رايت ينفي «سرقة» النفط الفنزويلي... وواشنطن تدفع باتجاه إعادة إحياء القطاع

«شيفرون» تضخ 7 مليارات دولار... و«إيني» تتولى تطوير «خونين 5»... و«جي إي فيرنوفا» تبدأ إعادة بناء الكهرباء

وزير الطاقة الأميركي يتحدث مع الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز عقب توقيع اتفاقيات نفطية (رويترز)
وزير الطاقة الأميركي يتحدث مع الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز عقب توقيع اتفاقيات نفطية (رويترز)
TT

رايت ينفي «سرقة» النفط الفنزويلي... وواشنطن تدفع باتجاه إعادة إحياء القطاع

وزير الطاقة الأميركي يتحدث مع الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز عقب توقيع اتفاقيات نفطية (رويترز)
وزير الطاقة الأميركي يتحدث مع الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز عقب توقيع اتفاقيات نفطية (رويترز)

سعت الولايات المتحدة إلى احتواء الانتقادات المتصاعدة بشأن اتفاقها النفطي مع فنزويلا، إذ رفض وزير الطاقة الأميركي كريس رايت اتهامات بأن واشنطن «تسرق النفط الفنزويلي»، بالتزامن مع توقيع شركات طاقة أميركية وأوروبية اتفاقات جديدة بمليارات الدولارات لتوسيع الإنتاج النفطي وإعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة في البلاد.

وقال رايت، خلال وجوده في كاراكاس للإشراف على توقيع الاتفاقات، إن النفط الفنزويلي «مملوك للشعب الفنزويلي»، مؤكداً أن الشركات الخاصة هي التي تجلب رأس المال والتكنولوجيا اللازمة لإنتاجه، بينما تذهب العوائد والامتيازات والضرائب إلى الحكومة والشعب الفنزويلي.

وأضاف أن الاتفاق لا يتعلق بالاستيلاء على النفط، وإنما بتحويل أصول نفطية «خامدة تحت الأرض» إلى إنتاج فعلي من خلال ضخ الأموال والتكنولوجيا اللازمة لتطويرها.

وتأتي تصريحات رايت بعد أيام من اتفاق يمنح الولايات المتحدة سيطرة أغلبية على أكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة في فنزويلا، ضمن ترتيبات تمتد لسنوات طويلة وتشمل 17 حقلاً. وقدرت الحكومة الفنزويلية الإيرادات التي يمكن أن تحصل عليها من الاتفاق بنحو 209 مليارات دولار على مدى 25 عاماً.

وزير الطاقة يتحدث مع مهندسين خلال جولة تفقدية في منطقة تضررت جراء زلازل (رويترز)

مليارات جديدة تدخل القطاع

ولم تكتفِ واشنطن بالدفاع عن الاتفاق، إذ شهدت كاراكاس توقيع سلسلة من الصفقات الجديدة مع شركات طاقة كبرى، في خطوة تهدف إلى تحويل الاتفاق السياسي إلى استثمارات وإنتاج فعلي.

وكانت «شيفرون» في مقدمة الشركات التي أعلنت توسيع عملياتها، مع خطة لاستثمار أكثر من 7 مليارات دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، وتطوير مساحات إضافية في حزام أورينوكو النفطي، بما يتيح لها أكثر من مضاعفة إنتاجها في فنزويلا إلى نحو 600 ألف برميل يومياً مقارنة بمستويات 2026.

وتشمل خطط «شيفرون»، عبر مشروعها المشترك «بتروإندبندنسيا»، تطوير منطقتي «كارابوبو-1» و«كارابوبو-2 ساوث إيه»، في توسع يضيف حقولاً جديدة إلى محفظة الشركة في حزام أورينوكو.

أما شركة «إيني» الإيطالية، فقد وقعت مع شركة النفط الوطنية الفنزويلية «بي دي في إس إيه» عقداً لمدة 25 عاماً لتطوير حقل «خونين 5»، الذي يحتوي على نحو 35 مليار برميل من النفط المعتمد في مكانه، على أن تتولى «إيني» تشغيل الحقل وإدارته فنياً ومالياً وتجارياً. ويستهدف تطوير الحقل المساهمة في الوصول إلى إنتاج يتجاوز مليون برميل يومياً بحلول 2031.

وفي قطاع الكهرباء، وقعت «جي إي فيرنوفا» اتفاقاً لتحديث وتوسيع شبكة الكهرباء الفنزويلية، وهو ملف يعتبره رايت شرطاً أساسياً لإعادة تشغيل صناعة النفط بكامل طاقتها.

صياد يمر بقارب بجانب مضخة نفطية غير نشطة في بحيرة ماراكايبو في كابيمس بفنزويلا (أ.ب)

وتخطط الشركة لإضافة غيغاواط واحد من الطاقة الموثوقة خلال أول 24 شهراً، ثم إضافة 5 غيغاواط أخرى خلال السنوات الأربع التالية، مع العمل على محطات التوليد الحرارية والكهرومائية وشبكات النقل والتوزيع والمحطات الفرعية.

النفط والكهرباء... معركة واحدة

ويرى رايت أن إصلاح قطاع النفط لن يكون ممكناً من دون معالجة أزمة الكهرباء، بعدما أصبحت انقطاعات التيار جزءاً من الحياة اليومية في مناطق واسعة من فنزويلا.

وقال إن البلد يحتاج إلى القطاعين معاً، معتبراً أن البنية التحتية الكهربائية الموجودة يمكن إعادة استخدامها ضمن خطة تمتد خمس سنوات.

وتعكس الصفقة الجديدة هذا الترابط؛ فواشنطن لا تراهن فقط على زيادة استخراج النفط، وإنما على إعادة بناء المنظومة التي تسمح بإنتاجه ونقله وتشغيل الحقول والمنشآت المرتبطة به.

وبحسب وزارة الطاقة الأميركية، تستهدف الاتفاقات الجديدة مضاعفة إنتاج فنزويلا النفطي خلال أقل من 5 سنوات، في إطار خطة استثمار أوسع قد تصل إلى 100 مليار دولار

أكثر من مليوني برميل يومياً

ويراهن رايت على أن الاستثمارات الجديدة ستغير حجم الإنتاج الفنزويلي بصورة كبيرة، إذ توقع أن يتجاوز إنتاج البلاد مليوني برميل يومياً بحلول نهاية العقد.

ويبلغ الإنتاج الحالي نحو 1.25 مليون برميل يومياً، بحسب بيانات حديثة، ما يعني أن تحقيق هدف مليوني برميل سيتطلب استثمارات ضخمة وإعادة تأهيل واسعة للحقول والمنشآت والبنية التحتية.

وتقدم واشنطن هذه الزيادة باعتبارها مكسباً مزدوجاً: استعادة قطاع الطاقة الفنزويلي من جهة، وزيادة الإمدادات النفطية المتاحة للسوق العالمية من جهة أخرى، بما قد يساعد على تخفيف الضغوط على أسعار الطاقة.

لكن الطريق إلى هذه الزيادة ليس قصيراً، إذ إن الاتفاقات الجديدة تمثل بداية عملية استثمارية طويلة، وليست إضافة فورية لملايين البراميل إلى السوق.

وزير الطاقة يتحدث مع الرئيس التنفيذي والمهندس الإنشائي لشركة مياموتو الدولية كيت مياموتو خلال جولة تفقدية في منطقة تضررت جراء زلازل (رويترز)

«ناب» في قلب الصفقة

وفي الوقت نفسه، يظل الاتفاق الأكبر المبرم عبر شركة «نورث أميركان بلو إنرجي بارتنرز » (ناب) محور الجدل، خصوصاً بسبب حصول الحكومة الأميركية على حصة تبلغ 35 في المائة في الشركة التي ستطور مجموعة الحقول النفطية المشمولة بالاتفاق.

وتقود «ناب» الاتفاق إلى جانب رجل الأعمال الفنزويلي أليخاندرو بيتانكورت، الذي أثار دوره تساؤلات بسبب ارتباط اسمه سابقاً بفضيحة في شركة «بي دي في إس إيه».

ودافع رايت عن الشركة وسجلها الإنتاجي، قائلاً إن لديها خبرة ناجحة في إنتاج كميات كبيرة من النفط داخل فنزويلا.

غير أن الانتقادات لا تتعلق فقط بهوية الشريك، بل أيضاً بشروط الاتفاق ومدته، إذ أثارت حقوق التطوير التي تمتد إلى 100 عام على 17 حقلاً، وتضم احتياطيات تبلغ 65 مليار برميل، تساؤلات حول مدى قدرة أي حكومة فنزويلية مستقبلية على الالتزام بهذه الترتيبات.

صفقة نفطية في قلب تحول سياسي

ويمنح الاتفاق واشنطن نفوذاً غير مسبوق على جزء ضخم من ثروة فنزويلا النفطية، في تحول لافت بعد عقود من سيطرة الدولة على القطاع.

وتقول القيادة الفنزويلية المؤقتة إن فتح الباب أمام الشركات الأميركية والدولية هو السبيل لاستعادة الاستثمار والإنتاج، وإن زيادة إنتاج النفط ستنعكس على الوظائف والأجور والخدمات العامة.

أما منتقدو الاتفاق فيرون أن الظروف السياسية التي أُبرم فيها، إلى جانب الضغوط الأميركية، تجعل مستقبله عرضة للتحديات، خصوصاً إذا شهدت فنزويلا تحولاً سياسياً في السنوات المقبلة. وقد أبدت الجمعية الوطنية التي يهيمن عليها الحزب الحاكم دعمها للاتفاق، من دون أن تجري نقاشاً أو تصويتاً رسمياً عليه في الجلسة التي سبقت توقيع الصفقات الجديدة.

وفي هذا السياق، حاول رايت الفصل بين ملف الطاقة والانتخابات، مؤكداً أن خطة إجراء الانتخابات في فنزويلا لم تتغير، لكنها تحتاج إلى استكمال الإصلاحات وتجهيز المؤسسات واستقرار الاقتصاد قبل إجراء الاقتراع.

وزير الطاقة يتحدث مع مهندسين خلال جولة تفقدية في منطقة تضررت جراء زلازل (رويترز)

من الاحتياطيات إلى الإنتاج

وبينما وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاتفاق بأنه «أكبر صفقة نفط في تاريخ العالم»، فإن الاختبار الحقيقي للصفقة لن يكون في حجم الاحتياطيات التي أصبحت تحت النفوذ الأميركي، بل في قدرة الشركات على تحويل هذه الثروة إلى إنتاج فعلي.

فالاتفاقات الجديدة تضع للمرة الأولى خريطة واضحة للاستثمار: «شيفرون» بأكثر من 7 مليارات دولار، و«إيني» في «خونين 5»، و«جي إي فيرنوفا» في الكهرباء، و«ناب» في مجموعة الحقول الأكبر.

وبذلك، تحاول واشنطن الانتقال من مرحلة السيطرة على الموارد إلى مرحلة تطويرها، بينما تراهن كاراكاس على أن تدفق رأس المال والتكنولوجيا سيعيد قطاع الطاقة إلى العمل ويولد إيرادات بمليارات الدولارات.

لكن نجاح الرهان سيظل مرتبطاً بسرعة إعادة تأهيل البنية التحتية، وقدرة الشركات على تنفيذ استثماراتها، واستقرار الإطار القانوني والسياسي الذي تقوم عليه هذه الصفقات.


مقالات ذات صلة

فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

الاقتصاد أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

اقترحت فرنسا وألمانيا أن يعتمد الاتحاد الأوروبي أداة جديدة تتيح له التحرك بسرعة للرد على الدول التي تلحق ضرراً باقتصاده.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
الاقتصاد مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)

بنك اليابان: طفرة الذكاء الاصطناعي قد تمهد لمزيد من التشديد

قال نائب محافظ بنك اليابان شينيتشي أوتشيدا إن طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية ربما أسهمت في تيسير الأوضاع المالية عبر تعزيز الطلب ورفع أسعار الأصول.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مصفاة نفطية في مدينة يوكوهاما اليابانية (أ.ف.ب)

اليابان تستبعد سحباً جديداً من احتياطيات النفط

استبعدت اليابان، الاثنين، تنفيذ عملية جديدة للسحب من احتياطياتها الوطنية من النفط الخام في الوقت الراهن.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي في خطاب أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

تاكايتشي تتعهد بضبط الدين الياباني مع ارتفاع تكلفة الاقتراض

تعهدت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بضبط إصدارات السندات والحفاظ على استدامة المالية العامة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أسهم التراجع في أسعار الخضراوات والفواكه في تراجع التضخم (إعلام تركي)

التضخم التركي دون 30 % للمرة الأولى منذ 5 سنوات

سجل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين في تركيا في سبتمبر (أيلول) الماضي أكبر تراجع له في نحو 5 سنوات مسجلاً 29.73 في المائة

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

مصر توقع مع «شيفرون» اتفاقية للتنقيب عن الغاز والنفط باستثمارات 88 مليون دولار

خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
TT

مصر توقع مع «شيفرون» اتفاقية للتنقيب عن الغاز والنفط باستثمارات 88 مليون دولار

خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)

وقّعت الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» وشركة «شيفرون» العالمية اتفاقية جديدة للبحث عن الغاز الطبيعي والزيت الخام واستغلالهما في منطقة لوتس البحرية بالبحر المتوسط، باستثمارات حدها الأدنى 88 مليون دولار، تشمل حفر بئرين استكشافيتين وإعادة معالجة بيانات سيزمية ثلاثية الأبعاد.

وشهد وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي مراسم توقيع الاتفاقية، التي تأتي في إطار جهود الوزارة لتوسيع نطاق أعمال البحث والاستكشاف وطرح مناطق جديدة أمام شركات النفط والغاز العالمية.

ووقع الاتفاقية العضو المنتدب التنفيذي لـ«إيجاس» سيد سليم، ومدير الاستكشاف في «شيفرون» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والبحر المتوسط أندرو ديجان، بحضور مدير «شيفرون» في مصر تشانا كوروكولا وعدد من قيادات الوزارة و«إيجاس».

وتقع منطقة لوتس البحرية على بُعد نحو 200 كيلومتر من ساحل البحر المتوسط، وتتراوح أعماق المياه فيها بين 2000 و2800 متر، ولم تشهد المنطقة من قبل حفر آبار استكشافية عميقة، ما يفتح مجالاً أمام استكشاف موارد جديدة من الغاز الطبيعي والزيت الخام.

وقال بدوي إن توسيع خريطة البحث والاستكشاف يمثل محوراً رئيسياً في استراتيجية الوزارة لزيادة الإنتاج المحلي من البترول والغاز، مشيراً إلى استمرار العمل على طرح مناطق جديدة أمام الشركات العالمية والاستفادة من البيانات الجيولوجية والسيزمية المتاحة، إلى جانب تنفيذ برامج جديدة للمسح السيزمي في مناطق واعدة.

وأضاف أن إجراءات الدولة لسداد مستحقات شركاء الاستثمار أسهمت في تعزيز الثقة بقطاع البترول المصري، ودفع الشركات إلى زيادة استثماراتها واستئناف برامج البحث والاستكشاف، بما يسمح بتكثيف أعمال حفر الآبار وتنمية الحقول وتسريع تنفيذ مشروعات الإنتاج.

وأشار الوزير إلى أن الوزارة تعمل على طرح مزيد من الفرص الاستثمارية في البحر المتوسط والصحراء الغربية والدلتا وخليج السويس وسيناء وجنوب مصر، بالتوازي مع برامج المسح السيزمي الجارية والمخطط لها، بهدف توفير بيانات أحدث وأكثر دقة عن التراكيب الجيولوجية وتحديد الفرص الواعدة.

وتعكس الاتفاقية استمرار «شيفرون» في الاستثمار في أنشطة البحث والاستكشاف في مصر، إذ تعمل الشركة حالياً في ست مناطق بحرية للبحث عن الغاز والبترول، تشمل نرجس وشمال الضبعة ولوتس وشمال غربي أتول وشمال سيميان، إلى جانب منطقة شمال كليوباترا البحرية في غرب المتوسط التي تشارك فيها مع «شل».

وشهدت أعمال «شيفرون» في مناطق امتيازها بالبحر المتوسط مؤشرات استكشافية واعدة، من بينها كشف نرجس للغاز، بينما أظهرت أعمال حفر بئر «فيلوكس» في منطقة شمال كليوباترا البحرية مؤخراً مؤشرات واعدة على وجود النفط الخام.


فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

اقترحت فرنسا وألمانيا أن يعتمد الاتحاد الأوروبي أداة جديدة تتيح له التحرك بسرعة للرد على الدول التي تلحق ضرراً باقتصاده، في مسعى لتعزيز قدرة التكتل على مواجهة عالم تتحول فيه التجارة بصورة متزايدة إلى أداة للضغط الاقتصادي.

ودعت باريس وبرلين، في وثيقة مشتركة نُشرت الاثنين، إلى تعزيز أدوات الدفاع التجاري الأوروبية وتسريع استخدامها في مواجهة ما وصفته بـ«التشوهات السوقية المنهجية والمستمرة»، التي تهدد الاقتصاد الأوروبي وقاعدته الصناعية وتؤدي إلى خسائر واسعة في الوظائف.

ولا تستهدف المبادرة دولة بعينها، إلا أن الممارسات التي حددتها الوثيقة، ومنها الإغراق والدعم واسع النطاق والقيود على قابلية تحويل العملات، تتطابق مع انتقادات أوروبية متكررة للصين.

وتأتي الوثيقة قبل عشرة أيام من قمة يعقدها قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل لمناقشة الاختلالات التجارية مع الصين، في وقت تتزايد فيه الضغوط على التكتل لتقليل اعتماده على شركاء تجاريين محددين وحماية قاعدته الصناعية.

تحرك خلال أيام

وقال مسؤولون ألمان إن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى أداة تتمتع بقوة مماثلة للرسوم الجمركية الأميركية بموجب المادة 301، أو القيود الصينية على صادرات المعادن الحيوية، بما يسمح له بالرد على الإجراءات التي تضر بمصالحه الاقتصادية.

ودعت فرنسا وألمانيا المفوضية الأوروبية إلى طرح أداتين جديدتين في أقرب وقت، تركز الأولى على تنويع مصادر الإمدادات وتأمين الأمن الاقتصادي، من خلال الحد من اعتماد الشركات الأوروبية على مصدر واحد لبعض السلع الحيوية.

أما الأداة الثانية، فتستهدف الحد من وصول دول إلى السوق الأوروبية الموحدة إذا أخلّت بظروف المنافسة العادلة عبر وسائل سياسية أو اقتصادية، من دون تحديد مسبق للحالات التي يمكن أن تؤدي إلى تفعيلها أو نوع الإجراءات التي ستُتخذ.

واقترحت الوثيقة أن يتم اعتماد أي مقترح من المفوضية لتفعيل إجراءات مضادة ضد دولة أخرى ما لم تعارضه أغلبية مؤهلة من دول الاتحاد، وهو شرط أقل صرامة من بعض الإجراءات التجارية الأخرى.

وقال مسؤولون في الحكومة الألمانية إن المفوضية ينبغي أن تكون قادرة على تفعيل الإجراءات الجديدة بسرعة، بما قد يعني التحرك خلال أيام.

لكن إنشاء الأداة الجديدة سيظل بحاجة إلى موافقة حكومات دول الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي.

«نهاية السذاجة التجارية»

وقال مستشار للرئاسة الفرنسية إن تحرك الاتحاد أصبح ملحاً، معتبراً أن الاختلالات التجارية مع بعض الشركاء أصبحت غير مستدامة، ومؤكداً رغبة باريس وبرلين في استخدام أدوات مكافحة الإغراق القائمة في أسرع وقت ممكن.

وقال المستشار للصحافيين إن فرنسا وألمانيا «حريصتان جداً على وضع حد للسذاجة في التجارة».


الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
TT

الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)

طالب يتابع حصته الدراسية عبر فصل افتراضي، ومريض يحصل على استشارة طبية من منزله، ومستفيد يصل إلى وثيقته الرسمية عبر هاتفه... تفاصيل تختصر كيف أصبحت الخدمات الحكومية الرقمية جزءاً من الحياة اليومية في السعودية. ومع سهولة الوصول إليها، تبرز أهمية استمرارها، فالتعلّم والرعاية وإنجاز المعاملات احتياجات يومية تتطلّب جاهزية تحافظ على توافر الخدمة وتمكّن المستفيد من الاعتماد عليها عند الحاجة.

وفي ظل الأوضاع السياسية الراهنة في المنطقة وما يرتبط بها من مستجدات أمنية، تبرز أهمية هذا الاستعداد في دعم انتظام الحياة اليومية. ومن هنا، يتجاوز الصمود الرقمي مجرد إتاحة الخدمات إلكترونياً، إلى قدرة الجهات الحكومية على مواصلة تقديمها والتعامل مع الاحتياجات المتغيرة، بالاستناد إلى إدارة المخاطر والتخطيط لاستمرارية الأعمال.

طالب يتابع دروسه في منصة رقمية (الشرق الأوسط)

فما الذي تحقق حتى اليوم؟

تدعم هيئة الحكومة الرقمية هذا المسار عبر 3 خدمات مترابطة؛ تشمل تصنيف المنصات حسب أهميتها وتحديد أوقات الاسترداد المستهدفة لخدماتها، وتسجيل نسب توافر الخدمات الرقمية، وتنظيم الإبلاغ عن الانقطاعات عند الحاجة. وتساعد هذه الأدوات الجهات على المحافظة على استمرارية خدماتها، من خلال تحديد الأولويات، ومتابعة التوافر، وتوضيح مسؤوليات الإبلاغ، وفق «التقرير السنوي لهيئة الحكومة الرقمية».

وبالتوازي مع أدوات الجاهزية، بلغت نتيجة مؤشر نضج التجربة الرقمية لعام 2026 نسبة 87.06 في المائة، بعد تقييم 59 منصة. وبين جودة التجربة التي يقيسها المؤشر واستمرارية الأعمال التي تنظمها الضوابط والخدمات، يمتد العمل من تسهيل استخدام المنصة إلى دعم قدرتها على تقديم خدماتها.

المخاطر في صلب التخطيط

تبدأ المعالجة التنظيمية من «ضوابط إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال للحكومة الرقمية»، التي تستهدف التعامل مع المخاطر بصورة استباقية، من خلال بناء نظام لإدارتها وتحسينه باستمرار. وفي جانب استمرارية الأعمال، تتناول الضوابط بناء النظام وتفعيله، والتحقق من فاعليته، ومواصلة تطويره.

وتضع هذه المتطلبات إدارة المخاطر ضمن دورة العمل المؤسسي، فلا تنتهي المهمة بإعداد الخطة، بل تشمل التحقق من فاعليتها وتحسينها. ويرتبط ذلك مباشرة بمواكبة المتغيرات، إذ يصبح الاستعداد عملية مستمرة ترتبط بطريقة إدارة الخدمات، لا إجراء يُستدعى في ظرف بعينه.

ومن هنا، يكتسب الربط بين المخاطر واستمرارية الأعمال أهميته؛ من خلال فهم ما قد يؤثر في الخدمة، وتنظيم الاستعداد للتعامل معه، وتوجيه الموارد والإجراءات نحو الأعمال ذات الأولوية.

للخدمة أولوية ووقت

وعلى مستوى التطبيق، تتيح «خدمة تصنيف المنصات والتطبيقات الحكومية» للجهات تصنيف منصاتها وتطبيقاتها، وتحديد أوقات الاسترداد المستهدفة للخدمات الرقمية، حسب مستوى أهميتها وأثر انقطاعها.

ويضع ذلك طبيعة الخدمة وأثرها أساساً لترتيب الأولويات، فالمنصات لا تُعامل باعتبارها متطابقة في متطلبات الاستمرارية. ويُضاف إلى التصنيف هدف زمني للاسترداد، يحدد ما تستهدف ترتيبات الاستمرارية تحقيقه.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في نقل التخطيط من الحديث العام عن الجاهزية إلى متطلبات مرتبطة بخدمة محددة وأهميتها. فالاهتمام لا ينحصر في وجود المنصة، وإنما يشمل موقع خدماتها ضمن أولويات الجهة وما يتطلبه دعم استمراريتها.

التوافر تحت المتابعة

وإذا كان التصنيف يحدد الأولوية فإن خدمة «نسبة توافرية الخدمات» تتيح للجهات الحكومية تسجيل نسب توافر خدماتها الرقمية المقدمة إلى المستفيدين، بهدف متابعة مدى الالتزام. وبذلك يصبح توافر الخدمة جانباً موثقاً في المتابعة، إلى جانب تصنيف المنصة التي تقدمها.

وعند الحاجة إلى الإبلاغ، تتيح «خدمة الإبلاغ عن انقطاع الخدمات الحكومية الرقمية» مساراً محدداً للجهات الحكومية؛ يبدأ بتعيين فريق الأزمة من قِبل قائد تقنية المعلومات في الجهة، ليتولى الفريق مسؤولية تقديم البلاغات.

صورة مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي تظهر سيدة تحصل على علاج عبر الإنترنت (تطمين)

وهنا تتضح الصلة بين الخدمات الثلاث؛ فالتصنيف يحدد الأهمية وأوقات الاسترداد المستهدفة، والتسجيل يوفّر بيانات التوافر، والإبلاغ يحدد قناة التواصل والمسؤول عنها. وتتكامل هذه الوظائف في تنظيم استمرارية الخدمات، من التخطيط والمتابعة إلى التعامل مع الحالات التي تستدعي الإبلاغ.

دليلان يساندان التطبيق

وتساند هذه الأدوات إصدارات إرشادية، من بينها دليلان يتصلان مباشرة بإدارة المخاطر وموثوقية التعاملات: «الدليل الاسترشادي لإدارة المخاطر واستمرارية الأعمال للحكومة الرقمية»، و«الدليل الاسترشادي لمكافحة الاحتيال الرقمي».

ويدعم دليل إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال الجهات الحكومية في تطبيق المتطلبات التنظيمية ذات الصلة، وتحسين الممارسات الداعمة للخدمات المقدمة إلى المستفيدين. وبذلك تقترن الضوابط بمرجعية استرشادية تساعد الجهات على الانتقال من فهم المتطلبات إلى تطبيقها.

أما دليل مكافحة الاحتيال الرقمي فيضيف جانباً يتصل بأمان التعاملات، من خلال دعم منهجية لإدارة المخاطر وتعزيز الجهود الوطنية للحد من الاحتيال الرقمي. فاستمرارية الوصول إلى الخدمة وموثوقية استخدامها احتياجان متكاملان؛ الأول يتصل بإتاحتها، والآخر بالعناية بالتعامل الذي يجري من خلالها.

حضور في ملتقى الحكومة الرقمية (واس)

جاهزية تواكب احتياجات الناس

وتكشف هذه الأدوات عن مضمون عملي للصمود الرقمي؛ تصنيف يربط الاستعداد بأهمية الخدمة، وبيانات تتيح متابعة توافرها، ومسؤوليات محددة للإبلاغ، وضوابط وأدلة تساند التطبيق. وهي تفاصيل تنظيمية وتشغيلية، لكن أثرها يرتبط مباشرة بقدرة الناس على متابعة شؤونهم.

وعند العودة إلى الطالب في فصله الافتراضي، والمريض الذي يتلقى استشارته، والمستفيد الذي يصل إلى وثيقته، تتضح الغاية من هذا العمل: أن تقترن سهولة الخدمة بجاهزية تدعم استمرارها. فالثقة بالخدمات الرقمية تبدأ من تجربة استخدامها، وتستند إلى ما وراءها من تخطيط ومتابعة؛ لتبقى احتياجات الناس في صلب الاستعداد، وتمضي الحياة رقمياً.