الرياض تجمع بين أمن الإمدادات والدبلوماسية لتهدئة أسواق الطاقة

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: أسهمت السعودية مع شركائها في وصول النفط إلى جميع بلدان العالم

أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
TT

الرياض تجمع بين أمن الإمدادات والدبلوماسية لتهدئة أسواق الطاقة

أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)
أحد مرافق شركة «أرامكو السعودية» (أرامكو)

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية التي تهدد طرق إمدادات الطاقة العالمية، برزت السعودية لاعباً محورياً في حماية استقرار أسواق النفط، مستندة إلى مزيج من البنية التحتية الاستراتيجية والدبلوماسية الفاعلة.

فمن خلال استمرار تدفق صادراتها عبر خط أنابيب الشرق - الغرب، الذي ينقل نحو 7 ملايين برميل يومياً إلى البحر الأحمر بعيداً عن الممرات البحرية الحساسة، إلى جانب دورها المحوري داخل تحالف منظمتي «أوبك» و«أوبك+» وجهودها السياسية لخفض التصعيد، عززت المملكة مكانتها بوصفها أحد أكثر موردي الطاقة موثوقية، وأسهمت في الحد من تقلبات الأسواق والحفاظ على أمن الإمدادات العالمية.

لعبت المملكة دوراً محورياً داخل تحالف «أوبك+» للحفاظ على توازن السوق، إذ قادت جهوداً لتنسيق مستويات الإنتاج بما يحد من التقلبات الحادة في الأسعار، ويمنع حدوث نقص أو فائض كبير في الإمدادات. وقد عزز هذا الدور ثقة المستهلكين والمنتجين في قدرة التحالف على التعامل مع الأزمات.

خط الشرق - الغرب

وفي هذا الإطار، قال كبير مستشاري وزير البترول السعودي سابقاً، الدكتور محمد الصبان لـ«الشرق الأوسط»، إن السعودية نجحت هي وشركاؤها في الحفاظ على تدفق الصادرات من خلال خط الشرق - الغرب الذي تم بناؤه في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، مؤكداً أنه ولولا وجوده لكانت السوق تعاني بشكل كبير في الفترة الحالية.

وبيّن الصبان أن هذا الخط يتدفق منه حوالي 7 ملايين برميل يومياً، وهي كمية حافظت على استقرار الأسواق بشكل كبير، وأن المملكة أسهمت في استقرار أسواق النفط من خلال منظمتي «أوبك» و«أوبك بلس» للتأكيد على كونها عنصراً ثابتاً ومطمئناً إلى حد كبير في توفير ‏الإمدادات إلى الأسواق.

وأضاف أن السعودية تبذل جهودها إلى حلول ترضي الطرفين من خلال اتصالاتها المباشرة وغير المباشرة مع كل من إيران والولايات المتحدة، ولها دور فاعل في هذا المجال للتهدئة من جانب، واستقرار أسواق الطاقة من جانب آخر.

البنية التحتية

من ناحيته، ذكر المختص في قطاع الطاقة، نايف الدندني لـ«الشرق الأوسط»، أن المملكة حافظت على تدفق الصادرات النفطية خلال أزمة مضيق هرمز في عام 2026، ونجحت في إمداد الأسواق بالنفط رغم الاضطرابات الكبيرة في الملاحة البحرية ويُعد هذا النجاح عاملاً أساسياً في الحد من صدمات الإمدادات العالمية واستقرار الأسواق بفضل الاستعداد المسبق والبنية التحتية البديلة والتنسيق الإقليمي.

وأبان أن خط أنابيب شرق - غرب أو بترولاين الشريان الرئيسي، لعب دوراً حيوياً وكبيراً في توفير البدائل عن مضيق هرمز مركز الاضطرابات، حيث يمتد من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة تصل إلى 7 ملايين برميل يومياً.

وخلال الأزمة حولت المملكة معظم صادراتها عبر هذا الخط مما مكنها من تصدير نحو 4 - 5 ملايين برميل يومياً بعيداً عن مضيق هرمز. وأعادت الطاقة الكاملة للخط بعد تعرضه لأضرار مؤقتة حسب الدندني، الذي أكد أن موانئ البحر الأحمر لعبت دوراً أساسياً وأصبحت نقاط تصدير رئيسية، مع زيادة الشحنات بشكل ملحوظ وارتفاع حجم الصادرات عبر ينبع الواقعة غرب السعودية بأكثر من 300 في المائة مقارنة بالفترات السابقة في بعض الأشهر.

المسارات البديلة

وواصل أن السعودية أبدت تعاوناً مع شركائها، حيث أجرت المملكة محادثات مع الكويت والبحرين ودول أخرى لتوسيع أنظمة الأنابيب واستيعاب نفطهم. فيما أسهمت مخزونات «أرامكو» الخارجية، وخط سوميد المصري في دعم التدفقات إلى أوروبا وآسيا.

وأكد الدندني أن الرياض حافظت على موثوقيتها بوصفها مورداً عالمياً، وواصلت الوفاء بالتزاماتها رغم انخفاض إجمالي الصادرات الخليجية. كما أظهرت بيانات التتبع استمرار تدفق الخام السعودي حتى عبر مسارات بديلة أو جزئية مبدية مرونة لوجستية فاعلة.

واستطرد: «هذا النجاح لم يمنع انخفاضاً مؤقتاً في الأحجام، لكنه حال دون انهيار كامل للإمدادات، وأسهم في تجنب سيناريوهات كارثية لأسعار النفط».

وتأتي هذه المعطيات في وقت عززت فيه التطورات الأخيرة رؤية المحللين بشأن أهمية الدور السعودي في استقرار أسواق الطاقة، بعدما أعلنت «أرامكو السعودية» اليوم استمرارها في الحفاظ على موثوقية الإمدادات رغم الاضطرابات الجيوسياسية، مستفيدة من تنوع بنيتها التحتية وفي مقدمتها خط أنابيب الشرق - الغرب ومرافق التصدير على البحر الأحمر.

كما جاء ذلك بعد أيام من قرار تحالف «أوبك+» استكمال الزيادة التدريجية في الإنتاج بدءاً من سبتمبر (أيلول)، في خطوة تعكس استمرار التنسيق بين كبار المنتجين بقيادة السعودية للحفاظ على توازن السوق، بما ينسجم مع ما أكده خبراء لـ«الشرق الأوسط» من أن قوة البنية التحتية للمملكة، إلى جانب دورها القيادي داخل «أوبك+»، وجهودها الدبلوماسية لخفض التوترات، شكلت عوامل رئيسية في الحد من تقلبات الأسواق، وضمان أمن إمدادات الطاقة العالمية.


مقالات ذات صلة

ماذا تعني خطوة السعودية نحو تطوير سوق المشتقات المالية؟

الاقتصاد مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)

ماذا تعني خطوة السعودية نحو تطوير سوق المشتقات المالية؟

تسعى السعودية إلى نقل سوق المشتقات المالية من مرحلة إطلاق المنتجات إلى مرحلة أكثر نضجاً، عبر خفض تكلفة التداول، وتعزيز دور صناع السوق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أحد المصانع في السعودية (واس)

خاص شركات التقنية المالية تفتح مسارات جديدة لتمويل الصناعة السعودية

يشهد التمويل الموجه إلى المشروعات الصناعية في السعودية توسعاً في قنواته، مع تنامي دور شركات التقنية المالية في توفير حلول تمويلية للمنشآت الصناعية.

ساره بن شمران (الرياض)
خاص  تسعى «روبلوكس» لتعزيز حضورها الإبداعي والتفاعلي في السعودية (الشرق الأوسط)

خاص «روبلوكس» العالمية تختار الرياض مقراً إقليمياً للشرق الأوسط وشمال أفريقيا

اختارت شركة «روبلوكس» العالمية العاصمة السعودية الرياض لتأسيس مقرها الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

مساعد الزياني (الرياض)
خاص عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

خاص الذكاء الاصطناعي يفتح سوقاً جديدة أمام شركات التقنية السعودية

لم تعد شركات التقنية السعودية تكتفي بمواكبة التحول الرقمي، بل بدأت تستفيد منه، وهو ما انعكس على نتائج الشركات المدرجة خلال النصف الأول من 2026.

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد مستثمران يتابعان تحركات الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)

الأسهم الخليجية مستقرة في التعاملات المبكرة وسط تراجع أسعار النفط

تباين أداء أسواق الأسهم الخليجية في التعاملات المبكرة اليوم (الأربعاء)، متأثرة بتراجع أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

هل يحسم وارش في «جاكسون هول» موقفه من التضخم والفائدة؟

وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (رويترز)
وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (رويترز)
TT

هل يحسم وارش في «جاكسون هول» موقفه من التضخم والفائدة؟

وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (رويترز)
وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (رويترز)

يتوجه رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، كيفين وارش، إلى «منتدى جاكسون هول» هذا الأسبوع، وسط ترقب واسع لما إذا كان سيكشف أخيراً عن رؤيته لمسار التضخم وأسعار الفائدة، بعدما حافظ منذ توليه منصبه على قدر كبير من التحفظ في الإفصاح عن توجهاته النقدية.

ويواجه وارش اختباراً مبكراً لقدرته على قيادة «الفيدرالي» في وقت ينقسم فيه مسؤولوه بشأن أسباب استمرار التضخم فوق مستهدف «البنك» البالغ اثنين في المائة، وما إذا كانت الضغوط الحالية ناجمة عن صدمات مؤقتة، مثل الرسوم الجمركية واضطرابات الطاقة المرتبطة بحرب إيران، أم تعكس اقتصاداً لا يزال ينمو بوتيرة أقوى من قدرته على استيعاب الطلب.

ومن المقرر أن يلقي وارش كلمته يوم الجمعة خلال المؤتمر السنوي الذي ينظمه «بنك الاحتياطي الفيدرالي» بمدينة كانساس سيتي في وادي جاكسون هول بولاية وايومينغ، حيث ستتركز أنظار المستثمرين ومسؤولي «البنك المركزي» على تفسيره أداء الاقتصاد، والعوامل التي يمكن أن تدفعه إلى تغيير موقفه من أسعار الفائدة.

ويأتي ذلك في وقت لم تحسم فيه البيانات الأخيرة الجدل داخل «الفيدرالي». فقد أدت بيانات أسعار أكبر اعتدالاً خلال الشهرين الماضيين إلى تخفيف الضغوط من أجل رفع الفائدة في الاجتماع التالي خلال سبتمبر (أيلول) المقبل، لكنها لم تبدد التساؤلات بشأن ما إذا كان مستوى الفائدة الحالي، الذي يدور حول 3.6 في المائة، مرتفعاً بما يكفي لإعادة التضخم إلى مستهدف «البنك»، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

جانب من بلدة جاكسون هول القديمة بولاية وايومينغ الأميركية حيث تعقد البنوك المركزية اجتماعها السنوي (أ.ب)

صراع بين تفسيرين للتضخم

ويتمحور الخلاف داخل «الفيدرالي» حول تفسيرين متباينين لمسار الأسعار. الأول يرى أن التضخم المرتفع يرجع بصورة أساسية إلى صدمات مؤقتة، بينها الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب، وبالتالي؛ فإن تراجع هذه الضغوط قد يسمح للتضخم بالانخفاض من تلقاء نفسه من دون الحاجة إلى تشديد إضافي للسياسة النقدية.

أما التفسير الثاني، فيرى أن هذه العوامل تخفي اختلالات أعمق، إذ يتجاوز الطلب المعروض بما يسمح للشركات بتمرير زيادات الأسعار والحفاظ عليها، وهو ما يتطلب تدخلاً من «البنك المركزي» عبر أسعار فائدة أعلى.

وقد ظهر هذا الانقسام بوضوح في الاجتماع الأخير، بعدما صوّت 3 مسؤولين في «الفيدرالي» لمصلحة رفع أسعار الفائدة، فيما أبدى مسؤولون آخرون استعدادهم للانضمام إلى هذا الاتجاه.

ويرى أنصار التشديد أن قوة الإنفاق والاستثمار في الذكاء الاصطناعي واستمرار الطلب على العمالة والائتمان تشير إلى أن الاقتصاد لا يزال متيناً، وأن «الفيدرالي» لم يعد قادراً على افتراض أن التضخم سيواصل الانخفاض من تلقاء نفسه.

في المقابل، يشير آخرون إلى علامات على احتمال تراجع ضغوط الأسعار، من بينها تردد الشركات في تمرير زيادات جديدة إلى المستهلكين، وسط ميل بعض المتسوقين إلى خفض الإنفاق أو تأجيل المشتريات الكبيرة.

اختبار لأسلوب وارش

ولا تقتصر أهمية خطاب «جاكسون هول» على مضمون السياسة النقدية، بل تمثل أيضاً اختباراً لنهج وارش في التواصل مع الأسواق. فقد بنى رئيس «الفيدرالي» أسلوبه الجديد على تقليل التصريحات والتوقعات، انطلاقاً من قناعة بأن مسؤولي البنوك المركزية يفرطون في الحديث، وأن التوقعات التي يعلنونها قد تتحول لاحقاً إلى التزامات يصعب التراجع عنها.

غير أن هذا النهج يواجه اختباراً حقيقياً مع انقسام أعضاء «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة». ففي مثل هذه الحالات، يصبح على رئيس «البنك المركزي» لعب دور حاسم في توحيد المواقف؛ مما يجعل المستثمرين يترقبون ما إذا كان وارش سيُقدم في «جاكسون هول» تفسيراً أوضح للضغوط التضخمية ومسار السياسة النقدية.

وكانت تصريحاته بعد اجتماع يوليو (تموز) الماضي قد أثارت بعض الشكوك بشأن رؤيته، بعدما تجنب الإجابة بصورة مباشرة عن أسئلة بشأن الكيفية التي يمكن أن تسهم بها السياسة الحالية في خفض التضخم.

وفي ذلك الوقت، انخفضت عوائد السندات قصيرة الأجل، بينما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2007، كما صعد معدل الرهن العقاري لأجل 30 عاماً إلى نحو 6.75 في المائة، وهو أعلى مستوى له هذا العام.

وعكست هذه التحركات اعتقاداً لدى بعض المستثمرين بأن «الفيدرالي» قد يتسامح مع قدر أكبر من التضخم على المدى القصير، بما قد يضطره إلى رفع الفائدة لاحقاً.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في مؤتمر صحافي (رويترز)

السندات تدخل على خط المواجهة

وتزداد مهمة وارش تعقيداً مع صعود عوائد السندات الأميركية، خصوصاً أن تحركات السوق لم تعد مرتبطة فقط بتوقعات السياسة النقدية.

فقد أعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، الأسبوع الماضي خططاً لتوسيع عمليات إعادة شراء الديون طويلة الأجل، قائلاً إن الأساسيات الاقتصادية لا تبرر مستويات العوائد التي تحددها السوق.

ويضاف إلى ذلك أن بيسنت يرى أن التضخم ليس بالمشكلة التي يصفه بها مسؤولو «الفيدرالي» الأكبر تشدداً؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام ضغط من جهة أخرى داخل الإدارة الأميركية بشأن مسار الفائدة وعوائد السندات.

وكان وارش قد أشار إلى أن ارتفاع العوائد قبل اجتماع يوليو يعني أن الأسواق تنفذ بالفعل بعض التشديد نيابة عن «الفيدرالي». غير أن هذا الطرح يفترض أن تحركات السوق تعكس فقط التغيرات في الاقتصاد، في حين أن توقعات المستثمرين بشأن مسار أسعار الفائدة نفسها تؤثر بصورة مباشرة في عوائد السندات.

المعضلة التي تواجه وارش

وتتمثل إحدى كبرى المعضلات أمام رئيس «الفيدرالي» في تحديد ما الذي أخطأ فيه «البنك» خلال السنوات الماضية.

فإذا كان خفض أسعار الفائدة خلال العامين الماضيين لدعم سوق العمل، التي اتضح لاحقاً أنها أمتن مما توقع المسؤولون، قراراً خاطئاً، فإن المنطق يقتضي عكس تلك التخفيضات ورفع الفائدة مجدداً. غير أن هذا الخيار قد يكون محرجاً لوارش، خصوصاً أن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وبيسنت كانا قد دعوا إلى تخفيضات أعمق للفائدة العام الماضي، كما أن وارش نفسه لم يعارض هذا الاتجاه قبل توليه رئاسة «البنك المركزي».

وارش مترئساً اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (الاحتياطي الفيدرالي)

أما إذا كان استمرار التضخم يعود أساساً إلى الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الطاقة، فإن ارتفاع الأسعار الحالي قد يكون نتيجة لصدمات مؤقتة وليس دليلاً على سوء تقدير سابق لأداء الاقتصاد.

وهناك احتمال ثالث يتمثل في تبني وارش نهجاً مختلفاً للتعامل مع التضخم، وهو موقف طرح جوانب منه خلال السنوات الماضية. فالنماذج التقليدية لـ«البنك المركزي» تتعامل مع التضخم بوصفه ظاهرة واسعة ترتبط إلى حد كبير بالأجور، لكن هذه النماذج قد لا تقدم إجابة واضحة عن تأثير طفرة استثمارية في الذكاء الاصطناعي ترفع الأسعار من دون أن تسبقها بالضرورة زيادة مماثلة في الأجور.

ومن هنا، فقد يتوقف جانب مهم من رئاسة وارش على قدرته في صياغة استراتيجية جديدة لـ«الفيدرالي» في اقتصاد مختلف عن اقتصاد التسعينات الذي يستشهد به كثيراً؛ اقتصادٍ يتسم بتراجع العولمة، وانخفاض الهجرة، وتكرار الصراعات الجيوسياسية، إلى جانب صدمات تجارة وطاقة، واستثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي.

وبينما ينتظر المستثمرون إشارة واضحة من «جاكسون هول» بشأن التضخم والفائدة، فإن السؤال الأهم أمام وارش يبقى: هل يعتقد أن السياسة النقدية الحالية مقيدة بما يكفي لإعادة التضخم إلى اثنين في المائة، أم إن «الفيدرالي» يحتاج إلى تشديد جديد؟ ويُنتظر أن يقدم خطابه يوم الجمعة أول إجابة أشد وضوحاً عن هذا السؤال.


ماذا تعني خطوة السعودية نحو تطوير سوق المشتقات المالية؟

مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)
TT

ماذا تعني خطوة السعودية نحو تطوير سوق المشتقات المالية؟

مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)

تسعى السعودية إلى نقل سوق المشتقات المالية من مرحلة إطلاق المنتجات إلى مرحلة أكثر نضجاً، عبر خفض تكلفة التداول، وتعزيز دور صنّاع السوق، وتحسين كفاءة استخدام رأس المال.

فقد أعلنت «تداول السعودية» وشركة «مركز مقاصة الأوراق المالية (مقاصة)» عن حزمة من التحسينات الهيكلية في سوق المشتقات المالية السعودية، في خطوة تستهدف تعزيز السيولة، ورفع كفاءة السوق، وتوسيع قاعدة مشاركة المستثمرين المؤسسيين والأفراد.

ما سوق المشتقات؟

المشتقات هي أدوات مالية تستمد قيمتها من أصل آخر، مثل سهم أو مؤشر، وتستخدم بصورة رئيسية في التحوط وإدارة المخاطر، كما تتيح للمستثمرين تنفيذ استراتيجيات تداول أكثر تنوعاً.

ما المنتجات التي تشملها التحديثات؟

1- العقود المستقبلية على مؤشر «إم تي 30»: تتيح للمستثمر التعرض لأداء أكبر 30 شركة وأكثرها نشاطاً في السوق السعودية، ومن ثم استخدامها للتحوط من مخاطر محفظة واسعة أو من حركة السوق عموماً.

2- العقود المستقبلية للأسهم المفردة: ترتبط بسهم شركة محددة، وتمنح المستثمر إمكانية التحوط من مخاطر سهم بعينه أو بناء استراتيجيات استثمار مرتبطة بحركته.

لماذا تحتاج السوق إلى صنّاع سوق؟

صانع السوق يوفر بصورة مستمرة أسعاراً للشراء والبيع، ما يساعد على وجود طرف مقابل للمستثمر عند الدخول في الصفقة أو الخروج منها، وكلما زاد عدد صناع السوق ونشاطهم، تحسنت السيولة، وضاق الفارق بين سعري الشراء والبيع، وأصبح التداول أكثر سهولة.

ماذا يعني خفض الرسوم؟

خفض الرسوم، إلى جانب الإعفاء من رسوم التداول ورسوم التسوية النهائية للعقود المستقبلية لمدة عام، يُقلل تكلفة دخول المستثمرين إلى السوق وتجربة هذه المنتجات، بما قد يساعد على زيادة النشاط.

وما أهمية تحسين احتساب الهامش؟

الهامش هو الضمان الذي يقدمه المستثمر مقابل مركزه في المشتقات. وتحسين آلية احتسابه يمكن أن يرفع كفاءة استخدام رأس المال، بحيث لا يكون جزء كبير من أموال المستثمر محجوزاً كضمان دون حاجة.

ما الهدف النهائي؟

الهدف ليس فقط زيادة عدد العقود المتاحة، وإنما بناء سوق مشتقات أكثر سيولة وعمقاً وكفاءة، يوفر للمستثمرين أدوات أفضل للتحوط وإدارة المخاطر، ويعزز جاذبية السوق السعودية أمام المؤسسات والمستثمرين المحليين والأجانب.

ماذا ستكون مؤشرات النجاح؟

وحسب هذا المنطق، فإن نجاح الخطوة سيظهر في:

  • ارتفاع أحجام التداول.
  • زيادة عدد المستثمرين المشاركين.
  • تحسن السيولة.
  • انخفاض الفارق بين أسعار الشراء والبيع.
  • زيادة استخدام المشتقات للتحوط وإدارة المخاطر.
  • اتساع مشاركة المؤسسات والمستثمرين الأجانب.

شركات التقنية المالية تفتح مسارات جديدة لتمويل الصناعة السعودية

أحد المصانع في السعودية (واس)
أحد المصانع في السعودية (واس)
TT

شركات التقنية المالية تفتح مسارات جديدة لتمويل الصناعة السعودية

أحد المصانع في السعودية (واس)
أحد المصانع في السعودية (واس)

يشهد التمويل الموجه إلى المشروعات الصناعية في السعودية توسعاً في قنواته، مع تنامي دور شركات التقنية المالية في توفير حلول تمويلية للمنشآت الصناعية، في وقت تتجه فيه هذه الشركات إلى لعب دور أكبر في ربط المقترضين بمصادر تمويل جديدة وتقديم خيارات أكثر مرونة للمشروعات الصغيرة.

وأعلنت وزارة الصناعة والثروة المعدنية ارتفاع حجم إقراض شركات التقنية المالية للمشروعات الصناعية إلى 541 مليون ريال (144.3 مليون دولار) خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 130 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، التي بلغ خلالها حجم الإقراض 234 مليون ريال (62.4 مليون دولار). كما ارتفع عدد شركات التقنية المالية المتعاونة مع الوزارة من 3 شركات إلى 7 شركات خلال الفترة نفسها.

اتساع قنوات التمويل

وقال محلل الأسواق المالية، عبد الله الحامد، لـ«الشرق الأوسط» إن نمو القطاع الصناعي، بوصفه إحدى ركائز «رؤية 2030»، يحتاج إلى داعم تمويلي سريع وقادر على العمل بطرق غير تقليدية لتوفير التمويلات اللازمة للنمو.

وأضاف أن ارتفاع الطلب على التمويل عبر القنوات التقليدية أتاح لشركات التقنية المالية فرصة لخلق طرق حديثة وسريعة، والوصول إلى شريحة جديدة من الراغبين في التمويل، متوقعاً استمرار نمو هذا الدور مع الزخم الذي يشهده القطاع الصناعي.

وأوضح الحامد أن من أبرز ما يميز شركات التقنية المالية قدرتها على ربط شريحة جديدة من المقرضين بالمقترضين؛ وهو ما أتاح قنوات استثمار جديدة، إلى جانب تسريع إجراءات الحصول على التمويل.

وفي هذا الإطار، وسَّعت وزارة الصناعة والثروة المعدنية شراكاتها مع شركات التقنية المالية بهدف تنويع المنتجات التمويلية وزيادة حجم الإقراض الموجه إلى القطاع الصناعي. وتشمل الحلول التمويلية المقدمة للمنشآت الصناعية تمويل رأس المال العامل، وتمويل الفواتير، وتمويل التوسع في المشروعات الصناعية.

مبنى وزارة الصناعة والثروة المعدنية بالعاصمة السعودية (واس)

دعم المنشآت الصغيرة

ولا يقتصر أثر توسع هذه القنوات على زيادة حجم التمويل؛ إذ يرى الحامد أن شركات التقنية المالية تتمتع بقدرة أكبر على تمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، التي تمثل جزءاً مهماً من الاقتصاد، فضلاً عن توفير تمويلات قد تحتاج إلى فترات أطول أو لا تتناسب بالضرورة مع قدرات التمويل التقليدي.

ويرى أن تخفيض تكلفة التمويل وتحسين القدرة على الوصول إليه يمكن أن يدعما الشركات الصناعية في تنفيذ مشروعاتها والتوسع في عملياتها، خصوصاً في المراحل التي قد تواجه فيها المنشآت الصغيرة تحديات في الوصول إلى القنوات التقليدية.

وتعمل الوزارة، إلى جانب توسيع قاعدة الشراكات، على تعريف رواد الأعمال والمستثمرين الصناعيين بالحلول التمويلية المتاحة من خلال ورش عمل مخصصة، كما تشارك قاعدة بيانات المصانع مع مقدمي الحلول التمويلية، بما يسهم في تسهيل وصول الشركات الصناعية إلى المنتجات التي تتناسب مع احتياجاتها.

التشريع مفتاح الاستدامة

ومع توسع قطاع التقنية المالية ودخوله مجالات تمويلية جديدة، يبرز الإطار التشريعي والتنفيذي عاملاً رئيسياً في استدامة نموه، وفق الحامد، الذي أكد أهمية العمل على إيجاد بيئة تشريعية جاذبة للتقنيات المالية، إلى جانب احتضانها ودعمها بما يعزز قدرتها على النمو والازدهار.

ويأتي هذا التوسع مع ارتفاع عدد شركات التقنية المالية التي تتعاون معها الوزارة في تمويل المشروعات الصناعية إلى 7 شركات خلال النصف الأول من 2026، مقارنة بـ3 شركات في الفترة نفسها من العام الماضي، بما يعكس اتساع قاعدة مقدمي الحلول التمويلية ودخول مزيد من القنوات الرقمية إلى منظومة التمويل الصناعي.