد اعتمادهم على الزراعة منذ اندلاع الحرب، نتيجة الصعوبات الاقتصادية الشديدة؛ فقد ألغت إسرائيل معظم تصاريح العمل الصادرة للعمال من الضفة الغربية، وتحتجز وتخصم مليارات من أموال الضرائب الفلسطينية.

وقد أوصلت هذه الإجراءات السلطة الفلسطينية ومواطنيها إلى حافة الانهيار. ومع ذلك، في السنة الماضية دفع الخوف من المستوطنين وقلة محصول الزيتون، كثيراً من السكان إلى التخلي عن الذهاب إلى الحقول. ورفع ازدياد عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية من الأخطار هذه السنة. ولكن تقييم الربح يختلف أيضاً - وتزداد أهميته في ظل الفقر والبطالة. ويتوقع أن تبشر الأمطار الأولى التي ستغسل الغبار عن الزيتون، ببداية موسم القطاف، حيث سيبدأ الموسم في الأيام القريبة المقبلة.

مزارعون فلسطينيون يستعدون لموسم القطاف في الضفة الغربية (إ.ب.أ)

وبحسب تقرير للصحافي متان غولان، في صحيفة «هآرتس»، يستعد المستوطنون لتكرار اعتداءاتهم؛ ففي الأسبوع الماضي، أفاد سكان من الخليل بسرقة المستوطنين للزيتون من الحقول، وتم توثيق اقتلاع الأشجار... اثنان من البلاغات وصلا من المنطقة «أ» المحظور على الإسرائيليين دخولها بموجب القانون.

وفي الوقت نفسه، يواصل المستوطنون في عدة مناطق بالضفة الغربية، التعدي على حقول الزيتون الفلسطينية لرعي أغنامهم، الأمر الذي يلحق الضرر بالأشجار والمحاصيل.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (أوتشا)، نفذ المستوطنون 364 حادثة عنف بين أكتوبر (تشرين الأول) ومنتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وشملت هذه الأحداث هجمات شنها المستوطنون؛ مثل إحراق ممتلكات وحقول وسرقة وقتل حيوانات واقتلاع أشجار.

وشهدت الأشهر الأولى في 2026، أكثر من 1600 حادثة للمستوطنين ضد الفلسطينيين، أدت إلى إصابات جسدية أو تخريب للممتلكات، مقارنة مع أكثر من 1800 حادثة في السنة الماضية كلها، وكان ذلك قبل بداية موسم قطف الزيتون.

وحسب مكتب «أوتشا»، فإنه منذ موسم القطاف السابق في أكتوبر 2025 وحتى سبتمبر (أيلول) الماضي، تم اقتلاع نحو 28 ألف شجرة وشتلة فلسطينية، معظمها من أشجار الزيتون، بالضفة الغربية في أحداث نسبت إلى المستوطنين.

جنود إسرائيليون ومستوطنون يطلون على مزارعين يقطفون الزيتون قرب نابلس (رويترز)

وتنقل «هآرتس»، عن نشطاء سلام إسرائيليين، والذين في العادة ينضمون للقاطفين للتضامن معهم، أن ممارسات الجيش الإسرائيلي نفسه لا تقل سوءاً عن اعتداءات المستوطنين؛ فهو يواصل إصدار أوامر إغلاق وقائية بحجة منع الاحتكاك وحماية الفلسطينيين من هجمات المستوطنين أثناء قطف الزيتون. وعملياً، يسمح إصدار هذه الأوامر من قبل الجيش، بمنع النشطاء من الوصول إلى حقول الزيتون. وقد أصدر الجيش في موسم القطاف السابق أكثر من 22 أمراً مماثلاً.

ويمر كثير من المزارعين بالضفة الغربية في هذه الأيام بمشاعر مختلطة؛ فخلافاً للسنة الماضية، فإن أشجار الزيتون في هذه السنة محملة بالثمار، والسبب هو ظاهرة «المعاومة»؛ حيث تثمر الشجرة بغزارة في سنة ويقل المحصول في السنة التالية. ويتوقع أن تكون سنة 2026 سنة جيدة؛ إذ تتوقع وزارة الزراعة الفلسطينية أن يتضاعف المحصول، ويزيد ويصل إلى نحو 125 كغم للدونم.

ومع ذلك، لم يعد حجم المحصول هو العامل الوحيد الذي يحدد مصير الموسم؛ فتقليدياً يعدّ موسم قطف الزيتون أيضاً ذروة عنف المستوطنين، وكانت أيام القطف السابقة، في خريف السنة الماضية، الأكثر عنفاً المسجلة بالضفة الغربية في العشرين سنة الأخيرة، منذ بدأت الأمم المتحدة في رصد عنف المستوطنين.

ناشطة أجنبية تشارك في قطف الزيتون بقرية بيتا قرب نابلس بالضفة الغربية (رويترز)

وروى مزارع فلسطيني، طلب عدم نشر اسمه، أن حقوله التي تضم 4 آلاف شجرة زيتون، تعدّ مصدر فخر له. ويقول وفق التقرير: «بالضبط مثل أولادنا وأحفادنا، كنا نأكل ونطبخ تحت الشجرة، وحتى المستوطنون الذين كانوا يعيشون قربنا كانوا يأتون ويساعدوننا في قطف الزيتون. لكن على مر السنين جاء جيران آخرون، واليوم بقي في الحقل نحو ألف شجرة فقط».

وحسب قوله، فإن أساس العمل قام به مستوطن واحد، أقام قبل بضع سنوات بؤرة استيطانية قرب المكان. «هذا الحقير دمر حياتنا. لقد سلبنا كل سبل العيش ولا يوجد لنا مكان نذهب إليه، نحن مثل الأموات - الأحياء؛ ففي هذا الأسبوع، قبيل بدء موسم قطف الزيتون، اقتحم المستوطنون حقولي واقتلعوا أشجار الزيتون. هذا الأمر يتكرر منذ سنوات، ونحن نرفض التأقلم معه. لا أفهم كيف يمكن لشخص أن يقتلع أشجار الزيتون هكذا. هل تريد الاستيلاء على الأرض؟ أترك الزيتون، ولكنه يعرف أين يؤلمنا».