أسواق السندات تختبر نهج وارش وسط تصاعد رهانات رفع الفائدة الأميركية

مع تراجع دور التوجيهات المسبقة من «الفيدرالي»

كيفين وارش خلال مؤتمر صحافي بواشنطن عقب اجتماع «لجنة السوق المفتوحة» الفيدرالية في يونيو 2026 (رويترز)
كيفين وارش خلال مؤتمر صحافي بواشنطن عقب اجتماع «لجنة السوق المفتوحة» الفيدرالية في يونيو 2026 (رويترز)
TT

أسواق السندات تختبر نهج وارش وسط تصاعد رهانات رفع الفائدة الأميركية

كيفين وارش خلال مؤتمر صحافي بواشنطن عقب اجتماع «لجنة السوق المفتوحة» الفيدرالية في يونيو 2026 (رويترز)
كيفين وارش خلال مؤتمر صحافي بواشنطن عقب اجتماع «لجنة السوق المفتوحة» الفيدرالية في يونيو 2026 (رويترز)

بدأت الأسواق تفرض إيقاعها الخاص على تطلعات رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، كيفين وارش، الذي كان يسعى إلى قيادة بنك مركزي أعلى مرونة يقلل من الاعتماد على التوجيهات المسبقة ويركز بدرجة أكبر على قراءة البيانات الاقتصادية المتغيرة. إلا إن تحركات المستثمرين وتوقعاتهم باتتا ترسلان إشارات قوية إلى صانعي السياسة النقدية، وبصوت يصعب تجاهله.

ودفعت موجة بيع حادة في سندات الخزانة الأميركية عوائد السندات طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية، مما أثار تساؤلات بشأن ما إذا كانت التقلبات الكبيرة في سوق السندات ستصبح «الوضع الطبيعي الجديد» في ظل تقليص «بنك الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي)» اعتماده على التوجيهات المستقبلية.

ويمثل ذلك تحولاً عن نهج سلف وارش؛ جيروم باول الذي اعتمد بدرجة كبيرة على توجيه توقعات الأسواق مسبقاً لتقليل احتمالات المفاجآت في قرارات السياسة النقدية.

وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين إلى 4.37 في المائة، وهو أعلى مستوى لها منذ فبراير (شباط) 2025، فيما بلغت عوائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات 4.71 في المائة، وهو أعلى مستوى لها منذ يناير (كانون الثاني) 2025. كما صعدت عوائد السندات لأجل 30 عاماً إلى 5.19 في المائة، مقتربة من أعلى مستوياتها منذ عام 2007، بينما بلغت العوائد الحقيقية للسندات لأجل 30 عاماً، التي تستبعد توقعات التضخم، 2.98 في المائة، وهو أعلى مستوى لها منذ عام 2008.

الجيوسياسة والتضخم يعيدان تحديد توقعات الفائدة

ويعود المحرك المباشر لهذه القفزة في العوائد إلى التطورات الجيوسياسية، مع ارتفاع أسعار النفط واستمرار الغموض بشأن مدة الصراع الإيراني؛ الأمر الذي عزز المخاوف من تجدد الضغوط التضخمية.

وقال غينادي غولدبيرغ، رئيس «استراتيجية أسعار الفائدة الأميركية» في شركة «تي دي سيكيوريتيز» للخدمات المالية، إن «موجة البيع تعكس إعادة تقييم سريعة لتوقعات السياسة النقدية، في ظل قوة البيانات الاقتصادية وغياب التوجيهات المسبقة من (الاحتياطي الفيدرالي)، إلى جانب محدودية وضوح الرؤية بشأن التطورات الجيوسياسية».

وأضاف غولدبيرغ أن النهج الذي يتبناه وارش، القائم على ترك الأسواق تعتمد بدرجة أكبر على البيانات بدلاً من إشارات «البنك المركزي»، يسهم في زيادة حالة عدم اليقين.

وقال: «يرجع ذلك جزئياً إلى غياب التوجيهات المسبقة من (الاحتياطي الفيدرالي)، وهو أمر مقصود، وجزئياً إلى متانة البيانات الاقتصادية، فضلاً عن محدودية وضوح الرؤية بشأن الصراع الجيوسياسي».

وتعكس العقود الآجلة لأسعار الفائدة الأميركية ارتفاعاً ملحوظاً في توقعات رفع الفائدة؛ إذ تضع الأسواق حالياً احتمالاً يتراوح بين 36 و38 في المائة لرفع أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل، مقارنة بما بين 12 و13 في المائة قبل أسبوع فقط.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي الأميركي» في واشنطن (رويترز)

العوائد الحقيقية تقود موجة الصعود

وقالت ليزلي فالكونيو، رئيسة «استراتيجية الدخل الثابت الخاضع للضريبة» في «إدارة الثروات العالمية» لدى بنك «يو بي إس» لإدارة الثروات، إن العوائد الحقيقية كانت المحرك الرئيسي لارتفاع عوائد السندات؛ «مما يعكس إعادة تقييم المستثمرين مسار السياسة النقدية والمستوى النهائي المتوقع لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية».

وأضافت: «معظم هذا الارتفاع يعكس زيادة العائد الحقيقي، الذي يعيد تحديد المستوى النهائي لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، إلى جانب استمرار قوة توقعات النمو».

وتتوقع الأسواق حالياً أن يبلغ سعر الفائدة القياسي ذروته عند نحو 4.23 في المائة بحلول يونيو (حزيران) المقبل، مقارنة بالنطاق الحالي بين 3.50 و3.75 في المائة.

وكانت توقعات رفع أسعار الفائدة قد تراجعت بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو الماضي، إلا إن تجدد التوترات أعاد تشكيل توقعات المستثمرين، في وقت يزيد فيه غموض رد فعل «الاحتياطي الفيدرالي» من صعوبة تحديد المسار المقبل للسياسة النقدية.

المستثمرون يتجهون إلى أدوات التحوط

وفي ظل هذه الضبابية، بدأ مستثمرو السندات دفع مبالغ إضافية للتحوط من احتمال حدوث ارتفاع حاد في أسعار الفائدة الأميركية. وشهد نشاط سوق خيارات أسعار الفائدة تحولاً واضحاً خلال الأشهر الأخيرة، مع ازدياد الإقبال على خيارات مقايضات أسعار الفائدة التي تحقق مكاسب في حال ارتفاع تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

ويلجأ بعض المستثمرين إلى التحوط ضد احتمال وصول سعر مقايضة أسعار الفائدة لأجل 10 سنوات إلى 6 في المائة، أي بزيادة تتجاوز 200 نقطة أساس مقارنة بمستواه الحالي البالغ 4.23 في المائة. ويتطلب تحقق هذا السيناريو رفع «الاحتياطي الفيدرالي» سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بصورة حادة.

وتُستخدم مقايضات أسعار الفائدة على نطاق واسع للتحوط من مخاطر تقلبات العوائد، بما في ذلك التعرض لسندات الخزانة الأميركية؛ إذ تسمح للمستثمرين بالاستبدال بمدفوعات ذات سعر فائدة ثابتٍ أخرى ذات سعر فائدة متغير، أو العكس.

وقال شون تشو، استراتيجي أسعار الفائدة الأميركية في «مورغان ستانلي»، إنه رصد منذ مايو (أيار) الماضي زيادة مطردة في مشتريات الخيارات المرتبطة بمقايضات أسعار الفائدة لأجل 10 سنوات عند أسعار تنفيذ تتجاوز 6 في المائة.

وأضاف أن النشاط تركز في خيارات تمتد لعامين و3 أعوام، مع ارتفاع أقساطها بصورة حادة، خصوصاً خلال يونيو الماضي. ورغم أن البعض قد يفسر هذه المراكز على أنها رهانات على تشديد نقدي قوي من «الفيدرالي»، فإن تشو يرى أنها أقرب إلى بوليصة تأمين ضد سيناريوهات نادرة تتمثل في ارتفاع حاد للعوائد.

وقال: «ليست هذه وسيلة فعالة للتعبير عن الرؤية التقليدية تجاه سياسة (الفيدرالي)»، موضحاً أن هذه الصفقات تُفهم بصورة أفضل على أنها أدوات تحوط ضد مخاطر غير محتملة، لكنها قد تكون مكلفة للغاية في حال تحققها.

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

سوق الخيارات تختبر استراتيجيات التقلب

وقالت غونيت دينغرا، رئيسة «استراتيجية أسعار الفائدة الأميركية» في بنك «بي إن بي باريبا» بنيويورك، إن السوق أصبحت أكبر اقتناعاً بإمكانية رفع أسعار الفائدة، وهو ما يظهر عبر زيادة الطلب على خيارات الدفع مقارنة بخيارات التسلم.

وتحقق خيارات مقايضة الدفع مكاسب عندما ترتفع أسعار الفائدة؛ إذ تمنح المستثمر الحق في دفع سعر فائدة ثابت وتسلم سعر متغير، بينما تعكس خيارات مقايضة التسلم توقعات بانخفاض أسعار الفائدة.

وقال أمروت ناشيكار، رئيس «استراتيجية المشتقات المالية» في بنك «باركليز»، إن احتمال حدوث تحرك كبير في أسعار الفائدة أصبح أعلى ترجيحاً؛ مما يشكل خطراً على استراتيجية «غاما القصيرة» التي اكتسبت شعبية مؤخراً.

وتعتمد استراتيجية «غاما القصيرة» على بيع التقلبات والمراهنة على استقرار الأسواق، لكنها تتكبد خسائر كبيرة عند حدوث تحركات حادة في أسعار الفائدة.

وأشار ناشيكار إلى ظهور طلب أيضاً على مراكز تستفيد من انخفاض أسعار الفائدة، بما يعكس استمرار حالة عدم اليقين بشأن المسار الذي سيسلكه «الاحتياطي الفيدرالي».

وقالت دينغرا إن التمركز في الخيارات قصيرة الأجل يبدو متوازناً نسبياً بين رهانات الصعود والهبوط، بما يتماشى ونهج «الفيدرالي» القائم على البيانات، «إلا إن الطلب طويل الأجل لا يزال يميل إلى الصفقات التي تستفيد من ارتفاع أسعار الفائدة».

وأضافت: «يشير ذلك إلى أن السوق لا تزال ترى أن الاتجاه طويل الأجل لأسعار الفائدة يميل إلى الارتفاع».

مخاوف الديون تضغط على السندات طويلة الأجل

ولا تقتصر الضغوط على توقعات السياسة النقدية وارتفاع أسعار النفط، بل تمتد أيضاً إلى المخاوف المالية المرتبطة بزيادة احتياجات الحكومة الأميركية إلى الاقتراض.

وكان وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، قد أعلن أن تكلفة الحرب ارتفعت إلى 37.5 مليار دولار، في حين تترقب الأسواق تحديث وزارة الخزانة الأميركية خطط الاقتراض الفصلية في 5 أغسطس (آب) المقبل؛ لمعرفة ما إذا كانت ستتجه إلى زيادة إصدارات الديون طويلة الأجل.

ومع ذلك، يحذر الاستراتيجيون من المبالغة في التركيز على المخاوف المالية وحدها.

وقالت فالكونيو: «يبقى النموُ الاقتصادي والتضخمُ المحركَين الرئيسيين لعوائد السندات طويلة الأجل».

وأضافت أن بنك «يو بي إس» لا يتوقع أن يرفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة فعلياً؛ لأن التضخم الناتج عن صدمة في جانب العرض، مثل ارتفاع أسعار النفط، من غير المرجح أن يغير مسار السياسة النقدية.

ويرى كل من فالكونيو وغولدبيرغ أن محدودية «علاوة الأجل»، وهي العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون للاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل بدلاً من القصيرة، تشير إلى أن مخاوف زيادة إصدار الديون لم تؤثر حتى الآن بشكل كبير في سوق السندات.

وتبلغ «علاوة الأجل» على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات نحو 70 نقطة أساس فقط، وهي أقل بكثير من المستويات التي سجلتها خلال الأزمة المالية العالمية.

وفي ظل استمرار التوتر بين قراءة البيانات الاقتصادية وتوقعات المستثمرين، يبقى الاقتصادُ الأميركي، ومسارُ السياسة النقدية لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، العاملَين الأكبر تأثيراً في الأسواق؛ مما يرجح استمرار التقلبات في سوق السندات وأسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.


مقالات ذات صلة

الدولار يتراجع مع هبوط النفط واستقرار عوائد السندات الأميركية

الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار (رويترز)

الدولار يتراجع مع هبوط النفط واستقرار عوائد السندات الأميركية

تراجع الدولار في التعاملات الآسيوية، الثلاثاء، مع انخفاض أسعار النفط واستقرار عوائد السندات الأميركية.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد رايت خلال مشاركته عبر الاتصال المرئي في مؤتمر البترول العالمي (الشرق الأوسط)

وزير الطاقة الأميركي: تدفقات النفط عبر «هرمز» تبلغ 80 إلى 90 % من مستويات ما قبل الصراع

قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز عادت إلى ما يتراوح بين 80 و90 في المائة من مستويات ما قبل الصراع.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد متداولون في بورصة نيويورك (أ.ب)

أرباح المصارف الأميركية تحت اختبار الفائدة والتضخم الأسبوع المقبل

تدخل كبرى المصارف الأميركية موسم إعلان نتائج الربع الثالث وسط اختبار جديد لزخم الأرباح الذي دعم أداءها في النصف الأول من العام.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد ليزا كوك خلال مشاركتها في مؤتمر «جاكسون هول» السنوي (رويترز)

ترمب يجدّد المواجهة مع «الفيدرالي» في قضية ليزا كوك

جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعيه لإقالة ليزا كوك، محافِظة مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، عبر فتح تحقيق جديد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجع «وول ستريت» مع ارتفاع النفط ومخاوف تجدد الحرب مع إيران

تراجعت أسهم «وول ستريت» في مستهل تعاملات الخميس، بعد ارتفاع حاد في أسعار النفط إثر تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة قد تشن هجمات جديدة على إيران.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

البنك الدولي: تمويل الذكاء الاصطناعي لن يحدّ من تدفقات الاستثمار إلى الدول النامية

رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا في بانكوك (إ.ب.أ)
رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا في بانكوك (إ.ب.أ)
TT

البنك الدولي: تمويل الذكاء الاصطناعي لن يحدّ من تدفقات الاستثمار إلى الدول النامية

رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا في بانكوك (إ.ب.أ)
رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا في بانكوك (إ.ب.أ)

استبعد رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا أن تؤدي طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى الحدّ من قدرة الاقتصادات النامية على جذب رؤوس الأموال الخاصة، مؤكداً أن فرص زيادة التدفقات الاستثمارية لا تزال كبيرة، رغم بلوغها مستويات قياسية.

وقال بانغا، في مقابلة مع «الشرق بلومبرغ» على هامش الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في بانكوك، إن الأموال المتاحة في القطاع الخاص تفوق بكثير حجم الاستثمارات المتجهة إلى الذكاء الاصطناعي، مستبعداً أن تشكّل مراكز البيانات منافساً يهدد تمويل الاقتصادات النامية.

وتمكنت مجموعة البنك الدولي من حشد 112 مليار دولار من رأس المال الخاص خلال السنة المالية 2026 المنتهية في يونيو (حزيران)، مقارنة بنحو 35 مليار دولار في عام 2022. وأكد بانغا أن المجموعة تسعى إلى زيادة هذه التدفقات، مشدداً على ضرورة تطوير البنية التحتية وتحسين بيئة الأعمال لجذب المستثمرين.

ودعا حكومات الاقتصادات الناشئة، ولا سيما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى الاستثمار في الكهرباء والمياه والنقل والبنية الرقمية والتعليم والرعاية الصحية، إلى جانب اعتماد قوانين وإجراءات واضحة تتيح للمستثمرين ممارسة أعمالهم في بيئة مستقرة وقابلة للتوقع.

وأشار إلى أن البنك أصدر ضمانات تجاوزت قيمتها 25 مليار دولار في السنة المالية 2026، متخطياً هدفه السنوي البالغ 20 مليار دولار بحلول عام 2030.

غير أن بانغا أقرّ باستمرار التفاوت في توزيع التمويل، إذ لم تتجاوز الأموال الخاصة المحشودة للبلدان المنخفضة الدخل نحو 3 مليارات دولار، مقابل 50 ملياراً للبلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا و37 ملياراً للشريحة الدنيا.

وشدد على أهمية توسيع استفادة الدول النامية من الذكاء الاصطناعي في الصحة والزراعة والتعليم، عبر تطبيقات عملية منخفضة التكلفة تراعي حاجاتها المحلية، بالتوازي مع دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز قدرتها على الوصول إلى التمويل والأسواق العالمية.


صندوق النقد يحذّر من مخاطر الذكاء الاصطناعي والحرب والديون على الاقتصاد العالمي

المديرة العامة لصندوق النقد الدولي ورئيس البنك الدولي أجاي باغنا يشاركان في إحدى الجلسات بالاجتماعات السنوية ببانكوك (إ.ب.أ)
المديرة العامة لصندوق النقد الدولي ورئيس البنك الدولي أجاي باغنا يشاركان في إحدى الجلسات بالاجتماعات السنوية ببانكوك (إ.ب.أ)
TT

صندوق النقد يحذّر من مخاطر الذكاء الاصطناعي والحرب والديون على الاقتصاد العالمي

المديرة العامة لصندوق النقد الدولي ورئيس البنك الدولي أجاي باغنا يشاركان في إحدى الجلسات بالاجتماعات السنوية ببانكوك (إ.ب.أ)
المديرة العامة لصندوق النقد الدولي ورئيس البنك الدولي أجاي باغنا يشاركان في إحدى الجلسات بالاجتماعات السنوية ببانكوك (إ.ب.أ)

حذّر صندوق النقد الدولي من أن الاقتصاد العالمي يواجه مخاطر متنامية تهدد النمو والاستقرار المالي، في ظل الحرب في الشرق الأوسط، وارتفاع الديون الحكومية، واحتمال انحسار طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، داعياً الحكومات إلى إعادة بناء هوامشها المالية؛ استعداداً لصدمات جديدة.

لافتة معروضة خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين بمركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (رويترز)

ورغم هذه المخاطر، رفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي في 2026 إلى 3.1 في المائة، مقارنة مع 3 في المائة في تقديرات يوليو (تموز) الماضي، مستفيداً من استمرار قوة الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، الذي ساعد على تعويض جانب من أثر ارتفاع أسعار النفط الناجم عن الحرب. وتوقع أن يبلغ النمو 3.4 في المائة في 2027، وفق تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر الثلاثاء في بانكوك، بالتزامن مع الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي.

وتستند التوقعات إلى افتراض إعادة فتح مضيق هرمز في مارس (آذار) 2027، وعودة حركة الشحن إلى مستويات ما قبل الحرب بحلول أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه. لكن استمرار الصراع، وبقاء النفط عند 130 دولاراً للبرميل حتى نهاية الربع الأول من 2027 قد يخفضان النمو العالمي بمقدار 0.2 نقطة مئوية في 2026، و0.5 نقطة في 2027، مع ارتفاع التضخم العالمي إلى 5.2 في المائة في العام المقبل.

كريستالينا غورغييفا تتحدث بإحدى الجلسات خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (رويترز)

الذكاء الاصطناعي

ويُشكّل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أحد أبرز محركات النشاط الاقتصادي، لكنه يثير مخاوف من تصحيح حاد إذا لم تتحقق العوائد الإنتاجية التي تراهن عليها الشركات والأسواق. وحذّرت المديرة العامة للصندوق كريستالينا غورغييفا من اعتماد جانب كبير من قوة الاقتصاد العالمي على هذا المحرك، في وقت تزداد فيه المخاطر السيبرانية المرتبطة بالتكنولوجيا.

ووفق تقديرات الصندوق، قد يؤدي تراجع حاد في الاستثمار بالذكاء الاصطناعي إلى انخفاض الناتج العالمي بنسبة 1.1 في المائة بحلول 2028، والناتج الأميركي بنسبة 1.8 في المائة. وفي المقابل يمكن أن يؤدي تسارع تبني التكنولوجيا إلى تعزيز الناتج العالمي بنسبة إضافية تبلغ 0.6 في المائة بحلول 2029.

وتبرز التجارة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي حجم هذا التحول؛ إذ نمت تجارة السلع المرتبطة به بنسبة 29 في المائة بين 2023 و2025، مقابل 8.3 في المائة للتجارة العالمية إجمالاً. ويقدّر الصندوق أن نمو التجارة العالمية كان سيقتصر على 4.6 في المائة لولا هذا النشاط.

وقالت المديرة العامة للصندوق كريستالينا غورغييفا، خلال فعالية للجنة بريتون وودز، إن الاقتصاد العالمي بات يعتمد على «ساق واحدة، هي الذكاء الاصطناعي»، محذرة من أن تعثر هذا المحرك أو خيبة الآمال بشأن عوائده قد يفضيان إلى بيئة اقتصادية أكثر صعوبة.

وفي تقرير منفصل عن الاستقرار المالي العالمي، دعا الصندوق صانعي السياسات إلى تجنب التراخي في التعامل مع احتمال تراجع الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وانخفاض تقييمات الأسهم. وأوضح أن الشكوك بشأن قدرة الشركات على تحقيق عوائد تجارية من هذه التقنية قد تقلص قيمة استثمارات الأسهم، وتجعل خدمة الديون أكثر صعوبة، وتضعف الإيرادات المستقبلية المتوقعة.

تفاوت النمو واتساع فجوة الأداء

وعلى المستوى الجغرافي، تتفاوت آفاق الاقتصادات الكبرى. ويتوقع الصندوق نمو الاقتصاد الأميركي بنسبة 2.3 في المائة في كل من 2026 و2027، في حين يُرجح تباطؤ النمو الصيني من 4.5 في المائة إلى 4 في المائة. أما الهند، فيتوقع أن تسجل نمواً بنسبة 7 في المائة، وفق تقديرات الصندوق للفترة المعنية.

وفي مؤشر على تركز النشاط العالمي، انخفض عدد الاقتصادات التي تسهم مجتمعة بنحو 95 في المائة من النمو العالمي إلى 32 اقتصاداً، مقارنة بـ54 اقتصاداً في أبريل (نيسان). ويعكس ذلك تفاوت قدرة الدول على الاستفادة من الاستثمار التقني ومواجهة صدمات الطاقة والتمويل.

لافتة معروضة خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين بمركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (رويترز)

الديون

ويحذّر الصندوق من أن ارتفاع الاقتراض الحكومي يضيّق هامش التحرك أمام السلطات المالية، في وقت تزداد فيه احتياجات الإنفاق المرتبطة بالدفاع والطاقة والتحولات الاقتصادية. ومن المتوقع أن يبلغ صافي الاقتراض في الاقتصادات المتقدمة 5.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، وهو أعلى مستوى منذ 2021.

وفي الولايات المتحدة، يُتوقع أن يصل العجز المالي إلى 8.5 في المائة من الناتج في 2026، مقارنة بـ7.1 في المائة في 2025. وعلى المستوى العالمي، يتجه الدين العام إلى الاقتراب من 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية العقد.

ودعا الصندوق الحكومات إلى وضع خطط موثوقة لضبط المالية العامة وإعادة بناء الاحتياطيات التي تتيح لها مواجهة الأزمات، محذراً من أن ارتفاع تكاليف الاقتراض قد يزيد الضغوط على الدول المثقلة بالديون. وتشير تقديرات وزيرة المالية النيجيرية تايوو أوييديل إلى أن الدول النامية تدفع نحو 500 مليار دولار إضافية لخدمة ديونها مقارنة بالدول المتقدمة.

ويرى الصندوق أن اجتماع مخاطر الحرب والديون والتكنولوجيا، إلى جانب الهجمات السيبرانية والظواهر المناخية المتطرفة، يجعل آفاق الاقتصاد العالمي أكثر عُرضة للصدمات، حتى مع استمرار نمو النشاط الاقتصادي.


أرباح «سيتي غروب» تقفز 40 % في الربع الثالث

شعار بنك «سيتي» في رسم توضيحي (رويترز)
شعار بنك «سيتي» في رسم توضيحي (رويترز)
TT

أرباح «سيتي غروب» تقفز 40 % في الربع الثالث

شعار بنك «سيتي» في رسم توضيحي (رويترز)
شعار بنك «سيتي» في رسم توضيحي (رويترز)

ارتفعت أرباح «سيتي غروب» بنسبة 40 في المائة في الربع الثالث مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مدعومة بزيادة إيرادات الخدمات المصرفية الاستثمارية والمعاملات مع الشركات متعددة الجنسيات، إلى جانب نمو أرباح إدارة الثروات.

في المقابل، ارتفعت إيرادات التداول بنسبة 6 في المائة على أساس سنوي، بدعم رئيسي من تداول الأسهم، ولكنها تراجعت مقارنة بالربع السابق، مع انخفاض إيرادات تداول الأسهم، وفق «رويترز».

وتعمل البنوك الأميركية الكبرى في ظل تقلبات الأسواق؛ إذ أدى الصراع في إيران إلى ارتفاع أسعار النفط، ما عزز المخاوف من التضخم ودفع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي إلى رفع أسعار الفائدة، بالتزامن مع موجة بيع حادة في أسواق السندات العالمية.

وتراجعت أسهم «سيتي غروب» بنحو 1.4 في المائة في تداولات ما قبل افتتاح السوق، عقب إعلان النتائج.

وأعلن البنك -وهو ثالث أكبر بنك في الولايات المتحدة من حيث الأصول- الثلاثاء، ارتفاع صافي أرباحه إلى 5.25 مليار دولار، أو 2.85 دولار للسهم، خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في 30 سبتمبر (أيلول)، مقارنة مع 3.8 مليار دولار، أو 1.86 دولار للسهم، في الفترة المقابلة من العام الماضي. ومع ذلك، انخفض صافي الدخل بنسبة 10 في المائة مقارنة بالربع الثاني.

وزادت إيرادات الخدمات المصرفية الاستثمارية بنسبة 9 في المائة على أساس سنوي إلى 1.35 مليار دولار، ولكنها تراجعت بنسبة 13 في المائة مقارنة بالربع السابق، مع تباطؤ نشاط إصدار الأسهم والسندات.

وسجل البنك عائداً على حقوق الملكية العادية الملموسة بلغ 11.5 في المائة في الربع الثالث، و12.6 في المائة منذ بداية العام، متجاوزاً مستهدفه البالغ 11 في المائة.

وقالت الرئيسة التنفيذية جين فريزر في بيان: «نتوقع تجاوز مستهدف العائد لهذا العام، حتى مع تقديم موعد بعض الاستثمارات، لدعم هدفنا القريب الأجل الذي يتراوح بين 11 و13 في المائة، بوصفه محطة جديدة على طريق تحقيق عوائد مستدامة تتراوح بين 14 و15 في المائة».

وكان «جيه بي مورغان تشيس» قد أعلن أيضاً ارتفاع أرباحه في الربع الثالث الثلاثاء، بينما زادت أرباح «ويلز فارغو» بدعم من نمو القروض وارتفاع دخل الفوائد.

وارتفعت أسهم «سيتي غروب» بنسبة 13 في المائة منذ بداية العام، متفوقة على أداء المؤشر الأوسع لأسهم البنوك.

وقال البنك إنه أعاد 4.1 مليار دولار إلى المساهمين خلال الربع الثالث، من خلال عمليات إعادة شراء الأسهم وتوزيعات الأرباح، لترتفع قيمة عمليات إعادة الشراء منذ بداية العام إلى 13.3 مليار دولار.

وتتعرض أسهم البنوك لضغوط خلال الأسابيع الأخيرة، مع الارتفاع الحاد في عوائد السندات، ما أثار مخاوف من أن تؤدي زيادة تكاليف الاقتراض والتمويل إلى الحد من نمو القروض ونشاط إبرام الصفقات.

تباطؤ الإيرادات والتداول مقارنة بالربع الثاني

وتجاوزت إيرادات الخدمات المصرفية الاستثمارية العالمية 90 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، وجاء «سيتي غروب» في المرتبة الخامسة عالمياً من حيث الرسوم خلال الفترة، وفقاً لبيانات «ديلوجيك».

وارتفعت إيرادات الأنشطة المصرفية لدى «سيتي غروب»، التي تشمل الإقراض للشركات، بنسبة 6 في المائة إلى 1.74 مليار دولار؛ غير أن إصدارات الأسهم والسندات شهدت تباطؤاً في أواخر الربع.

وارتفعت عوائد سندات الحكومة الأميركية إلى مستويات هي الأعلى منذ عقود في سبتمبر، ما أثر على أسواق رأس المال. وأرجأت شركات -من بينها «أورا رينغ» و«هولتيك نوكلير» و«إس بي إنرجي»- خططها لطرح أسهمها للاكتتاب العام.

وانخفضت إيرادات اكتتاب الأسهم لدى «سيتي غروب» بنسبة 19 في المائة مقارنة بالربع الثاني، رغم بقائها أعلى بنسبة 77 في المائة من مستواها قبل عام.

وفي ظل تقلبات الأسواق خلال الربع الثالث، ارتفعت إيرادات التداول بنسبة 6 في المائة على أساس سنوي إلى 6.11 مليار دولار. وزادت إيرادات تداول الأسهم بنسبة 14 في المائة، بينما ارتفعت إيرادات تداول أدوات الدخل الثابت بنسبة 4 في المائة.

لكن إجمالي إيرادات التداول تراجع بنسبة 13 في المائة مقارنة بالربع الثاني.

وسجل قطاع الخدمات أعلى نمو بين قطاعات أعمال «سيتي غروب» الخمسة خلال الربع الثالث؛ إذ ارتفعت إيراداته بنسبة 15 في المائة وأرباحه بنسبة 27 في المائة. كما زادت إيرادات إدارة الثروات بنسبة 15 في المائة، وارتفعت أصول العملاء بالنسبة نفسها.

تراجع أرباح بطاقات الائتمان

وانخفضت أرباح «سيتي غروب» من بطاقات الائتمان بنسبة 8 في المائة في الربع الثالث مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وفي المقابل، زاد إنفاق العملاء بنسبة 13 في المائة، وارتفعت أحجام القروض بنسبة 9 في المائة، في ظل استمرار نمو الاقتصاد الأميركي بوتيرة متماسكة، مدعوماً بمرونة إنفاق المستهلكين واستثمارات الشركات.

لكن أرباح البطاقات تراجعت نتيجة ارتفاع تكاليف المكافآت والمدفوعات للشركاء، إلى جانب زيادة المخصصات الائتمانية.

وبلغت مخصصات خسائر الائتمان في قطاع بطاقات المستهلكين داخل الولايات المتحدة 1.9 مليار دولار خلال الربع، بزيادة 4 في المائة على أساس سنوي، في وقت يواجه فيه المقترضون تباطؤ نمو الأجور والتضخم وارتفاع أسعار الفائدة.

ويقترب البنك الذي يتخذ من نيويورك مقراً له من استكمال عملية إعادة هيكلة متعددة السنوات، شملت بيع أنشطة دولية وتبسيط هيكله التنظيمي، والعمل على معالجة أوجه القصور في الامتثال والضوابط والبيانات.

ويسعى «سيتي غروب» إلى تسريع تنفيذ الإجراءات المطلوبة لتلبية المطالب الرقابية التي ظلت تثقل كاهله سنوات، بما يتيح له التركيز مجدداً على النمو.

وتتمثل آخر عمليات التخارج التي يتعين استكمالها في وحدته المكسيكية «باناميكس». ويمتلك «سيتي غروب» حالياً 51 في المائة من «باناميكس»، ويتوقع إخراجها من ميزانيته وإدراجها في البورصة العام المقبل.