من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

تفكيك شفرة رأس الحربة... خطة «المهاجم الشبح» تعيد رسم ملامح الهوية التكتيكية المغربية

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


مقالات ذات صلة

«جائزة المجر الكبرى»: الآلام تدفع راسل إلى «ما بعد خيبة الأمل»

رياضة عالمية البريطاني جورج راسل سائق مرسيدس (أ.ف.ب)

«جائزة المجر الكبرى»: الآلام تدفع راسل إلى «ما بعد خيبة الأمل»

يبدو جورج راسل بحاجة إلى استراحة، وسيحصل سائق مرسيدس على استراحة مؤكدة مع دخول بطولة العالم لسباقات فورمولا 1 للسيارات في العطلة الصيفية.

«الشرق الأوسط» (بودابست)
رياضة عربية البرتغالي باولو سيرجيو بريتو مدربا للوداد المغربي (نادي الوداد)

البرتغالي باولو بريتو مدرباً للوداد البيضاوي المغربي

أعلن نادي الوداد البيضاوي المغربي عن تعاقده مع المدرب البرتغالي باولو سيرجيو بريتو، ليكون مديرا فنيا للفريق في الموسم الجديد.

«الشرق الأوسط» (الدار البيضاء)
رياضة عالمية باولو مالديني المدير الفني للاتحاد الإيطالي لكرة القدم (رويترز)

مالديني يقف مع بيرلو: إذا سقط ترشيح أندريا قد يفكر في الانسحاب

أثارت الروابط التي تجمع المدرب المرشح لقيادة المنتخب الإيطالي مع شركة مراهنات روسية أزمة على المستوى الوطني.

مهند علي (الرياض)
رياضة عالمية الإيطالي فيدريكو كييزا لاعب ليفربول (أ.ف.ب)

كييزا: لا أفكر سوى في ليفربول

قال الإيطالي  فيدريكو كييزا إنه لا يفكر إلا فريقه الحالي ليفربول الإيطالي، وسط تكهنات حول مستقبله.

«الشرق الأوسط» (ناشفيل (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية الفرنسي لوكا فان آش بطل إيشتوريل (إ.ب.أ)

«دورة إيشتوريل»: الفرنسي لوكا فان آش يتوّج باللقب

توّج الفرنسي لوكا فان آش بلقبه الأول في مسابقات رابطة محترفي التنس، بعدما فاز بلقب فردي الرجال ببطولة إيشتوريل.

«الشرق الأوسط» (إيشتوريل (البرتغال))