يتجه البنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة للمرة الثانية هذا العام، الخميس، في محاولة لاحتواء موجة تضخمية جديدة تقودها الطاقة، مع تصاعد تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وعودة أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع.
وأدت الهجمات المتبادلة منذ نهاية أغسطس (آب) إلى إنهاء فترة من الهدوء النسبي، بعدما استهدفت الولايات المتحدة وإيران منشآت عسكرية ومرافق للشحن والطاقة، ما دفع أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع مجدداً وأعاد مخاوف انتقال صدمة الأسعار إلى اقتصادات منطقة اليورو التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة.
ويتوقع الاقتصاديون أن يرفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة الرئيسي إلى 2.50 في المائة من 2.25 في المائة، مع توجيه رسالة مفادها أنه مستعد لمواصلة التشديد إذا لم يتحسن مسار التضخم.
وقالت أليسيا بيراردي، رئيسة قسم الاقتصاد الكلي العالمي في «معهد أموندي للاستثمار»: «رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول) يبدو شبه محسوم. لا يزال التضخم مرتفعاً، ومن المتوقع أن يظل عنيداً خلال الأشهر المقبلة قبل أن يبدأ في التراجع في النصف الثاني من العام المقبل».
اقتصاد متماسك يمنح البنك مجالاً للتحرك
وفي المقابل، يجد البنك المركزي الأوروبي بعض الدعم في أداء اقتصاد منطقة اليورو، الذي أثبت قدرة أكبر من المتوقع على الصمود أمام ارتفاع تكاليف الوقود والمنافسة الصينية وتأثير موجات الجفاف.
كما تسارعت وتيرة الإقراض المصرفي في يوليو (تموز)، في مؤشر على أن رفع الفائدة الذي أقره البنك في يونيو (حزيران) لم يلحق ضرراً كبيراً بالنشاط الاقتصادي حتى الآن، وهو ما يمنح صانعي السياسة مجالاً لمواصلة التشديد إذا اقتضت الحاجة.
وقال مارتن فولبورغ، كبير الاقتصاديين لدى «جنرالي إنفستمنتس»: «نتوقع أن تحافظ الرئيسة كريستين لاغارد على موقف متشدد قائم على الانتظار والمراقبة، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام مزيد من التشديد».
وتسعّر الأسواق المالية حالياً احتمال تنفيذ رفعين أو 3 رفعات إضافية للفائدة بحلول نهاية العام المقبل.
وتشددت ظروف التمويل بالفعل، مع ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل إلى مستويات لم تشهدها منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية، وسط تنامي المخاوف بشأن التضخم وتضخم مستويات الدين الحكومي.
كما أسهمت المنافسة على التمويل بين إصدارات السندات الحكومية وإصدارات شركات التكنولوجيا الكبرى التي تجمع أموالاً ضخمة لتمويل طفرة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الاضطرابات السياسية في ألمانيا، في زيادة الضغوط الصعودية على العوائد.
النفط يعقّد مهمة لاغارد
ومن المتوقع أن يرفع البنك المركزي الأوروبي، الخميس، توقعاته للنمو الاقتصادي خلال العام الحالي، وربما لعام 2027 أيضاً، في ضوء قدرة اقتصاد المنطقة على الصمود.
لكن البنك قد يؤجّل توقعاته بشأن عودة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة، بعدما تجاوز التضخم حالياً 3 في المائة. وكان البنك قد توقع في يونيو عودة التضخم إلى المستوى المستهدف بحلول الصيف المقبل.
إلا أن التوقعات الجديدة قد لا تعكس بالكامل الارتفاع الأحدث في أسعار الطاقة، إذ تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل الأربعاء، ما يزيد احتمالات استمرار الضغوط التضخمية.
وقال لورينزو كودونيو، مؤسس «إل سي ماكرو أدفايزرز»، إن ارتفاع تكاليف الوقود والتوترات التجارية والاضطرابات المرتبطة بالطقس تهيئ الظروف لموجة جديدة من ارتفاع التضخم، قد تجبر البنك المركزي الأوروبي على رفع الفائدة مجدداً في أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول).
وأضاف: «قد نكون الآن أمام نقطة تحول في مسار التضخم، كما أن الأجور ستظهر ضغوطاً صعودية في مرحلة ما».
المؤشرات الأساسية لا تزال أكثر هدوءاً
وعلى الرغم من مخاطر الطاقة، فإن المؤشرات الرئيسية التي يراقبها البنك المركزي الأوروبي لا تزال، حتى الآن، في نطاق مطمئن نسبياً.
فقد تراجع التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الطاقة والغذاء، إلى 2.4 في المائة الشهر الماضي، كما أظهر أحدث مسح أن المستهلكين خفضوا توقعاتهم لارتفاع الأسعار، بينما تباطأت زيادات الأجور.
لكن محللي «باركليز» حذروا من أن الضغوط التضخمية تتراكم بهدوء، مع اكتساب أسعار السلع الأساسية زخماً وارتفاع أسعار المنتجين بوتيرة أسرع بكثير من أسعار المستهلكين.
وكتب المحللون في مذكرة أن ذلك «يضع تضخم السلع الأساسية على أساس أكثر صلابة، ويوفر نقطة انطلاق أعلى نتوقع أن تتراكم فوقها التأثيرات التضخمية للصراع في الشرق الأوسط خلال الأرباع المقبلة».
وفي المقابل، قال كارستن برزيسكي، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي لدى «آي إن جي»، إن الشركات، على الأقل في ألمانيا، استوعبت حتى الآن جزءاً من ارتفاع التكاليف، على عكس ما حدث في عام 2022، عندما أدت صدمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا إلى موجة تضخمية واسعة.
مستقبل لاغارد تحت المجهر
ومن المتوقع أن تواجه لاغارد، إلى جانب أسئلة السياسة النقدية، أسئلة بشأن مستقبلها على رأس البنك المركزي الأوروبي، إذ تمتد ولايتها الحالية حتى 31 أكتوبر 2027.
وقد ارتبط اسم لاغارد مراراً بقيادة المنتدى الاقتصادي العالمي، كما تحدثت في يوليو عن رغبتها في الدفاع عن القيم الأوروبية بطريقة ما خلال الحملة للانتخابات الرئاسية الفرنسية العام المقبل.
وعندما سُئلت لاحقاً عما إذا كان ذلك يعني احتمال مغادرتها البنك المركزي الأوروبي قبل انتهاء ولايتها، قالت: «لن تروني أرحل قبل 2027».
وقد يؤدي تقرير صدر الأسبوع الماضي، وأشار إلى محادثات بين عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي إيزابيل شنابل وصندوق النقد الدولي بشأن انضمامها إليه، إلى إعادة ترتيب محتملة في قمة المؤسسة النقدية لمنطقة اليورو.
