بيان السعودية وضع حداً لاستخدام «التطبيع» في أغراض انتخابية

بيان الخارجية السعودية أعقب زيارة وزير الخارجية الأميركي إلى الرياض مؤخراً والاجتماع مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)
بيان الخارجية السعودية أعقب زيارة وزير الخارجية الأميركي إلى الرياض مؤخراً والاجتماع مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)
TT

بيان السعودية وضع حداً لاستخدام «التطبيع» في أغراض انتخابية

بيان الخارجية السعودية أعقب زيارة وزير الخارجية الأميركي إلى الرياض مؤخراً والاجتماع مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)
بيان الخارجية السعودية أعقب زيارة وزير الخارجية الأميركي إلى الرياض مؤخراً والاجتماع مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

تحليل إخباري

 

جاء بيان وزارة الخارجية السعودية (الأربعاء)، بشأن محوريَّة إقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية بوصفه مُتطلّباً رئيسياً لإحلال السلام في المنطقة، ليقطع الطريق أمام أي مُزايدات بشأن الموقف التاريخي الثابت والراسخ للرياض، الذي تبلور في المبادرة السياسية الوحيدة على الطاولة «مبادرة السلام العربية» المتضمّنة اعترافاً بالدولة الفلسطينية على حدود عام 1967، مقابل التطبيع، وصولاً إلى الأحداث الجارية في قطاع غزة، ليصبح «إيقاف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وانسحاب جميع أفراد قوات الاحتلال الإسرائيلي منه مرافقاً لشرط الاعتراف بالدولة الفلسطينية»، حسب نص البيان.

وعقب 4 أشهر بالتمام والكمال، من اندلاع أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، الدامية في غزة، تناولت النقاشات الكثير من الملفات المرتبطة بالحرب الإسرائيلية ضد القطاع والأراضي الفلسطينية، ومع أن النقاشات اليومية بين الدول والحكومات، والمشاورات المستمرة، والتقارير الإعلامية والتحليلات السياسية، ركّزت على مستقبل العملية العسكرية الإسرائيلية ومصير الحكم في غزة بعد وقف الحرب، والأسرى والمحتجزين، فإن المفاوضات السعودية – الأميركية التي تتضمّن نقاشاً حول السلام بين السعودية وإسرائيل، كانت منذ اليوم الأول للأحداث، في طليعة تلك النقاشات، والتسريبات أيضاً.

 

قطع الطريق على المزايدات

امتلأ كثير من الصفحات والمواقع الإلكترونية بالتسريبات الإعلامية، التي جاء معظمها عبر مصادر رسمية أميركية أو إسرائيلية، وآخرها ما ورد على لسان المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي جون كيربي، ورغم الثبات الذي اتّسمت به الرياض، فإن بيان خارجيّتها (الأربعاء)، بشأن محوريّة إقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية بوصفه مُتطلباً رئيسياً لإحلال السلام في المنطقة، جاء ليقطع الطريق أمام أي مُزايدات بشأن الموقف التاريخي الثابت والراسخ للرياض تجاه قضية فلسطين، ووقوفها الدائم مع حقوق الشعب الفلسطيني وتعزيز صموده وتوفير الحياة الكريمة له، حسب نص البيان.

التسريبات الإعلامية تزامنت مع الجهد السعودي الرامي إلى تحقيق وقف فوري لإطلاق النار (واس)

تصاعُد التسريبات الإعلامية الأميركية والإسرائيلية التي تحاول إيهام الرأي العام بشأن انفتاح السعودية على فكرة إقامة علاقة طبيعية مع إسرائيل في ظل استمرارها في العدوان على غزة، جاء في مرحلة دقيقة من الأحداث، ورغم أنه لم يكن تطوّراً مستغرباً من جانب الرياض التي اعتادت الهدوء والثبات أمام تلك التطورات، فإنه تزامن مع ارتفاع نسق الجهد السعودي الرامي إلى تحقيق وقفٍ فوري لإطلاق النار، ومع الوضع الداخلي في كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل، المرتبط بتأثيرات الحرب والانتخابات الرئاسية، مما يكشف عن أنها هدفت إلى التأثير على الجهد السعودي، قبل أن يأتي بيان الحكومة السعودية بلغة صريحةٍ ومباشرةٍ، في مرّة من المرّات النادرة، التي تتحدّث فيها السعودية عن جهودها خصوصاً في القضية الفلسطينية، ويدحض كل المزاعم التي حاولت كلٌّ من واشنطن وتل أبيب استخدامها جملة من المصالح السياسية المتنوعّة داخليّاً وخارجياً.

 

ولي العهد أعطى التأكيد

نصل إلى التأكيد الأهم في المقابلة التلفزيونية التي أجراها الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مع محطة «فوكس نيوز» الأميركية، وشدّد خلالها على أهمية حل القضية الفلسطينية، عادّاً ذلك أساسياً في أي تطبيع للعلاقات مع إسرائيل، وأضاف أن السعودية مهتمة «بحصول الفلسطينيين على حياة أفضل»، وأنها مستمرة في المفاوضات مع إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لرفع معاناة الفلسطينيين.

بالإضافة إلى مطالبات الرياض التي استمرّت حتى «بيان الخارجية السعودية»، (الأربعاء)، بأن يضطلع المجتمع الدولي بمسؤولياته لإنهاء الاحتلال ووقف التصعيد وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين، سلّطت الأحداث الأخيرة الضوء على تحذيرات الرياض من «انفجار الأوضاع» نتيجة «الاستفزازات الإسرائيلية المستمرة»، التي وردت عبر أكثر من 20 بياناً رسمياً، رصدتها «الشرق الأوسط»، حتى قبل أحداث الـ7 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بـ24 ساعة، بصيغة اشتملت على التحذير من انفجار الأوضاع، والمطالبة بتوفير الحماية اللازمة للمدنيين، مع دعوة المجتمع الدولي ومجلس الأمن للاضطلاع بمسؤولياته لإنهاء الاحتلال.

وعزّزت ذلك، الاتصالاتُ رفيعةُ المستوى التي أجراها وتلقّاها ولي العهد السعودي منذ الـ7 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، و«القمة العربية الإسلامية المشتركة غير العادية» لأول مرة في التاريخ، والقرارات الناجمة عنها، وغيرها من الاجتماعات التي دعت إليها الرياض، بالإضافة إلى الدور النشط الذي يلعبه وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، الذي أجرى منذ ذلك التاريخ، مشاورات سياسية مع نظرائه حول العالم تجاوز مُجملها الـ100، بالإضافة إلى الرحلات المكّوكيّة التي أجراها إلى عدد من العواصم، لحشد تأييد إقليمي ودولي لوقف التصعيد الجاري في غزة.

وهو الموقف نفسه الذي استمرّت الرياض في تأكيد أنه موقفها الوحيد والثابت في هذه الأثناء من الحرب.

 

سيادة القرار

ووفقاً للبيانات التي أصدرتها الرياض منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وموقفها الرسمي، فمن الواضح وفقاً لقراءة مراقبين سياسيين، أن تشديد الحكومة السعودية على ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية المُستقلة على حدود عام 1967، يصل إلى مستوى تأكيد سيادة القرار السعودي وعدم ارتهانه لأي حسابات من أي دولة كانت، وهذه كانت إحدى أهم الرسائل المباشرة التي وردت في طيّات البيان السعودي التاريخي.

البيان أكّد سيادة القرار السعودي وعدم ارتهانه لأي حسابات من أي دولة كانت (أ.ف.ب)

المحلل السياسي نضال السبع، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزخم السياسي الذي تلعبه السعودية في هذه الأثناء، يُظهر أهميتها بشكل جليّ في وقت الأزمات الكبرى التي تجعل المنطقة تقف على أطراف أصابعها».

وتابع أن «دور الرياض في الأحداث الجارية في غزة، أسهم في ضبط رمانة الميزان الدوليّة حتى اللحظة مع دول أخرى كبرى، خصوصاً في ظل الاستقطاب الدولي الذي ظهر واضحاً منذ اليوم الأول للأزمة وسط دعم غربي كان منقطع النظير لإسرائيل في المرحلة الأولى من الحرب، وتضامن عربي وإقليمي شبه كامل مع الفلسطينيين في الأراضي المحتلّة».

وأضاف السبع أن جهود السعودية تنطلق من أساس «منع حدوث كارثة إنسانية في قطاع غزة، وهذا المبدأ يمكن المراهنة فيه على السعودية لتحقيقه، خصوصاً أنها تكاد تكون البلد الوحيد الذي يلتزم بمواقفه تجاه القضية الفلسطينية، التزاماً مبدئياً ولا يستخدمها ورقةً على الطاولة».

 

مجموعة العوامل المؤثرة في الموقف

ولأن الموقف السعودي الذي عبَّر عنه بيان الخارجية تجاه ضرورة حل القضية الفلسطينية أولاً وقبل كل شيء، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، يُعد موقفاً تاريخياً بامتياز من ناحية الزمان والظرف، فإن لذلك مجموعة من العوامل المؤثرة فيه، طبقاً لما قاله المتخصص في العلاقات السعودية - الأميركية أحمد آل إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، إذ تبرز السعودية «لاعباً أساسياً في دعم القضية الفلسطينية ودعم الشعب الفلسطيني، وتاريخياً، عبّرت السعودية عن رفضها الإجراءات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية ضد الأراضي الفلسطينية، فضلاً عن مشروعها للسلام عبر المبادرة العربية للسلام، إذ لم يظهر على السطح بعد ذلك، أي مشروع حقيقي للسلام في المنطقة».

عدد من الجولات المكّوكية أجراها وزير الخارجية السعودي منذ بدء الحرب في قطاع غزة (أ.ف.ب)

 

من الدعوة إلى المطالبة بالإسراع

وعلى الجانب الآخر من التأكيدات السعودية الواردة في بيان خارجيّتها، فمنذ وقتٍ مبكر من الأحداث، وجّهت الرياض نداءً إلى الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن للاضطلاع بمهامها ومسؤولياتها، وفي هذه المرّة، «رفعت الرياض العيار» لتطالب المجتمع الدولي وبالأخص الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن بـ«الإسراع في الاعتراف بدولة فلسطينية مُستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية»، بما يُظهر حجم القرارات التاريخية الشجاعة التي اتخذتها السعودية طيلة العقود السبعة الماضية، وتوازي في أهميتها وتاريخيّتها، الوقفات الحازمة والحاسمة مع الحق العربي، ودعمها المجهود الحربي، ومُشاركة جيشها في حرب 1948، وصد العدوان الثلاثي، وقطع النفط.


مقالات ذات صلة

متظاهرون صرب يطالبون بمقاطعة مسابقة «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل

العالم أشخاص يتظاهرون أمام مقر التلفزيون الحكومي في بلغراد بصربيا في 28 أبريل 2026 احتجاجاً على مشاركة إسرائيل في مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (أ.ب)

متظاهرون صرب يطالبون بمقاطعة مسابقة «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل

تجمّع متظاهرون أمام هيئة الإذاعة والتلفزيون الصربية الحكومية، الثلاثاء، للمطالبة بانسحاب صربيا من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بلغراد)
المشرق العربي أشخاص يجلبون مياه الشرب في مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين في وسط قطاع غزة 28 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: إسرائيل تستخدم المياه سلاحاً في غزة

حذّرت منظمة «أطباء بلا حدود»، الثلاثاء، من أن إسرائيل تتعمد حرمان أهالي قطاع غزة من الحصول على المياه اللازمة للحياة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
TT

ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

استعرض الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة وتداعياتها الأمنية والاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي.
جاء ذلك خلال اتصال تلقاه ولي العهد السعودي من رئيس الوزراء الكندي يوم الأربعاء، بحث الجانبان خلاله العلاقات الثنائية بين البلدين، واستعرضا مجالات التعاون القائمة وسبل تعزيزها وتطويرها في عدد من المجالات.


«الداخلية» السعودية: إجراءات بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية

وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
TT

«الداخلية» السعودية: إجراءات بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية

وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)

أعلنت وزارة الداخلية السعودية، الأربعاء، مباشرة الجهات المختصة في حينه الإجراءات النظامية بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية، والتي تمثل خطاً أحمر لا يُقبل المساس به، أو التأثير عليه.

جاء ذلك في بيان للوزارة أشار إلى ما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي من محتوى من شأنه المساس بالوحدة الوطنية، وتهديد السلم والأمن المُجتمعي، متضمناً عبارات مثيرة للتعصب القبلي المقيت، في تصرف غير مسؤول، ولا يعكس وعي المجتمع السعودي، وإدراكه لخطورة تلك الممارسات الشاذة التي لا تمثل إلا أصحابها.

وحذَّرت «الداخلية» من كل ما من شأنه المساس بالنظام العام، ومؤكدة أن الجهات الأمنية تقف بحزم أمام كل من يحاول النيل من اللُّحمة الوطنية بإثارة النعرات القبلية المقيتة، وأن الجزاء الرادع سيكون مصيره، باعتبار أن تلك الأفعال تعدّ جريمة خطيرة يُعاقب عليها القانون.


كيف دعمت «قمة جدة» العمل الخليجي المشترك؟

أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
TT

كيف دعمت «قمة جدة» العمل الخليجي المشترك؟

أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)

وجّه قادة دول مجلس التعاون الخليجي خلال قمتهم التشاورية، في جدة غربي السعودية، الثلاثاء بضرورة استعجال استكمال متطلبات تحقيق الوصول لكافة المشاريع الخليجية المشتركة، بما في ذلك النقل، والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع سكك الحديد الخليجية، مشيرين إلى أهمية مشروع الربط الكهربائي بين دول المجلس، والإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، ومشروع الربط المائي بين دول مجلس التعاون، والمضي قدماً في دراسة إنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي، إلى جانب التأكيد على أهمية تكثيف التكامل العسكري ما بين دول المجلس، والإسراع في إنجاز مشروع منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية.

وعكست هذه التوجيهات التي كشف عنها البيان الإعلامي لجاسم البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، عقب القمة، إشاراتٍ لافتة جاءت بالتوازي مع أخذ السعودية زمام المبادرة للدعوة لهذه القمة التشاورية، حيث تضمّنت «التوجيهات السامية»، كما وصفها البديوي، مصطلحات واضحة ومباشرة اشتملت على «الاستعجال» و«الإسراع» في مناسبتين، إلى جانب «أهمية»، والدعوة المباشرة لتكثيف التكامل العسكري، الأمر الذي لقي تفاعلاً واسعاً يكشف عن جدية، ووضوح في المبادرة السعودية، واللقاء التشاوري الخليجي، للخروج بنتائج حقيقية لهذا اللقاء في ظل الظروف الراهنة شديدة التعقيد.

ولي العهد السعودي وملك البحرين قبيل القمة (واس)

ودلّلت تعليقات أمير قطر الشيخ تميم بن حمد عقب القمة على ذلك قائلاً: «قمتنا الخليجية التشاورية اليوم في جدة تجسد الموقف الخليجي الموحد تجاه الأوضاع الراهنة، وما تستلزمه من تكثيف التنسيق، والتشاور، بما يعزز الدور الفاعل لدولنا في دعم المسارات الدبلوماسية، وصون أمن المنطقة، واستقرار شعوبها، وتحقيق تطلعاتها نحو التنمية، والازدهار».

امتداد لجهود ولي العهد السعودي وقادة الخليج

الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، قال لـ«الشرق الأوسط» إن استضافة المملكة للقمة الخليجية التشاورية جاءت استجابة لبحث الظروف التي تمر بها منطقة الخليج العربي جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية-الإيرانية، والتشاور، وتنسيق مواقف دول مجلس التعاون الخليجي على ضوء ما أسفرت عنه هذه الحرب، ولاحتواء تداعيات الأزمة الراهنة، سواء من الناحية الأمنية، أو الاقتصادية، أو غيرهما. واستدرك أنها تهدف إلى تعزيز الجهود المبذولة لمعالجة هذه الأزمة، وتداعياتها، لتحقيق استقرار المنطقة، وحفظ مصالح دول مجلس التعاون، وتعزيز أمنها الجماعي، وتابع أنها تأتي امتداداً لجهود الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، وقادة دول مجلس التعاون الخليجي.

ولي عهد الكويت لدى وصوله إلى جدة وفي استقباله ولي العهد السعودي (واس)

الدكتور عبد العزيز يرى أن رؤية الملك سلمان بن عبد العزيز -لتعزيز العمل الخليجي المشترك، وترسيخ الوحدة الاقتصادية، وتطوير المنظومتين الدفاعية، والأمنية، وصولاً إلى تكامل خليجي أكثر رسوخاً واستدامة، بما يحقق قيمة مضافة لحماية مصالح دول مجلس التعاون الحيوية، ويعزز التعامل الجماعي مع ما قد تفرضه الأزمة الحالية من تحديات، أو تحسباً لأي أزمات قد تطرأ على المنطقة مستقبلاً- تعد من الملفات التي طرحت على طاولة لقاء القادة.

عدم ارتهان القرار الخليجي لجهات أخرى

وتوقع بن صقر خلال حديثه أن القمة سوف تبني على نجاح دول المجلس في التصدي للهجمات الإيرانية بالصواريخ الموجهة، والمسيرات، والبناء على هذا النجاح في وضع استراتيجية دفاعية متكاملة وشاملة لدول المجلس، تبدأ بالتسليح الحديث الذي يناسب الأجيال الجديدة من الحروب، والتدريب، والشراكات الدفاعية الخارجية، بما يرسي قواعد دفاع استراتيجية قوامها الاعتماد على الذات، والشراكات المناسبة، والمفيدة، وعدم ارتهان القرار الخليجي لأي جهات أخرى.

ولي العهد السعودي مستقبلاً أمير قطر (واس)

وكان القادة الخليجيّون أكدوا على حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها، فردياً أو جماعياً، وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وفي اتخاذ كافة الإجراءات لحماية سيادتها، وأمنها، واستقرارها، وعلى التضامن الكامل بين الدول الأعضاء، وأن أمن دوله كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء تتعرض له أي دولة عضو يعد اعتداءً مباشراً على كل دوله، وفق ما نصت عليه اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

كما أشار الأمين العام للمجلس إلى إشادة القادة بما أظهرته القوات المسلحة لدول المجلس من «شجاعة وبسالة عاليتين في الدفاع عن دول المجلس في وجه الاعتداءات الإيرانية السافرة، وبما أبدته هذه القوات من قدرات وجاهزية مكنتها -بعد توفيق الله- من التصدي للاعتداءات الصاروخية، وبالطائرات المسيرة، والتعامل معها باحترافية وكفاءة عاليتين»، إلى جانب الحفاظ على أمن الدول الأعضاء، ومقدرات شعوبها.

الممرات البديلة «نقاش الفترة المقبلة»

وتوقّع بن صقر أن العمل على إيجاد ممرات بديلة لتأمين سلاسل إمدادات الطاقة سوف يكون محل نقاش خليجي جاد في الفترة المقبلة، وهو الأمر الذي تناوله بيان الأمين العام لمجلس التعاون الذي كشف عن توجيه القادة إلى الإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، علاوةً على استعجال استكمال متطلبات تحقيق الوصول لكافة المشاريع الخليجية المشتركة، بما في ذلك النقل، والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع سكك الحديد الخليجية.

وزير الخارجية السعودي استقبل نظيره الإماراتي عقب وصوله للمشاركة في القمة (واس)

ويتّفق أحمد الإبراهيم، المحلل السياسي، مع هذا الطرح، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن البيان الذي أعقب القمة عكس أهميّتها، وأكّد على أن السعودية كما تولّت الأمر، وأمّنت سلاسل الإمداد لوجستيّاً لدول الخليج خلال الأزمة، وعملت على تأمين ممرات بديلة للطاقة عبر خط أنابيب شرق–غرب كجزء من معالجة أزمة مضيق هرمز، جدّدت اليوم خطواتها المبدئية عبر جمع دول الخليج على طاولة واحدة، للتعامل مع المرحلة المقبلة.

«توجيهات صريحة ومباشرة»

وأضاف: «هذه من المرّات النادرة التي أشهد فيها بياناً مباشراً وصريحاً يتضمن التوجيهات الصارمة، خاصةً في التعامل مع المتطلّبات المستقبلية، والسيناريوهات المفتوحة على كافة الاحتمالات الآن، مع احتمالية تعثر المفاوضات الأميركية–الإيرانية، أو أي سيناريو خطير قادم».

جاسم البديوي الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي أدلى ببيان عقب القمة (مجلس التعاون)

بدوره يرى المحلل السياسي محمد الدوسري أن أهمية مجلس التعاون الخليجي تكمن في مقدرته على العبور من الكثير من الأزمات، ومن ذلك الحرب العراقية-الإيرانية، وأزمة احتلال العراق للكويت، ودور المجلس -وعلى رأسه السعودية- في تجاوز العديد من المحن، مشدّداً على أن العقل الجمعي لمواطني الخليج يرى أهمية توحيد الموقف الخليجي لعبور الأزمات، ومن ذلك الأزمة الجارية، وانعكاسات إغلاق مضيق هرمز.

«الخيمة السعودية»

ونوّه الدوسري إلى أن اللقاء التشاوري لقادة دول الخليج هو بمثابة رسالة لاجتماعها، واستظلالها في «الخيمة الكبيرة»، وهي السعودية، لتفتح آفاقاً جديدة، وتتفق على معالجة وتجاوز الأخطار الحالية المحدقة.