السعودية ترفع طاقتها الخدمية لتنظيم أكبر تجمع بشري للحجاج

الجهات الحكومية والأهلية تحشد كوادرها البشرية والرقمية لإدارة الحشود وتنظيمها

استقبال الحجاج القادمين وتوجيههم وإيصالهم إلى وجهاتهم (واس)
استقبال الحجاج القادمين وتوجيههم وإيصالهم إلى وجهاتهم (واس)
TT

السعودية ترفع طاقتها الخدمية لتنظيم أكبر تجمع بشري للحجاج

استقبال الحجاج القادمين وتوجيههم وإيصالهم إلى وجهاتهم (واس)
استقبال الحجاج القادمين وتوجيههم وإيصالهم إلى وجهاتهم (واس)

تُعد شعيرة الحج من أكبر الحشود وأكثرها تنوعاً، جغرافياً وعِرقياً وثقافياً على مستوى العالم، ويُعد حشد الحجاج من الحشود المليونية، ويمثل حجم وتنوع حشود الحجيج، طوال فترة الشعيرة، تحدياً هائلاً للجهات الحكومية السعودية بمختلف فئاتها ومسمّياتها التي تسهم بطريقة مباشرة في إنجاح إدارة الحشود طيلة فترة إقامة الشعيرة.

وتعمل السعودية على حشد طاقتها في خدمة ضيوف الرحمن، عسكرياً وصحياً ولوجستياً؛ استعداداً لإدارة أكبر تجمع بشري على وجه الأرض، بأكثر من مليونيْ حاج في مساحة ضيقة، حيث تسهم ‏وزارة الداخلية السعودية، إلى جانب ‏وزارة الدفاع، و‏وزارة الصحة، ووزارة التجارة، و‏هيئة الأمن السيبراني، و‏الهيئة العامة للطيران المدني، و‏هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات، و‏وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، و‏الهيئة العامة للإحصاء، ‏وأمانة منطقة مكة المكرمة، ومطار الملك عبد العزيز الدولي، و‏شركة سار للخطوط الحديدية، و‏شركة المياه الوطنية، والشركة السعودية للكهرباء، وعدد من الجهات الحكومية، التي تحشد طاقتها البشرية والرقمية في إدارة الحشود وتنظيمها.

جاهزية المشاعر المقدسة

وتشهد المشاعر المقدسة، خلال هذه الأيام، أعمال وتجهيزات واستعدادات لاستقبال حجاج بيت الله الحرام، لحج هذا العام 1445، حيث انتهى تجهيز المخيمات وتزويدها بالاحتياجات الضرورية كافة لينعم ضيوف الرحمن بأداء مناسكهم بكل يسر وسهولة في أجواء من الطمأنينة والروحانية.

وتُواصل القطاعات الحكومية والأهلية، المعنية بخدمة الحجاج وضيوف الرحمن، جهودها وفق الخطط التشغيلية، حيث راعت فيها تغطية الجوانب الإدارية والفنية الميدانية؛ بهدف توفير كل ما يحتاج إليه الحاج تحقيقاً لتوجيهات القيادة. وجهزت أمانة العاصمة المقدسة عدداً من الفِرق الميدانية، التي تعمل على مدار الساعة للإشراف والمتابعة على أعمال صيانة الطرق والإنارة، بالإضافة للأرصفة والمرافق العامة؛ للتأكد من سلامتها واستخدامها بكفاءة عالية، وذلك استعداداً لموسم حج عام 1445هـ.

ونُفّذت اختبارات الجودة للطرق المؤدية إلى المشاعر المقدسة، عن طريق مختبر المواد، تحت إشراف مهندسين متخصصين وفِرق فنية مؤهلة، بالإضافة لأعمال معالجة وصيانة أعمدة الإنارة بواقع 4767 عموداً وبرج إنارة بالمشاعر المقدسة، وصيانة 123 جسراً في مكة المكرمة، و20 جسراً في المشاعر المقدسة، بالإضافة لاستكمال أعمال الصيانة لـ58 نفقاً؛ منها 48 للمركبات، و10 أنفاق للمشاة، بإجمالي أطوال 34000 متر.

المشاعر المقدسة جاهزة لاستقبال الحجاج (واس)

كما جهزت أمانة العاصمة المقدسة عدداً من مراكز الخدمات بالمشاعر المقدسة وفق التوزيع الجغرافي، وجرى تزويدها بالأجهزة والآليات والقوى البشرية.

في حين أكملت شركات الطوافة استعداداتها من خلال تجهيز مراكز الخدمة الميدانية التابعة لها، استعداداً لنقل ضيوف الرحمن، وتقديم أفضل وأرقى الخدمات لهم، حيث جُهِّزَت مخيمات حديثة بمواصفات عالمية تتميز بالعزل للضوء والحرارة ومقاومة للحريق، وواقية من الأشعة فوق البنفسجية، وترتبط كل خيمة بنظام تبريد خاص، كما تتوفر بها وسائل الأمن والسلامة للتمديدات الكهربائية، والخدمات المساندة، إضافة إلى توفير الخدمات الصحية، والنوعية في الوجبات الغذائية، وطريقة تقديمها للحجاج، وذلك ارتقاءً بمنظومة الخدمات المقدمة لضيوف بيت الله الحرام.

كما تواصل شركات الطوافة فرضيات التأكد من أنظمة تشغيل النقل الترددي في المشاعر المقدسة، حيث تشتمل على تفقُّد طرق ومسارات حافلات النقل الترددي، والتأكد من اتباع الخطط المخصصة لنقل الحجاج، وذلك وفق الجداول والأوقات المحددة من النقابة العامة للسيارات في مكة المكرمة.

تبريد الأسطح الإسفلتية في المشاعر المقدسة لتخفيف درجة الحرارة (واس)

تبريد الأسطح الإسفلتية

وستقوم الهيئة العامة للطرق، وبالشراكة مع عدد من الجهات ذات العلاقة، بالتوسع في تجربة تبريد الأسطح الإسفلتية في عدد من المواقع بالمشاعر المقدسة، حيث قامت الهيئة، وبالشراكة مع الجهات ذات العلاقة، بتنفيذ هذه المبادرة، بجانب مسجد نمرة في مشعر عرفات، وذلك بمساحة 25 ألف متر مربع.

وتهدف هذه التجربة لخفض درجة الحرارة في الأحياء والمناطق السكنية، وتقليل الطاقة المستخدمة في تبريد المباني، وتقليل آثار تغير المناخ، كما تسهم هذه التقنية في توفير بيئة أكثر راحة بمناطق الانتظار، والمناطق التي يتجمع فيها الناس.

إدارة الحشود صحياً

وأعلن تجمع مكة المكرمة الصحي جاهزيته لموسم حج هذا العام 1445هـ باكتمال الخطط التشغيلية لجميع المستشفيات والمراكز الصحية التابعة في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة لتقديم خدمات طبية متكاملة على أعلى مستوى وفق خطط تنظيمية تشرف عليها وزارة الصحة، من خلال تجهيز 18 مستشفى، و126 مركزاً صحياً في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.

خدمات صحية خلال استقبال الحجاج القادمين (واس)

وأعدَّت هيئة الهلال الأحمر السعودي، ممثلة بوحدة الإمداد والتجهيز الطبي بحج هذا العام 1445هـ، عملية تموين وتزويد سيارات الإسعاف المشارِكة في الحج عن طريق (صناديق مستهلكات التموين الطبي)، حيث يجري تجهيز كل سيارة إسعاف بثلاث فئات مختلفة.

وجُهزت وحدة التموين الطبي بأكثر من 10 آلاف صندوق يحتوي على عشرة ملايين قطعة من المستهلكات الطبية، بالإضافة إلى وجود رصيد احتياطي يقدَّر بـ5 ملايين قطعة طبية في نقاط الإمداد يَسهل من خلالها تأمين الميدان بشكل مستمر ودون انقطاع.

مُعدات طبية يجري تجهيزها لسيارات الإسعاف (واس)

ويستطيع نظام صناديق المستهلكات، بفئاته الثلاث، تقديم الخدمة الطبية الطارئة لـ(20 - 30) حالة طارئة عادية، و (15 - 20) حالة حادة وحرجة، بخلاف احتواء كل سيارة إسعاف على مواد أساسية من أجهزة صدمات وأسطوانة أكسجين وجهاز قراءة العلامات الحيوية، بالإضافة لأجهزة شفط السوائل والألواح الخشبية والجبائر العنقية وتثبيت الأطراف.

1.6 مليون مقعد على قطار الحرمين السريع

وتُواكب الخطوط الحديدية السعودية «سار»، بالتنسيق مع الشركة المُشغلة، الطلب المتوقع على رحلات قطار الحرمين السريع، خلال موسم حج هذا العام، بخطة من خلال تشغيل أكثر من 3800 رحلة قطار ستسهم في توفير سَعة مقعدية تتجاوز 1.6 مليون مقعد، وذلك بزيادة تتجاوز المائة ألف مقعد، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

ويُعد قطار الحرمين السريع من أسرع 10 قطارات كهربائية في العالم، إذ تبلغ سرعته 300 كم في الساعة مستخدماً أنظمة إشارات واتصالات متطورة، لذا فهو يُعد مكوناً أساسياً في خطة التطوير وبرنامج التوسع في شبكة الخطوط الحديدية السعودية.

ويربط هذا المشروع بين المدينتين الرئيسيتين في المنطقة الغربية، ويلبي الطلب المُتنامي لخدمة الأعداد المتزايدة من الحجاج الداخليين والخارجيين، ويخفف الازدحام على الطرق في مكة المُكرمة والمدينة المنورة وجدة.

قطار الحرمين السريع يرفع طاقته الاستيعابية للحجاج (واس)

ويُشغَّل قطار الحرمين السريع بعدد 35 قطاراً كهربائياً، تبلغ الطاقة الاستيعابية للقطار الواحد منها 417 راكباً، من خلال 13 عربة؛ مقسمة إلى 4 مقصورات لدرجة الأعمال، و8 مقصورات للدرجة السياحية، ومقصورة مطعم، فيبلغ بذلك عدد مقاعد درجة الأعمال 113 مقعداً، في حين يبلغ عدد مقاعد الدرجة السياحية 304 مقاعد.

وضمن مساعي الخطوط الحديدية السعودية لإثراء تجربة المسافرين عبر قطار الحرمين السريع، فقد دشنت مؤخراً صالة كبار الشخصيات في محطات القطار الواقعة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، إضافة إلى محطة القطار في مدينة جدة (السليمانية)، كما قامت «سار» بتحديث وتشغيل صالات مبيعات التذاكر في محطات مكة المكرمة والمدينة المنورة ومحطة جدة الرئيسية، لتكون منفذاً من ضمن منافذ البيع الخاصة بالتذاكر، والتي تضم أيضاً أجهزة المبيعات الذاتية في المحطات، والتطبيق الإلكتروني، والموقع الإلكتروني، ومركز الحجز الهاتفي.

طريق مكة

تُشكّل مبادرة «طريق مكة»؛ إحدى مبادرات وزارة الداخلية، دوراً حيوياً في تسهيل إجراءات دخول الحجاج المملكة العربية السعودية، وهي ضمن مبادرات برنامج خدمة ضيوف الرحمن؛ أحد برامج «رؤية السعودية 2030».

يجري تنفيذ هذه المبادرة بنجاح، بالتعاون مع وزارات: الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، إضافة إلى الهيئات الأخرى، مثل الهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن.

مبادرة طريق مكة تواصل تقديم خدماتها للحجاج (واس)

وتعمل وزارة الداخلية على تكريس جميع الإمكانيات لتبسيط إجراءات دخول مستفيدي المبادرة من صالات المبادرة في مطارات دولهم إلى مطاري الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، والملك عبد العزيز الدولي بمحافظة جدة، بأحدث التقنيات، ويُشغلها كوادر بشرية مؤهلة تتحدث بلغات ضيوف الرحمن.

وتسهل وزارة الخارجية إجراءات التأشيرات للحجاج، وتقدم الدعم اللازم لهم قبل وصولهم، بينما تلتزم وزارة الصحة بتوفير الرعاية الصحية والفحوصات؛ لضمان سلامة الحجاج، كما تسهم وزارة الحج والعمرة في تنظيم وتوجيه الحجاج لسير العملية بكفاءة.

بدورها، تنسق الهيئة العامة للطيران المدني الرحلات الجوية وتوفر الخدمات اللوجستية، وتدير هيئة الزكاة والضريبة والجمارك العمليات الجمركية لسلامة الحجاج، كما تستخدم «سدايا» تقنياتها المتقدمة لتحسين وتسريع الإجراءات.

الجوازات السعودية تقدم تسهيلات للحجاج القادمين (واس)

وتهدف مبادرة «طريق مكة» إلى إنهاء جميع إجراءات دخول مستفيدي المبادرة قبل وصولهم، مما يسهم بشكل كبير في تسهيل هذه العملية وتوفير الوقت، بفضل استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وتسعى المبادرة إلى تقديم خدمات مُيسرة وسريعة، وجعل تجربة الحجاج أكثر راحة؛ تحقيقاً لأهداف «رؤية 2030» في تحسين الخدمات المقدَّمة لضيوف الرحمن.

وينعكس نجاح مبادرة «طريق مكة» في التعاون المثمر مع الجهات والهيئات الحكومية، لتقديم أفضل الخدمة لضيوف الرحمن.


مقالات ذات صلة

السعودية: غرامات تصل إلى 26 ألف دولار لمخالفي أنظمة الحج

الخليج وزارة الداخلية السعودية شدَّدت على أهمية الالتزام بأنظمة وتعليمات الحج (واس)

السعودية: غرامات تصل إلى 26 ألف دولار لمخالفي أنظمة الحج

أعلنت وزارة الداخلية السعودية العقوبات المقررة بحق مخالفي التعليمات التي تقضي بالحصول على تصريح لأداء الحج، حيث تتضمن غرامات مالية تصل إلى 26.6 ألف دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج إعادة المخالفين والمركبات عند مراكز الضبط الأمني المؤدية إلى العاصمة المقدسة (واس)

السعودية: منع دخول المقيمين مكة المكرمة من دون تصريح

بدأ الأمن العام السعودي تنفيذ الترتيبات والإجراءات المنظمة للحج، بمنع دخول المقيمين إلى مكة المكرمة، باستثناء حاملي هوية «مقيم» صادرة منها وتصريح «حج» أو «عمل».

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج الأمير سعود بن مشعل لدى ترؤسه اجتماع اللجنة الدائمة للحج والعمرة الأربعاء (إمارة منطقة مكة المكرمة)

السعودية: استعدادات وجاهزية عالية لموسم الحج

استعرضت اللجنة الدائمة للحج والعمرة جاهزية خطط الجهات ومؤشرات الاستعدادات لحج هذا العام، وذلك خلال اجتماعها برئاسة الأمير سعود بن مشعل نائب أمير منطقة مكة.

«الشرق الأوسط» (جدة - المدينة المنورة)
الخليج إتاحة استعراض الباقات واختيار الأنسب منها لحجاج الداخل (تصوير: بشير صالح)

السعودية: بدء حجز الباقات لحجاج الداخل

أعلنت السعودية، الأربعاء، بدء مرحلة حجز باقات الحج للراغبين في أداء الفريضة من المواطنين والمقيمين ممن لديهم إقامة سارية، لموسم هذا العام، إلكترونياً.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج وزارة الحج والعمرة السعودية أكدت أن حقوق ضيوف الرحمن أولوية قصوى وأن جودة الخدمات المقدمة تمثل خطاً أحمر لا يُسمح بتجاوزه (واس)

السعودية: إيقاف «شركتَي عمرة» لمخالفة التزامات السكن للمعتمرين

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية، السبت، إيقاف شركتَي عمرة، بعد رصد مخالفة تمثلت في عدم الالتزام بتوفير خدمات السكن للمعتمرين وفق البرامج التعاقدية المعتمدة.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.


شهباز شريف وتميم بن حمد يؤكدان دعم مسار التهدئة

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
TT

شهباز شريف وتميم بن حمد يؤكدان دعم مسار التهدئة

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)

استكمالا لجولته المكوكية التي بدأت من السعودية، بحث محمد شهباز شريف رئيس وزراء باكستان مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها التطورات في منطقة الشرق الأوسط، وذلك خلال اجتماع عقد في الدوحة يوم الخميس.

وجدد رئيس الوزراء الباكستاني إدانة بلاده للهجمات التي استهدفت قطر ودول المنطقة، مؤكداً تضامن باكستان الكامل، ودعمها لما تتخذه الدوحة من إجراءات لحماية سيادتها، وصون أمنها، واستقرارها.

وأعرب أمير قطر عن تقديره للدور الباكستاني في دعم المساعي لخفض التصعيد، وتعزيز الحوار الدبلوماسي بما يخدم الأمن والسلم الإقليميين.

بحث الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر ومحمد شهباز شريف رئيس وزراء باكستان مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية (قنا)

ووفقا للمصادر الرسمية، أكد الجانبان ضرورة دعم مسار التهدئة، وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن المنطقة واستقرارها، لا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية.

كما جرى، خلال الاجتماع، استعراض علاقات التعاون والصداقة بين البلدين، وسبل تطويرها بما يعزز الشراكة بين البلدين، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الثنائي.

وأكد الجانبان ضرورة مواصلة التنسيق والتشاور بين البلدين، في ظل الأحداث الجارية وتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها.

وكان رئيس الوزراء الباكستاني وصل إلى الدوحة يوم الخميس في زيارة عمل، وكان في استقباله والوفد المرافق، لدى وصوله لمطار الدوحة الدولي، سلطان المريخي وزير الدولة القطري للشؤون الخارجية.