ميرا أندرييفا… توقف عصر الهيمنة في بطولات «غراند سلام»

أندرييفا لم تتمالك نفسها عقب الفوز بـ«رولان غاروس» (رويترز)
أندرييفا لم تتمالك نفسها عقب الفوز بـ«رولان غاروس» (رويترز)
TT

ميرا أندرييفا… توقف عصر الهيمنة في بطولات «غراند سلام»

أندرييفا لم تتمالك نفسها عقب الفوز بـ«رولان غاروس» (رويترز)
أندرييفا لم تتمالك نفسها عقب الفوز بـ«رولان غاروس» (رويترز)

شهدت البطولات الست الكبرى الأخيرة في كرة المضرب للسيدات تتويج ست بطلات مختلفات، وهي ظاهرة ليست جديدة بالكامل على جولة المحترفات؛ إذ حدث أمر مشابه بين عامَي 2019 و2020، وكذلك بين أواخر 2016 وبدايات 2018. لكن الفارق هذه المرة أن معظم الأسماء المتوجة تنتمي بالفعل إلى نخبة اللعبة العالمية، وهو ما يمنح المنافسة الحالية عمقاً مختلفاً، ويجعل الصراع على البطولات الكبرى أكثر إثارة من أي وقت مضى.

النجمة الروسية تحتفل مع حاملي الكرات (إ.ب.أ)

خلال هذه الفترة، توزعت الألقاب الكبرى بين أرينا سابالينكا وإيغا شفيونتيك وإيلينا ريباكينا وكوكو غوف، وجميعهن بطلات سابقات في البطولات الأربع الكبرى، كما أمضت سابالينكا وشفيونتيك فترات طويلة في صدارة التصنيف العالمي. لكن منذ بطولة أستراليا المفتوحة 2025 لم تتمكن أي لاعبة من الاحتفاظ بالزخم وإضافة لقب كبير ثانٍ على التوالي؛ إذ انضمت ماديسون كيز إلى قائمة البطلات بعد فوزها ببطولة أستراليا المفتوحة، قبل أن تلحق بها الروسية الشابة ميرا أندرييفا بإحرازها أول لقب كبير في مسيرتها عندما تُوجت بلقب بطولة فرنسا المفتوحة.

هذا التتويج بحسب شبكة «The Athletic»، لا يمثل مجرد نجاح فردي للاعبة تبلغ من العمر 19 عاماً، بل يضيف اسماً جديداً إلى طاولة الكبار في التنس النسائي، ويؤكد أن المنافسة على البطولات الكبرى باتت أكثر ازدحاماً وتعقيداً من أي وقت مضى.

يبدو أن التنس النسائي يعيش حالياً مرحلة مثالية من التوازن التنافسي (إ.ب.أ)

وقالت أندرييفا بعد فوزها في النهائي على البولندية مايا خفالينسكا بنتيجة 6-3 و6-2: «أفكر بالفعل في كيفية الاستعداد لموسم الملاعب العشبية. أشعر أن هذا الأمر يسبب نوعاً من الإدمان، وأريد أن أبذل قصارى جهدي لأعيش هذه التجربة مرة أخرى».

أما مدربتها الإسبانية كونشيتا مارتينيز فذهبت أبعد من ذلك عندما قالت إن «السماء هي الحد الأقصى» لما يمكن أن تحققه اللاعبة الروسية، مؤكدة أن الطريق لا يزال مفتوحاً أمامها لتحقيق إنجازات أكبر في المستقبل.

صعود أندرييفا يخلق واقعاً جديداً في أعلى هرم اللعبة. فبدلاً من وجود أربع نجمات فقط يتنافسن على السيطرة، أصبح هناك الآن خمس لاعبات يمتلكن المقومات الكاملة للفوز بالبطولات الكبرى بشكل منتظم. ومع اتساع دائرة المنافسة، تتزايد صعوبة فرض أي لاعبة هيمنتها المطلقة على الساحة.

مدربتها الإسبانية كونشيتا مارتينيز قالت إن «السماء هي الحد الأقصى» لما يمكن أن تحققه ميرا (إ.ب.أ)

ولا تقتصر قائمة المنافسات على الأسماء الخمسة الكبرى فقط. فالأميركيتان جيسيكا بيغولا وأماندا أنيسيموفا، إضافة إلى الأوكرانية إلينا سفيتولينا، يواصلن ترسيخ مكانتهن بين أبرز المرشحات للمنافسة على الألقاب. أنيسيموفا بلغت نهائي «ويمبلدون» العام الماضي، في حين وصلت بيغولا إلى نهائي بطولة الولايات المتحدة المفتوحة، وإلى نصف النهائي في النسخة التالية، في حين حافظت سفيتولينا على مستوى ثابت جعلها من أكثر اللاعبات استقراراً خلال الموسم.

كما أسهمت بطولة فرنسا المفتوحة الأخيرة في تعزيز مكانة الأوكرانية مارتا كوستيوك بوصفها منافسة حقيقية على الألقاب الكبرى، بعدما واصلت تقدمها في التصنيف العالمي. وينطبق الأمر نفسه على البولندية مايا خفالينسكا التي فاجأت الجميع ببلوغ النهائي وهي قادمة من التصفيات وتحتل المركز 114 عالمياً، إضافة إلى الروسية ديانا شنايدر التي أطاحت بالمصنفة الأولى عالمياً أرينا سابالينكا.

ميرا كانت ضرباتها ساحقة في النهائي (أ.ب)

ولا يتوقف تدفق المواهب الجديدة عند أندرييفا وحدها. فهناك جيل كامل من اللاعبات الصاعدات يفرض نفسه تدريجياً على الساحة الدولية، يتقدمه الأميركية إيفا يوفيتش البالغة 18 عاماً، والكندية فيكتوريا مبوكو البالغة 19 عاماً. فكلتاهما تواصلان التقدم بخطوات ثابتة، وقد أثبتتا بالفعل قدرتهما على المنافسة في البطولات الكبرى وبطولات الألف نقطة.

كما لا يمكن استبعاد إمكانية عودة اليابانية ناومي أوساكا أو الصينية تشينغ تشين وين إلى مستوياتهما العليا، رغم اختلاف المرحلة التي تمر بها كل منهما. فالأولى بطلة سابقة لعدة بطولات كبرى، والثانية بطلة أولمبية أثبتت قدرتها على المنافسة مع أفضل لاعبات العالم.

بالنسبة لأندرييفا نفسها، فإن التتويج في باريس جاء تتويجاً لمسار طويل من التوقعات والوعود. فمنذ ظهورها المبكر ووصولها إلى الدور الرابع في بطولة ويمبلدون وهي في السادسة عشرة من عمرها، اعتُبرت واحدة من أكثر المواهب إثارة في جولة المحترفات. لكن الملاحظة الدائمة كانت أنها لا تقدم أفضل مستوياتها في البطولات الكبرى. هذا الانطباع تغير تماماً خلال الأسبوعين الماضيين في «رولان غاروس»، حيث خسرت مجموعة واحدة فقط طوال البطولة، وأظهرت نضجاً ذهنياً لافتاً في المباريات الحاسمة.

ورغم كل ذلك، لا تزال سابالينكا هي أكثر لاعبة ترشيحاً لفرض سيطرتها على البطولات الكبرى خلال الفترة المقبلة. فالبيلاروسية حافظت على حضور ثابت في المراحل المتقدمة من البطولات، لكنها لا تزال تعاني من تذبذب واضح في النهائيات والمباريات الحاسمة. فمن أصل ثمانية نهائيات كبرى خاضتها، فازت بأربعة فقط، كما أنها خرجت من بطولة فرنسا المفتوحة الأخيرة بعد انهيار مفاجئ أمام ديانا شنايدر في ربع النهائي.

هذا التتويج يضيف اسماً جديداً إلى طاولة الكبار في التنس النسائي (د.ب.أ)

أما شفيونتيك، التي كانت توصف قبل عامين بأنها «ملكة الملاعب الترابية» بلا منازع، فقد دخلت مرحلة مختلفة تماماً. اللاعبة البولندية أكملت موسمين متتاليين من دون الفوز بأي لقب على الملاعب الترابية، وهو أمر كان يبدو مستحيلاً قبل عامين فقط عندما كانت تهيمن بشكل كامل على هذا النوع من الملاعب. ومع ذلك، نجحت العام الماضي في تعويض ذلك بإحراز لقب «ويمبلدون» للمرة الأولى في مسيرتها.

من جهتها، لم تتمكن ريباكينا من تجاوز الدور الرابع في أي بطولة كبرى منذ «ويمبلدون 2024» باستثناء تتويجها في «أستراليا المفتوحة» مطلع 2025، في حين تواصل كوكو غوف الاعتماد على قوتها الدفاعية وروحها التنافسية العالية، رغم أن مشاكل الضربة الأمامية لا تزال تجعلها عرضة للخروج المبكر أحياناً.

وفي ظل كل هذه الأسماء، يبدو أن التنس النسائي يعيش حالياً مرحلة مثالية من التوازن التنافسي. فلا توجد لاعبة واحدة تفرض سيطرة مطلقة على الجميع، كما لا تعاني اللعبة من غياب النجمات القادرات على حمل المشهد. وبدلاً من ذلك، تتزاحم مجموعة كبيرة من اللاعبات القادرات على الفوز بأي بطولة كبرى في أي وقت.


مقالات ذات صلة

خفالينسكا: نهائي «رولان غاروس» حصيلة 18 عاماً من الصبر والعمل الشاق

رياضة عالمية البولندية مايا خفالينسكا خلال مراسم التتويج عقب خسارتها أمام الروسية ميرا أندرييفا (أ.ف.ب)

خفالينسكا: نهائي «رولان غاروس» حصيلة 18 عاماً من الصبر والعمل الشاق

أكدت البولندية مايا خفالينسكا أن وصولها إلى نهائي بطولة فرنسا المفتوحة للتنس (رولان غاروس) يمثل تتويجاً لسنوات طويلة من العمل والتضحيات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية ميرا أندرييفا تقبّل الكأس بعد تتويجها بلقب فردي السيدات في بطولة فرنسا المفتوحة للتنس (أ.ف.ب)

أندرييفا تقول إن لقبها الأول في البطولات الكبرى فاق التوقعات... وتتطلع للمزيد

قالت ميرا أندرييفا إن فوزها بأول لقب لها في البطولات الأربع الكبرى فاق ما كانت تتخيل، وإنها تتوق بالفعل لتجربة هذا الشعور مجدداً.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية الروسية ميرا أندرييفا تحتفل بلقب رولان غاروس (أ.ب)

أندرييفا تشيد بخفالينسكا وتشكر نفسها عقب فوزها برولان غاروس

أشادت الروسية ميرا أندرييفا، المصنفة الثامنة، بمنافستها «الصعبة» مايا خفالينسكا، وشكرت نفسها بعد أن تغلبت بسهولة على اللاعبة البولندية المتأهلة من التصفيات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية الروسية ميرا أندرييفا تحتفل بلقب «رولان غاروس» (أ.ف.ب)

«رولان غاروس»: أندرييفا تُتوّج بلقبها الكبير الأول بفوز سهل على خفالينسكا

تُوّجت الروسية ميرا أندرييفا، المصنفة الثامنة عالمياً، بلقبها الأول في البطولات الأربع الكبرى، بفوزها على البولندية مايا خفالينسكا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية النجمة البولندية لفتت الأنظار بعفويتها وبساطتها (رويترز)

لماذا تلعب مايا خفالينسكا بملابس من علامات تجارية مختلفة في «رولان غاروس»؟

أصبحت البولندية مايا خفالينسكا أول لاعبة قادمة من التصفيات تبلغ نهائي إحدى البطولات الأربع الكبرى.

«الشرق الأوسط» (باريس)

أزمة تأشيرات تلاحق إيران قبل كأس العالم 2026... و15 إدارياً خارج القائمة

لاعبو إيران حصلوا على التأشيرة لكن تم رفض بعض الأعضاء في المنتخب (رويترز)
لاعبو إيران حصلوا على التأشيرة لكن تم رفض بعض الأعضاء في المنتخب (رويترز)
TT

أزمة تأشيرات تلاحق إيران قبل كأس العالم 2026... و15 إدارياً خارج القائمة

لاعبو إيران حصلوا على التأشيرة لكن تم رفض بعض الأعضاء في المنتخب (رويترز)
لاعبو إيران حصلوا على التأشيرة لكن تم رفض بعض الأعضاء في المنتخب (رويترز)

تحولت استعدادات المنتخب الإيراني لكرة القدم لنهائيات كأس العالم 2026 إلى ملف سياسي جديد قبل أيام من انطلاق البطولة، بعدما حصل اللاعبون والجهاز الفني على تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة، في حين بقي 15 عضواً من الوفد الإداري والتنظيمي من دون تأشيرات، الأمر الذي أثار موجة احتجاج رسمية من طهران واتهامات لواشنطن بممارسة التمييز والتدخل السياسي في الرياضة.

ويعسكر المنتخب الإيراني حالياً في مدينة أنطاليا التركية، حيث يقيم منذ 18 مايو (أيار) الماضي استعداداً لخوض منافسات كأس العالم، قبل انتقاله إلى مدينة تيخوانا المكسيكية التي اختارها مقراً لإقامته خلال البطولة.

وأكد مسؤول في الإدارة الأميركية أن الولايات المتحدة أصدرت التأشيرات اللازمة للاعبي المنتخب الإيراني وأفراد الطاقم المساند الضروريين للمشاركة في البطولة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن واشنطن لن تسمح باستغلال هذه التسهيلات لإدخال أشخاص يشكلون تهديداً أمنياً إلى البلاد.

وقال المسؤول في تصريح لـ«The Athletic»: «تم إصدار التأشيرات اللازمة لإيران للمشاركة في كأس العالم، بما في ذلك اللاعبون وأفراد الطاقم المساند الضروريون»، مضيفاً: «لن نسمح للمنتخب الإيراني بإساءة استخدام هذا النظام لإدخال إرهابيين إلى الولايات المتحدة تحت ذرائع كاذبة».

جاء هذا الموقف بعد أشهر من الغموض الذي أحاط بملف سفر المنتخب الإيراني إلى الولايات المتحدة، في ظل التوترات السياسية والعسكرية المستمرة بين البلدين.

في المقابل، ردَّت السفارة الإيرانية في تركيا بلهجة حادة على القرار الأميركي، مؤكدةً أن عدداً كبيراً من الإداريين والتنفيذيين وأفراداً آخرين في بعثة المنتخب لم يحصلوا على تأشيرات الدخول.

وقالت السفارة إن الولايات المتحدة صعّدت ما وصفتها بـ«المعاملة المتعمدة والتمييزية» بحق المنتخب الإيراني، مطالبةً الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بالتدخل ومحاسبة الولايات المتحدة على ما عدّته انتهاكاً للقواعد الرياضية الدولية.

كما انضم الاتحاد الإيراني لكرة القدم إلى موجة الانتقادات، واصفاً القرار بأنه «تدخل سياسي في الرياضة في أسوأ أشكاله»، مؤكداً عزمه على متابعة القضية رسمياً مع «فيفا».

ووفقاً لما نقلته وسائل إعلام إيرانية، فإن 15 عضواً من الطاقمين الإداري والتنظيمي لم يحصلوا على تأشيرات الدخول، رغم منحها للاعبين والجهاز الفني. وأشارت وكالة «تسنيم» إلى أن من بين الأسماء التي لم تحصل على التأشيرات المدير التنفيذي مهدي خراتي، والأمين العام للاتحاد الإيراني لكرة القدم هدايت مومبيني، ومدير الإعلام محسن معتمدكيا.

وأكد التلفزيون الإيراني أن هؤلاء الأعضاء سيسافرون مع المنتخب إلى المكسيك، على أن تتواصل المساعي للحصول على التأشيرات خلال الأيام المقبلة.

تأتي الأزمة في وقت يستعد فيه المنتخب الإيراني للسفر من أنطاليا إلى المكسيك بعد انتهاء معسكره الإعدادي، حيث خاض مباراتين وديتين فاز فيهما على غامبيا بنتيجة 3-1 ثم على مالي بنتيجة 2-0، في إطار تحضيراته الأخيرة للمونديال.

وكانت إيران قد قررت نقل مقر إقامتها الرئيسي خلال البطولة من ولاية أريزونا الأميركية إلى مدينة تيخوانا المكسيكية القريبة من الحدود الأميركية، في خطوة ارتبطت بمشكلات التأشيرات والرغبة في تقليص وجود البعثة داخل الولايات المتحدة إلى الحد الأدنى.

ويخوض المنتخب الإيراني منافسات المجموعة السابعة في كأس العالم، حيث يواجه نيوزيلندا وبلجيكا في لوس أنجليس يومي 15 و21 يونيو (حزيران)، قبل أن يلتقي المنتخب المصري في سياتل يوم 26 من الشهر ذاته.


من أنطاليا إلى تيخوانا… القصة الكاملة لتحضيرات إيران قبل كأس العالم 2026

بعض لاعبي إيران في أحاديث قبل الإقلاع (إ.ب.أ)
بعض لاعبي إيران في أحاديث قبل الإقلاع (إ.ب.أ)
TT

من أنطاليا إلى تيخوانا… القصة الكاملة لتحضيرات إيران قبل كأس العالم 2026

بعض لاعبي إيران في أحاديث قبل الإقلاع (إ.ب.أ)
بعض لاعبي إيران في أحاديث قبل الإقلاع (إ.ب.أ)

في عصر يوم سبت هادئ بمدينة أنطاليا التركية، كانت حافلة المنتخب الإيراني تغادر الفندق الفخم الذي اتخذته مقراً لمعسكره الأخير قبل كأس العالم 2026.

المشهد بحسب شبكة The Athletic, بدا عادياً للوهلة الأولى؛ لاعبون يحملون حقائبهم، إداريون يتفقدون الأوراق، ومدرب يستعد لرحلة جديدة نحو بطولة كبرى. لكن خلف تلك الصور المألوفة كانت تختبئ واحدة من أكثر القصص تعقيداً في تاريخ كأس العالم الحديث.

السفير الإيراني لدى المكسيك يتفقد مقر المعسكر قبل المونديال (أ.ف.ب)

قبل أشهر فقط، وتحديداً عندما سقطت أول قنبلة أميركية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير (شباط) الماضي، لم يكن أحد داخل المنتخب متأكداً من أنه سيصل أصلاً إلى البطولة. فإيران وجدت نفسها تستعد للمشاركة في كأس عالم تستضيفه دولة دخلت معها في حرب مباشرة، بينما كانت الأسئلة السياسية والأمنية واللوجستية تتراكم يوماً بعد يوم حول مصير المنتخب.

لاعبو إيران في صورة رسمية قبل السفر (إ.ب.أ)

رغم ذلك، وصلت البعثة إلى اللحظة التي طال انتظارها. غادرت أنطاليا باتجاه أميركا الشمالية، لكن حتى في الساعات الأخيرة قبل المغادرة لم تختفِ حالة التوتر. فبعد أن حصل أفراد المنتخب على تأشيرات الدخول إلى المكسيك، بقيت القضية الأكثر حساسية معلقة: التأشيرات الأميركية التي تسمح لهم بخوض مباريات المجموعة أمام نيوزيلندا وبلجيكا في لوس أنجليس، ثم مصر في سياتل.

منتخب إيران قبل مغادرة أنطاليا (أ.ف.ب)

انتظر الجميع حتى وقت متأخر من مساء الجمعة. وعندما وصلت الإجابات لم تكن كاملة. بعض أفراد البعثة حصلوا على الموافقة، فيما بقي آخرون خارج القائمة. اللاعبون والجهاز الفني الأساسي تلقوا الضوء الأخضر، لكن عدداً من الإداريين والمحللين والإعلاميين لم يحصلوا على التأشيرات. وبينما كان بعض أعضاء الوفد يصعدون إلى الحافلة مطمئنين إلى قدرتهم على دخول الولايات المتحدة لاحقاً، كان آخرون لا يزالون يجهلون مصيرهم.

زاد الموقف تعقيداً تصريح صدر في الوقت نفسه تقريباً عن مسؤول في البيت الأبيض أكد فيه منح التأشيرات للعاملين الضروريين، لكنه أضاف أن الولايات المتحدة لن تسمح «بإساءة استخدام النظام لإدخال إرهابيين». داخل المعسكر الإيراني سقط التصريح كالصاعقة. مسؤولون ولاعبون شعروا بأن المنتخب وجد نفسه مجدداً في قلب صراع سياسي لا علاقة له بكرة القدم.

رد الاتحاد الإيراني جاء سريعاً، إذ طالب الاتحاد الدولي لكرة القدم بالتدخل لضمان حصول جميع أعضاء البعثة الضروريين على التأشيرات اللازمة ومتابعة الملف حتى نهايته.

وفي انتظار الحلول، كان المنتخب يتجه نحو تيخوانا المكسيكية، المدينة التي تكاد تلامس الولايات المتحدة دون أن تدخلها.

مهدي تاج رئيس الاتحاد الإيراني يتحدث بالهاتف (رويترز)

هناك، على بعد أمتار قليلة من سان دييغو، قررت إيران أن تجعل مقرها خلال البطولة. القرار لم يكن عشوائياً. فوجود سفارة إيرانية في المكسيك يمنح المنتخب دعماً قنصلياً ولوجستياً لا يمكن الحصول عليه داخل الولايات المتحدة، كما أن البقاء خارج الأراضي الأميركية بصورة دائمة يخفف كثيراً من الضغوط السياسية والإعلامية المحيطة بالفريق.

لكن قصة المنتخب الإيراني في الطريق إلى كأس العالم بدأت قبل ذلك بكثير.

ففي أنطاليا، عاش اللاعبون أسابيع من التحضير داخل فندق «ماردان بالاس» المطل على البحر المتوسط. بين الجبال والبحر والمسابح والمنتجعات الصحية، حاول الجهاز الفني أن يصنع للاعبين مساحة هادئة بعيداً عن الأخبار القادمة من البلاد.

لم يكن الهدف فقط إعداد اللاعبين بدنياً وفنياً، بل أيضاً حمايتهم نفسياً من الضغوط الهائلة التي فرضتها الظروف المحيطة. كان اللاعبون يجتمعون في قاعة السينما بالفندق لمشاهدة الأفلام والوثائقيات. أحد تلك العروض كان فيلماً عن المنتخب العراقي الذي فاز بكأس آسيا 2007 رغم الظروف السياسية والأمنية القاسية التي كانت تعيشها بلاده آنذاك.

بعد انتهاء الفيلم وقف المدرب أمير قلعه نويي أمام لاعبيه وطلب منهم أن يستلهموا تلك التجربة. أراد أن يذكّرهم بأن المنتخبات لا تعيش فقط على الخطط والتكتيك، بل على قدرتها على التماسك عندما يصبح كل شيء من حولها مضطرباً.

لاعبون يتأهبون للسفر للمكسيك (رويترز)

قلعه نويي نفسه يمثل حالة خاصة. فعلى عكس المشاركات الأربع السابقة لإيران في كأس العالم، التي قادها مدربون أجانب، يتولى هذه المهمة مدرب محلي يعرف كرة القدم الإيرانية بكل تفاصيلها. الرجل البالغ من العمر 62 عاماً فرض برنامجاً تدريبياً صارماً، مع حصة واحدة يومياً على الأقل وأحياناً حصتين، لكنه في الوقت نفسه حرص على إبقاء الأجواء مريحة قدر الإمكان.

داخل التدريبات كانت الحياة تسير بصورة طبيعية بشكل يكاد يكون مفاجئاً. اللاعبون يضحكون، يتبادلون المزاح، ويتحدثون عن المباريات المقبلة كما لو أنهم يستعدون لبطولة عادية.

علي رضا جهانبخش، أحد قادة المنتخب وأكثر لاعبيه خبرة، كان من أكثر الأصوات حضوراً داخل المعسكر. اللاعب الذي اقترب من مباراته الدولية رقم 100 تحدث بصراحة عن الظروف المحيطة بالفريق.

قال إن الأوضاع لم تكن سهلة، لكن اللاعبين الكبار حاولوا باستمرار الحفاظ على وحدة المجموعة. كان يردد على زملائه أن ما يحدث خارج المعسكر لا يمكنهم السيطرة عليه، أما ما يحدث داخله فهو مسؤوليتهم بالكامل.

وكانت تلك الرسالة ضرورية، لأن الواقع كان أكثر تعقيداً مما يبدو. فاللاعبون جاؤوا من خلفيات سياسية واجتماعية مختلفة، وبعضهم ترك عائلاته في ظروف صعبة، بينما كانت القيود المفروضة على التصريحات الإعلامية تجعل كثيراً من الأمور تُقال خلف الأبواب المغلقة فقط.

ومع ذلك، يؤكد جهانبخش أن أكثر ما فاجأه هو قوة الروابط داخل الفريق. فبرغم كل ما يجري في إيران، وبرغم البعد عن العائلات، ظل اللاعبون متماسكين بصورة لافتة.

أحد أكثر المشاهد تعبيراً عن تلك الروح جاء بعد نهاية إحدى الحصص التدريبية. بينما كانت الحافلة تستعد للمغادرة، جلس الحارس العملاق علي رضا بيرانفاند على أرضية الحافلة بالقرب من الميكروفون الداخلي وبدأ يغني أغنية شعبية من قريته الصغيرة. كان زملاؤه يضحكون ويشاركونه الغناء، في مشهد بدا بعيداً تماماً عن صورة منتخب يعيش وسط أزمة سياسية دولية.

لاعب إيراني يتفقد حقيبته بعد النزول من الحافلة (إ.ب.أ)

لكن تلك اللحظات المرحة أخفت خلفها رحلة شاقة عاشها الفريق قبل أشهر قليلة فقط. ففي ذروة الحرب، اضطر المنتخب إلى السفر من طهران إلى تركيا عبر رحلة بالحافلة استمرت أربعين ساعة كاملة. خلال تلك الرحلة الطويلة كان بيرانفاند، بطوله الذي يقترب من مترين، يتمدد على أرضية الحافلة محاولاً إيجاد مساحة لتمديد ساقيه.

ومنذ ذلك الوقت بقي اللاعبون المحليون معاً تقريباً بصورة مستمرة. أُوقفت المسابقات المحلية، وقرر الاتحاد الإيراني إبقاء معظم اللاعبين في معسكرات مغلقة لفترات طويلة، مع بعض الفترات القصيرة للعودة إلى منازلهم.

خلال تلك الأشهر زار رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو المعسكر الإيراني وشاهد إحدى المباريات الودية للفريق. وجوده منح اللاعبين دفعة معنوية كبيرة، إذ أكد لهم أن الاتحاد الدولي متمسك بمشاركتهم في البطولة وأنهم جزء أساسي من الحدث.

ومع اقتراب موعد السفر إلى أميركا الشمالية، بدأت إيران أخيراً تشعر بأنها انتصرت في معركة الوصول.

لكن داخل المنتخب لا أحد يتحدث عن مجرد المشاركة. اللاعبون يدركون أنهم يحملون معهم قصة أكبر من كرة القدم. قصة منتخب قطع آلاف الكيلومترات، وانتظر التأشيرات، وعاش في معسكرات طويلة، وتحرك بين دول وحدود وأزمات سياسية، فقط ليصل إلى اللحظة التي يستطيع فيها النزول إلى أرض الملعب.

ولهذا السبب، عندما سُئل أحد الإعلاميين الإيرانيين المرافقين للبعثة عن أهداف المنتخب في البطولة، لم يتردد في الإجابة.

قال بابتسامة: «لم نأتِ إلى هنا لنكون جزءاً من القصة فقط. جئنا لنفوز».

وربما لهذا السبب أيضاً، وبينما كانت الطائرة تقلع من أنطاليا نحو المكسيك، كان كثيرون داخل المنتخب يفكرون في احتمال يبدو مستحيلاً ومثيراً في الوقت نفسه: ماذا لو أنهت إيران والولايات المتحدة دور المجموعات في المركز الثاني وتقابلتا في دور الـ32؟

بالنسبة لبعضهم سيكون ذلك مجرد مباراة كرة قدم. أما بالنسبة لآخرين، فقد يكون واحداً من أكثر المشاهد رمزية في تاريخ كأس العالم.


وديّات المونديال: اسكوتلندا تكتسح بوليفيا برباعية

لاعب اسكوتلندا فيندلاي كورتيس وزميله تايلر فليتشر يتنافسان على الكرة مع مهاجم منتخب بوليفيا نبيل ناصيف (أ.ب)
لاعب اسكوتلندا فيندلاي كورتيس وزميله تايلر فليتشر يتنافسان على الكرة مع مهاجم منتخب بوليفيا نبيل ناصيف (أ.ب)
TT

وديّات المونديال: اسكوتلندا تكتسح بوليفيا برباعية

لاعب اسكوتلندا فيندلاي كورتيس وزميله تايلر فليتشر يتنافسان على الكرة مع مهاجم منتخب بوليفيا نبيل ناصيف (أ.ب)
لاعب اسكوتلندا فيندلاي كورتيس وزميله تايلر فليتشر يتنافسان على الكرة مع مهاجم منتخب بوليفيا نبيل ناصيف (أ.ب)

وجه المنتخب الاسكوتلندي رسالة قوية قبل انطلاق كأس العالم 2026، بعدما اكتسح نظيره البوليفي بنتيجة 4-0 في المباراة الودية التي أقيمت على ملعب سي إي إف في ولاية نيوجيرسي الأميركية.

ودخلت اسكوتلندا المباراة بقوة منذ الدقائق الأولى، ونجحت في افتتاح التسجيل بعد أربع دقائق فقط عبر لورنس شانكلاند الذي ارتقى لعرضية متقنة من القائد آندي روبرتسون وحولها برأسه إلى الشباك.

وواصل المنتخب الاسكوتلندي ضغطه الهجومي، ليضيف سكوت مكتوميناي الهدف الثاني في الدقيقة 22 بتسديدة قوية من خارج منطقة الجزاء بعد تمريرة حاسمة من شانكلاند.

ولم يتوقف المد الهجومي الاسكوتلندي، حيث سجل تشي آدامز الهدف الثالث في الدقيقة 29 مستفيداً من تمريرة بن دوك، قبل أن يعود اللاعب نفسه ويضيف الهدف الرابع قبل نهاية الشوط الأول بدقيقة واحدة بتسديدة متقنة من خارج منطقة الجزاء.

وفي الشوط الثاني، أجرى المنتخبان عدة تغييرات لمنح الفرصة لعدد أكبر من اللاعبين، إلا أن النتيجة بقيت على حالها رغم المحاولات المتبادلة من الجانبين.

ومنحت هذه الرباعية المنتخب الاسكوتلندي دفعة معنوية كبيرة قبل انطلاق مشواره في كأس العالم، حيث يستهل منافسات المجموعة الثالثة بمواجهة هايتي، في مجموعة قوية تضم أيضاً المغرب والبرازيل.

وأكدت اسكوتلندا من خلال هذا الأداء جاهزيتها للدخول في أجواء البطولة، بعدما قدمت شوطاً أول مثالياً حسمت خلاله المباراة بفضل الفعالية الهجومية والتنظيم الجماعي المميز.