العقد السوري - الأميركي للغاز: خطوة لكسر «عنق الزجاجة» المالي

توقعات بدخول القطاع مرحلة واعدة تشكل محركاً أساسياً للتعافي الاقتصادي

حقل «جحار» أحد أهم حقول الغاز في سوريا ويقع بمنطقة البادية غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص (أرشيفية - وزارة الطاقة السورية)
حقل «جحار» أحد أهم حقول الغاز في سوريا ويقع بمنطقة البادية غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص (أرشيفية - وزارة الطاقة السورية)
TT

العقد السوري - الأميركي للغاز: خطوة لكسر «عنق الزجاجة» المالي

حقل «جحار» أحد أهم حقول الغاز في سوريا ويقع بمنطقة البادية غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص (أرشيفية - وزارة الطاقة السورية)
حقل «جحار» أحد أهم حقول الغاز في سوريا ويقع بمنطقة البادية غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص (أرشيفية - وزارة الطاقة السورية)

في اختراق استراتيجي هو الأبرز في مسار العلاقات الاقتصادية والسياسية بين دمشق وواشنطن منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، وقَّعت «الشركة السورية للبترول» عقداً تنفيذياً ضخماً مع شركتَي «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا إنرجي» الأميركيتين لتطوير حقول الغاز وزيادة إنتاجها؛ في خطوة تُعدُّ أول صفقة طاقة أميركية كبرى تشهدها البلاد منذ سنوات، ومؤشراً عملياً على بدء مرحلة «التنفيذ المتكامل» المدعومة بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفع العقوبات في يوليو (تموز) 2025.

وجاء هذا العقد استكمالاً لتحركات أميركية مسبقة بدأت مطلع عام 2026 عبر مذكرات تفاهم لشركات أخرى مثل «شيفرون» في الاستكشاف البحري و«إتش كي إن إنرجي» في حقول الرميلان البرية، إلا أن اتفاقية «كونوكو فيليبس» تميزت بكونها العقد التنفيذي الملزم الأكبر لتطوير قطاع الغاز المنزلي، والمدعوم بتحالفات وتمويلات خليجية وأوروبية لإنهاء أزمة الطاقة الحادة في البلاد.

ويرى خبراء طاقة أن أثر هذا العقد المستند إلى تفاهمات نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي لن يقتصر على الجانب النفطي الفني، بل يُمثل «شهادة ثقة» دولية ستُسهم في كسر «عنق الزجاجة» المالي لموازنة الحكومة السورية الجديدة التي تواجه عجزاً يقارب 1.8 مليار دولار لعام 2026.

وتتزامن هذه العودة الأميركية مع دخول لاعبين إقليميين ودوليين كبار إلى خط الاستثمار في الطاقة السورية، عبر عقود موازية وشراكات مع شركات سعودية (مثل «أديس») وقطرية وفرنسية؛ ما يضع قطاع الغاز السوري على أعتاب مرحلة واعدة تشكل المحرك الأساسي لعملية التعافي وإعادة الإعمار.

ويجسّد العقد على أرض الواقع التفاهمات التي تم التوقيع عليها سابقاً. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وقّعت «السورية للبترول» مذكرة تفاهم مع «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا إنرجي»، تلتها مباحثات فنية وقانونية وتجارية؛ ليتم تتويج مسار العمل المشترك بين الجانبين به.

بعد توقيع العقد بين «الشركة السورية للبترول» وشركتَي «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا إنرجي» (وزارة الطاقة السورية)

أهمية العقد

الأكاديمي والخبير السوري في شؤون الطاقة، الدكتور زياد عربش، رأى أن أهمية ما تم إنجازه تأتي من كونه تطويراً فعلياً للعلاقة من مذكرة تفاهم إلى عقد تنفيذي، ويُرسل إشارة قوية إلى الأسواق العالمية بأن سوريا أصبحت بيئة جاذبة للاستثمارات النفطية والغازية، كما يرفع «مستوى النشاط النفطي» في سوريا بشكل ملموس من خلال، زيادة عدد فِرق العمل والمهندسين والفنيين العاملين في الحقول، وتوفير حفارات ومعدات حديثة وفق أحدث المعايير الفنية، وتطوير البنية التحتية واللوجستية اللازمة لعمل هذه الشركات.

وأوضح عربش في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه كلما زاد عدد الشركات العاملة في سوريا، حفَّز ذلك دخول المزيد من الشركات، مما يؤدي إلى خفض التكاليف التشغيلية عبر وفورات الحجم وتبادل الخبرات، ويخلق بيئة تنافسية تعود بالفائدة على الاقتصاد الوطني.

شهادة ثقة

ومن شأن هذا العقد إحداث تأثير مضاعف؛ فوجود وجود شركة بحجم «كونوكو فيليبس» في السوق السورية يُشكّل، برأي عربش، «شهادة ثقة للشركات الأخرى، ويُقلل من المخاطر الملحوظة للاستثمار في سورية، كما يُظهر التزام الحكومة السورية بتوفير بيئة استثمارية جاذبة وقادرة على استقطاب كبرى الشركات العالمية».

وظهرت مؤخراً مؤشرات على هذا التوجه، تمثلت بتوقيع «السورية للبترول» عقداً مع شركة «أديس» السعودية لتطوير حقول الغاز في أبريل (نيسان) الماضي، بعد توقيع مذكرة تفاهم مع «شيفرون» الأميركية وشركة قطرية في فبراير (شباط)، كما تشير تقارير إلى تحالفات بين شركات أميركية وسعودية للاستثمار في شمال شرق سوريا.

حفارة «أورال ماش 2» التي أعيدت إلى العمل في حقول المنطقة الوسطى بسوريا (وزارة الطاقة السورية)

تجاوز «عنق الزجاجة» المالي

وورثت الحكومة السورية الجديدة اقتصاداً مدمراً من النظام السابق وتعاني عجزاً في الموازنة يقارب 1.8 مليار دولار. فحسب بيانات قدمها وزير المالية يسر برنية خلال مؤتمر صحافي في أبريل الماضي وأعلن خلال عن موازنة عام 2026، تُقدّر إيرادات عام 2026 بنحو 959 مليار ليرة سورية (نحو 8.7 مليار دولار)، مقابل نفقات تصل إلى 1056.7 مليار ليرة (نحو 10.5 مليار دولار).

ورأى عربش العقد أنه «خطوة محورية في تجاوز (عنق الزجاجة) المالي الذي تعاني منه موازنة الدولة، وذلك عبر مسارين متلازمين الأول: تخفيف فاتورة الاستيراد؛ إذ تعتمد سوريا حالياً على واردات وإمدادات إقليمية لتحسين التغذية الكهربائية، ففي ذروة ما قبل الحرب، كان إنتاج الغاز يبلغ نحو 28 مليون متر مكعب يومياً، لكنه هبط إلى نحو ثلث هذا المستوى».

وتستهدف الحكومة رفع الإنتاج إلى نحو 15 مليون متر مكعب يومياً في العام القادم، ومن المتوقع، أن يسهم العقد في زيادة الإنتاج بما يتراوح بين 4 -5 مليون متر مكعب يومياً خلال عام واحد من بدء العمل؛ ما يعني، حسب عربش، تراجعاً كبيراً في فاتورة استيراد النفط ومشتقاته، وتأميناً أفضل لحاجة السوق المحلية من الغاز للكهرباء والقطاعات الحيوية.

أما المسار الآخر، فيتمثل بـ«التصدير والإيرادات»؛ فمع تحقيق فائض إنتاج، يمكن التوجه نحو التصدير؛ ما يدر عملة صعبة تسهِم في إراحة موازنة الدولة مالياً وتعزيز قدرتها على تمويل مشاريع إعادة الإعمار والتنمية.

وتشير التقديرات المتداولة إلى أن المرحلة الأولى من المشروع يمكن أن تحقق زيادة في الإنتاج خلال عام واحد من بدء العمل، لكن عربش، قال في هذا الصدد: «لنكن واقعيين وإضافة عام آخر قبل بلوغ الزيادة الخمسة ملايين متر مكعب يومياً».

اختراق مهم في علاقات البلدين

ويأتي توقيع العقد في وقت تشهد فيه العلاقات بين السلطات السورية الجديدة وإدارة ترمب تحسناً متلاحقاً، وذلك بعد سقوط نظام حكم بشار الأسد أواخر عام 2024.

ورأى عربش أن هذا العقد يمثل اختراقاً مهماً في علاقات البلدين، بحكم أنه أول عقد تنفيذي مع شركة نفط وغاز أميركية كبرى منذ سقوط الأسد، ويعكس تحولاً في السياسة الأميركية تجاه سوريا، كما أنه يُتيح قناة للتعاون الاقتصادي المباشر بين البلدين؛ ما قد ينعكس إيجاباً على ملفات سياسية أخرى.

جاء توقيع العقد في وقت تواصل دمشق مساعيها لجذب الاستثمار الأميركي، حيث بحث وزير الطاقة السوري محمد البشير مع مسؤولين أميركيين الأسبوع الماضي فرص الاستثمار في قطاع النفط والغاز.

ووفق عربش، فإن توقيع العقد قد يمهّد الطريق لتطبيع أوسع في العلاقات بين البلدين، خصوصاً مع دخول شركات أميركية أخرى، مثل Baker Hughes وHunt Energy وArgent LNG، التي تُعدّ خطة شاملة لتطوير قطاع الطاقة في سوريا.

وزير الطاقة السوري محمد البشير يلقي كلمة خلال فعاليات المنتدى العالمي للطاقة في واشنطن (وزارة الطاقة السورية)

الواقع الحالي لحقول الغاز والإنتاج

يواجه قطاع الغاز رحلة شاقة للتعافي من عجز إمدادات عميق خلّفه النزاع المستمر لـ14 عاماً؛ إذ يقدّر تقرير للأمم المتحدة الخسائر المباشرة وغير المباشرة لقطاع النفط والغاز من جراء الحرب التي استمرت 14 عاماً، بأكثر من 115 مليار دولار بين عامي 2011 و2023. بينما تُشير بيانات الإنتاج الحالية المنشورة على صفحة السفارة الأميركية في دمشق، إلى أن إجمالي المعروض المحلي من الغاز يتراوح بين 7 و10 ملايين متر مكعب يومياً فقط، وهو هبوط حاد مقارنة بذروة ما قبل الحرب التي كانت تصل إلى 30 مليون متر مكعب يومياً. وفي المقابل، يقفز الطلب المحلي الإجمالي إلى مستويات تتراوح بين 23 و30 مليون متر مكعب يومياً، مدفوعاً بشكل رئيسي بالعجز الحاد في قطاع توليد الكهرباء. هذا التباين يخلّف فجوةً ونقصاً يومياً مستمراً يصل إلى 15 مليون متر مكعب؛ ما يضع قيوداً شديدة على قدرات محطات التوليد.

ومن هنا، تضع دمشق عينيها على هدف استراتيجي لعام 2030، يسعى للاستفادة من هذه الشراكات الدولية الجديدة لمضاعفة إنتاج الغاز بالكامل قبل نهاية العقد الحالي.

البنية التحتية

ورغم تعرض القطاع لأضرار كبيرة خلال سنوات الحرب، وما لحق بالحقول والمنشآت وخطوط النقل، إضافة إلى العقوبات التي أعاقت عمليات الصيانة لسنوات، فإن تطوير الاحتياطيات المؤكدة من الغاز المقدرة بنحو 285 مليار متر مكعب، يسمح، وفق عربش، بأن يستعيد الإنتاج الحالي وخلال 4 سنوات ذروة ما قبل الحرب (28 مليون متر مكعب يومياً)، في حين تحتاج سوريا إلى نحو 23 مليون متر مكعب يومياً لتأمين الكهرباء بصورة مستمرة.

وتعتمد سوريا حالياً على واردات وإمدادات إقليمية لتحسين التغذية الكهربائية، منها مشروع إمدادها بالغاز الأذربيجاني عبر تركيا بتمويل قطري، الذي يوفر نحو 3.4 مليون متر مكعب يومياً أو مباشرة من دولة قطر عبر الأردن.

وتركّز سوريا حالياً على إعادة تأهيل البنية التحتية للحقول القائمة، من خلال عقود مع شركات مثل «أديس» السعودية لتطوير حقول الغاز، وتستهدف مضاعفة الإنتاج عبر شراكات استراتيجية مع شركات دولية، كما يجسّده العقد مع «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا إنرجي».

بالتالي يمثل توقيع هذا العقد، حسب عربش، «نقلة نوعية في قطاع الطاقة السوري، ويأتي في توقيت بالغ الأهمية، حيث تسعى سورية إلى تجاوز «عنق الزجاجة» المالي، ورفع «مستوى النشاط النفطي»، و«استعادة الثقة الدولية وجذب استثمارات إضافية» من الشركات العربية والغربية، و«فتح صفحة جديدة في العلاقات السورية - الأميركية عبر التعاون الاقتصادي المباشر».

وختم عربش حديثه قائلاً: «مع توقع بدء جني ثمار هذا العقد خلال عام، وما يرافقه من مشاريع موازية مع شركات سعودية وقطرية وفرنسية، فإن قطاع الغاز السوري يدخل مرحلة واعدة قد تشكل محركاً أساسياً للتعافي الاقتصادي وتجاوز الأزمة المالية الخانقة، شرط الشفافية في الطرح والتنفيذ».

أين تقع الحقول؟

انعكست هذه الاتفاقيات فوراً على الأرض بعدما تسلّمت «الشركة السورية للبترول» مؤخراً حقول النفط والغاز التي كانت تحت سيطرة «الإدارة الذاتية» الكردية في شمال شرق البلاد، لتبسط الحكومة سيطرتها على خريطة الثروات التي تتركز في ثلاث مناطق رئيسية:

المنطقة الشرقية (دير الزور والحسكة): وتضم حقل «كونيكو» (شمال شرقي دير الزور) الذي أنشأته «كونوكو فيليبس» عام 2001 بطاقة 4.7 مليار متر مكعب سنوياً وكان ينتج 13 مليون متر مكعب يومياً قبل أن يتوقف نتيجة الاستهدافات، ومعه حقل «الجبسة» في الحسكة، وشكَّلا معاً 53 في المائة من إنتاج سوريا قبل 2011.

المنطقة الوسطى وبادية حمص: وتضم حقل «الشاعر» (أكبر حقول البلاد بطاقة إنتاجية بلغت 35 مليون متر مكعب سنوياً عام 2010)، وحقل «الجحار» غرب تدمر، إلى جانب حقول «المهر» و«الجزل».

وخلص عربش إلى أن قطاع الغاز السوري، وبناءً على هذه المعطيات المتكاملة، يدخل مرحلة واعدة قادرة على قيادة التعافي الاقتصادي وتفكيك الأزمة المالية الخانقة، شريطة الالتزام بأعلى معايير «الشفافية في الطرح والتنفيذ».


مقالات ذات صلة

عدّته «صدمة»... أوروبا تستعد للرد على «اتفاق الديزل» بين أميركا وروسيا

الاقتصاد روسيا من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم (رويترز)

عدّته «صدمة»... أوروبا تستعد للرد على «اتفاق الديزل» بين أميركا وروسيا

حاول «الاتحاد الأوروبي» تذكير الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بانتقاداته اللاذعة لأوروبا حينما كانت تستورد الغاز والنفط من روسيا في بداية حرب أوكرانيا...

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
خاص العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

خاص من أمن الإمدادات إلى الذكاء الاصطناعي... قضايا تجمع قادة الطاقة العالميين في الرياض

تتجه أنظار قطاع الطاقة العالمي إلى الرياض اعتباراً من يوم الأحد، مع انطلاق أسبوع من الاجتماعات الوزارية، والفعاليات الدولية.

هلا صغبيني (الرياض)
شمال افريقيا اجتماع لجنة «4+4» في تونس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

«خطاب التحريض» يختبر صمود اتفاق «4+4» في ليبيا

رغم توقيع اتفاق «4+4» برعاية أممية، تتواصل السجالات الإعلامية وتبادل الاتهامات بين معسكري شرق ليبيا وغربها، وسط تساؤلات عن فرص صمود الاتفاق.

جاكلين زاهر (القاهرة)
الاقتصاد «قطر للطاقة» (قنا)

«قطر للطاقة» تفوز بـ7 رخص استكشاف بحرية قبالة سواحل البرازيل

عزّزت «قطر للطاقة» محفظة أصولها في البرازيل، بفوزها بحصص مشاركة في 7 مناطق بحرية للتنقيب والإنتاج ضمن تحالف مع «بتروبراس».

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
الاقتصاد خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)

مصر توقع مع «شيفرون» اتفاقية للتنقيب عن الغاز والنفط باستثمارات 88 مليون دولار

وقّعت الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» وشركة «شيفرون» العالمية اتفاقية جديدة للبحث عن الغاز الطبيعي والزيت الخام واستغلالهما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

منتدى الطاقة الدولي يؤكد أولوية أمن الإمدادات ويرحب بعودة الولايات المتحدة

صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)
صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)
TT

منتدى الطاقة الدولي يؤكد أولوية أمن الإمدادات ويرحب بعودة الولايات المتحدة

صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)
صورة جماعية للمشاركين في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي (إكس)

أكد المتحدثون في الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، أهمية ضمان موثوقية إمدادات الطاقة، وتعزيز الاستثمارات في مختلف منظوماتها، ورفع مرونة البنية التحتية وسلاسل الإمداد، بما يدعم استقرار الأسواق ويعزز القدرة على مواجهة المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية. وشددوا على ضرورة تنويع مصادر الطاقة وتطوير قدرات الإنتاج والتكرير والنقل والتخزين، إلى جانب توظيف التقنيات الحديثة وتعزيز التعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة.

وفي مؤشر على أهمية المنتدى بوصفه منصة للحوار الدولي في قطاع الطاقة، رحّب الأمين العام للمنتدى، إلى جانب الوزراء والوفود المشاركة، بإعلان الولايات المتحدة عودتها إلى عضويته، تأكيداً لدوره منصة محايدة للحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، ودعمه للبحوث والتقارير المستندة إلى البيانات، وفقاً لبيان وزارة الطاقة السعودية.

جاء ذلك خلال الاجتماع الذي استضافته الرياض تحت شعار «أمن الطاقة والأهداف المشتركة في عصر جديد»، ضمن فعاليات «أسبوع الطاقة في الرياض».

وافتتح وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية، الأمير عبد العزيز بن سلمان، أعمال الاجتماع، مؤكداً أن المملكة أثبتت قدرتها على ضمان موثوقية إمدادات الطاقة، ومواصلة الاستثمار والاستعداد لمواجهة مختلف الظروف والتحديات. وأشار إلى أن الرياض باتت عاصمة لأمن الطاقة عالمياً، وأن المملكة ماضية في الوفاء بالتزاماتها وتعزيز موثوقية الإمدادات في مختلف الظروف.

وأوضح أن خط أنابيب شرق-غرب يجسد نهج المملكة في تعزيز مرونة منظومة الطاقة؛ إذ يوفر مساراً بديلاً لنقل الإمدادات إلى الأسواق العالمية عبر ينبع على البحر الأحمر.

وشدد الأمير عبد العزيز على أن أمن الطاقة مسؤولية مشتركة تتطلب تعاوناً وتنسيقاً دوليين فاعلين، مؤكداً أنه يمثل ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصادات واستدامة نموها وقدرتها التنافسية. واستشهد بالتقلبات الحادة التي شهدتها أسواق الطاقة في عام 2008، بوصفها دليلاً على أهمية الحوار والاستثمار والاستعداد المسبق لمواجهة تغيرات الأسواق وضمان تلبية الطلب.

وفي هذا السياق، أشار إلى أهمية منتدى الطاقة الدولي بوصفه منصة تجمع الدول المنتجة والمستهلكة ودول العبور، بما يتيح مناقشة التحديات وفهم وجهات النظر المختلفة وتحديد مجالات التعاون العملي الداعمة لأمن الطاقة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان في اجتماع منتدى الطاقة الدولي (إكس)

ولفت إلى أن تطوير البنية التحتية للطاقة يستغرق سنوات، وأن تعزيز مرونتها يتطلب الاستثمار والاستعداد قبل الحاجة إليها، محذراً من أن تكلفة عدم الاستعداد قد تكون أكبر بكثير على الاقتصاد العالمي من تكلفة الاستثمار المسبق. وأكد أن أمن الطاقة يستدعي الاستثمار في مختلف مكونات المنظومة، بما يشمل قدرات التكرير والنقل وخطوط الأنابيب والبنية التحتية، موضحاً أن نهج المملكة يشمل البترول والغاز والطاقة المتجددة والطاقة النووية والطاقة الحرارية الأرضية.

مشاركة دولية ومناقشات حول أمن الطاقة

ترأس الأمير عبد العزيز بن سلمان الاجتماع بمشاركة جيلبرتو بيكيتو فراتين، وزير البيئة وأمن الطاقة الإيطالي، والسيناتور هاينيكن لوكبوبيري، وزير الدولة للموارد البترولية في نيجيريا، فيما حضر الجلسة الافتتاحية المهندس جاسم الشيراوي، الأمين العام لمنتدى الطاقة الدولي.

وشهد الاجتماع مشاركة وزراء طاقة من مختلف أنحاء العالم، وقادة في القطاع، ورؤساء منظمات دولية، لبحث أمن الطاقة واستقرار الأسواق والاستثمار، وتعزيز الحوار والتعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة في ظل المتغيرات التي تشهدها الأسواق العالمية.

وعبّر الوزراء وممثلو قطاع الطاقة المشاركون عن تضامنهم مع المملكة العربية السعودية وشعبها، عقب الهجمات التي استهدفت البنية التحتية المدنية، مؤكدين أن انعقاد الاجتماع في الرياض يجسد مرونة المملكة ويعكس روح الوحدة والالتزام المشترك.

كما رحب الأمين العام للمنتدى والوزراء والوفود المشاركة بإعلان الولايات المتحدة عودتها إلى المنتدى، تأكيداً لأهمية دوره منصة محايدة للحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، ودعمه للبحوث والتقارير المستندة إلى البيانات.

وتضمن برنامج الاجتماع جلسات حوارية تناولت قضايا أمن الطاقة وأساسيات الأسواق ومرونة سلاسل الإمداد والتغيرات في العرض والطلب. وأدار الجلسة الأولى الدكتور دانيال يرغن، نائب رئيس مجلس إدارة «إس آند بي غلوبال»، فيما أدارت الجلسة الثانية الدكتورة أمريتا سين، مؤسسة شركة «إنرجي أسبكتس» ومديرة بحوث أسواق الطاقة فيها، وركزت على الاستثمار والتجارة في حلول الطاقة المستدامة، وسبل تعزيز إتاحة الطاقة النظيفة والموثوقة بتكلفة ميسورة.

وتناولت الجلسة الختامية دور الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة وأهمية شفافية البيانات في دعم استقرار أسواق الطاقة. ووفقاً لبيان وزارة الطاقة، أكدت الجلسة أهمية المسؤولية المشتركة عن أمن الطاقة، واستدامة الاستثمار في مختلف منظومات الطاقة، ودعم مسارات طاقة مستدامة وميسورة التكلفة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان في اجتماع منتدى الطاقة الدولي (إكس)

أولويات الاستثمار ومرونة سلاسل الإمداد

أكدت المناقشات أهمية تنويع سلاسل الإمداد وتعزيز مرونة البنية التحتية، إلى جانب الاستثمار في الإنتاج والتكرير والغاز الطبيعي المسال وشبكات الكهرباء والتخزين، والتوسع في التقنيات الجديدة وسلاسل إمداد المعادن الحرجة. كما تناولت دور التجارة والتقنيات في دعم مسارات الطاقة المختلفة، وفقاً للأولويات والظروف الوطنية لكل دولة.

وفي إطار تعزيز الشفافية وتطوير البيانات المتعلقة بأسواق الطاقة، شهد «أسبوع الطاقة في الرياض» انعقاد الاجتماع السابع لرؤساء المنظمات المشاركة في مبادرة بيانات المنظمات المشتركة (JODI)، التي يتولى منتدى الطاقة الدولي تنسيق أعمالها.

وناقش الاجتماع خريطة طريق المبادرة للفترة من 2026 إلى 2030، الهادفة إلى تعزيز قدرات الدول على تقديم البيانات، وتوفير معلومات أكثر شمولاً وحداثة عن البترول والغاز، بما في ذلك بيانات المخزونات والمنتجات المكررة. كما رحب الوزراء المشاركون باستمرار التعاون ضمن برنامج العمل الثلاثي المشترك بين وكالة الطاقة الدولية ومنتدى الطاقة الدولي ومنظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك).

ويُعدّ منتدى الطاقة الدولي، الذي تتخذ أمانته العامة من الرياض مقراً لها، أكبر تجمع عالمي لوزراء الطاقة، ومنصة رئيسية للحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، بما يسهم في تعزيز أمن الطاقة العالمي عبر حوار مفتوح وشامل يغطي مختلف مصادر الطاقة وتقنياتها ومنظوماتها.


يرغن لـ«الشرق الأوسط»: استقرار أسواق الطاقة أولوية سعودية

دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال»
دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال»
TT

يرغن لـ«الشرق الأوسط»: استقرار أسواق الطاقة أولوية سعودية

دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال»
دانيال يرغن نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال»

أكد نائب رئيس مجلس الإدارة في «إس آند بي غلوبال» (S&P Global)، الدكتور دانيال يرغن، أن استقرار أسواق الطاقة يمثل مبدأً أساسياً في نهج السعودية، مشيراً إلى أن الرياض تتبنى رؤية طويلة الأجل للسوق، وتسعى إلى الحد من التقلبات الحادة في الأسعار، سواء صعوداً أو هبوطاً.

وقال يرغن، خبير الطاقة الحائز جائزة بوليتزر، في حديث لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي المنعقد في العاصمة السعودية، إن التحول في قطاع الطاقة لا يعني الاستغناء عن مصادر الطاقة التقليدية، بقدر ما يعني إضافة إمدادات جديدة إلى مزيج الطاقة العالمي، بما يتيح تلبية الطلب المتنامي. وأوضح أن الجزء الأكبر من نمو الطلب المتوقع سيأتي من الدول النامية، وقد يصل حجمه إلى ما يعادل إضافة نظام طاقة بحجم الصين إلى الطلب العالمي، الأمر الذي يستدعي استثمارات كبيرة وحلولاً متنوعة، في ظل عدم قدرة مصدر واحد للطاقة على تلبية احتياجات العالم بمفرده.

وفيما يتعلق بتطورات أسواق النفط على المدى القريب، أوضح يرغن الذي يرأس مؤتمر «سيراويك» أحد أبرز المؤتمرات الدولية المعنية بصناعة الطاقة، أن الضغوط الراهنة تتركز بصورة أكبر في سوق الديزل، نتيجة محدودية قدرات التكرير، وليس بسبب نقص فوري في إمدادات النفط الخام. وأضاف أن التوترات الجيوسياسية، بما فيها الحرب الروسية الأوكرانية والاضطرابات في منطقة الخليج، أسهمت في زيادة حساسية أسواق الديزل للتطورات السياسية، في ظل أهمية هذا الوقود للاقتصادات والصناعات وقطاع النقل.

وعن أبرز الملفات المطروحة على الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي، أشار يرغن إلى أن أمن الطاقة محور رئيسي للنقاش، بمفهوم يتجاوز ضمان تدفق الإمدادات ليشمل حماية البنية التحتية للطاقة، وضمان استمرارية تشغيلها، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، والاستفادة من التكنولوجيا في مواجهة التحديات المتزايدة.

وأضاف أن الاستثمار والتقنية والقدرة على تلبية الطلب العالمي هي من أبرز القضايا المطروحة، إلى جانب ضرورة تبني نقاش أكثر واقعية بشأن تحول الطاقة، يأخذ في الحسبان المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية والتكنولوجية التي يشهدها العالم، بدلاً من الاكتفاء بأهداف وُضعت قبل 11 عاماً في ظل ظروف مختلفة.

وتعكس هذه القضايا، حسب محاور حديثه، التحدي الذي تواجهه أسواق الطاقة العالمية في المرحلة المقبلة: الموازنة بين أمن الإمدادات واستقرار الأسواق من جهة، ومواكبة التحول في منظومة الطاقة وتلبية الطلب المتزايد من جهة أخرى، بما يتطلب استثمارات مستدامة وتعاوناً دولياً وحلولاً تراعي اختلاف احتياجات الدول وظروفها الاقتصادية.


عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة... والسعودية ماضية في الوفاء بالتزاماتها

TT

عبد العزيز بن سلمان: الرياض عاصمة أمن الطاقة... والسعودية ماضية في الوفاء بالتزاماتها

الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال كلمته الافتتاحية في المنتدى (الشرق الأوسط)
الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال كلمته الافتتاحية في المنتدى (الشرق الأوسط)

تتصدر تحديات أمن الطاقة واستقرار الإمدادات أجندة مجتمع الطاقة العالمي في الرياض، مع انطلاق أسبوع الطاقة الذي يجمع وزراء ومسؤولين وقادة صناعة وخبراء من مختلف الدول، ويتضمن الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، إلى جانب اجتماعات الطاقة النظيفة ومبادرة «مهمة الابتكار»، ومؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين للطاقة، الذي تنطلق أعماله الاثنين، في وقت تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية والضغوط على أسواق النفط، وتتسع احتياجات الاقتصادات والصناعات ومراكز البيانات.

وأكد وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، خلال افتتاح الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، أن الرياض تمثل «عاصمة أمن الطاقة»، مشدداً على أن المملكة ماضية في تنفيذ خططها والوفاء بالتزاماتها تجاه العالم، وأن ضمان أمن الإمدادات يتطلب تعاون الدول المنتجة والمستهلكة وتنسيق جهودها.

وتتوزع مناقشات الأسبوع، الممتد من 11 إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول)، بين تعزيز موثوقية الإمدادات، وتطوير البنية التحتية ومسارات التصدير البديلة، ودعم الاستثمارات، وتسريع تقنيات الطاقة النظيفة والابتكار، إلى جانب بحث تأثير الذكاء الاصطناعي والطلب المتزايد على الكهرباء في مستقبل منظومة الطاقة. وتكتسب هذه الملفات أهمية إضافية في ظل اضطرابات الممرات البحرية، وما تفرضه من تحديات على تدفقات الطاقة والأسعار، رغم تأكيد مسؤولين في القطاع أن المنظومة العالمية باتت أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات.

وقال الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال الافتتاح، إنه يأمل أن يسهم الاجتماع في توجيه الاهتمام نحو القضايا الأكثر أهمية التي ينبغي أن تحظى بأولوية لدى المعنيين بقطاع الطاقة، مشيراً إلى أن التطورات الراهنة تجعل الحوار بشأن أمن الطاقة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وأوضح أن الاجتماعات الحضورية تتيح للمشاركين فرصة تبادل التقييمات بصورة مباشرة، ومناقشة المخاوف والتحديات، وبناء التفاهم اللازم لتعزيز التعاون العملي بين الدول، بما يدعم أمن الطاقة واستقرار الإمدادات في الأسواق العالمية.

وحسب الوزير السعودي، فإن بلاده ستواصل تنفيذ خططها وتلبية احتياجاتها والوفاء بالتزاماتها الدولية، بصرف النظر عن الظروف والتحديات، مشيراً إلى ما تتمتع به من قدرة على الصمود ومواصلة التقدم وتحقيق أهدافها. وتابع أن الالتزام بأمن الطاقة يمثل إحدى السمات التي تميز المملكة، معرباً عن أمله في أن تسهم المناسبة في تعريف مزيد من المشاركين بحجم هذا الالتزام وأهميته.

واستطرد: «أنا فخور بأن أقول إن هذه الدولة، وإن مدينة الرياض، هي عاصمة أمن الطاقة»، عازياً هذه المكانة إلى جهود الرجال والنساء العاملين في قطاع الطاقة، وما يقدمونه من عمل متواصل لضمان استمرارية الإمدادات والوفاء بالتزامات المملكة تجاه العالم.

خلال افتتاح منتدى الطاقة الدولي (الشرق الأوسط)

خط شرق-غرب

وأشار وزير الطاقة إلى حجم الجهود التي بذلتها المملكة خلال الأشهر الثمانية الماضية، مؤكداً استمرارها في طمأنة شركائها الدوليين إلى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وعدم الإخفاق في ذلك.

ولفت إلى أن المملكة أثبتت قدرتها على الحفاظ على موثوقية إمدادات الطاقة في الظروف الصعبة، مستندة إلى الاستثمار المسبق والاستعداد والتحرك الفاعل عند الحاجة. وضرب مثالاً على ذلك بخط أنابيب شرق–غرب، الذي يربط مراكز إنتاج النفط في المنطقة الشرقية بمنشآت التصدير في ينبع على ساحل البحر الأحمر، بما يتيح مساراً بديلاً لنقل النفط إلى الأسواق الدولية ويعزز مرونة منظومة الإمدادات.

كما أشار إلى العمل على تطوير مسارات متعددة لخطوط الأنابيب، معرباً عن أمله في أن تتضح قريباً ملامح التزامات المملكة في هذا المجال، بما يدعم استمرارية جهودها ويعزز دورها في أسواق الطاقة العالمية.

وفي معرض حديثه عن التحديات التي تواجه أسواق الطاقة، أرجع الأمير عبد العزيز بن سلمان الاختناقات الحالية إلى تخلي بعض الدول عن أنظمة التكرير وشبكات نقل الطاقة، محذراً من أن إهمال هذه المكونات ينعكس على قدرة المنظومة العالمية على تلبية الطلب وضمان تدفق الإمدادات.

واستحضر الوزير تجربة الأزمة المالية العالمية في عام 2008، حين تراجعت أسعار النفط من نحو 140 دولاراً إلى 35 دولاراً للبرميل، في إشارة إلى حجم التقلبات التي يمكن أن تشهدها الأسواق وتأثير الأزمات في توازن العرض والطلب.

وفي ما يتعلق بالتحول في قطاع الطاقة، شدد الأمير عبد العزيز على أهمية عدم حصر السياسات في تحقيق الحياد الصفري، محذراً من أن التركيز عليه وحده قد يقود إلى سيناريو لا تتوافر فيه إمدادات كافية من الطاقة. وأكد، في المقابل، ضرورة الاستفادة من مختلف المصادر، بما يشمل النفط والغاز والطاقة المتجددة والطاقة النووية، بما يضمن تلبية الاحتياجات وتعزيز موثوقية الإمدادات.

وأشار إلى أن المملكة تواصل الاستثمار في قطاع التكرير وتوسيع شراكاتها الدولية، بما يشمل الصين والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، إلى جانب العمل على تطوير خطوط أنابيب إضافية لتوفير مسارات بديلة لنقل الطاقة وضمان استمرار وصول الإمدادات إلى الأسواق العالمية.

نقاشات الضيوف في المنتدى الدولي للطاقة حول القضايا والتحديات الرئيسية للمنظومة في الرياض (وزارة الطاقة)

احتياجات النفط الخام

بدوره، أفاد وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني، ريوسي أكازاوا، أن السعودية شريك موثوق لا غنى عنه لضمان أمن الطاقة العالمي، مشدداً على أهمية التعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة، في ظل اعتماد آسيا على الشرق الأوسط في توفير نحو 60 في المائة من احتياجاتها من النفط الخام، والاضطرابات التي تشهدها المنطقة.

وقدم أكازاوا، في كلمة عبر الفيديو أمام الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي، تعازيه لضحايا الهجمات الأخيرة على الرياض، معرباً عن مواساته للمتضررين وتضامن اليابان مع السعودية.

وطبقاً لأكازاوا، فإن السعودية شريك موثوق لا غنى عنه في ضمان أمن الطاقة العالمي، مشيراً إلى أهمية دورها في استقرار إمدادات النفط إلى الأسواق العالمية، ولا سيما الأسواق الآسيوية التي تعتمد بدرجة كبيرة على موارد الطاقة من الشرق الأوسط.

وتحدث عن أهمية استمرار التعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة لتعزيز أمن الإمدادات ومواجهة الاضطرابات في أسواق الطاقة، مشيراً إلى أن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط أثرت بصورة كبيرة على أسواق الطاقة العالمية، ولا سيما في آسيا، التي تعتمد دولها بدرجة كبيرة على إمدادات النفط من المنطقة.

ولفت إلى أن التوترات المرتبطة بالممرات البحرية تعيد التأكيد على أهمية أمن الطاقة، موضحاً أن اليابان بادرت إلى السحب من مخزوناتها النفطية، وأسهمت في الجهود المنسقة لوكالة الطاقة الدولية التي شملت سحب أكثر من 400 مليون برميل من المخزونات النفطية.

وشدد على أن ضمان استقرار إمدادات الطاقة لا يمكن أن تحققه دولة واحدة بمفردها، بل يتطلب الثقة والتعاون بين الدول المنتجة والمستهلكة، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن الإمدادات العالمية.

الوزير الياباني يتحدث إلى الحضور في المنتدى (الشرق الأوسط)

سلاسل الإمداد

وأوضح أكازاوا أن اليابان تعمل على تعزيز مرونة سلاسل إمدادات الطاقة في آسيا، من خلال دعم تطوير أنظمة تخزين النفط وتعزيز التعاون مع الدول المنتجة، إلى جانب تنسيق الاستجابة لحالات الطوارئ.

ولفت إلى أن طوكيو تسعى إلى تعزيز الروابط بين الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط والدول الآسيوية، في ظل التحديات المرتبطة بالملاحة عبر مضيق هرمز، مبيناً أن بلاده تعمل مع دول الشرق الأوسط على تعزيز التعاون الاقتصادي والتعاون في مجال الطاقة، بما يسهم في رفع قدرة الإمدادات على مواجهة الاضطرابات.

ولفت إلى أن الدول المنتجة والمستهلكة مطالبة بمواصلة العمل المشترك لمواجهة التحديات وبناء حلول مشتركة، لافتاً إلى أن التعاون الدولي يشكل أساساً لاستقرار أسواق الطاقة وقدرتها على مواجهة الأزمات.

من جهة أخرى، أوضح رئيس مجلس البترول العالمي، بيدرو ميراس، لـ«الشرق الأوسط» على هامش الاجتماع، أن أمن الإمدادات عاد إلى صدارة أولويات قطاع الطاقة العالمي مع تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية، مؤكداً أن المنظومة العالمية أصبحت أكثر قدرة على الصمود أمام صدمات الإمدادات مقارنة بما كانت عليه قبل بضع سنوات، رغم انعكاس الاضطرابات على الأسعار.

ولفت إلى أن التطورات التي شهدها العالم خلال السنوات القليلة الماضية أعادت أمن الإمدادات إلى صدارة الأولويات، مشدداً على أهمية مواصلة تنمية القطاع مع الحفاظ على التوازن بين الركائز الثلاث، التي وصفها بأنها متساوية في الأهمية.

صمود المنظومة

وفي حديثه عن اضطرابات الإمدادات، ذكر ميراس أن القطاع واجه تحديات في مناطق مختلفة من العالم، وليس في المنطقة وحدها، لافتاً إلى أن قطاع الطاقة يمتلك خبرة في التعامل مع مثل هذه الظروف.

وقال إن الاضطرابات الحالية ربما كانت ستترك أثراً أكبر على الأسواق في الماضي، لكن المنظومة العالمية أصبحت اليوم أكثر قدرة على الصمود مقارنة بما كانت عليه قبل بضع سنوات، رغم ارتفاع الأسعار.

وأكمل أن التعامل مع هذه التحديات يظل ممكناً، مستشهداً بتجارب سابقة كانت آثارها أشد وطأة، وداعياً إلى الحفاظ على الثقة بقدرة القطاع على تجاوز الاضطرابات.

رئيس مجلس البترول العالمي بيدرو ميراس (تركي العقيلي)

التوسع الصناعي

ومن جهته، أكد الأمين العام لمنتدى الطاقة الدولي، جاسم الشيراوي، لـ«الشرق الأوسط»، أن أمن الإمدادات يمثل أولوية في ظل تنامي الطلب العالمي على الطاقة، مدفوعاً بالنمو السكاني والتوسع الصناعي والاحتياجات المتزايدة لمراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مشدداً على أن التحدي لا يقتصر على إنتاج الطاقة؛ بل يشمل أيضاً ضمان إيصالها إلى المستهلكين بصورة موثوقة.

ورأى الشيراوي أن هذه الاجتماعات تتيح تعزيز الحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة، وبحث سبل ضمان أمن الإمدادات في ظل المتغيرات التي يشهدها قطاع الطاقة.

وبيّن إن المنتدى يضم نحو 70 دولة تمثل معظم الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، إلى جانب مجلس استشاري للصناعة يتيح إشراك الشركات في الحوار بين الحكومات، بما يساعد على تقريب وجهات النظر بين أطراف القطاع، وبحث التحديات المرتبطة بتوفير الطاقة.

وأضاف أن نمو السكان واحتياجات الصناعة، إلى جانب الطلب الجديد الذي يفرضه التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، تزيد من أهمية ضمان توفُّر الإمدادات، وقدرة البنية التحتية على نقلها إلى المستهلكين.

جاسم الشيراوي يتحدث إلى صحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)

وحسب الشيراوي، فإن أمن الطاقة لا يرتبط بقدرة الدول على الإنتاج فحسب؛ بل يتطلب أيضاً ضمان وصول الإمدادات إلى وجهاتها لتلبية احتياجات الاقتصادات والصناعات.

وبالتوازي مع الاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة الدولي، تستضيف الرياض الاجتماع الوزاري السابع عشر للطاقة النظيفة، والاجتماع الوزاري الحادي عشر لمبادرة «مهمة الابتكار»، بمشاركة وزراء ومسؤولين وقيادات من القطاع الخاص ومؤسسات البحث والابتكار.

وتبحث الاجتماعات سبل تسريع تطوير تقنيات الطاقة النظيفة وتوسيع نطاق استخدامها، وتحويل الابتكارات إلى حلول عملية تدعم تحول أنظمة الطاقة، إلى جانب تعزيز التعاون بين الحكومات والشركات ومراكز البحث، وتطوير تقنيات تسهم في رفع الكفاءة وخفض الانبعاثات.

وتعكس هذه المناقشات اتساع أجندة الطاقة العالمية، التي لم تعد تقتصر على زيادة الإنتاج وضمان الإمدادات، بل تشمل أيضاً تطوير الشبكات والبنية التحتية، والاستثمار في التقنيات الجديدة، ومواكبة الطلب المتنامي على الكهرباء، وتحقيق التوازن بين أمن الطاقة والقدرة على تحمل تكاليفها والاستدامة البيئية.

تتواصل فعاليات الأسبوع مع الافتتاح الرسمي لمؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين للطاقة، الاثنين، تحت شعار «مسارات نحو مستقبل طاقة للجميع»، على أن تستمر أعماله ومعرضه المصاحب حتى 15 أكتوبر (تشرين الأول).

ويجمع المؤتمر وزراء طاقة وقادة شركات وخبراء ومستثمرين، لمناقشة مجموعة من الملفات الاستراتيجية، تشمل أسواق النفط والغاز، وأمن الطاقة والاستثمار، والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، والمعادن الحيوية، وإدارة الكربون، والغاز الطبيعي، ومستقبل مزيج الطاقة العالمي.

ويتضمن البرنامج أيضاً ورش عمل وندوات فنية تنظمها منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول «أوابك» على مدى أيام المؤتمر، بما يضيف بُعداً تطبيقياً إلى المناقشات المتعلقة بالسياسات والاستثمارات والتطورات التقنية في قطاع الطاقة.

وتتكامل هذه الفعاليات في إتاحة منصة للحوار بين الحكومات والدول المنتجة والمستهلكة والشركات والمؤسسات الدولية، في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة تحديات متشابكة تتصل بالمخاطر الجيوسياسية، وموثوقية الإمدادات، واحتياجات الاستثمار، والتسارع التقني، بما يجعل تعزيز التعاون الدولي عاملاً أساسياً في الاستعداد لمتطلبات المرحلة المقبلة.