لا ينبغي أن يشعر ماتياس يايسله بالانزعاج لتدريب نادٍ كبير في مدينة ساحلية، يعاني من الفشل في تحقيق الإنجازات المتوقعة، ويملك قاعدة جماهيرية وفية ومتعطشة للنجاح. فإذا ما تولى يايسله المنصب الشاغر في نيوكاسل بعد رحيل إيدي هاو، فسيعني هذا أن المدير الفني الألماني البالغ من العمر 38 عاماً سيغادر جدة كبطل، ويصل إلى شمال شرقي إنجلترا بوصفه واحداً من أنجح المديرين الفنيين في تاريخ كرة القدم الآسيوية.
لقد حقق يايسله، الذي يصغر هاو بعقد من الزمن، الكثير، ليس فقط بالبقاء في الدوري السعودي للمحترفين الذي يشهد تغييرات سريعة في المديرين الفنيين، بل بتحقيق العديد من الانتصارات. ومما يُسهّل الأمر أيضاً أن الأهلي ونيوكاسل مملوكان لـ«صندوق الاستثمارات العامة السعودي».
قد لا يعرف مشجعو نيوكاسل الكثير عن قلب الدفاع السابق، الذي انتهت مسيرته الكروية مبكراً بسبب الإصابة، لكن هذا كان الحال أيضاً في السعودية عندما وصل قبل 3 سنوات. لا يحظى الدوري النمساوي الممتاز بمتابعة كبيرة في آسيا، لذا لم يكن لفوزه بلقبين مع ريد بول سالزبورغ أهمية كبيرة، وكذلك لم يكن لارتباط يايسله برالف رانغنيك أي تأثير يُذكر.
كان تركيز المشجعين منصبّاً على عودة الأهلي مؤخراً إلى الدوري الممتاز، بعد موسم أول في دوري الدرجة الأولى، وكانوا يتوقعون انضمام عدد من اللاعبين البارزين. يختلف الوضع قليلاً عن الوضع في ملعب «سانت جيمس بارك»، حيث رحل نجوم مثل ساندرو تونالي وأنتوني غوردون، ويبدو أن آخرين على وشك اللحاق بهم.
وفي جدة، وصل رياض محرز وروبرتو فيرمينو وإدوارد ميندي وفرانك كيسيه... وغيرهم في صيف استحوذ فيه «صندوق الاستثمارات العامة» على النادي. وبالنسبة لفريق كان يعاني من تراجع في الأداء قبل عام، كان هذا تحولاً جذرياً.
لكن رغم كل ذلك، ربما كان الأهلي النادي الأمثل ليايسله، فجماهيره معروفة بشغفها الكبير، لكنها لم تحقق سوى فوز واحد بلقب الدوري المحلي منذ عام 1984. وفي آسيا، كان الفريق قد مُني بهزيمتين ساحقتين في نهائي دوري أبطال آسيا. وبالمقارنة مع الهلال والنصر والاتحاد – وكلها أندية تابعة لـ«صندوق الاستثمارات العامة» – كان الأهلي يعاني من قلة النجاح.
بالنسبة لمدير فني كان يبلغ من العمر آنذاك 35 عاماً، لم يكن التعامل مع هذه الأسماء الكبيرة يمثل أي مشكلة؛ فقد لاقى أسلوبه الصريح والمباشر، الذي يُعامل فيه النجوم الأجانب كما يُعامل اللاعبين المحليين، استحساناً كبيراً. وبفضل وفرة المواهب الهجومية لديه، سعى يايسله إلى الاستحواذ على الكرة في مناطق متقدمة من الملعب لإتاحة الفرصة للاعبين مثل محرز للتألق.
في موسمه الأول، أنهى الأهلي الموسم في المركز الثالث، متقدماً بفارق 11 نقطة عن غريمه التقليدي الاتحاد، والأهم من ذلك أن الفريق تأهل لدوري أبطال آسيا. كان الموسم الثاني أكثر صعوبة، لفترة من الوقت على الأقل. وبعد رحيل آلان سانت ماكسيمين، أراد يايسله التعاقد مع جناح بديل، لكن تم التعاقد مع إيفان توني، وبدأ المهاجم الإنجليزي مشواره مع الفريق بشكل بطيء. تراجعت النتائج في البداية، لكنها بدأت تتحسن بحلول يناير (كانون الثاني) 2025 عندما بدا يايسله مهدداً بالإقالة. كان ماسيميليانو أليغري مستعداً لتولي المهمة، وهو من المديرين الفنيين أصحاب الأسماء الرنانة الذين يرغب المشجعون عادة في التعاقد معهم، لكن لم يحدث ذلك، فقد دعم جمهور النادي يايسله، الذي كان دائماً ما يخصص وقتاً للإشادة بالجماهير والتحدث معهم، وظهر عدد من الجمهور في ملعب التدريب حاملين لافتات تطالب إدارة النادي بالرحيل.
وقد نجح الأمر، حيث أعلن الأهلي بقاء يايسله ومنحه الدعم الكامل. وتعاقد النادي مع الجناح البرازيلي غالينو من بورتو، وبفضل التعاون الرائع بين غالينو وتوني، تحسن مستوى الأهلي كثيراً. أنهى الفريق الموسم الثاني ليايسله في المركز الخامس في جدول الترتيب، لكنه حصد نقاطاً أكثر. مع ذلك، كان التركيز كله ينصب على المشاركة في دوري أبطال آسيا. وفي الدور نصف النهائي، تغلب الأهلي على الهلال، الفائز باللقب السعودي 19 مرة واللقب الآسيوي 4 مرات. ثم في مايو (أيار) 2025، أمام 60 ألف متفرج في جدة، فاز على كاواساكي فرونتال الياباني.
ثم كرر الأهلي إنجازه، ففاز باللقب الآسيوي للمرة الثانية في مايو (أيار) الماضي، ليصبح أول فريق منذ غريمه في جدة، الاتحاد (عامي 2004 و2005)، يحرز لقب دوري أبطال آسيا مرتين متتاليتين.
كما خاض الفريق منافسة شرسة على اللقب على أرضه، وهي المنافسة التي تلاشت في الأسابيع الأخيرة، وتألق توني بشكل لافت، وسجل 32 هدفاً. وفي 34 مباراة، جمع الفريق 81 نقطة، أي أكثر بـ 14 نقطة من الموسم السابق، ولولا ثبات مستوى النصر والهلال، لكان بإمكانه تحقيق ثنائية تاريخية.
كان التركيز في الموسم الجديد، المقرر انطلاقه في أغسطس (آب)، منصبّاً بالكامل على لقب الدوري السعودي للمحترفين؛ لكن هذا الأمر يجب أن يكون مسؤولية شخص آخر الآن.
ارتبط اسم يايسله مؤخراً بنادي الهلال، ورغم أن ذلك لم يكن ليُلاقي استحسان الجماهير في جدة، فإنه يتجه إلى نيوكاسل بمباركة أغلب هذه الجماهير. كان من المتوقع دائماً أن يعود المدير الفني الألماني إلى أوروبا، ويغادر بعد نجاحه في السعودية، حيث فاز بألقاب كبيرة. لقد فشل العديد من المديرين الفنيين الذين يمتلكون خبرات كبيرة في تحقيق النجاح المتوقع منهم في الدوري السعودي، لكن تولي القيادة الفنية لنيوكاسل سيكون تحدياً مختلفاً وأكثر صعوبة.
لم يصل يايسله إلى فئة النخبة بعد، لكن قيادة نيوكاسل نحو المراكز الأربعة الأولى في الدوري الإنجليزي الممتاز ستكون خطوة جيدة نحو ذلك.
