عندما تولَّى ليونيل سكالوني مهمة قيادة الجهاز الفني لمنتخب الأرجنتين، لم يكن يلفت الانتباه بشكل كبير بين نخبة المدربين.
ففي القمة العالمية لكرة القدم عام 2020، كانت الأضواء مسلطة بشكل كبير إلى تيتي مدرب البرازيل حينذاك، وفابيو كابيلو، وأوناي إيمري، وإرنستو فالفيردي. أما سكالوني، الذي لم يكن قد مضى سوى فترة قصيرة على توليه واحدة من أصعب المهام في عالم كرة القدم، فقد بدا وكأنَّه مجرد إضافة ثانوية.
وبعد 6 أعوام، يقود هذا المدرب الذي يتحلَّى بالتواضع، والقادم من بلدة بوغاتو الصغيرة، منتخب الأرجنتين إلى قبل نهائي كأس العالم في مواجهة إنجلترا، وهو على بُعد فوز واحد من بلوغ النهائي للمرة الثانية على التوالي وفرصة قيادة الفريق ليصبح أول منتخب منذ عام 1962 يفوز بلقب كأس العالم مرتين متتاليتين.
وفي فبراير (شباط) 2020، خلال القمة العالمية، كان سكالوني لا يزال معروفاً بشكل أساسي بصفته لاعباً سابقاً مجتهداً بنى مسيرته في إسبانيا باللعب لصفوف ديبورتيفو لاكورونيا وراسينغ سانتاندير، مع فترات أقل بريقاً في إنجلترا وإيطاليا، قبل أن ينضم إلى الجهاز الفني للمنتخب الأرجنتيني، إذ كان مدرباً مساعداً لخورخي سامباولي في كأس العالم 2018.
وكان خروج الأرجنتين من دور الـ16 في روسيا، دفع ليونيل ميسي إلى الابتعاد عن المنتخب، منهكاً من الاتهام القديم بأنَّه لا يستطيع تكرار تألقه مع برشلونة وهو يرتدي القميص الأزرق والأبيض.
وجاء تعيين سكالوني مدرباً للمنتخب لأسباب، من أبرزها رفض ماوريسيو بوكيتينو ودييغو سيميوني وآخرين عروض الاتحاد الأرجنتيني بتولي هذا المنصب الشائك.
ولم يتخيل أحد آنذاك أنَّ سكالوني سيصبح إحدى أنجح الشخصيات في تاريخ كرة القدم بالأرجنتين.
بمساعدة اللاعبَين السابقَين بابلو إيمار ووالتر صامويل طوال الوقت، نجح سكالوني أولاً في إقناع ميسي بالعودة، ثم جاءت جائحة «كوفيد - 19» وتأجيل كأس «كوبا أميركا»، وأخيراً جاء ذلك اليوم في ريو دي جانيرو الذي غيَّر كل شيء.
وعلى ملعب «ماراكانا» عام 2021، وعبر هدف سجَّله أنخيل دي ماريا في الدقيقة 21، فازت الأرجنتين على البرازيل في نهائي كأس «كوبا أميركا»، منهية بذلك 28 عاماً من الصيام عن التتويج، ومنحت ميسي أول لقب كبير له مع منتخب بلاده. وكانت تلك هي الشرارة التي أشعلت العصر الذهبي الذي شهد الفوز على فرنسا في نهائي كأس العالم 2022 في قطر.
ومع ذلك، لم يستخدم سكالوني أبداً ميسي أو منتخب الأرجنتين وسيلةً لإثبات صحة عمله. فقد غزا العالم دون أن يبدو أنه يعتقد أنه يملكه.
وأصبح هذا التواضع جزءاً من قوته. ففي ثقافة كرة القدم التي غالباً ما تُصوُّر على أنَّها مبالغ فيها أو متعجرفة، بنى سكالوني فريقاً قائماً على قوة عاطفية دون أن يجعل من نفسه محور الاهتمام.
وقال سكالوني في المؤتمر الصحافي قبل المباراة مع سويسرا: «أنا لست مدرباً لأنني أحب تشكيلة 4 - 3 - 3. إنني أحب أن أكون ضمن مجموعة مع زملائي، نشرب... ونأكل... ونلعب... إذا فكرت في المباراة فقط، فسوف ينتهي بك الأمر إلى الإرهاق».
ويُمثِّل سكالوني أيضاً مدرسة تدريب أرجنتينية انتشرت عبر أميركا الجنوبية وخارجها. فقد تولَّى مدربون أرجنتينيون تدريب 8 من أصل 10 منتخبات من اتحاد أميركا الجنوبية (الكونميبول) في تصفيات كأس العالم، بينما شهدت النهائيات 6 مدربين أرجنتينيِّين.
وعلى النقيض من ذلك، عانت البرازيل من ثاني أسوأ نتيجة لها في كأس العالم، إذ خسرت أمام النرويج في دور الـ16. ولأول مرة، لم يكن هناك أي مدرب برازيلي حاضراً في كأس العالم، حيث خاض المنتخب البرازيلي البطولة تحت قيادة الإيطالي كارلو أنشيلوتي.
وقبل بطولة أوروبا 2024، صرَّح سيلفينيو، الظهير السابق لبرشلونة والمنتخب البرازيلي، الذي كان حينها مدرباً لألبانيا، لـ«رويترز» بأنَّ اللاعبين الأرجنتينيِّين غالباً ما يفكرون مبكراً وبجدية أكبر في تطورهم على المدى البعيد.
وأشار إلى سكالوني مستذكراً كيف كان الأرجنتيني يسافر بانتظام إلى مدريد برفقة إدواردو كوديت زميل سيلفينيو بفريق سلتا فيغو، والذي يتولَّى حالياً تدريب ريفر بليت، لحضور دورات تدريبية ينظِّمها الاتحاد الإسباني، بينما كان لا يزال لاعباً.
وتساعد مظاهر الانضباط هذه في تفسير شخصية الفتى الذي نشأ في بلدة زراعية صغيرة في سانتا في، وعلاقته بالعمل والشهرة والمسؤولية حتى بعد فوزه بكأس العالم.
وكان لدى سكالوني كل الفرص ليصبح أكثر بريقاً. لكنه، بدلاً من ذلك، ظلَّ يتنحى جانباً، مما سمح لميسي واللاعبين بالبقاء في الصدارة.
وكانت دموعه بعد عودة الأرجنتين في المباراة أمام مصر في دور الـ16، بعد أن كانت متأخرة 2 - صفر حتى أواخر الشوط الثاني، تقول كثيراً؛ فقد أعادت إلى الأذهان صورته بعد ركلة الترجيح الحاسمة التي سدَّدها غونزالو مونتييل أمام فرنسا في نهائي نسخة 2022، إذ بدا جامداً وكانت يداه على وجهه، وكأنَّه يحاول التأكد من أنَّ الواقع لم يخدعه.
وربما يتمثل أحد أبرز إنجازاته في القدرة على إدارة ميسي دون أن تبتلعه شخصية نجم المنتخب وكل الضغوط التي تحيط به.
وتحت قيادة سكالوني، أصبحت الأرجنتين أكثر من مجرد فريق مبني حول ميسي. وإنما يبدو أنَّ اللاعبين يشعرون بالإلهام والتحفيز من أيقونتهم، ليصبحوا ركائز للمهمة نفسها، التي وصفها لاعب الوسط لياندرو باريديس ببراعة: «نحن نعمل حتى لا تأتي المباراة الأخيرة لميسي أبداً».
وكعادته، حاول سكالوني وضع الأمور في نصابها بعد الفوز على سويسرا يوم السبت.
وقال: «هذه ليست سوى مباراة كرة قدم».
ومباراة تلو الأخرى، أصبح المدافع السابق، الذي كان يجلس في السابق بين صفوف المدربين الأكثر شهرة، أبرز منهم جميعاً.
