تعود صدمة الطاقة إلى صلب السياسة النقدية في منطقة اليورو، مع تصاعد أسعار النفط والغاز بفعل الحرب في الشرق الأوسط، وارتفاع مخاطر اضطراب الملاحة عبر مضيق «هرمز»؛ ما يدفع البنك المركزي الأوروبي إلى تشديد موقفه النقدي، في وقت يحاول فيه منع ارتفاع تكاليف الطاقة من التَّحوُّل إلى موجة تضخمية أوسع نطاقاً.
ورفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة ربع نقطة مئوية إلى 2.5 في المائة، في ثاني زيادة له هذا العام، في خطوة تستهدف احتواء الضغوط التضخمية المتصاعدة، مستفيداً في الوقت نفسه من قدرة اقتصاد منطقة اليورو على الصمود بصورة أفضل من المتوقع أمام ارتفاع تكاليف الاقتراض والطاقة.
وقالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد: «إن الصراع في الشرق الأوسط يواصل توليد ضغوط تضخمية»، محذِّرة من أن التضخم «من المقرر أن يظل أعلى بكثير من المستهدف لفترة ممتدة». وأضافت أن آفاق الاقتصاد لا تزال شديدة الضبابية، مع مخاطر صعودية للتضخم وأخرى هبوطية للنمو.
ويأتي القرار في وقت تجاوزت فيه أسعار النفط 100 دولار للبرميل، بفعل تراجع حركة ناقلات النفط عبر مضيق «هرمز»، وازدياد المخاطر التي تواجه الملاحة في أحد أهم ممرات تجارة الطاقة العالمية. كما أدى ارتفاع أسعار الغاز إلى زيادة المخاوف من انتقال صدمة الطاقة إلى تكاليف النقل والإنتاج والتدفئة، وبالتالي إلى أسعار السلع والخدمات في الاقتصاد الأوسع.
التضخم فوق المستهدف
وارتفع التضخم في منطقة اليورو إلى 3.3 في المائة في أغسطس (آب)، متجاوزاً بفارق واضح مستهدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة.
ويرى البنك أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة لفترة طويلة قد يزيد خطر انتقال التضخم من قطاع الطاقة إلى بقية مكونات الاقتصاد، خصوصاً إذا انعكس ارتفاع تكاليف الوقود على أسعار النقل والإنتاج، ثم على أسعار السلع والخدمات والأجور.
وكانت الضغوط التضخمية الناجمة عن الطاقة أحد الأسباب الرئيسية وراء قرار البنك تشديد السياسة النقدية، بعدما كان قد رفع الفائدة آخر مرة في 11 يونيو (حزيران)، ثم أبقى عليها دون تغيير خلال اجتماعه في 23 يوليو (تموز).
ويهدف رفع أسعار الفائدة إلى تهدئة التضخم عبر زيادة تكلفة الاقتراض، بما يقلل الطلب على السلع والخدمات ويحد من إنفاق الأسر واستثمارات الشركات. لكن استمرار التشديد النقدي قد يفرض في المقابل تكلفة على النشاط الاقتصادي، خصوصاً إذا تزامن مع ارتفاع تكاليف الطاقة.

اقتصاد أكثر صموداً
وفي المقابل، أظهر اقتصاد منطقة اليورو قدرة أكبر من المتوقع على تحمل الضغوط، وهو ما ساعد البنك المركزي الأوروبي على رفع الفائدة من دون أن يكون القرار مصحوباً بتوقعات فورية لانكماش حاد.
وقالت لاغارد إن الاقتصاد الأوروبي «أظهر قدرة على الصمود في الرُّبع الثاني، رغم الصدمة الناجمة عن الطاقة»، مشيرة إلى أن النمو كان واسع النطاق بين الدول والقطاعات، وأن هذا النمط يرجح أن يكون قد استمرَّ خلال الرُّبع الثالث.
ورفع البنك توقعاته لنمو اقتصاد منطقة اليورو خلال 2026 إلى 0.9 في المائة من 0.8 في المائة في توقعاته السابقة، كما يتوقع نمواً قدره 1.4 في المائة في 2027 و1.5 في المائة في 2028.
وتعكس هذه المراجعات تحسناً في قدرة الاقتصاد على الصمود، لكنها لا تلغي المخاطر الناجمة عن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة. فارتفاع تكاليف الوقود قد يقلص القوة الشرائية للأسر، بينما تواجه الشركات في الوقت نفسه ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتمويل.
توقعات التضخم ترتفع
وفي المقابل، أبقى البنك توقعاته للتضخم عند 3 في المائة خلال 2026، لكنه رفع توقعاته لعام 2027 إلى 2.5 في المائة، قبل أن يتراجع التضخم إلى 2.1 في المائة في 2028.
وتكتسب هذه التوقعات أهمية خاصة في ظلِّ عدم وضوح المدة التي ستستمر فيها صدمة الطاقة. فكلما طال ارتفاع أسعار النفط والغاز، زاد خطر تحول الارتفاع في تكاليف الطاقة إلى ضغوط أكثر استدامة على الأسعار.
وتراقب البنوك المركزية بشكل خاص ما تُعرف بـ«تأثيرات الجولة الثانية»، عندما ينتقل ارتفاع أسعار الطاقة إلى تكاليف النقل والإنتاج، ثم إلى أسعار السلع والخدمات، وقد يتبع ذلك ارتفاع في الأجور وتوقعات التضخم.
لكن بيانات التضخم الأساسي لا تزال تشير إلى ضغوط أقل حدة من التضخم العام، كما أن نمو الأجور يتباطأ، ما يوفر للبنك بعض المساحة لمراقبة تداعيات صدمة الطاقة قبل اتخاذ خطوات إضافية.
الباب مفتوح أمام زيادات جديدة
ولم يلتزم البنك المركزي الأوروبي بمسار محدد لأسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، مؤكداً أن قراراته ستتخذ اجتماعاً بعد آخر وبناءً على البيانات الاقتصادية.
وقالت لاغارد إن آفاق الاقتصاد لا تزال «شديدة الضبابية»، مع وجود مخاطر صعودية للتضخم ومخاطر هبوطية للنمو، ما يجعل تطورات أسعار الطاقة والحرب في الشرق الأوسط وحركة الملاحة عبر مضيق «هرمز» عوامل رئيسية في تحديد السياسة النقدية المقبلة.
