نافاس في حديث الوداع: أكبر معاركي كانت أمام روبرتو كارلوس

أسطورة إشبيلية أسدل الستار على مسيرته الكروية بعد ربع قرن

الحالة الصحية أجبرت اللاعب المخضرم على إنهاء مسيرته (أ.ب)
الحالة الصحية أجبرت اللاعب المخضرم على إنهاء مسيرته (أ.ب)
TT

نافاس في حديث الوداع: أكبر معاركي كانت أمام روبرتو كارلوس

الحالة الصحية أجبرت اللاعب المخضرم على إنهاء مسيرته (أ.ب)
الحالة الصحية أجبرت اللاعب المخضرم على إنهاء مسيرته (أ.ب)

بعد الساعة التاسعة صباحاً بقليل في مونتيكوينتو بإشبيلية، وصل خيسوس نافاس إلى ملعب تدريبات نادي إشبيلية الذي يحمل اسمه تقديرا لمسيرته الاستثنائية مع الفريق، وصعد المنحدر الصغير في ضوء الشمس، وصالة الألعاب الرياضية على يساره وملعب التدريب على يمينه.

كان نافاس أول من وصل إلى ملعب التدريب، وهو الشيء الذي لن يحدث بعد ذلك بعدما أعلن النجم الإسباني المخضرم اعتزاله كرة القدم.

لم يكن المدرج الذي يحمل اسمه موجودا عندما ظهر نافاس لأول مرة بقميص إشبيلية قبل ربع قرن من الزمان. بل لم يكن معظم كل هذا موجوداً؛ ولم تكن الكؤوس التي حصدها الفريق على ملعب رامون سانشيز بيزخوان، على بُعد ثلاثة أميال إلى الشمال، موجودة أيضا. لقد تغير كل شيء، باستثناء نافاس، الذي يقول: «ما زلت نفس الشخص الذي جاء إلى هذا النادي في اليوم الأول له هنا».

في ذلك اليوم، كان نافاس فتى نحيفا وخجولا يبلغ من العمر 15 عاماً، قادما من لوس بالاسيوس، على بُعد 15 دقيقة إلى الجنوب. كان ذلك في عام 2000، وكان يأتي كل صباح تقريباً منذ ذلك الحين، باستثناء أربعة مواسم لعبها مع مانشستر سيتي واستمتع بها أكثر مما قد يتخيل كثيرون.

لاعبو إشبيلية يودعون قائدهم (رويترز)

لا يزال نافاس قصيراً ونحيفاً، حيث يصل طوله إلى 1.7 متر ووزنه إلى 67 كغم، ولا يزال هادئاً، وليس لديه أي رغبة في الأضواء، ولا يزال يتحلى بالتواضع الشديد رغم كل ما حققه خلال مسيرته الكروية الحافلة، ورغم أنه أعظم لاعب كرة قدم على الإطلاق هنا في نادي إشبيلية.

يُعد نافاس اللاعب الأكثر تتويجاً في المنتخب الإسباني، كما يعد اللاعب الأكثر أهمية في تاريخ نادي إشبيلية الممتد لـ 119 عاماً، ورمزا لنجاح أكاديمية النادي للناشئين.

لعب نافاس 393 مباراة مع إشبيلية، وهو رقم قياسي في تاريخ النادي، ورحل لأن النادي كان بحاجة لذلك، وعاد مجددا ولعب 311 مباراة أخرى.

ولعب نافاس مباراته الأخيرة يوم الأحد على ملعب «سانتياغو برنابيو»، والتي كانت المباراة رقم 982 في مسيرته الاحترافية، بعمر 39 عاماً.

وفي صباح يوم الاثنين، لم يعد نافاس إلى مونتيكوينتو. يقول النجم الإسباني وهو جالس في المنطقة المخصصة للاعبين، والتي لم تكن قد بُنيت في ذلك الوقت أيضاً: «الأمر صعب للغاية بالنسبة لي، ولا يمكنني أن أتخيل ذلك. لقد قضيت حياتي كلها في القيام بما أحبه أكثر من أي شيء آخر، لكن الآن سأتوقف عن اللعب، فالأمر متعلق بالحالة الصحية».

النجم الإسباني ودع جماهير ناديه بالدموع (أ.ف.ب)

لقد عانى نافاس على مدار أربع سنوات. إنه مصاب بالتهاب المفاصل في الفخذ، وهو ما يؤلمه عندما يلعب، وعندما يتدرب، بل وعندما يمشي، ويصل الأمر في بعض الأيام إلى أنه لا يقوى حتى على المشي. لقد استمر في صمت، ولعب لفترة أطول مما تخيله أي شخص، لكنه لم يعد يستطيع المقاومة. يقول عن ذلك: «لقد تحملت الألم لمدة أربع سنوات، وكان هذا الموسم أكثر صعوبة، لقد كان الأمر جنونيا. كانت الأشهر الستة الماضية صعبة للغاية. وكنت أجد صعوبة في المشي بعد المباريات. الأمر بالكامل يتعلق بعدم قدرة جسدي على التحمل أكثر من ذلك. وقد توقفت عن اللعب لأنني مضطر لذلك. لكنني سعيد حقا بكل ما حققته».

لقد حقق كل شيء، ويقول إن أفضل معاركه كانت مع الظهير الأيسر البرازيلي روبرتو كارلوس، مشيرا إلى أن اللاعب الذي استمتع باللعب معه أكثر من غيره، وأفضل صديق له، هو فريدريك كانوتيه، الذي اعتزل منذ 11 عاماً. وعندما طلبت منه أن يختار أبرز لحظة في مسيرته الكروية الحافلة، اختار هدفاً سجله شخص آخر: ففي الوقت الإضافي لمباراة الدور نصف النهائي لكأس الاتحاد الأوروبي أمام شالكه عام 2006، وبينما كانت المباراة في الدقيقة 100، وصلت تمريرته العرضية إلى أنطونيو بويرتا، الذي سجل هدف الفوز، ليغير تاريخ النادي ومستقبله. سقط بويرتا، الذي يرتدي نافاس رقم قميصه، على أرض ملعب بيزخوان في أغسطس (آب) 2007، وتوفي بعد ذلك بثلاثة أيام.

وعندما خاض نافاس أول مباراة له مع إشبيلية ضد إسبانيول بعد يومين من عيد ميلاده التاسع عشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2003، لم يكن النادي قد فاز بأي لقب منذ 55 عاماً؛ لكنه قاد النادي للحصول على ثمانية ألقاب. وبحلول الوقت الذي رحل فيه إلى مانشستر سيتي في عام 2013، كان قد لعب بالفعل عدداً من المباريات أكثر من أي لاعب آخر في تاريخ النادي، وسجل في نهائي كأس الملك وحصل على كأس الاتحاد الأوروبي مرتين، وهي المسابقة التي بُنيت حولها هوية إشبيلية بالكامل.

مودريتش قائد الريال يحتضن نظيره في إشبيلية عقب المباراة التي جمعت الفريقين (رويترز)

عاد نافاس من مانشستر سيتي وهو يلعب بشكل مختلف في مركز الظهير، وفاز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز وكأس رابطة الأندية الإنجليزية المحترفة مرتين، حيث سجل في نهائي 2014 وفي ركلات الترجيح بعد ذلك بعامين. عاد نافاس إلى إشبيلية ولديه شغف كبير لمواصلة التألق، لذلك استمر في فعل ما كان يفعله دائماً؛ ورغم أنه لعب في مركز مختلف فإنه واصل تقديم نفس المستويات القوية. حصل على كأس الاتحاد الأوروبي مرتين أخريين، وصنع أهدافاً في المباراتين النهائيتين للدوري الأوروبي في 2020 و2023. لقد كان قائداً للفريق في النهائيين اللذين أقيما في كولونيا وبودابست، وعندما رفع الكأس للمرة الأخيرة كان ذلك بعد 17 عاماً من الفوز بها لأول مرة.

ومرت أربعة عشر عاماً بين أول بطولة وأخر بطولة له مع منتخب إسبانيا، فقد فاز ببطولة كأس الأمم الأوروبية في 2012 و2024، وكأس العالم في 2010، وقد بدأت أعظم لحظة في تاريخ كرة القدم الإسبانية من عند قدميه. إنها اللحظة التي يعترف بأنها يشاهدها كل يومين أو ثلاثة أيام، لكنه لم يستطع تخيلها حتى في ذلك الوقت. ويقول: «كل ما كنت أفكر فيه هو نقل الكرة إلى الطرف الآخر من الملعب بأسرع ما يمكن، فهذا هو ما طلبه المدير الفني».

كان نافاس قد غاب عن كأس العالم للشباب تحت 20 سنة في عام 2005، ولم يشارك في أول موسم تحضيري له مع إشبيلية، وتأخر ظهوره الدولي حتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2009، عندما كافح من أجل شق طريقه وتوفرت له الظروف المناسبة للانضمام للمنتخب الإسباني. يقول نافاس: «حدثت تلك القفزة الكبيرة الأولى بشكل سريع جدا. وصلت إلى إشبيلية في سن الخامسة عشرة، وفي غضون عامين فقط كنت ألعب في الدوري الإسباني الممتاز. بالنسبة لطفل بسيط قادم من بلدة صغيرة، كان ذلك بمثابة تغيير جذري. كان كل شيء داخل الملعب يسير على ما يرام، لكننا بشر في نهاية المطاف. وقد استوعبت الأمور شيئاً فشيئاً، واستمتعت بكرة القدم، التي منحتني الحياة».

ورغم أن نافاس يتسم بالخجل، فإنه شخصية قوية للغاية، ويقول عن ذلك: «أنا قوي جدا من الناحيتين الذهنية والبدنية. لقد تحملت الكثير من الألم، لدرجة أنني لم أكن قادرا على المشي بعد المباريات. تجربتي مع مانشستر سيتي كانت رائعة. لم يكن الانتقال إلى هناك قرارا صعبا كما يبدو للبعض. كان إشبيلية يعاني من صعوبات مالية، وكانت لدي رغبة في خوض هذا التحدي حتى أثبت أنني شخص قوي. ما عانيته في ذلك الوقت وضعني في اختبار قوي، وكنت أريد أن أنضج وأتطور بكل الطرق الممكنة. كما ساعدتني هذه التجربة أيضا على التطور كثيرا من الناحية الإنسانية. الدوري الإنجليزي الممتاز استثنائي، ويتميز بالسرعة الفائقة، وكنت أريد تجربة ذلك. لكن نمط حياتي لم يتغير حقاً، فقد كنت أتدرب وأعود إلى المنزل. كان الأمر أصعب بالنسبة لزوجتي؛ فقد كان ابننا قد وُلد للتو وكانت تعود من حين لآخر. لكن كرة القدم هي التي كانت تستحوذ على كل تركيزي، وكان الأمر لا يصدق».

عاد نافاس من مانشستر سيتي في عام 2017 بعد أربعة مواسم والمشاركة في 183 مباراة، وكان عمره 32 عاماً، وكان من المفترض أنه يقترب من نهاية مسيرته الكروية. واعترف المدير الفني لمانشستر سيتي جوسيب غوارديولا لاحقاً بأنه ربما لم يكن ينبغي له أن يسمح برحيله في هذا الوقت المبكر، لكنه يتفهم هذا القرار. وبعد عودته إلى إشبيلية، فاز بكأس الاتحاد الأوروبي مرتين أخريين، وعاد إلى تشكيلة إسبانيا بعد خمس سنوات، وكان الرجل الوحيد من ذلك الجيل الذي لعب مع الجيل الجديد الحالي. يقول نافاس: «هذه هي الطريقة التي أعيش بها، فكل يوم أريد المزيد، ولا أكتفي بأي شيء أبداً».

أنشيلوتي مدرب الريال وفاسكيز في حديث ودي مع نافاس بعد مباراته الأخيرة (رويترز)

هذه هي الميزة الكبرى في شخصية نافاس: الإصرار والعزيمة. قد يكون هادئاً، لكنه منافس شرس للغاية. وقال قائد إسبانيا ألفارو موراتا في عام 2023: «كان نافاس يبلغ من العمر 38 عاماً (آنذاك) لكنه يتدرب مثل شاب يبلغ من العمر 18 عاماً». يقول نافاس: «عندما كنت في مانشستر سيتي، أمضيت أربع أو خمس سنوات دون أن يتم استدعائي لصفوف المنتخب الإسباني. وفي كل يوم جمعة يتم فيه الإعلان عن قائمة الفريق كنت أنتظر بشغف. لقد كان ذلك صعباً للغاية، لكنني تمسكت دائماً بهذا الأمل، وواصلت العمل بكل قوة، حتى عدت في نهاية المطاف».

وفي النهاية، فاز نافاس بميدالية أخرى. لقد شارك بدلا من داني كارفاخال ضد جورجيا، ولعب 85 دقيقة وكاحله متورم. ويقول: «أنا قوي للغاية في هذا الشأن، ولم أكن لأخرج من المباراة بعد تعرضي لمثل هذه الضربة. ما جعلنا نفوز بهذه البطولة هو أننا جميعا نتبادل الاهتمام». لقد واجه كيليان مبابي في مباراة الدور نصف النهائي وهو في سن الثامنة والثلاثين، لكنه لم يشعر بأي ضغط، ويقول عن ذلك: «حسناً، أنا ألعب منذ فترة طويلة وواجهت الكثير من اللاعبين الجيدين».

ثم في عشية المباراة النهائية، أعلن نافاس نهاية مسيرته مع منتخب بلاده. لم يكن هناك إعلان رسمي عن ذلك أو ضجة إعلامية، لكنه كشف عن الأمر فقط.

ومع ذلك، أعلن عن استمراره لستة أشهر أخرى مع إشبيلية، فلماذا؟ يرد نافاس قائلا: «أردت أن أكون هنا مع إشبيلية خلال هذه الفترة الانتقالية، لمساعدة اللاعبين الأصغر سناً. وإسعاد الناس هو أهم شيء». ويوم السبت الماضي، لعب نافاس مباراته الأخيرة على ملعب سانشيز بيزخوان. وقال لزملائه قبل المباراة: «لقد حانت اللحظة التي كنت أتمنى ألا تأتي أبداً». ومع انتهاء المباراة، جلس على مقاعد البدلاء إلى جانب مانو بوينو، خريج أكاديمية الناشئين البالغ من العمر 20 عاماً والذي لم يكن قد وُلد عندما شارك نافاس لأول مرة مع إشبيلية. احتضن نافاس الجميع، وانحنى وقبل العشب، وبكى بينما كان كل من في الملعب يقف احتراما وتقديرا لهذا النجم الاستثنائي صاحب المسيرة الكروية الحافلة.

* خدمة الغارديان


مقالات ذات صلة

برشلونة يبحث العودة للانتصارات والريال للاستمرار في الصدارة

رياضة عالمية فريق برشلونة (رويترز)

برشلونة يبحث العودة للانتصارات والريال للاستمرار في الصدارة

يتطلع فريق برشلونة للعودة لطريق الانتصارات عندما يستضيف فريق جيرونا بعد غد السبت في الجولة التاسعة من الدوري الإسباني لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (برشلونة)
رياضة عالمية سيميوني قال إن فريقه لعب بشكل سيء أمام لاس بالماس (رويترز)

سيميوني: الدفاع جزء من أسلوبنا... نحتاج لاعبين يفهمون ذلك

أبدى دييغو سيميوني مدرب أتلتيكو مدريد أسفه إزاء الأداء السيئ لفريقه بعد أن تلقت آماله الضعيفة في إحراز لقب دوري الدرجة الأولى الإسباني لكرة القدم ضربة قوية

«الشرق الأوسط» (مدريد )
رياضة عالمية لاعبو برشلونة خلال الإعداد لمواجهة اتلتيكو الصعبة بالكأس (ا ب ا)

قمة نارية بين برشلونة وأتلتيكو مدريد في نصف نهائي كأس إسبانيا اليوم

على وقع صراع ثلاثي ناري على صدارة الدوري الإسباني لكرة القدم، يصطدم برشلونة أول الترتيب بأتلتيكو مدريد الثالث في ذهاب نصف نهائي الكأس اليوم، في حين يحل ريال

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية لاعبو الريال خلال التدريبات الأخيرة (إ.ب.أ)

ديربي مدريد يشعل صراع الصدارة على وقع أزمة «التحكيم»

يقف ريال مدريد أمام مهمة معقدة وصعبة تحتم على لاعبيه التركيز عندما يواجهون أتلتيكو مدريد السبت، من أجل الحفاظ على صدارتهم للدوري الإسباني لكرة

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية انشيلوتي اعترف أن الريال في وضع صعب (إ.ب.أ)

أنشيلوتي قبل القمة الإسبانية: نحن في حالة طوارئ!

اعترف المدرب الإيطالي لنادي ريال مدريد متصدر الدوري الإسباني، كارلو أنشيلوتي، بأن فريقه «في حالة طوارئ» عشية ديربي حاسم نسبياً أمام ضيفه وجاره ومطارده المباشر

«الشرق الأوسط» (مدريد)

توخيل يشيد بعزيمة لاعبي إنجلترا بعد الصمود في وجه الإعصار المكسيكي

توماس توخيل (أ.ب)
توماس توخيل (أ.ب)
TT

توخيل يشيد بعزيمة لاعبي إنجلترا بعد الصمود في وجه الإعصار المكسيكي

توماس توخيل (أ.ب)
توماس توخيل (أ.ب)

أرجع توماس توخيل مدرب إنجلترا الفضل إلى «العقلية الخالصة والعزيمة القوية» بعد نجاة عشرة من لاعبي فريقه من مباراة مثيرة على ملعب أزتيكا، وصمودهم أمام هجوم كاسح في الشوط الثاني ليفوز 3-2 على ​المكسيك، ويتأهل إلى دور الثمانية لكأس العالم لكرة القدم في الساعات الأولى من يوم الاثنين.

وبدا أن إنجلترا في طريقها لتحقيق فوز مريح بعد التقدم بهدفين سريعين سجلهما جود بلينغهام، لكنها اضطرت إلى الدفاع باستماتة بعد طرد غاريل كوانساه، وهو ما أشعل انتفاضة مكسيكية تركت لاعبي إنجلترا يلهثون في الهواء الخفيف لمدينة مكسيكو سيتي.

وقال توخيل للصحافيين: «أنا فخور للغاية بالعقلية وطريقة التصرف، دور 32 ودور 16 هما لحظتان في البطولة يتعين عليك إيجاد طريقة للفوز بهما. وقد حققنا ذلك بعقلية خالصة وعزيمة ‌قوية»، وأضاف: «تغلبنا على كل ‌العقبات التي اعترضت طريقنا. أنا فخور جداً بعقلية الفريق ​وإرادته».

وفي ‌أجواء ⁠حماسية للغاية ​في ⁠ملعب أزتيكا، قدمت إنجلترا أفضل أداء لها في البطولة حتى الآن على الصعيدين الدفاعي والهجومي.

وبعد تخطي فترة افتتاحية عدائية، تقدمت إنجلترا بهدفين ليظهر بلينغهام غريزة المهاجم القناص ليسجل مرتين من مسافة قريبة في غضون دقيقتين.

ومع ذلك، كانت الفوضى في بدايتها فقط عندما قلصت المكسيك الفارق عبر هدافها في كأس العالم خوليان كينيونيس، مما زاد من اشتعال الأجواء الملتهبة بالفعل.

وعندما طُرد كوانساه بسبب تدخل متهور بعد مرور تسع دقائق من الشوط الثاني، ⁠كادت الجماهير أن تقتلع سقف الملعب الشهير قبل أن تمنح ركلة ‌جزاء نفذها هاري كين إنجلترا بعض الراحة ‌قصيرة الأجل.

ولكن سرعان ما واجه الفريق الضغوط مجدداً ​عندما حصلت المكسيك على ركلة جزاء انبرى ‌لها راؤول خيمنيز بنجاح، لتظل إنجلترا متمسكة بالتقدم حتى صفارة النهاية.

ودافعت إنجلترا بهدوء ‌وثقة، وحدَّت من خطورة صاحب الأرض الذي لم يهدد المرمى إلا نادراً، في حين اضطر خط دفاع المدرب توخيل إلى تشتيت الكرة بشكل عشوائي في بعض الأحيان للصمود خلال 12 دقيقة من الوقت المحتسب بدل الضائع.

ووصفت المباراة بأنها كانت أكبر اختبار لإنجلترا في البطولة حتى الآن، ‌ضد البلد المشارك في الاستضافة، وعلى ارتفاع كبير عن سطح البحر، وأمام مساندة جماهيرية محلية صاخبة.

ولم تغب أهمية هذه المواجهة ⁠عن مدرب إنجلترا، ⁠الذي قال إن حجم المناسبة جعله يشعر أنه في مرحلة متقدمة من البطولة. وقال توخيل: «لم نشعر في الفترة التي سبقت المباراة بأنها مواجهة في دور 16، بل شعرنا تقريباً وكأننا فزنا بنهائي أو شيء من هذا القبيل».

وتابع: «هذه اللحظة الأخيرة عندما يضع الحكم الصفارة في فمه وتعلم أنك تخطيت الأمر، اللعب لمدة 40 أو 50 دقيقة بعشرة لاعبين في هذا الارتفاع ضد البلد المضيف، وأمام منتخب مكسيكي قوي للغاية، هي لحظة فرح عارمة. لقد كان أداءً بطولياً ونتيجة بطولية في النهاية».

ومع ذلك، شهدت الأمسية لحظة مريرة، إذ أصيب لاعب الوسط جوردان هندرسون خلال الاحتفالات، خلال محاولته القفز فوق لوحة إعلانية بعد تحية جماهير إنجلترا، وهو الآن في المستشفى.

وقال توخيل: «لدي مشاعر ​مختلطة أيضاً لأنني مرهق وتسيطر ​علي المشاعر وحزين بعد إصابة جوردان في معصمه. هو في المستشفى حالياً. إنها إصابة خطيرة للغاية. من غير اللائق أن يغيب جوردان عنا في هذه الأمسية».


هل كانت ليلة «أزتيكا» لحظة ميلاد للبطل الإنجليزي؟

الصمود أمام عاصفة المكسيك قد يكون النقطة الأهم في مشوار إنجلترا نحو اللقب (أ.ب)
الصمود أمام عاصفة المكسيك قد يكون النقطة الأهم في مشوار إنجلترا نحو اللقب (أ.ب)
TT

هل كانت ليلة «أزتيكا» لحظة ميلاد للبطل الإنجليزي؟

الصمود أمام عاصفة المكسيك قد يكون النقطة الأهم في مشوار إنجلترا نحو اللقب (أ.ب)
الصمود أمام عاصفة المكسيك قد يكون النقطة الأهم في مشوار إنجلترا نحو اللقب (أ.ب)

إذا رغبت إنجلترا في الفوز بكأس العالم لكرة القدم، فقد تنظر إلى الساعات الأولى من يوم الاثنين في ملعب أزتيكا بوصفها اللحظة التي أثبتت فيها أن ذلك ممكن.

وبفضل هدفيْ جود بلينغهام وركلة جزاء نفّذها القائد هاري كين، خرجت إنجلترا التي أكملت المباراة بـ10 لاعبين، من أحد أصعب الاختبارات الممكنة في البطولة بفوز مثير 3-2 على المكسيك المشارِكة في استضافة البطولة.

وتغلبت إنجلترا على الارتفاع عن سطح البحر، وأسكتت الجماهير التي بدا أنها تهز القواعد الخرسانية للملعب، وأنهت هالة المكسيك التي لا تُقهر في حِصن كانت الهزائم فيه شِبه منعدمة منذ عقود.

وعندما تحولت المباراة إلى فوضى، وجدت إنجلترا طريقة أخرى للفوز.

وبعد طرد أحد لاعبيها وشعور جماهير أزتيكا باقتراب الحسم، اضطرت إنجلترا لخوض معركة دفاعية مستميتة، وهاجمت المكسيك في موجات متتالية، وفرضت حصاراً على المرمى الإنجليزي.

لكن كل لاعب بالقميص الأبيض استبسل وتراجع واعترض الكُرات وقاتل بكل قوة.

وكان بلينغهام رمزاً لصلابة إنجلترا، فبعد أن كان مهندس الفوز بتسجيله هدفين، ارتمى ليُبعد كرة عن خط المرمى بدت كأنها هدف محقَّق للمكسيك في أواخر الشوط الأول.

وقدَّم كين الهدوء المطلوب من ركلة الجزاء، وسار ديكلان رايس على حبل انضباط مشدود لمعظم فترات المباراة لحصوله على بطاقة صفراء، بينما قدم حارس المرمى جوردان بيكفورد أحد أفضل العروض في مسيرته مع إنجلترا، وأنقذ مرماه بمجموعة من التصديات الرائعة.

وقال بلينغهام: «لا أستطيع التعبير عن ذلك بالكلمات، الآن، الأهداف، ركلة الجزاء ضدنا، ركلة الجزاء لنا، البطاقة الحمراء. لقد كانت مباراة فوضوية».

وأضاف: «كان الأداء جماعياً بالكامل. شعرت كأن لدينا 26 لاعباً. في كل مرة كنا نشتت فيها الكرة، عندما ارتقى دان بيرن (الذي شارك بديلاً في وقت متأخر) برأسه لتشتيت كرة في الملعب، كان بإمكانك رؤية جميع البدلاء على خط التَّماس، وجميع أفراد الطاقم، والجماهير التي ساندتنا في الملعب».

ولا ينبغي الاستهانة بحجم التحدي.

توخيل تمكّن من قيادة لاعبيه إلى بر الأمان (د.ب.أ)

*اختبار الارتفاع العالي

كان الفوز بمباراة في أدوار خروج المغلوب بكأس العالم أمام منتخب المكسيك الذي فاز بجميع مبارياته الأربع دون أن تسكن شِباكه أي أهداف، أمراً شاقاً بما يكفي. وجاء تحقيق ذلك على ارتفاع 2200 متر فوق سطح البحر، وأمام فريق يدعمه واحد من أكثر الجماهير رعباً في كرة القدم، ليجعل المهمة أكثر صعوبة بدرجة كبيرة.

ومنذ افتتاحه في عام 1966، لم يشهد ملعب أزتيكا سوى هزيمتين للمكسيك في 89 مباراة دولية رسمية للمنتخب الأول.

ولطالما استسلم المنافسون تحت وطأة التاريخ والصخب والتوقعات، لكن إنجلترا لم تفعل ذلك، وأصبحت أول فريق يلحق بالمكسيك الهزيمة في «كأس العالم» بملعب أزتيكا، وصمدت خلال 11 دقيقة مؤلمة من الوقت المحتسب بدل الضائع كانت كفيلة بتحطيم عدد من الفرق الأقل شأناً.

ومع صافرة النهاية، بدا هذا الإنجاز أكثر من مجرد حجز مكان في دور الثمانية، فقد بدا كأنه نوع من الانتصارات التي تقنع الفريق بقدرته على الفوز باللقب.

وقال توماس توخيل، مدرب إنجلترا: «هذا ما أقوله لكم دائماً، هذا الفريق، جادّ حقاً في مسعاه. عندما تصبح الأمور صعبة، لا يستسلمون أبداً، ولا يفقدون الثقة مطلقاً. كانت هذه خطوة أخرى إلى الأمام».

وعندما انتهى أخيراً أكثر من مائة دقيقة من الإثارة والقلق والصمود، تجمعت جماهير إنجلترا، التي غابت أصواتها لفترات طويلة، وسط بحر من اللونين الأحمر والأخضر، بالقرب من أرضية الملعب لترديد أغنية «واندر وول» لفرقة أوايسيس مع لاعبي إنجلترا الذين وقفوا متشابكي الأيدي.

فرحة كبيرة جاءت بعد معاناة اتضحت فيها جودة المنتخب الإنجليزي بالصمود والنجاح (أ.ب)

وحوّلت الأغنية الملعب، الذي كان مكسيكياً بأغلبية ساحقة، إلى احتفال بالتحدي الإنجليزي.

وتلتقي إنجلترا، بعد ذلك، مع النرويج في دور الثمانية في ميامي، يوم السبت المقبل.

وقال توخيل متأملاً: «النرويج، يتعيّن علينا استيعاب هذا الأمر أولاً. هذا هو ملعب أزتيكا، وهذه هي المكسيك. إنها مباراة مجنونة للغاية. لقد بذلنا كل ما في وسعنا، كل واحد منا. لذلك، يتعين عليهم استيعاب هذا الأمر، والآن سنمضي بأقصى سرعة نحو القادم».


على وقع طبول «الفايكنغ»... هالاند يقود حُلم النرويج في المونديال

هالاند يقرع الطبول ويقود احتفالات تجديف «الفايكنغ» بعد الإطاحة بالبرازيل (رويترز)
هالاند يقرع الطبول ويقود احتفالات تجديف «الفايكنغ» بعد الإطاحة بالبرازيل (رويترز)
TT

على وقع طبول «الفايكنغ»... هالاند يقود حُلم النرويج في المونديال

هالاند يقرع الطبول ويقود احتفالات تجديف «الفايكنغ» بعد الإطاحة بالبرازيل (رويترز)
هالاند يقرع الطبول ويقود احتفالات تجديف «الفايكنغ» بعد الإطاحة بالبرازيل (رويترز)

قاد إيرلينغ هالاند احتفالات النرويج الشهيرة المعروفة باسم «تجذيف الفايكنغ» بعدما قرع الطبل أمام حشود المشجعين عقب الفوز على البرازيل، فيما يواصل المنتخب الرقص على إيقاع نجمه المتألق بعد بلوغه ربع نهائي كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه.

وفي أول مشاركة للنرويج في كأس العالم منذ عام 1998، نجح المدرب ستوله سولباكن، الذي كان لاعب وسط في ذلك المنتخب، في قيادة بلاده إلى مسيرة غير مسبوقة، مستلهماً إلى حد كبير من اللاعب الذي يصفه بأنه «أفضل هداف في العالم».

وُلد هالاند بعد أسابيع قليلة من انتهاء آخر مشاركة للنرويج في بطولة كبرى، وذلك في كأس أوروبا 2000، وهو اليوم يقود بلاده نحو إنجازات غير مسبوقة على أكبر مسرح كروي في العالم.

وقال هالاند: «أعتقد أن الطريقة التي لعبنا بها اليوم أظهرت أن النرويج فريق كرة قدم رائع»، وتابع: «نحن بالفعل أحد أفضل المنتخبات في أوروبا والعالم، لأن ما حققناه أمر مذهل. استغرق الأمر 28 عاماً، احتاج بعض الوقت».

فرحة نرويجية عارمة بعد بلوغ ربع النهائي (أ.ف.ب)

أضاف: «أبلغ من العمر 25 عاماً فقط، لذلك لا يمكنكم تحميلي مسؤولية ذلك. إنه أمر لا يُصدق. أنا فخور ببلدي وفخور بالجميع».

وفاز مهاجم مانشستر سيتي بالحذاء الذهبي للدوري الإنجليزي في ثلاثة من المواسم الأربعة الأخيرة.

ورغم أن سجله التهديفي مع المنتخب النرويجي مذهل، فإن الأبرز ربما هو الطريقة التي ألهم بها بلاده لتحقيق إنجازات كانت تبدو بعيدة المنال.

وأضاف: «كنت أحلم باللعب في كأس العالم مع النرويج وإيصالها للمشاركة إلى البطولة، لكنني لم أتوقع أبداً أن نهزم البرازيل، إذا أردنا الصراحة».

وشرح: «كنت أعتقد أن بعض الأمور مستحيلة، لكن يبدو أنني كنت مخطئاً».

بدأ هالاند البطولة بتسجيل ثنائية في الفوز على العراق 4-1، ثم أحرز هدفين آخرين في الانتصار على السنغال 3-2، ليقود النرويج إلى الأدوار الإقصائية.

هالاند يعرف طريق الشباك جيداً (أ.ف.ب)

ويبدو الآن أن قرار سولباكن بإراحة هالاند في الخسارة أمام فرنسا، ضمن تغييرات واسعة على التشكيلة، كان قراراً صائباً، إذ لا تكتفي النرويج بتحقيق التوقعات في هذا المونديال، بل تتجاوزها بكثير.

«نحن نغيّر الأمة»

وكما كان متوقعاً، كان هالاند صاحب الهدف المتأخر الذي منح النرويج الفوز على كوت ديفوار في دور الـ32، قبل أن يكرر الأمر نفسه أمام البرازيل.

وقال «أعتقد أننا نغيّر الأمة. لم أحلم بهذا أبداً. أشعر أن ما يحدث أشبه بالخيال».

ويتصدر هالاند قائمة هدافي البطولة برصيد سبعة أهداف في أربع مباريات، متساوياً مع ليونيل ميسي وكيليان مبابي صاحب الأفضل لتمريره كرتين حاسمتين.

أما الأرقام فتبدو استثنائية: 62 هدفاً في 54 مباراة دولية، إضافة إلى سلسلة تهديفية شهدت تسجيله في آخر 14 مباراة رسمية متتالية للنرويج، أحرز خلالها 27 هدفاً.

وقال سولباكن: «هالاند هو أفضل هداف في العالم».

وأضاف: «بدا في حالة بدنية ممتازة اليوم. أعتقد أن قلبي الدفاع البرازيليين واجها صعوبة كبيرة في الحد من خطورته».

يقول أندرياس شييلديروب عن هالاند: «امنحه الكرة وهو يعرف طريقة التسجيل» (أ.ب)

تابع: «إلى أي مدى يمكننا الذهاب؟ لا أعلم. نحن الآن بين أفضل ثمانية منتخبات، وسنرى ما سيحدث».

أما أندرياس شييلديروب، لاعب بنفيكا البرتغالي الذي دخل بديلاً بين الشوطين وصنع هدفي هالاند أمام البرازيل، فقد لخّص شعور لاعبي النرويج تجاه نجمهم قائلاً: «أعجز عن إيجاد الكلمات. جميعنا كذلك. نحن فقط سعداء لأنه نرويجي ويلعب معنا».

تابع: «ما يفعله في كل مباراة من أجل التسجيل أمر مذهل. لا يهم كيف تمرر له الكرة أو ترفعها، فهو سيجد طريقة للتسجيل. نحن محظوظون جداً بوجوده ونقدّره كثيراً».

وختم قائلاً: «نأمل أن يسجل المزيد من الأهداف في المباريات المقبلة، ونحن نتطلع إلى ذلك».

وفيما ستواجه النرويج إنجلترا في ميامي يوم 11 يوليو (تموز)، لن يحتاج المنافس المقبل إلى تذكير بقدرة هالاند على قلب مجريات المباراة في لحظة واحدة.