«عصر وارش» يبدأ بـ«تجميد» رغبات ترمب

«الفيدرالي» ثبّت الفائدة وسط استمرار الضغوط التضخمية... و«مخطط النقاط» فتح باب الرفع في 2026

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش يلقي خطاباً في يوم مراسم تنصيبه (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش يلقي خطاباً في يوم مراسم تنصيبه (رويترز)
TT

«عصر وارش» يبدأ بـ«تجميد» رغبات ترمب

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش يلقي خطاباً في يوم مراسم تنصيبه (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش يلقي خطاباً في يوم مراسم تنصيبه (رويترز)

لم يكد يجفّ حبر قرار تعيين كيفين وارش رئيساً لـ«مجلس الاحتياطي الفيدرالي»، حتى اختار في أول اختبار حقيقي له أن يبدأ بـ«تجميد» رغبات البيت الأبيض. إذ قرر «البنك المركزي الأميركي»، الأربعاء، الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير عند نطاق 3.50 - 3.75 في المائة.

هذا التثبيت - وهو الرابع على التوالي من «البنك المركزي الأميركي» - يمثل صدمة مباشرة لطموحات الرئيس دونالد ترمب وفريقه الاقتصادي.

فترمب كان جدّد ضغوطه علناً قبل أيام قليلة، وتحديداً في 7 يونيو (حزيران) الحالي، مؤكداً بصريح العبارة: «أريد خفضاً لأسعار الفائدة»، بل وصل به الأمر إلى حدّ «المزاح علناً» بأنه سيقاضي وارش (الذي عيّنه بنفسه) إذا لم يخفض أسعار الفائدة، ليدشن «عصرُ وارش» أولى جلساته بإرسال إشارة هادئة للأسواق والمكتب البيضاوي معاً بأن «قرارات (البنك المركزي) ستكون محكومة بالأرقام والمؤشرات الفنية أولاً، بعيداً عن الاستجابة السريعة للمطالب السياسية».

ولم تكن المفاجأة في قرار التثبيت الذي سعّرته الأسواق مسبقاً، بل في «المقصلة التحريرية» التي أدخلها وارش على أدوات التواصل؛ إذ أقدم رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد على «بتر» صياغة البيان الصادر عقب الاجتماع بشكل غير مسبوق، مستأصلاً كل الإشارات التي كانت توحي بإمكانية تيسير نقدي مستقبلي.

ولم يتجاوز بيان هذا الأسبوع 130 كلمة فقط، مقارنة بـ341 كلمة في بيان أبريل (نيسان) الماضي، ليتحول إلى بلاغ مقتضب ركّز فيه على متانة الاقتصاد والتعهد الحازم بـ«تحقيق استقرار الأسعار».

وجاء في البيان: «النشاط الاقتصادي يتوسع بوثيرة هادئة وثابتة رغم حالة عدم اليقين المرتفعة الناتجة جزئياً عن الصراع في الشرق الأوسط. إن نمو الإنتاجية والاستثمار الرأسمالي قويان، والوظائف تواكب القوة العاملة، ولم يطرأ تغير يذكر على معدل البطالة».

وأضاف البنك: «التضخم لا يزال مرتفعاً مقارنة بهدف اللجنة البالغ 2 في المائة، وهو ما يعكس جزئياً صدمات الإمداد التي دفعت الأسعار للارتفاع في قطاعات معينة، بما في ذلك الطاقة. اللجنة ستلتزم بتحقيق استقرار الأسعار». كما أكد البنك الحفاظ على سياسة «الاحتياطيات الوفيرة» في النظام المصرفي دون أي خطط فورية لتقليص محفظة السندات البالغة 6.7 تريليون دولار، وهو نهج طالما دافع عنه وارش.

لغز «مخطط النقاط» والتلميح بالرفع

وفي تحول دراماتيكي صدم الأسواق، أظهر «مخطط النقاط» (Dot Plot) المثير للجدل أن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي شطبوا تماماً توقعاتهم السابقة بإجراء أي خفض للفائدة خلال العام الجاري، بل وأشاروا إلى أن «خيار رفع الفائدة بات مطروحاً على الطاولة» وإن لم يكن مؤكداً، مؤجلين أي دورة تيسير إلى عامي 2027 و2028 لمراقبة مدى متانة قفزة التضخم الناجمة عن حرب إيران.

وأظهر المخطط أن متوسط التوقعات لسعر الفائدة بنهاية العام يقف عند 3.8 في المائة، أي أعلى بـ 0.16 نقطة مئوية من المستوى الحالي، مما يعزز فرضية الرفع.

وشهد الاجتماع لغزاً أثار حيرة المراقبين؛ إذ أظهرت الملاحظات المرفقة بالتوقعات الاقتصادية أن 18 عضواً فقط من أصل 19 شاركوا في تقديم تقديراتهم المحدثة.

ورجح «مراقبو الفيدرالي» أن يكون الرئيس الجديد كيفين وارش نفسه هو العضو الذي قاطع التصويت على المخطط، تماشياً مع انتقاداته الحادة والعلنية السابقة لأدوات التوجيه المسبق ومستهدفات البطالة والنمو، وسط تكهنات بأنه يسعى لإلغاء هذا المخطط نهائياً.

باول «مُصوّتاً» في عهد خَلَفه

ولم يكن قرار تثبيت أسعار الفائدة هو العنصر الأعلى إثارة في الاجتماع؛ إذ كانت الأسواق قد سعّرت هذا الاحتمال بشكل شبه كامل، بل اتجهت الأنظار إلى «الديناميكية التشغيلية» المعقدة خلف الأبواب المغلقة.

فقد اكتسب الاجتماع أهمية استثنائية؛ لأنه الأول الذي يترأسه وارش في وقت لا يزال فيه سلفه جيروم باول عضواً مصوّتاً في «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة»، في ترتيب نادراً ما شهده تاريخ «البنك المركزي»، ويعكس مرحلة انتقالية غير مألوفة في قيادة المؤسسة.

باول مغادراً آخر مؤتمر صحافي له قبل انتهاء ولايته (رويترز)

وتشير كواليس واشنطن إلى أن قرار باول النادر البقاء حاكماً في مجلس الإدارة - على غير عادة رؤساء «الفيدرالي» السابقين الذين يفضلون الاستقالة فور انتهاء ولايتهم - يرتبط برغبته في مراقبة مآلات التحقيق في قضية «تجديدات مبنى (الفيدرالي) المكلِّفة».

ورغم إعلان المدعية العامة لولاية كولومبيا، جينين بيرو، في أبريل (نيسان) الماضي، إسقاط التحقيق الجنائي، فإن تلميحاتها بأنها «لن تتردد في إعادة فتحه» دفعت باول إلى التحصن بكرسي التصويت للتأكد من إغلاق الملف كلياً، معلناً أن الظروف الأخيرة لم تترك له خياراً سوى البقاء.

هذا الوضع يضع الأسواق أمام مراقبة تيارين داخل اللجنة: «تيار باول» المحاذِر، و«تيار وارش» الراغب في إحداث صدمات نقدية أكبر جرأة لتطهير الاقتصاد من التضخم.

«عقيدة وارش» والتملص من أرقام التضخم

وأمام قفزة التضخم الرسمية المتمثلة في «مؤشر أسعار المنتجين»، بدا أن وارش يقود توجهاً نقدياً جديداً يعتمد على التملص من هذه الأرقام الصادمة؛ إذ يفضل الرئيس الجديد لـ«الاحتياطي الفيدرالي» التركيز على ما تُعرف بـ«المعدلات المتوسطة المُقَلَّمة (Trimmed-Mean Averages)» الصادرة عن البنوك الفيدرالية الإقليمية، التي تعزل الصدمات المؤقتة والتقلبات الحادة للسلع مثل النفط والمواد الغذائية.

وبتطبيق هذه العقيدة النقدية، تحصّن وارش بمؤشر «فيد دالاس» الذي يقف بالتضخم عند 2.3 في المائة، ومؤشر «فيد كليفلاند» عند 2.9 في المائة، ليقنع لجنته المكونة من 11 زميلاً بأن التضخم الهيكلي تحت السيطرة وأنه لا يتطلب رفعاً إضافياً، وفي الوقت ذاته ليس منخفضاً بما يكفي للسير في فلك رغبات ترمب التيسيرية.

ترمب يصافح وارش خلال مراسم تنصيب الأخير في البيت الأبيض (رويترز)

مسارات ترويض العجز

وكان وارش قد انتقد مراراً، قبل توليه المنصب، ما عَدّه إفراطاً من «الاحتياطي الفيدرالي» في تقديم «توجيهات مسبقة»، مؤكداً أن القرارات يجب أن تكون وليدة بياناتها الآنية.

وتجلى هذا النهج في بيان السياسة النقدية الذي حمل نبرة أعلى حياداً، مبتعداً عن الإشارات التي كانت توحي بإمكانية إجراء تخفيضات إضافية، ليمنح «اللجنة» مساحة أوسع للتحرك دون التزام مسبق بمسار محدد.

وأكد البيان أن النشاط الاقتصادي لا يزال يُظهر قدراً من المتانة، مدعوماً بقوة سوق العمل والإنفاق الاستهلاكي، في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى من المستوى المستهدف البالغ اثنين في المائة.

وفي المقابل، لا يزال «البنك المركزي» ينظر بحذر إلى المخاطر التضخمية الناجمة عن الارتفاع السابق لأسعار الطاقة جراء حرب الشرق الأوسط، رغم التراجعات الأخيرة للنفط إثر الأنباء الواردة عن اتفاق سلام محتمل وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الإمدادات.


مقالات ذات صلة

تراجع «وول ستريت» مع ارتفاع النفط ومخاوف تجدد الحرب مع إيران

الاقتصاد مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجع «وول ستريت» مع ارتفاع النفط ومخاوف تجدد الحرب مع إيران

تراجعت أسهم «وول ستريت» في مستهل تعاملات الخميس، بعد ارتفاع حاد في أسعار النفط إثر تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة قد تشن هجمات جديدة على إيران.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شعار «سبايس إكس» (رويترز)

«أوراكل» و«برودكوم» و«سبايس إكس» تلجأ إلى الديون لتمويل رقائق الذكاء الاصطناعي

تتجه شركات كبرى في قطاع الذكاء الاصطناعي إلى أسواق التمويل للحصول على عشرات المليارات من الدولارات لتمويل شراء الرقائق ومعدات الحوسبة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد ترمب برفقة وارش لحضور مراسم أداء الأخير اليمين الدستورية في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)

محضر «الفيدرالي» يكشف انقساماً بشأن رفع الفائدة... وترمب يضغط مجدداً لخفضها

أظهر محضر اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» انقساماً بشأن مدى الحاجة إلى مواصلة رفع أسعار الفائدة لمواجهة مخاطر التضخم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مخزونات نفط في هيوستن (رويترز)

مخزونات النفط الأميركية تهبط بأكثر من المتوقع

تراجعت مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة بأكثر من المتوقَّع خلال الأسبوع الماضي، في حين ارتفعت مخزونات البنزين، وانخفضت مخزونات نواتج التقطير.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداول في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

عائد سندات الخزانة الأميركية لـ30 عاماً يرتفع إلى أعلى مستوى منذ 2002

ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً بأكثر من 6 نقاط أساس، الأربعاء، إلى 5.7041 في المائة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام 2002.


الأسهم الأميركية تتجه بحذر نحو ختام أسبوع قياسي

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسهم الأميركية تتجه بحذر نحو ختام أسبوع قياسي

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

أسهم تراجع أسعار النفط في دفع الأسهم الأميركية إلى الارتفاع خلال تعاملات يوم الجمعة، مع اقتراب السوق من اختتام أسبوع شهد تسجيل مستويات قياسية، غير أن الأسواق المالية لا تزال تتحرك وسط حالة من التردد وعدم اليقين.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.3 في المائة، مستعيداً بذلك جزءاً من خسائره التي تكبّدها على مدى يومين متتاليين عقب تسجيله مستوى قياسياً غير مسبوق. كما صعد مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 116 نقطة، أو 0.2 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي، فيما ارتفع مؤشر «ناسداك» المجمع بنسبة 0.5 في المائة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وجاءت هذه التحركات الحذرة في ظل استمرار تقلبات أسعار النفط، وسط حالة من عدم اليقين بشأن موعد عودة قطاع الطاقة العالمي إلى أوضاعه الطبيعية في ظل الحرب مع إيران. وتأرجح سعر برميل خام برنت بين 102.50 دولار و104 دولارات عدة مرات خلال الليل وصباح الجمعة، قبل أن يستقر عند 103.13 دولار، منخفضاً بنسبة 1.1 في المائة.

وفي سوق السندات، تذبذبت عوائد سندات الخزانة الأميركية صعوداً وهبوطاً، عقب التحركات الحادة التي شهدتها في وقت سابق من الأسبوع. وبلغ عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات 5.25 في المائة، مرتفعاً من 5.22 في المائة في أواخر تعاملات يوم الخميس.

وكان العائد قد لامس مؤخراً أعلى مستوياته منذ عام 2002، وسط مخاوف بشأن ارتفاع التضخم، وضخامة الدين الحكومي الأميركي، ومؤشرات على استمرار نمو الاقتصاد الأميركي، إلى جانب عوامل أخرى.

وتنذر العوائد المرتفعة بإبطاء النشاط الاقتصادي، إذ تزيد تكاليف الاقتراض على مختلف فئات المقترضين. وقد ارتفع بالفعل متوسط سعر الفائدة على القروض العقارية ذات الفائدة الثابتة لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوياته منذ نحو ثلاث سنوات.

كما ترتفع العوائد بوتيرة متسارعة في أسواق السندات حول العالم، ما يقلّص استعداد المستثمرين لدفع أسعار مرتفعة مقابل الأسهم وغيرها من الاستثمارات. ومع ذلك، اجتذبت العوائد المرتفعة المستثمرين إلى شراء سندات الخزانة في المزادات الأخيرة، وهو ما يُسهم في الحد من المزيد من ارتفاع العوائد.

وفي «وول ستريت»، سجلت أسهم الشركات المالكة لأبراج الاتصالات الخلوية بعضاً من أكبر المكاسب، إذ قفز سهم «كراون كاسل» بنسبة 12 في المائة، وسهم «أميركان تاور» بنسبة 7.4 في المائة.

وجاء هذا الارتفاع عقب إعلان شركة «سبايس إكس» صفقة استحواذ قد تمهّد الطريق أمامها للتحول إلى مشغل رئيسي لخدمات الهاتف المحمول في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن الصفقة لا تزال بحاجة إلى موافقة الجهات التنظيمية الأميركية، أوضحت «سبايس إكس» أن الاستحواذ على طيف ترددي منخفض النطاق سيسمح لخدمة «ستارلينك موبايل» التابعة لها ببث إشارة قادرة على اختراق الجدران والوصول إلى العملاء داخل المباني، ممن قد يتعذر عليهم الاتصال مباشرة بأقمارها الاصطناعية.

في المقابل، تراجع سهم شركة «تي-موبايل يو إس» بنسبة 8.9 في المائة، وسهم «إيه تي آند تي» بنسبة 7.5 في المائة، وسهم «فيريزون» بنسبة 5.5 في المائة، وسط مخاوف من دخول منافس قوي جديد إلى سوق الاتصالات اللاسلكية.

وانخفض سهم «دلتا إيرلاينز» بنسبة 3.3 في المائة، بعدما أعلنت الشركة أرباحاً وإيرادات لفصل الصيف جاءت دون توقعات المحللين. وقال الرئيس التنفيذي للشركة، إد باستيان، إن الطلب لا يزال قوياً، وإن العملاء يواصلون الإقبال على السفر، لكنه أشار إلى أن الشركة تواجه أيضاً زيادة قدرها 6 مليارات دولار في تكاليف الوقود خلال العام الحالي.

وتواجه الشركات ضغوطاً لتحقيق نمو قوي في الأرباح، بعدما دفعت مكاسب الأسهم المؤشرات إلى مستويات قياسية، رغم الضغوط التي تفرضها العوائد المرتفعة في سوق السندات. ومن المقرر أن تصدر أكبر البنوك الأميركية تقارير أرباح مهمة خلال الأسبوع المقبل.

وفي الأسواق الخارجية، ارتفعت المؤشرات الأوروبية، إذ سجلت أسهم فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة مكاسب بلغت 1 في المائة على الأقل.

أما الأسواق الآسيوية، فجاء أداؤها متبايناً؛ إذ أنهى مؤشر «نيكي 225» الياباني تعاملاته دون تغير يُذكر، في حين قفز مؤشر «هانغ سنغ» في «هونغ كونغ» بنسبة 1.8 في المائة.


السندات الحكومية الهندية تسجل خسائر أسبوعية للأسبوع الثامن توالياً

ورقة نقدية من الروبية الهندية في صورة توضيحية (رويترز)
ورقة نقدية من الروبية الهندية في صورة توضيحية (رويترز)
TT

السندات الحكومية الهندية تسجل خسائر أسبوعية للأسبوع الثامن توالياً

ورقة نقدية من الروبية الهندية في صورة توضيحية (رويترز)
ورقة نقدية من الروبية الهندية في صورة توضيحية (رويترز)

تراجعت السندات الحكومية الهندية للأسبوع الثامن على التوالي؛ إذ أدى ارتفاع أسعار النفط وتحول البنك المركزي نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً إلى إضعاف شهية المستثمرين، ما دفع العائد على السندات القياسية لأجل عشر سنوات إلى الارتفاع.

وأغلقت السندات القياسية، ذات معدل الفائدة البالغ 6.94 في المائة والمستحقة في عام 2036، يوم الجمعة عند عائد بلغ 7.2994 في المائة، ارتفاعاً من 7.2868 في المائة يوم الخميس. وارتفع العائد بمقدار 9 نقاط أساس خلال الأسبوع، ليضاف إلى زيادة تراكمية بلغت 45 نقطة أساس على مدى الأسابيع السبعة السابقة، منذ 17 أغسطس (آب)، وفق «رويترز».

وكان بنك الاحتياطي الهندي (البنك المركزي) قد رفع سعر إعادة الشراء (ريبو) بمقدار 25 نقطة أساس إلى 5.50 في المائة هذا الأسبوع، كما غيّر موقفه من السياسة النقدية من «الحياد» إلى «التشديد المدروس»، في إشارة إلى احتمال إجراء مزيد من الزيادات في أسعار الفائدة.

وقالت لافانيا فينكاتيسواران، المديرة التنفيذية وكبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيان والهند في بنك «أو سي بي سي»: «لطالما أشارت توقعاتنا إلى أن بنك الاحتياطي الهندي سيتجه نحو سياسة نقدية متشددة مع بدء تصاعد الضغوط التضخمية، ولذلك فإن هذا التحول يتماشى مع توقعاتنا. وتشمل توقعاتنا رفعاً إضافياً لأسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بحلول مارس (آذار) 2027، مع ترجيح المخاطر احتمال إجراء زيادات أكبر، لا أقل».

ويتوقع معظم الاقتصاديين الآن أن يبلغ سعر الفائدة النهائي (ريبو) في الهند 6 في المائة على الأقل، فيما يتوقع كل من بنك «ستاندرد تشارترد» و«غولدمان ساكس» أن يصل إلى 6.25 في المائة.

وارتفع خام برنت إلى أكثر من 105 دولارات للبرميل خلال الأسبوع، مع تصاعد الهجمات على السفن، قبل أن يتراجع قليلاً عقب تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن واشنطن تجري محادثات مثمرة مع إيران.

وتشكّل أسعار النفط المرتفعة مخاطر على الهند، باعتبارها دولة مستوردة للطاقة؛ إذ تهدد المالية العامة للحكومة، وقد تدفع معدل التضخم العام إلى الارتفاع، بما يتجاوز الأثر المباشر لزيادة تكاليف الوقود.

أسعار الفائدة

وظلت معدلات عقود مبادلة أسعار الفائدة لليلة واحدة (OIS) في الهند دون تغيير يُذكر خلال الأسبوع؛ إذ عادل تراجع عوائد السندات الأميركية أثر التحول في موقف السياسة النقدية.

وأنهى معدل العقود لأجل عام واحد التعاملات عند 6.24 في المائة، فيما أغلق معدل العامين عند 6.44 في المائة، واستقر معدل السنوات الخمس، الذي يشهد نشاطاً ملحوظاً في التداول، عند 6.7250 في المائة.


ضرائب الصين تضاعف أزمة العلامات الفاخرة عالمياً

مشاة أمام متجر «لوي فيتون» للسلع الفاخرة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
مشاة أمام متجر «لوي فيتون» للسلع الفاخرة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
TT

ضرائب الصين تضاعف أزمة العلامات الفاخرة عالمياً

مشاة أمام متجر «لوي فيتون» للسلع الفاخرة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
مشاة أمام متجر «لوي فيتون» للسلع الفاخرة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

تواجه صناعة السلع الفاخرة العالمية ضغوطاً متزايدة مع تشديد الصين إجراءاتها الضريبية على الأثرياء، بالتزامن مع ظهور مؤشرات على ضعف الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة، ما يهدد بتعميق أزمة قطاع تبلغ قيمته نحو 350 مليار دولار، ويعاني تباطؤاً مستمراً منذ 3 سنوات.

وتترقب الأسواق نتائج أعمال كبرى المجموعات الأوروبية خلال الأيام المقبلة، وسط مخاوف من أن تؤدي الضرائب الصينية الجديدة، وتداعيات الحرب على إيران، وتراجع ثقة المستهلك الأميركي، إلى تأخير التعافي الذي كانت الشركات والمستثمرون يأملون في تحقيقه خلال النصف الثاني من العام.

وتستهدف الإجراءات الصينية الجديدة الأثرياء الذين استخدموا صناديق ائتمانية خارج البلاد لحماية أصولهم، إذ ألزمتهم السلطات بالإفصاح عن التزاماتهم الضريبية، وتسديد ضرائب متراكمة عن سنوات سابقة بحلول 22 أكتوبر (تشرين الأول).

ويرى محللون أن الضريبة البالغة 20 في المائة قد تضغط على إنفاق شريحة الأثرياء جداً، التي ظلت أكثر قدرة على شراء المنتجات الفاخرة مقارنة بالطبقة المتوسطة المتضررة من أزمة العقارات الصينية.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة؛ لأن المستهلكين الصينيين يمثلون نحو خُمس المشتريات العالمية للسلع الفاخرة، بعدما كانوا لسنوات المحرك الرئيسي لنمو العلامات الأوروبية الكبرى.

ضغوط على كبار المشترين

قال أليكسيس بونهوم، رئيس شركة «ترينيتي آسيا» للاستشارات المتخصصة في السلع الفاخرة ومقرها شنغهاي، إن الإجراءات الضريبية بدأت تؤثر على قرارات الإنفاق لدى أصحاب الثروات الكبيرة.

وأوضح أن بعض الأثرياء قد يواجهون ضغوطاً مؤقتة على السيولة قبل الموعد النهائي لتسوية الضرائب، ما يدفعهم إلى تأجيل مشتريات مرتفعة القيمة. وأضاف أن هذا لا يعني توقفهم نهائياً عن شراء السلع الفاخرة، لكن المزاج الاستهلاكي الحالي لا يشجع على الإنفاق.

وتأتي هذه الضغوط بعد سنوات من تراجع الطلب الصيني منذ جائحة «كوفيد-19»، نتيجة تباطؤ الاقتصاد وتراجع الثقة المرتبط باستمرار أزمة القطاع العقاري.

وأظهرت بيانات مراكز التسوق في البر الرئيسي الصيني خلال الصيف تباطؤاً حادّاً في نمو المبيعات، وفق مذكرة لمحللي «برنشتاين».

ونقلت «رويترز» عن مصدرين مطلعين على أداء مراكز التسوق خلال الربع الثالث أن ظروف السوق ظلت ضعيفة إجمالاً، مع تباين كبير بين العلامات التجارية، فقد حققت العلامات التي تركز على الفخامة الهادئة، مثل «برونيلو كوتشينيلي» المتخصصة في الكشمير و«لورو بيانا» التابعة لمجموعة «إل في إم إتش»، أداءً أفضل من العلامات الأكثر بروزاً في إظهار شعاراتها، مثل «لويس فويتون» و«غوتشي».

ويعكس هذا التحول تغيراً في تفضيلات بعض المشترين الأثرياء الذين باتوا يميلون إلى المنتجات الأقل لفتاً للأنظار، بدلاً من المظاهر التقليدية للترف.

خسائر حادة للأسهم الأوروبية

انعكس ضعف الطلب على أداء أسهم الشركات الكبرى، إذ فقد سهما «إل في إم إتش» و«هيرميس»، المصنعة لحقائب «بيركين»، نحو 40 في المائة من قيمتهما منذ بداية العام، ليتداولا قرب أدنى مستوياتهما منذ سنوات.

كما تراجع سهم مجموعة «كيرينغ»، المالكة لعلامة «غوتشي»، بنسبة 29 في المائة، وسط تصاعد المخاوف بشأن قدرتها على استعادة النمو.

وتواجه «غوتشي» تحديات خاصة، بعدما حذرت «كيرينغ» المحللين من توقع انكماش إضافي في مبيعات العلامة، ما دفع عدداً من المؤسسات المالية إلى خفض الأسعار المستهدفة لسهم المجموعة. وتشير هذه التطورات إلى أن الضغوط لم تعد تقتصر على ضعف المبيعات في الصين، بل امتدت إلى تقييمات الشركات الأوروبية وتوقعات أرباحها المستقبلية.

السوق الأميركية تفقد زخمها

وتزداد صعوبة المشهد مع ظهور مؤشرات على تباطؤ الطلب في الولايات المتحدة، أكبر سوق للسلع الفاخرة في العالم، والتي شكَّلت حتى وقت قريب أحد أبرز مصادر الدعم للقطاع.

وكانت مكاسب الأسهم الأميركية، خصوصاً شركات التكنولوجيا، قد عززت ثروات المستهلكين ودعمت مشتريات المنتجات الفاخرة.

لكن بيانات الإنفاق باستخدام بطاقات الائتمان، التي يتتبعها «سيتي»، أظهرت تراجع مشتريات السلع الفاخرة للشهر الثالث على التوالي خلال أغسطس (آب). وتزامن ذلك مع استطلاعات تشير إلى تنامي القلق بشأن آفاق الاقتصاد الأميركي قبل انتخابات التجديد النصفي، ما يُهدد بإضعاف الإنفاق التقديري حتى بين المستهلكين الأعلى دخلاً.

وتزيد تداعيات الحرب على إيران من حالة عدم اليقين، في ظل تأثيرها على أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي، ما يجعل استعادة الطلب أكثر صعوبة بالنسبة إلى الشركات التي تعتمد على ثقة المستهلكين الأثرياء.

المجوهرات تستفيد من البحث عن القيمة

وسط هذه الضغوط، برزت المجوهرات الراقية بوصفها من المجالات القليلة التي حافظت على أداء أفضل نسبياً. واستفادت علامات مثل «كارتييه»، التابعة لمجموعة «ريتشمونت»، من تزايد اهتمام المستهلكين الأثرياء بالذهب والمعادن النفيسة، التي ينظر إليها بوصفها منتجات تحتفظ بقيمتها بصورة أفضل على المدى الطويل.

ويشير هذا الاتجاه إلى تحول في سلوك المشترين من الإنفاق على المنتجات المرتبطة بالموضة والشعارات التجارية إلى اقتناء قطع تجمع بين الاستخدام الشخصي والقيمة المادية المستمرة.

وفي بكين، قال دنغ تشي، البالغ 51 عاماً، ويعمل في تصدير مكونات البناء الخزفية، إنه يتوقع خفض إنفاقه على السلع الفاخرة بنسبة 20 في المائة مقارنة بالسنوات السابقة. وأوضح أن الإجراءات الضريبية لا تعني بالضرورة أن الأثرياء الخاضعين لها سيتوقفون عن شراء المنتجات الفاخرة، لأن المبالغ التي ينفقونها على هذه المشتريات ليست كبيرة قياساً إلى ثرواتهم.

لكنه عدّ أن المشكلة الأهم تتمثل في التأثير الأوسع لهذه الإجراءات على الثقة، إذ قد يخشى أصحاب الدخول والثروات الأقل نسبياً أن تمتد إليهم تدابير مماثلة مستقبلاً.

نتائج الشركات تختبر آفاق التعافي

سيحصل المستثمرون على أول مؤشر رئيسي بشأن أداء القطاع عندما تعلن «إل في إم إتش» نتائج أعمالها الاثنين المقبل. ويتوقع المحللون أن تسجل المجموعة مبيعات فصلية تبلغ 18.5 مليار يورو (20.7 مليار دولار)، بزيادة واحد في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

ومن المقرر أن تعلن «كيرينغ» و«هيرميس» نتائجهما في 22 أكتوبر، بالتزامن مع الموعد النهائي المحدد في الصين لتسوية الالتزامات الضريبية المستحقة على الأصول المحتفظ بها عبر الصناديق الخارجية.

وستركز الأسواق على أداء المبيعات في الصين والولايات المتحدة، إلى جانب مؤشرات تحسن الطلب لدى العملاء الأثرياء وقدرة الشركات على الحفاظ على هوامش أرباحها.

وتواجه صناعة الرفاهية بذلك اختباراً مزدوجاً؛ يتمثل الأول في استعادة ثقة المستهلك الصيني وسط تشديد الرقابة الضريبية وتباطؤ الاقتصاد، في حين يتعلق الثاني بقدرتها على تجاوز ضعف الإنفاق الأميركي.

ومع استمرار التباين بين العلامات التجارية، قد تتجه الشركات إلى إعادة تقييم استراتيجيات التسعير والتوسع والتسويق، والتركيز بصورة أكبر على المنتجات التي تجمع بين الجودة والقيمة طويلة الأجل. لكن النتائج الفصلية المقبلة ستحدد ما إذا كانت الضغوط الحالية تمثل مرحلة مؤقتة من التراجع، أم بداية فترة أطول من النمو الضعيف في صناعة اعتادت الاعتماد على الإنفاق القوي للأثرياء في أكبر اقتصادين في العالم.