الملف القضائي لرياض سلامة يستعجل الهواجس من فراغ في حاكمية مصرف لبنان

الدعوات لتنحيه تفرض إيقاعها على اللقاء التشاوري للحكومة الاثنين

جامع عملات يعرض مجموعته من الأوراق النقدية اللبنانية القديمة في متجره ببيروت (رويترز)
جامع عملات يعرض مجموعته من الأوراق النقدية اللبنانية القديمة في متجره ببيروت (رويترز)
TT

الملف القضائي لرياض سلامة يستعجل الهواجس من فراغ في حاكمية مصرف لبنان

جامع عملات يعرض مجموعته من الأوراق النقدية اللبنانية القديمة في متجره ببيروت (رويترز)
جامع عملات يعرض مجموعته من الأوراق النقدية اللبنانية القديمة في متجره ببيروت (رويترز)

فَرَضَ ملف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ثقله على اللقاء التشاوري الذي ستعقده الحكومة اللبنانية يوم الاثنين، وسط دعوة من بعض الوزراء لتنحي سلامة بعد تلقي لبنان مذكرة من «الإنتربول» لتوقيفه، وهو لقاء سيشارك فيه وزراء محسوبون على «التيار الوطني الحر»، لكنهم سيقاطعون جلسة الحكومة التي يُفترض أن تُعقد يوم الجمعة المقبل، التزاماً بموقف «التيار» الرافض لانعقاد جلسات حكومية في ظل الفراغ الدستوري.

ودعا رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الوزراء إلى لقاء تشاوري يُعقد الاثنين المقبل، بعد عودته من جدة حيث مثّل لبنان في القمة العربية. وأكدت أوساط حكومية معنية لـ«الشرق الأوسط»، أن اللقاء التشاوري «كان مقرراً من الأساس في هذا التاريخ بعد اللقاء التشاوري الأول الذي عُقد في 8 مايو (أيار) الحالي، وكان مرشحاً لأن يبحث في الدرجة الأولى ملف النازحين السوريين»، لكن في ضوء التطورات التي حصلت أخيراً ومقررات القمة العربية، قالت الأوساط إنه «من الطبيعي أن تكون هذه الملفات في موضع البحث الأساسي في اللقاء التشاوري من دون أن يعني ذلك أن هناك بنداً محدداً». وأوضحت الأوساط نفسها أن اللقاء التشاوري «عادة ما يكون كل فترة، ويُعقد بعيداً عن الإعلام»، مجددة الإشارة إلى أنه «من المتوقع أن تُطرح فيه كل الملفات».

ويتصدر الملفات الآن، ملف حاكم المصرف المركزي الذي فرض نفسه على النقاشات السياسية اللبنانية، بعد تلقي لبنان مذكرة من منظمة الشرطة الدولية (الإنتربول) لتوقيفه، إثر مذكرة توقيف دولية أصدرتها القاضية الفرنسية أود بوريزي بحق سلامة بعد تخلفه عن المثول أمامها يوم الثلاثاء الماضي، في إطار تحقيقات أوروبية حول ثروته.

وقال وزير الداخلية اللبناني في حكومة تصريف الأعمال بسام مولوي: «سننفذ ما يقوله القضاء»، وأضاف أنه يعتقد أنه «من الضروري» أن يستقيل سلامة، مطالباً إياه بالتنحي.

والدعوة، هي الثانية التي تصدر عن وزير في الحكومة اللبنانية، بعد دعوة نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي أمس (الخميس) الحاكم إلى التنحي. وقال مولوي إن المسألة ستناقش في اجتماع تشاوري لمجلس الوزراء يوم الاثنين المقبل، لكنها بالفعل جزء من المحادثات بين كبار قادة البلاد. وأضاف أن قضية سلامة «تجري مناقشتها بجدية».

ونفى سلامة التهم الموجهة إليه. وقال في مقابلة تلفزيونية بثتها قناة «الحدث» مساء الخميس: «ضميري مرتاح، والتهم الموجّهة إليّ غير صحيحة، وإذا صدر حكم ضدي يُثبت أنني مرتكب، سأتنحى عن حاكمية المصرف».

ورأى سلامة في المقابلة نفسها أنّ «التبليغ من قبل القاضية الفرنسية لم يكن حسب أصول الاتفاقية بين لبنان وفرنسا»، مؤكداً أنه سيحضر أي جلسة تحقيق يتم تبليغه بها «حسب الأصول»، معتبراً أن «المسار القانوني ظالم، لكنني مستعد له». وأضاف: «إذا صدر أي حكم بحقي سأتنحى»، قائلاً: «أنصح القضاء بالبدء بالسياسيين وليس بحاكم المصرف المركزي». وأكد أنّه لن يبقى في منصبه بعد انتهاء ولايته في 31 يوليو (تموز) المقبل، معلناً أن «نائب حاكم المصرف المركزي سيتسلم حينئذ المنصب».

واستعجل التطور القضائي بملف حاكمية مصرف لبنان، الهواجس اللبنانية من فراغ في سدة الحاكمية، في ظل ضيق الخيارات والتجاذب السياسي. وقال عضو تكتل «لبنان القوي» النائب آلان عون لـ«الشرق الأوسط»، إن ملف الحاكمية مطروح للبحث عاجلاً أو آجلاً، سواء أكان اليوم، إثر التطورات القضائية، أم في أواخر يوليو المقبل مع انتهاء ولاية الحاكم، لافتاً إلى أن لبنان «يواجه اليوم مشكلة كيفية تأمين استمرارية حاكمية المصرف، وهو لا يتم إلا من خلال تعيين بديل له»، وهو أمر يحتاج إلى حكومة فاعلة، «ما يحتّم الإسراع في انتخاب رئيس للجمهورية لوضع السلطة التنفيذية على سكة الانتظام، وإجراء تعيينات وتنفيذ الأمور الأساسية المطلوبة من الحكومة».

وتنطلق الهواجس اللبنانية من الفراغ في سدة الحاكمية، من كون تعيين حاكم جديد يحتاج إلى حكومة أصيلة، في حين أن الحكومة اليوم هي حكومة تصريف أعمال في ظل الشغور الرئاسي. ويرفض كثيرون أن تجري حكومة تصريف الأعمال تعيينات، ما يعني أن الخيار الأول معقد. أما الخيار الثاني الذي يتمثل في اقتراح قدمه الرئيس المنتهية ولايته ميشال عون، حول تعيين حارس قضائي، فيلقى أيضاً معارضة قانونية. ويرى كثيرون أن الحل الأسلم يتمثل في استلام نائب الحاكم الأول مهام الحاكمية، تطبيقاً للقانون. ويتولى هذا الموقع عُرفاً، شخص شيعي، لكن رئيس مجلس النواب نبيه بري يرفض استلام النائب الأول للحاكم (وسيم منصوري) المحسوب عليه، هذه المهمة.

وإذ يشدد النائب آلان عون على أن الموضوع القضائي يجب أن يحله القضاء، يقرّ بأن لبنان «أمام مشكلة حقيقية، تتمثل في عدم قدرة الحكومة على القيام بأي شيء بسبب الشغور الرئاسي»، مشيراً إلى أن «المشكلة مرتبطة بكل المرحلة اللاحقة بعد نهاية شهر يوليو في مصرف لبنان»، مما يستدعي «إنهاء الشغور الرئاسي بأسرع وقت».

ولم تحسم الاتصالات المتصلة بإنهاء الشغور الرئاسي، أي خرق جدي حتى الآن. وفي مقابل دعم ثنائي «حزب الله» و«حركة أمل» لرئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية، اقتربت المعارضة من الاتفاق على ترشيح الوزير الأسبق جهاد أزعور للموقع، وتطالب رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل بحسم موقفه لترشح أزعور.

ورغم المفاوضات والمباحثات مع القوى الأخرى، قال النائب آلان عون إن «التيار لم يتخذ قراره بعد بالشخص الذي سيرشحه، وهو قرار يتخذه التكتل الذي لم يجتمع بعد لحسم خياره»، مشدداً على أن التيار الآن «ليس بتوجه أن يدخل طرفاً؛ إذ يحاول أن يجمع القوى على مرشح مقبول من جميع الأطراف، ولا يقوم التيار باصطفاف بين المحورين»، مضيفاً: «حتى الآن، موقفنا أقرب إلى الورقة البيضاء، من غير أن يعني ذلك أن الموقف لن يتطور»، مشدداً على «أننا نسعى لإحداث خرق بين الفريقين، ولا نكون طرفاً إلى جانب أحدهما».


مقالات ذات صلة

سجناء لبنان أمام الكارثة... سبع وفيات بانتظار قرار «الدستوري»

المشرق العربي لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو لتطبيق قانون «العفو العام» (المركزية)

سجناء لبنان أمام الكارثة... سبع وفيات بانتظار قرار «الدستوري»

يضيق الوقت في سجن رومية المركزي، في حين يطول انتظار القرار المفترض أن يصدره المجلس الدستوري بالطعن الذي تقدّم به تكتل «لبنان القوي» لإبطال قانون العفو العام.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام متفقداً مركز أمن عام النبطية (الوكالة الوطنية للإعلام)

سلام من النبطية: قرار الحرب والسلم للدولة ولا انتظار لتسوية إقليمية

أعاد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، من النبطية، طرح مقاربته لمستقبل الجنوب، رابطاً تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل بإعادة بناء دولة «قادرة وفاعلة»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يحملون العلم اللبناني وعلم الحزب خلال إحياء الذكرى الثانية لاغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله (إ.ب.أ)

رسائل تهدئة أمنية بين سوريا و«حزب الله» بوساطة تركية

تصدر الملف الأمني مباحثات سرية بين «حزب الله» والجانب السوري برعاية تركيا، تبادلا خلالها «رسائل التهدئة».

نذير رضا (بيروت)
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي في واشنطن (رويترز)

صندوق النقد الدولي: لبنان بحاجة إلى إصلاحات رئيسية لإبرام اتفاق دعم جديد

أكد صندوق النقد الدولي الخميس أن لبنان بحاجة إلى مواصلة تنفيذ إصلاحات رئيسية في القطاعين الاقتصادي والمصرفي للتوصل إلى اتفاق دعم جديد مع الصندوق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في «الخارجية» الأميركية (رويترز)

جولة مفاوضات لبنانية إسرائيلية يتصدّرها توسيع «المناطق التجريبية» وتثبيت وقف النار

يقف لبنان على بُعد أقل من ثلاثة أسابيع لانعقاد الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أميركية، وهذه المرة على المستوى العسكري.

محمد شقير (بيروت)

مسؤول سابق بـ«الفاو» يطعن على قرار فصله بسبب موقفه من الجوع في غزة

عنصر أمني حكومي يتبع لوزارة الداخلية في ضواحي قرية الصورة الصغيرة بريف السويداء يوم 15 سبتمبر الماضي (رويترز)
عنصر أمني حكومي يتبع لوزارة الداخلية في ضواحي قرية الصورة الصغيرة بريف السويداء يوم 15 سبتمبر الماضي (رويترز)
TT

مسؤول سابق بـ«الفاو» يطعن على قرار فصله بسبب موقفه من الجوع في غزة

عنصر أمني حكومي يتبع لوزارة الداخلية في ضواحي قرية الصورة الصغيرة بريف السويداء يوم 15 سبتمبر الماضي (رويترز)
عنصر أمني حكومي يتبع لوزارة الداخلية في ضواحي قرية الصورة الصغيرة بريف السويداء يوم 15 سبتمبر الماضي (رويترز)

قال بنجامين ديفيس، المسؤول السابق في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، إنه تقدم بطعن على قرار فصله من العمل، مشيراً إلى أن القرار جاء بسبب ​موقفه من قضية الجوع في قطاع غزة، في خلاف سلط الضوء على توتر داخل المنظمة التي تتخذ من روما مقراً.

ووفقاً لوثائق اطلعت عليها وكالة «رويترز»، جرى إبلاغ ديفيس (62 عاماً)، وهو مدير أميركي إسباني في «الفاو»، بأن خدمته ستنتهي في 30 سبتمبر (أيلول) بناء على طلب شو دونيو، المدير العام للمنظمة.

واستندت الوثائق إلى مخالفات لمعايير الخدمة المدنية الدولية التي تلزم الموظفين بالتصرف بحياد. ورفض ديفيس هذه الاتهامات.

وقفات ‌صامتة

قال ديفيس، لوكالة «رويترز»: «أشعر ‌بأن هذا ظلم فادح. تعرضت لإجراء تأديبي ​دون ‌إجراءات قانونية ​واجبة بسبب التحدث عن موضوع يقع في صميم عمل (الفاو)، وهو الحق في الغذاء الذي يعد أبسط حقوق الإنسان». وأضاف أنه تقدم بطعن.

ولم ترد «الفاو» بعد على طلب من «رويترز» للتعليق على ما قاله ديفيس أو على أسباب فصله.

وقال ديفيس إنه عمل في المنظمة لمدة 26 عاماً بموجب عقد قابل للتجديد، وإن فصله مرتبط بنشاط لموظفين يتعلق بالحرب في قطاع غزة.

وشارك ديفيس مع مئات الموظفين في وقفات صامتة ‌تضامناً مع ضحايا الجوع في قطاع غزة، ‌حيث خلص نظام دولي لرصد الجوع ​تستخدمه وكالات الأمم المتحدة في أغسطس (آب)‌ 2025 إلى أن الأمر وصل إلى حد المجاعة في بعض ‌مناطق القطاع.

وأعد تقريراً عن توافر الغذاء في القطاع في مايو (أيار) 2025. وتحول الخلاف إلى العلن هذا الأسبوع، عندما دافع شو خلال مؤتمر لمنظمة «الفاو» عن فصل موظف لم يسمه، واتهمه بأنه «مارس لعبة سياسية». وقال: «لن نسمح لكم بممارسة لعبة حقوق ‌الإنسان هنا».

جدل

أثارت هذه التصريحات جدلاً جديداً بشأن ما إذا كان موظفو الأمم المتحدة قادرين على التعبير عن آرائهم بشأن الأزمات الإنسانية دون تعريض مسيرتهم المهنية للخطر.

ووفقاً لمسؤولي الأمم المتحدة ومقاطع مصورة اطلعت عليها وكالة «رويترز»، تجمّع عدد كبير من الموظفين في مقر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة في روما، الأربعاء، للتصفيق لديفيس في أثناء مغادرته.

وبموجب قواعد الأمم المتحدة، يسمح للموظفين بالتعبير عن آرائهم السياسية، لكن يتعين عليهم ضمان ألا يؤثر ذلك سلباً على مهامهم الرسمية أو مصالح الأمم المتحدة.

وقال ديفيس، الذي كان يرأس قسم التحول الريفي والمساواة بين الجنسين، إنه يشعر بالقلق من تعرض موظفين آخرين لإجراءات انتقامية بسبب مشاركتهم في الوقفات الصامتة تضامناً مع غزة.

وأحيلت القضية الآن ​إلى آلية العدالة الداخلية ​في منظمة «الفاو»، ويمكن أن ترفع لاحقاً إلى محكمة تابعة للأمم المتحدة تملك صلاحية منح تعويضات في النزاعات المتعلقة بالتوظيف.


فصيل موالٍ لإيران يشترط تقليص «أكبر سفارة في العالم»

عناصر من قوات «الحشد الشعبي» العراقية في موكب بساحة التحرير في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية من العراق (د.ب.أ)
عناصر من قوات «الحشد الشعبي» العراقية في موكب بساحة التحرير في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية من العراق (د.ب.أ)
TT

فصيل موالٍ لإيران يشترط تقليص «أكبر سفارة في العالم»

عناصر من قوات «الحشد الشعبي» العراقية في موكب بساحة التحرير في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية من العراق (د.ب.أ)
عناصر من قوات «الحشد الشعبي» العراقية في موكب بساحة التحرير في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية من العراق (د.ب.أ)

بينما تكثّف الحكومة العراقية من نشاطها الاحتفالي بإنهاء مهمة التحالف الدولي والانسحاب الأميركي، طالب فصيل مسلح موالٍ لإيران بتقليص البعثة الأميركية في بغداد والتحرر مما وصفها بـ«هيمنة واشنطن الاقتصادية».

ومنذ الأربعاء الماضي، سخَّرت السلطات في بغداد إمكانات لرعاية احتفالات رسمية بمناسبة ما أطلقت عليه «يوم السيادة الوطنية».

وكان لافتاً أن تحتفي إيران وحلفاؤها بانسحاب آخر القوات -والذي كان بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان- بوصفه «انتصاراً»، رغم قلق طيف من العراقيين إزاء تحديات جيوسياسية.

جدول زمني متفق عليه

وقال رئيس الحكومة علي الزيدي، الجمعة، خلال مؤتمر «يوم السيادة»، بحضور مسؤولين تنفيذيين وتشريعيين، إن «العراق دولة تترسخ فيها مقوّمات السيادة السياسية والاقتصادية والأمنية»، مضيفاً أن «العراقيين نجحوا في كل الاختباراتِ الصعبة، وصولاً للحظة الحاضرة التي يُجدد فيها قراره بحماية الدولة ونظامها».

وأوضح رئيس الوزراء أن «السيادة التي استعادها العراق اليوم، تتجسّد في انسحاب القوات الأجنبية وإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق بشكل تام، والاتفاق على انسحاب القوات التركية وعناصر حزب العمال الكردستاني، وإنهاء وجود الجماعات المسلحة الأجنبية على الأراضي العراقية، فضلاً عن توحيد قوات البيشمركة، بما يعزّز وحدة القرار الأمني والعسكري».

وجدَّد الزيدي التأكيد على «عدم السماح باستخدام العراق منطلقاً للاعتداء على دول الجوار»، إلى جانب «ضبط ملف السلاح وفق الدستور والقانون، وحسب الجدول الزمني المتفق عليه لمعالجة أوضاع الفصائل وإدماجها ضمن مؤسسات الدولة».

وكانت الحكومة قد حدّدت في الأساس 30 سبتمبر (أيلول) الماضي موعداً نهائياً لتسليم الفصائل سلاحها، بالتزامن مع انتهاء مهمة «التحالف الدولي»، الذي تذرَّعت المجموعات بوجوده للتمسّك بسلاحها. غير أن الحكومة تراجعت لاحقاً عن الموعد، وحددت مهلة جديدة تنتهي في يونيو (حزيران) 2027.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يتوسط رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني (يمين) ورئيس البرلمان هيبت الحلبوسي (يسار) خلال مؤتمر «السيادة» في بغداد 2 أكتوبر الحالي (رويترز)

بارزاني في بغداد

وبينما خلت كلمة رئيس الحكومة العراقية من أي إشارة لدور القوات الأجنبية، ثمَّن رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني موقف التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية في مساعدة العراقيين على هزيمة تنظيم «داعش».

وقال بارزاني في كلمة ألقاها باللغة العربية خلال المؤتمر، إن «السيادة تعني أن تكون الدولة هي صاحبة القرار النهائي، وأن يكون قرار الحرب والسلم حصراً بيد السلطة الشرعية للدولة، وأن يطبَّق الدستور والنظام الفيدرالي».

وأضاف بارزاني أنه «في تلك المرحلة العصيبة، وبناءً على طلب من الحكومة العراقية؛ وقفت الولايات المتحدة والتحالف الدولي وأصدقاؤنا إلى جانبنا وقدَّموا لنا العون والمساعدة، واليوم، وهم يغادرون الأراضي العراقية بموجب الاتفاق المبرم مع الحكومة الاتحادية، فإننا لن ننسى ذلك الدعم وتلك المساندة وسننظر إليهما دوماً بعين التقدير والاحترام؛ إلا أن الامتنان الحقيقي ينبغي أن يتطور ليتحول إلى تحمّل المسؤولية الوطنية في العراق».

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يلقي كلمة خلال مؤتمر «السيادة» في بغداد 2 أكتوبر الحالي (رويترز)

«أكبر سفارة في العالم»

من جانبها، حذَّرت «حركة النجباء» التي يقودها أكرم الكعبي، المتحالف مع إيران، من «وجود القوات الأميركية على أرضنا بأي شكل من الأشكال، سواءً كشركات أمنية أو مستشارين وغير ذلك».

وقالت الحركة في بيان صحافي، الجمعة، إن «معاملة الند للند تقتضي، بأن تكون السفارة الأميركية كغيرها من السفارات، لا مدينة أمنية وعسكرية كبيرة، وهي التي تُعدّ أكبر سفارة على مستوى العالم».

دعت «النجباء» إلى «إنهاء الهيمنة الأميركية على اقتصاد ومقدرات العراق، ومنع تدخلهم في الشأن السياسي، وتحرير سماء العراق من طائراتهم المعتدية، إضافة إلى إبعادهم عن الحدود العراقية في سوريا والأردن والكويت».

ما بعد الانسحاب

ثمة تساؤلات يطرحها خبراء وناشطون بشأن مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي. وقال الناشط السياسي منتظر ناصر إن «وجود قوات أجنبية بالاتفاق مع الحكومة العراقية لم يكن أمراً مخلاً بالسيادة أصلاً. ومع ذلك، فإن خروجها يؤشر إلى عدم حاجة العراق لأي قوة خارجية».

وأضاف ناصر، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن «ما تحتاج السلطات إلى إثباته على الأرض هو فرض سيطرتها الكاملة، في ظل وجود فصائل تتحدى الدولة والقانون وتضع العراق على حافة صدامات عسكرية إقليمية».

لكن أستاذ العلوم السياسية طالب محمد كريم، رأى في حديث مع «الشرق الأوسط» أن «المشكلة تكمن في أن الأطياف السياسية العراقية متفقة على مبدأ السيادة، لكنها تختلف في تعريفها وآليات تحقيقها، في حين يتعامل المجتمع الدولي مع العراق بقدر ما يتخذه من قرارات موحدة وعلى نحو مؤسساتي».


سجناء لبنان أمام الكارثة... سبع وفيات بانتظار قرار «الدستوري»

لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو لتطبيق قانون «العفو العام» (المركزية)
لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو لتطبيق قانون «العفو العام» (المركزية)
TT

سجناء لبنان أمام الكارثة... سبع وفيات بانتظار قرار «الدستوري»

لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو لتطبيق قانون «العفو العام» (المركزية)
لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو لتطبيق قانون «العفو العام» (المركزية)

يضيق الوقت في سجن رومية المركزي، في حين يطول انتظار القرار المفترض أن يصدره المجلس الدستوري بالطعن الذي تقدّم به تكتل «لبنان القوي» لإبطال قانون العفو العام، ولا سيما أن الأزمة التي بدأت احتجاجاً على تعليق العفو باتت تضع السلطات اللبنانية أمام اختبار سياسي وأمني واجتماعي صعب، جراء الانهيار السريع لصحّة السجناء المضربين، واتساع دائرة الخطر داخل الزنازين. فبين الترقّب القاتل لـ«العفو العام» ومصير المستفيدين منه، والاستنفار الطبي لاحتواء تداعيات الامتناع عن الطعام والدواء، ارتفع عداد الموت ليبلغ 7 سجناء توفوا منذ 12 أغسطس (آب) الماضي؛ تاريخ تصويت البرلمان اللبناني على القانون، خمسة منهم قضوا نتيجة الإضراب عن الطعام، وهو ما عزز المخاوف من كارثة إنسانية يصعب تداركها إذا استمر الانتظار.

سجن رومية المركزي (أرشيفية - الوكالة الوطنية)

اتساع الإضراب وتدهور صحة السجناء

يقترب نزلاء المبنى «ب» في سجن رومية من إنهاء الأسبوع الثالث لإضرابهم عن الطعام، وسط تدهور متسارع في الأوضاع الصحية للعشرات منهم، ما استدعى نقل عدد منهم إلى المستشفيات، ولم يعد الاحتجاج محصوراً بهذا المبنى، بعدما انضم إليه نزلاء من المبنى «د» وموقوفون آخرون في سجن بعلبك (البقاع)، ما وسّع نطاق الأزمة وزاد الضغط على إدارة السجن والأجهزة المعنية بمتابعة الحالات الصحية.

وأعلن أحد السجناء في «رومية» أن عدد المشاركين في الإضراب عن الطعام بلغ حتى الآن 532 سجيناً، 470 منهم في المبنى «ب» و42 في المبنى «د» في سجن رومية، و22 في سجن بعلبك. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «عدد الوفيات أصبح سبعة منذ إقرار قانون العفو العام، خمسة منهم ماتوا جراء الإضراب عن الطعام والشراب والأدوية»، وأن «عدد الحالات الحرجة في المستشفيات بلغ 51 سجيناً». وطالب السلطات الرسمية بـ«الاستجابة السريعة لإنقاذ المصابين». وقال إن «المشهد الإنساني في سجن رومية صعب للغاية»، داعياً إلى «إنهاء تعليق (العفو العام) وإعادة تفعيله وإنهاء مأساة السجناء».

لقطة عامة لسجن رومية المركزي شرق بيروت تعود إلى أكتوبر 2020 (أرشيفية - رويترز)

استنفار طبي وسباق مع التدهور

تتزامن هذه التطورات مع مخاوف من ارتفاع حصيلة الوفيات، جرّاء تدهور صحّة العشرات، وفق ما أفادت لجنة أهالي السجناء، في حين لا يزال الطعن بقانون العفو العام أمام المجلس الدستوري ينتظر الحسم، وأوضح مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» أن الوضع «بات مقلقاً، في ظل تمسك السجناء بالإضراب، وانضمام نزلاء المبنى (د) إليهم في مقاطعة الطعام والشراب والدواء منذ أربعة أيام». وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن إدارة السجون «رفعت مستوى جهوزيتها، وتُخضع المضربين المرضى لمراقبة طبية دقيقة، سعياً إلى رصد أي تدهور والتعامل معه بسرعة».

وكشف المصدر عن «وضع عدد من سيارات الإسعاف في حالة تأهب لتأمين نقل الحالات الطارئة إلى المستشفيات فور ظهور مؤشرات تستدعي ذلك»، مشيراً إلى أن الاستنفار الطبي واللوجستي «يواجه أزمة متحركة، تتزايد صعوبتها مع استمرار الإضراب واتساع دائرة المشاركين فيه، بما يجعل المتابعة الصحية اليومية سباقاً مع احتمالات التدهور».

الخطر لم يعد يقتصر على السجناء المرضى؛ إذ بدأت علامات الوهن الجسدي تظهر على أشخاص لم يكونوا يعانون مشكلات صحية سابقة، وفق تعبير المصدر الأمني، الذي لفت إلى أن «عدداً من المضربين عن الطعام فقدوا القدرة على التنقل، ما يعكس انتقال الأزمة إلى مرحلة أشد خطورة، بعدما بات الإنهاك يطول أيضاً من كانوا أقدر على التحمّل».

سجن رومية المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام - أرشيفية)

القضاء يترقب قرار المجلس الدستوري

من جهتها، تواكب السلطات القضائية تطورات الوضع في سجن رومية، وتجد نفسها عاجزة التحرّك، باعتبار أن الأزمة عالقة لدى المجلس الدستوري، وأوضح مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج «يتابع القضية مع إدارة السجون على مدار الساعة، ويعطي توجيهاته تبعاً لتطور الأوضاع». وأشار إلى أن القاضي الحاج «أمر بالنقل الفوري إلى المستشفى لأي حالة صحية تستدعي ذلك، من دون انتظار إشارة مسبقة من المرجع القضائي المختص، تفادياً لأي تأخير في تقديم العلاج»، مشدداً على أن القضاء «لا يتحمل مسؤولية الطعن بقانون العفو العام، ولا التأخير في إجراءات البتّ فيه»، ومؤكداً أن النيابة العامة التمييزية «تعمل على متابعة الوضع الصحي، بالتوازي مع التحضير لما سيترتب على قرار المجلس الدستوري».

استعدادات لتنفيذ العفو إذا رُدّ الطعن

وسبق لمجلس القضاء الأعلى أن ناقش في اجتماعاته الأخيرة آليات تطبيق قانون العفو العام. ولفت المصدر القضائي إلى أن النائب العام التمييزي «بحث مع قيادة وحدة الدرك في قوى الأمن الداخلي الإجراءات الواجب اتخاذها وإنجاز ملفات مئات السجناء إذا قرر المجلس الدستوري ردّ الطعن، حتى يتمكن القضاء من الإفراج عنهم بالسرعة القصوى». أما في حال إبطال القانون، فيشير المصدر إلى أن «الإجراءات المرتبطة بتطبيق القانون تتوقف فوراً».