اليابان تُخاطر بالعودة إلى الركود الاقتصادي ما لم ترفع الفائدة مبكراً

تباطؤ نمو الإنفاق الرأسمالي مع تداعيات الحرب الإيرانية

متداولون يتابعون حركة الأسهم والمؤشرات الاقتصادية في بورصة طوكيو بالعاصمة اليابانية (أ.ف.ب)
متداولون يتابعون حركة الأسهم والمؤشرات الاقتصادية في بورصة طوكيو بالعاصمة اليابانية (أ.ف.ب)
TT

اليابان تُخاطر بالعودة إلى الركود الاقتصادي ما لم ترفع الفائدة مبكراً

متداولون يتابعون حركة الأسهم والمؤشرات الاقتصادية في بورصة طوكيو بالعاصمة اليابانية (أ.ف.ب)
متداولون يتابعون حركة الأسهم والمؤشرات الاقتصادية في بورصة طوكيو بالعاصمة اليابانية (أ.ف.ب)

قال ماكوتو ساكوراي، العضو السابق في مجلس إدارة بنك اليابان، يوم الاثنين، إن اليابان على وشك تكرار الخطأ السياسي الذي أدى إلى عقود من الركود الاقتصادي؛ حيث يُهدد التضخم الناجم عن الحرب الإيرانية البنك المركزي برفع أسعار الفائدة بشكل حاد إذا لم يتحرك في الوقت المناسب.

وقد دفعت الصدمة الطاقية الناجمة عن الصراع صانعي السياسات إلى النظر في التجارب السابقة بحثاً عن حل مُحتمل، بما في ذلك محافظ بنك اليابان كازو أويدا، الذي أشار إلى صدمتي النفط في عامي 1973 و1979 - 1980 كمثالين على ذلك.

وبحسب ساكوراي، فإن ما لم يذكره أويدا هو فقاعة الأصول المتضخمة في اليابان، والتي نتجت جزئياً عن طباعة بنك اليابان المركزي كميات هائلة من النقود منذ عام 1986 لمواجهة قوة الين. فقد أبقى البنك سياسته النقدية متساهلة حتى مع ارتفاع أسعار الأصول، قبل أن يعكس مساره في عام 1989.

وأدت سلسلة من رفع أسعار الفائدة بشكل حاد إلى انهيار الفقاعة، وحُمّلت مسؤولية ثلاثة عقود من الركود الاقتصادي.

ويُخاطر بنك اليابان المركزي بتكرار الخطأ نفسه إذا أبقى أسعار الفائدة منخفضة لفترة طويلة، مما يزيد من احتمالية اضطراره لرفعها بشكل حاد مع تصاعد التضخم، حسبما صرّح ساكوراي، الذي لا يزال على اتصال وثيق بصناع السياسات الحاليين. وقال ساكوراي لوكالة «رويترز» يوم الاثنين: «بالنظر إلى تزايد ضغوط الأسعار الناجمة عن الحرب الإيرانية، فإن الركود التضخمي أمر لا مفر منه». وأضاف: «هناك خطر حقيقي من تخلف بنك اليابان المركزي عن الركب. إن التخلي عن رفع سعر الفائدة في يونيو (حزيران) أمر لا يُتصور».

وأنهى بنك اليابان برنامج تحفيز اقتصادي ضخم استمر لعقد من الزمن في عام 2024، ورفع أسعار الفائدة عدة مرات، بما في ذلك في ديسمبر (كانون الأول). إلا أن سعر الفائدة قصير الأجل لا يزال منخفضاً عند 0.75 في المائة، على الرغم من تجاوز التضخم هدفه البالغ 2 في المائة لأربع سنوات.

• وضع معقد

وبعد سلسلة من الإشارات المتشددة من بنك اليابان، تتوقع الأسواق احتمالاً بنسبة 80 في المائة تقريباً لرفع سعر الفائدة إلى 1 في المائة في يونيو. وأدت الحرب الإيرانية إلى تعقيد قرار بنك اليابان بشأن توقيت وتيرة رفع أسعار الفائدة؛ حيث تُؤجج تكاليف الطاقة المرتفعة التضخم، بينما تُضيّق الخناق في الوقت نفسه على اقتصاد يعتمد بشكل كبير على واردات النفط. ولا يُظهر الناتج المحلي الإجمالي مؤشرات تُذكر على انتعاش اقتصادي قوي. فبينما نما الاقتصاد بنسبة 2.1 في المائة سنوياً في الربع الأول، يتوقع المحللون تباطؤ النمو مع تأثير ارتفاع تكاليف الوقود واضطرابات الإمداد سلباً على أرباح الشركات. لكن الضغوط التضخمية تتزايد مع ضعف الين ونقص العمالة، مما يدفع الشركات إلى رفع الأسعار.

وعلى الرغم من أن الدعم الحكومي أبقى التضخم الأساسي للمستهلكين دون هدف بنك اليابان البالغ 2 في المائة في الأشهر الأخيرة، فمن المرجح أن يتسارع إلى نحو 3.5 في المائة بدءاً من الخريف مع تحميل الشركات تكاليف الحرب المتزايدة على المستهلكين، وفقاً لما ذكره ساكوراي.

كما أشار ساكوراي إلى بوادر فقاعة في أسواق الأسهم والعقارات اليابانية، والتي حذر منها البنك المركزي كمخاطر في تقريره نصف السنوي عن النظام المالي في أبريل (نيسان). وتجاوز مؤشر «نيكي» الياباني 67 ألف نقطة لأول مرة يوم الاثنين، مدفوعاً بأسهم شركات الذكاء الاصطناعي، بينما ارتفعت أسعار الأراضي بأسرع وتيرة لها منذ 34 عاماً في عام 2024. وقال ساكوراي: «إذا كان بنك اليابان متردداً في رفع أسعار الفائدة الآن، فسيكون مضطراً إلى القيام بذلك بوتيرة سريعة لاحقاً، مما سيضر بالاقتصاد. نحن على بُعد خطوة واحدة فقط من تكرار الخطأ الذي أدى إلى ضياع عقود من تاريخ اليابان».

• تباطؤ الإنفاق

ومن جهة أخرى، تباطأ معدل الإنفاق السنوي للشركات اليابانية على المصانع والمعدات في الربع الأول بعد عام من التوسع القوي، مما يُرجح أن يدفع إلى خفض توقعات النمو الاقتصادي مع تزايد المخاوف بشأن تأثير الصراع في الشرق الأوسط. وأدت الحرب الإيرانية إلى قلب التوقعات الاقتصادية العالمية رأساً على عقب، مما جعل اليابان، المعتمدة على استيراد النفط، عرضة بشدة لصدمة الطاقة التي تمتد آثارها إلى الشركات والمستهلكين.

وقال كازوتاكا مايدا، الخبير الاقتصادي في معهد ميجي ياسودا للأبحاث: «جاءت النتائج أضعف من المتوقع، مما يعكس تراجعاً عن القوة السابقة». وأضاف: «لكن بالنظر إلى الطلب المستقر على الاستثمارات الموفرة للعمالة والمجالات المماثلة، فمن غير المرجح أن تتدهور النفقات الرأسمالية بشكل حاد من الآن فصاعداً»، على الرغم من أن ذلك سيعتمد على «التطورات في الشرق الأوسط». ووفقاً لبيانات وزارة المالية، ارتفع الإنفاق الرأسمالي في الربع الأول بنسبة 0.047 في المائة على أساس سنوي، متراجعاً عن مكاسب الربع السابق البالغة 6.5 في المائة. وانخفض بنسبة 2 في المائة على أساس ربع سنوي معدل موسمياً.

وتأتي أحدث الأرقام المتعلقة باستثمارات الأعمال، والتي ستُستخدم لحساب بيانات الناتج المحلي الإجمالي المعدلة المقرر صدورها في 8 يونيو، بعد أربعة أرباع متتالية من النمو القوي. وقال مايدا إن أرقام الإنفاق الرأسمالي تشير إلى احتمال مراجعة بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الأول بالخفض عن التقدير الأولي الصادر الشهر الماضي، والذي أظهر نمواً سنوياً أسرع من المتوقع بنسبة 2.1 في المائة، مدفوعاً بقوة الصادرات والاستهلاك.

وانخفض إنفاق المصنّعين بنسبة 0.4 في المائة على أساس سنوي، مما حدّ من النمو الإجمالي؛ حيث قلّص قطاعا معدات المعلومات والاتصالات والسيارات إنتاجهما بعد حملة توسيع الطاقة الإنتاجية التي شهداها العام الماضي. وفي الوقت نفسه، ارتفعت مبيعات الشركات بنسبة 1.1 في المائة سنوياً، وزادت الأرباح المتكررة بنسبة 14.6 في المائة.


مقالات ذات صلة

الانتخابات تعيد رسم خريطة الأسواق العالمية... النفط وأسهم التكنولوجيا تحت الضغط

الاقتصاد شاشات تعرض مؤشر«كوسبي» وسعر صرف العملات بين الدولار والوون الكوري الجنوبي في غرفة تداول تابعة لبنك هانا بسيول (أ.ب)

الانتخابات تعيد رسم خريطة الأسواق العالمية... النفط وأسهم التكنولوجيا تحت الضغط

تباين أداء الأسواق العالمية في أعقاب نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي حقق فيها الديمقراطيون انتصارات واسعة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
شمال افريقيا عبد النبي متحدثاً خلال اللقاء التشاوري بمجلس النواب حول الأزمة الاقتصادية الأربعاء (من فيديو بثه المجلس)

«النواب» الليبي يدعو لخطة شاملة لـ«الإصلاح الاقتصادي»

دعا رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي إلى «إعداد خطة وطنية شاملة للإصلاح الاقتصادي والمالي تتجاوز المعالجات المؤقتة، وتعزيز الإنتاج المحلي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الاقتصاد عملات مشفرة في رسم توضيحي (رويترز)

العملات المشفرة تتعافى من خسائرها مع انتعاش الأسواق عقب فوز الديمقراطيين

تعافت العملات المشفرة الأربعاء من خسائر تكبدتها خلال الليل، مع انتعاش الأسواق عقب فوز الديمقراطيين.

«الشرق الأوسط» (لندن - هونغ كونغ)
الاقتصاد بعض المارة أمام لوحة إلكترونية تعرض سعر صرف الين الياباني الحالي مقابل الدولار الأميركي خارج مكتب وساطة في طوكيو (رويترز)

الأسهم والسندات ترتفع والدولار يتراجع بعد مكاسب الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس

انعكست المكاسب الواسعة التي حققها الديمقراطيون في انتخابات الكونغرس على الأسواق العالمية؛ إذ ارتفعت الأسهم، بينما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية والدولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أفق العاصمة التايلاندية بانكوك مع حلول الشفق عشية رأس السنة (رويترز)

مجموعة أعمال تايلاندية ترفع توقعات نمو الاقتصاد إلى 2.6 % بدعم الصادرات والصناعة

توقعت مجموعة أعمال تايلاندية بارزة نمو اقتصاد البلاد بمعدل يتراوح بين 2.4 و2.6 في المائة خلال العام الحالي.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)

قطاع الخدمات في روسيا يقترب من الركود خلال أكتوبر

موظفون يعملون في مطعم «سكريبكا» في موسكو (رويترز)
موظفون يعملون في مطعم «سكريبكا» في موسكو (رويترز)
TT

قطاع الخدمات في روسيا يقترب من الركود خلال أكتوبر

موظفون يعملون في مطعم «سكريبكا» في موسكو (رويترز)
موظفون يعملون في مطعم «سكريبكا» في موسكو (رويترز)

اقترب قطاع الخدمات في روسيا من حالة الركود خلال أكتوبر (تشرين الأول)، مع تسجيل ارتفاع طفيف للغاية في حجم الإنتاج، وتراجع الطلبيات الجديدة للمرة الأولى في ثلاثة أشهر، وفقاً لمسح للأعمال نُشرت نتائجه الخميس.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز غلوبال» لمديري المشتريات في قطاع الخدمات الروسي إلى 50.1 نقطة في أكتوبر، مقارنة بـ51.3 نقطة في سبتمبر (أيلول). وتشير القراءة فوق مستوى 50 نقطة إلى النمو، فيما تعكس القراءة دونه الانكماش، وفق «رويترز».

وتراجعت الأعمال الجديدة للمرة الأولى في ثلاثة أشهر، في حين انخفض الطلب على الصادرات بوتيرة حادة ومتسارعة. وأشارت «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى أن تراجع الطلب الدولي كان ثالث أكبر انخفاض منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022.

وفي المقابل، عاد التوظيف إلى تسجيل نمو بعد ثمانية أشهر من تقليص الوظائف، وإن كان معدل التوظيف الجديد محدوداً. كما تراجعت الأعمال المتراكمة مجدداً، مسجلة الانخفاض السادس خلال الأشهر السبعة الماضية، مع إتاحة ضعف تدفق الطلبات الجديدة للشركات إنجاز طلبيات سابقة.

وعلى صعيد الأسعار، اشتدت الضغوط التضخمية خلال الشهر، إذ تسارعت وتيرة ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج للمرة الأولى في ثلاثة أشهر، فيما رفعت الشركات أسعار البيع بأسرع وتيرة في ثمانية أشهر، في محاولة لتحميل العملاء جزءاً من التكاليف المرتفعة.

كذلك، تراجعت ثقة الشركات للشهر الثاني على التوالي في أكتوبر، لتبقى دون متوسط مستوياتها المسجلة منذ بداية عام 2026، وأقل بكثير من متوسطها التاريخي، في ظل استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي وتأثيرها على توقعات الشركات.


الاقتصاد يوحّد صفوف الديمقراطيين ويقودهم إلى انتصار انتخابي واسع

ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)
ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)
TT

الاقتصاد يوحّد صفوف الديمقراطيين ويقودهم إلى انتصار انتخابي واسع

ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)
ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)

نجح الحزب الديمقراطي الأميركي في تحويل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة إلى محور جامع لحملته الانتخابية، متجاوزاً جانباً من خلافاته الداخلية بين التيار المعتدل والجناح التقدمي، في استراتيجية ساعدته على تحقيق انتصار واسع في انتخابات التجديد النصفي، وانتزاع السيطرة على مجلسي الكونغرس وعدد كبير من مناصب حكام الولايات.

وبحسب تحليل نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن العامل الأبرز وراء هذا التحول كان قدرة المرشحين الديمقراطيين على توحيد خطابهم حول القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، مع تحميل سياسات الرئيس دونالد ترمب مسؤولية الضغوط التي تواجه الأسر الأميركية، بدلاً من الانجرار إلى القضايا الثقافية والاجتماعية التي أضعفت الحزب في استحقاقات انتخابية سابقة.

وتكشف نتائج استطلاع للناخبين أجرته وكالة «أسوشييتد برس» وشبكات تلفزيونية أميركية، أن 89 في المائة من المشاركين اعتبروا تكلفة المعيشة عاملاً رئيسياً أو مهماً في تحديد خياراتهم الانتخابية، مع تصدر ارتفاع أسعار الوقود والغذاء قائمة المخاوف.

ولم يقتصر نجاح الرسالة الاقتصادية على المرشحين المحسوبين على التيار التقدمي، بل تبناها أيضاً المعتدلون، وإن اختلفت مقترحات الطرفين لمعالجة الأزمة. وبهذا، استطاع الحزب تقديم خطاب انتخابي مشترك رغم استمرار الخلافات بشأن توجهاته السياسية والاقتصادية.

تحالف انتخابي يتجاوز الانقسامات

ومن العوامل التي ساعدت الديمقراطيين على توسيع قاعدة دعمهم اختيار مرشحين يتمتعون بحضور محلي وقدرة على استقطاب الناخبين المستقلين؛ خصوصاً في الولايات التي ظل الجمهوريون يهيمنون عليها لعقود.

ووفق الصحيفة، اعتمد الحزب على شخصيات من خلفيات مهنية واجتماعية متنوعة، بينهم أطباء وممرضون ورجال دين ومزارعون وقادة نقابيون ومعلمون وعسكريون سابقون، في محاولة لاستعادة ثقة شرائح من الطبقة العاملة ابتعدت عن الديمقراطيين في انتخابات سابقة.

كما عادت مجموعات انتخابية كانت قد دعمت ترمب في انتخابات 2024 إلى الاقتراع لمصلحة الديمقراطيين، ومن بينها الشباب والناخبون من أصول لاتينية، في تحول عكس هشاشة التحالف الانتخابي الذي ساعد الرئيس الأميركي على العودة إلى البيت الأبيض.

وامتد هذا التحول إلى ولايات ذات توجه جمهوري راسخ، إذ حقق الديمقراطيون مكاسب في تكساس وكانساس وساوث كارولاينا، مستفيدين من التركيز على الأعباء المعيشية والاعتراض على السياسات التجارية وتداعيات الحرب على إيران، التي رفعت تكاليف الوقود والأسمدة وأثقلت كاهل قطاعات واسعة؛ خصوصاً في المناطق الريفية.

وفي تكساس، تمكن المرشحان الديمقراطيان جيمس تالاريكو وجينا هينوجوسا من تحقيق اختراق سياسي لافت، عبر خطاب ركّز على القدرة على تحمل تكاليف المعيشة ومكافحة الفساد والحد من نفوذ أصحاب المليارات، في ولاية لم يحقق فيها الديمقراطيون فوزاً على مستوى المناصب التنفيذية منذ عام 1994.


وادي السيليكون يخسر رهان الـ600 مليون دولار في انتخابات الكونغرس الأميركي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

وادي السيليكون يخسر رهان الـ600 مليون دولار في انتخابات الكونغرس الأميركي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

لم تنجح مئات الملايين من الدولارات التي ضخّها كبار المستثمرين في قطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة في إنقاذ المرشحين الجمهوريين من خسائر انتخابية واسعة، بعدما حقق الديمقراطيون انتصارات كبيرة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في نتيجة كشفت حدود النفوذ المالي لوادي السيليكون أمام تحولات المزاج الانتخابي الأميركي.

ووفق تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز»، أنفق مليارديرات من قطاع التكنولوجيا أكثر من 600 مليون دولار لدعم المرشحين الجمهوريين، في واحدة من أكثر الحملات الانتخابية تكلفة في تاريخ الولايات المتحدة، لكن هذه الأموال لم تنجح في ترجيح كفة مرشحيهم، مع تصاعد المخاوف الشعبية من التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي ونفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى.

وكان إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركتي «تسلا» و«سبايس إكس»، أبرز الممولين، إذ تجاوز إنفاقه 470 مليون دولار على سباقات انتخابية لمجلسي الشيوخ والنواب. وذهب نحو نصف هذا المبلغ لدعم المرشح الجمهوري كين باكستون في ولاية تكساس، الذي خسر أمام الديمقراطي جيمس تالاريكو.

ولم تقتصر الخسائر على تكساس، إذ خسر مرشحون جمهوريون آخرون في سباقات مجلس الشيوخ بولايات متأرجحة، إلى جانب عدد من مرشحي الحزب لمجلس النواب، رغم الدعم المالي الكبير الذي تلقوه من المليارديرات وشركات التكنولوجيا.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول سياسي شارك في تنسيق إنفاق قطاع التكنولوجيا خلال الأشهر التي سبقت الانتخابات قوله إن «المال لم ينجح»، مشيراً إلى أن ماسك أنفق نحو نصف مليار دولار وخسر جميع السباقات التي تدخل فيها.

الذكاء الاصطناعي في قلب المعركة

ولم تكن الأموال وحدها محور المواجهة الانتخابية؛ فقد تحولت المخاوف من التوسع في مراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى قضية مؤثرة في خيارات الناخبين.

وأظهر استطلاع للناخبين بعد التصويت أجرته شبكة «إن بي سي» أن غالبية المشاركين اعتبروا مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي عاملاً مهماً أو رئيسياً في تحديد خياراتهم الانتخابية.

كما حقق مرشحون ديمقراطيون معارضون للتوسع في إنشاء مراكز البيانات انتصارات لافتة، مستفيدين من تنامي الاعتراضات على استهلاك هذه المنشآت للطاقة والموارد، وتأثيرها في المجتمعات المحلية.

وبحسب «فاينانشال تايمز»، تزامنت هذه المخاوف مع استياء الناخبين من ارتفاع التضخم وتداعيات الحرب على إيران، وهو ما أسهم في اتساع التحول الانتخابي لمصلحة الديمقراطيين، وأضعف قدرة الإنفاق السياسي لقطاع التكنولوجيا على التأثير في النتائج.

وامتد الإنفاق إلى عدد من أبرز المستثمرين والشركات في القطاع؛ إذ ضخ المستثمران في رأس المال المغامر مارك أندريسن وبن هورويتز أكثر من 90 مليون دولار في الانتخابات، بينما أنفق مؤسسا منصة العملات المشفرة «جيميني»، كاميرون وتايلر وينكلفوس، أكثر من 5 ملايين دولار.

كما قدم غريغ بروكمان، الشريك المؤسس لشركة «أوبن إيه آي»، وزوجته آنا، تبرعات بقيمة 25 مليون دولار لكل من منظمة «ماغا إنك» واللجنة السياسية «ليدينغ ذا فيوتشر»، التي تدعم التوسع في الذكاء الاصطناعي.

وفي سباق آخر، أنفقت لجنة «فيرشيك»، المدعومة من قطاع العملات المشفرة، أكثر من 50 مليون دولار على إعلانات تستهدف المرشح الديمقراطي شيرود براون، أحد أبرز منتقدي القطاع، في محاولة لمنع عودته إلى مجلس الشيوخ، لكنها لم تنجح في تحقيق هدفها.

ضغوط تنظيمية تلوح في الأفق

ولا تتوقف تداعيات النتائج عند خسارة المرشحين المدعومين من قطاع التكنولوجيا، إذ تواجه الشركات احتمال زيادة الضغوط التنظيمية مع انتقال السيطرة إلى الديمقراطيين في الكونغرس.

وأشارت الصحيفة إلى أن عشرات المبادرات الرامية إلى تجميد إنشاء مراكز البيانات أُقرت في مناطق مختلفة من الولايات المتحدة، بالتزامن مع تصاعد الاعتراضات الشعبية على التوسع في هذه المنشآت.

كما بدأ قياديون ديمقراطيون الدعوة إلى استخدام الأغلبية الجديدة في الكونغرس لاستدعاء مسؤولي شركات الذكاء الاصطناعي للإدلاء بشهاداتهم تحت القسم خلال العام المقبل، في خطوة قد تفتح جبهة جديدة بين المشرعين وشركات التكنولوجيا الكبرى.

ومع ذلك، فإن حجم الأموال التي ضخها هؤلاء المليارديرات يظل محدوداً مقارنة بثرواتهم الشخصية. وتوضح الصحيفة أن إنفاق ماسك يعادل، نسبة إلى ثروته، تبرع شخص يمتلك مليون دولار بنحو 400 دولار فقط.

وبعد اتضاح حجم الانتصار الديمقراطي، حذف ماسك منشوراً عبر منصة «إكس» كان قد دعا فيه الناخبين إلى التصويت للجمهوريين، في إشارة رمزية إلى إخفاق رهان وادي السيليكون الانتخابي.