استراتيجية التخصيص... رافعة تطوير الخدمات اللوجيستية بالسعودية

محللون لـ«الشرق الأوسط»: ترسخ مكانة المملكة منصةً عالميةً تربط 3 قارات

ميناء جدة الإسلامي (واس)
ميناء جدة الإسلامي (واس)
TT

استراتيجية التخصيص... رافعة تطوير الخدمات اللوجيستية بالسعودية

ميناء جدة الإسلامي (واس)
ميناء جدة الإسلامي (واس)

جاء إعلان بدء تنفيذ «الاستراتيجية الوطنية للتخصيص» في نهاية الشهر الماضي ليضع الختم الرسمي على نهج جديد ومستدام في القطاعات كافة، ويصبح رافعةً لتطوير منظومة النقل والخدمات اللوجيستية في السعودية، وليؤكد التزام المملكة بتمكين القطاع الخاص بوصفه شريكاً أصيلاً في التنمية.

هذا الإقرار الاستراتيجي ليس مجرد تنظيم إداري، بل يعدُّ «محركاً تشريعياً» يمنح المنظومة القوة لتعزيز تنافسيتها الدولية، وتحويل مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجيستية من طموحات مستقبلية إلى واقع اقتصادي ملموس، يرسخ مكانة المملكة بوصفها منصةً لوجيستيةً عالميةً تربط 3 قارات وفق «رؤية 2030».

أصل هذا الحراك يعود إلى عام 2018، حين أُطلق برنامج التخصيص بوصفه أحد البرامج الأساسية لتحقيق الرؤية؛ بهدف تسريع التنفيذ وتعزيز التكامل بين الجهات الحكومية. وبحلول نهاية عام 2025، نجح البرنامج في استكمال خطته بنجاح، ليصبح ثاني برامج الرؤية التي تستوفي مستهدفاتها، دافعاً نمو الاقتصاد الوطني عبر تحديد الأصول والموارد القابلة للتخصيص في قطاعات حيوية تشمل المياه، والنقل، والصحة، والتعليم، مما رفع جودة الخدمات المُقدَّمة ووفر فرص عمل واستثمارات نوعية.

وقد تجلَّى أثر البرنامج في تأسيس بنية صلبة تُعظِّم النتائج، أبرزها تأسيس المركز الوطني للتخصيص واعتماد «نظام التخصيص». وقد أسهمت هذه الأطر في تنظيم الإجراءات النظامية، وحصر الأصول والخدمات وتهيئة القطاعات لتكون جاهزة لأعمال الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ومع استكمال البرنامج أعماله رسمياً، تتولى اليوم «الاستراتيجية الوطنية للتخصيص» والمركز الوطني قيادة المرحلة المقبلة لتوسيع نطاق الإنجاز واكتشاف مزيد من الفرص الاستثمارية.

الشراكة... حجر الزاوية في تنويع الاقتصاد

تعتمد الرؤية السعودية في التخصيص على نموذج «الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)»، وهو المسار الهادف إلى تطوير الأداء الاقتصادي من جهة، ورفع مشاركة القطاع الخاص في إدارة وملكية المرافق والخدمات التي تتبع للقطاع العام في السعودية من جهة أخرى. وتهدف المملكة من خلالها إلى رفع مساهمة القطاع اللوجيستي في الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 10 في المائة بحلول عام 2030، مرتكزة على فتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية والمحلية لإدارة المرافق، مما يرفع جودة الخدمة ويُحقِّق ميزةً تنافسيةً للمملكة في خريطة التجارة الدولية.

ولم تكن هذه الطموحات لتقف عند حدود الاستراتيجيات، بل تُرجمت فعلياً على أرض الواقع؛ حيث أعلن وزير النقل والخدمات اللوجيستية صالح الجاسر، أن استثمارات القطاع الخاص، المحلية والدولية، في قطاع النقل والخدمات اللوجيستية بالمملكة قد تجاوزت 280 مليار ريال (74.7 مليار دولار). وقد أسهمت هذه الاستثمارات المليارية في رفع مساهمة النقل والخدمات اللوجيستية لتُشكِّل ما نسبته 6.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة.

وفي أحدث التطورات في هذا الملف، أعلنت شركة «مطارات القابضة» السعودية، بالتعاون مع «المركز الوطني للتخصيص»، طرح مشروع تطوير مطار الأمير نايف بن عبدالعزيز الدولي في القصيم، بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

أمير منطقة القصيم الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود خلال افتتاحه صالة السفر الداخلية بمطار الأمير نايف بن عبد العزيز الدولي (واس)

التخصيص تنعش القطاع اللوجيستي

في قراءة تحليلية لواقع القطاع، أكد المختص في الخدمات اللوجيستية وسلاسل الإمداد، نشمي الحربي، لـ«الشرق الأوسط»، أن سياسات التخصيص باتت المحرك الرئيسي في تحويل القطاع اللوجيستي السعودي إلى بيئة جاذبة للاستثمارات العالمية؛ فـ«ضخ القطاع الخاص لاستثمارات تجاوزت 18 مليار ريال (4.8 مليار دولار) من أجل تطوير الموانئ والمناطق اللوجيستية، بالتوازي مع تقليص زمن فسح البضائع إلى أقل من 24 ساعة عبر منصة (فسح)، قد أسهما في رفع الطاقة الاستيعابية للموانئ لتصل إلى 40 مليون حاوية»، وهو ما أثمر عن قفزة المملكة 17 مرتبة في مؤشر الأداء اللوجيستي للبنك الدولي، معززةً بذلك الثقة العالمية وجاذبية أكبر خطوط الشحن الدولية.

وكان الجاسر أشار في «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص»، إلى أن 80 في المائة من الاستثمارات المستهدفة في قطاع النقل والخدمات اللوجيستية ستأتي من القطاع الخاص، موضحاً أن من ضمن الشراكات الجديدة التي تم توقيعها أخيراً، عقوداً في القطاع البحري والموانئ مع القطاع الخاص بما يتجاوز 18 مليار ريال، مبيّناً أن النسبة العظمى من الاستثمارات في الموانئ تتم عبر القطاع الخاص.

شبكة النقل في السعودية (وزارة النقل)

وشدد الحربي على أن استراتيجية التخصيص في المنظور السعودي ليست مجرد «عامل مساعد»، بل هي «الضمانة الأساسية» لتحويل المملكة إلى مركز لوجيستي عالمي؛ فهي الأداة الفعّالة لجلب التمويل والخبرات التشغيلية العالمية، والمحرك لتبني الابتكارات التقنية مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، مما يخلق بيئةً تنافسيةً تضمَّن تحسين جودة الخدمات وخفض التكاليف، وهو ما يرسخ مكانة المملكة بوصفها وجهةً رائدةً لوجيستياً.

وبناءً على ما ذكره الحربي، استطاع تخصيص الموانئ والمطارات معالجة التحديات التاريخية، والقضاء على فترات التأخير في التخليص الجمركي التي كانت تصل سابقاً إلى 9 أيام. وأكد أن تطبيق أفضل الممارسات العالمية رفع الكفاءة التشغيلية للموانئ بنسبة 71 في المائة، مع تعزيز الربط اللوجيستي المتكامل بين السكك الحديدية والطرق لضمان تدفق سلس للبضائع يواكب تطلعات المستقبل.

التخصيص وجاذبية القطاع اللوجيستي

من جهته، يرى الخبير اللوجيستي، المهندس حسن آل هليل، أن سياسات التخصيص في السعودية لم تكن مجرد إجراء إداري، بل أسهمت بشكل حاسم في تحويل القطاع إلى بيئة جاذبة لكبرى شركات الشحن العالمية عبر إحداث تغييرات استراتيجية شاملة.

ويفصل آل هليل هذه المكتسبات في محاور عدة؛ أولها تحسين الكفاءة التشغيلية، حيث سمح إسناد إدارة الموانئ والمطارات للقطاع الخاص بتقليص زمن الشحن وخفض التكاليف التشغيلية، مما رفع القدرة التنافسية للسوق السعودية. وثانيها تطوير البنية التحتية بضخ استثمارات ضخمة في تحديث الموانئ والمستودعات وأنظمة النقل الذكي، مما أتاح لشركات الشحن العالمية مرافق متقدمة وسهلة الاستخدام.

معالجة التحديات التقليدية والبيروقراطية

واستعرض آل هليل كيف نجح التخصيص في معالجة «التحديات التقليدية» التي واجهت التدفق اللوجيستي تاريخياً، موضحاً أن دخول القطاع الخاص أدى إلى رفع كفاءة العمليات وتقليل الاختناقات، فأصبحت الخدمات أكثر تنظيماً وسرعة في الشحن والتفريغ والتخزين، مما خفَّف من التأخيرات التي كانت تواجهها العمليات سابقاً.

كما أشار إلى دور التخصيص في تسهيل الإجراءات الجمركية عبر إدخال شركات خاصة لإدارة التخليص، مما قلّل من البيروقراطية وسرّع الإجراءات وأوجد شفافية أكبر، وهو عنصر حاسم لجذب اللاعبين الدوليين. وأضاف أن هذا المسار شجَّع الاستثمار الأجنبي عبر وضع أطر قانونية واضحة، عزَّزت ثقة شركات النقل العالمية للمساهمة في مشروعات لوجيستية كبرى.

منطقة لوجيستية تابعة لشركة «ميرسك» بالسعودية (موقع شركة «ميرسك»)

التخصيص و«الربط الثلاثي»

وحول ما إذا كان التخصيص يمثل الضمانة الوحيدة للربط بين القارات الثلاث، يؤكد آل هليل أن التخصيص «عنصر أساسي وقاعدة صلبة»، لكنه يعمل ضمن منظومة متكاملة. ويرى أن التحول إلى مركز لوجيستي عالمي يتطلب استثمارات مستمرة في البنية التقنية والمطارات والمستودعات الذكية، وربطها بشبكات نقل متكاملة براً وبحراً وجواً.

ويشدد آل هليل على أهمية التكامل بين السياسات التنظيمية المرنة وتطوير القوى البشرية المتخصصة في اللوجيستيات الحديثة. وبذلك، يصبح التخصيص في رؤيته «الأساس الضروري» الذي يتكامل مع التكنولوجيا والتنظيم والكوادر البشرية لتحقيق رؤية المملكة بوصفها مركزاً عالمياً يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا بكفاءة وفاعلية.

تحفيز الابتكار والخدمات الرقمية

وأكد آل هليل أن المنافسة الناتجة عن التخصيص حفَّزت على تعزيز الابتكار وتقديم خدمات متميزة مثل التتبع الرقمي والخدمات المتكاملة للنقل والتخزين، مما رفع مستوى جاذبية السوق دولياً. ويخلص إلى أن تحويل إدارة الموانئ والمطارات إلى نموذج مختلط بين القطاعين العام والخاص لم يعالج فقط التحديات التقليدية، بل خلق بيئة أكثر فاعلية ومرونة وجاذبية للاستثمارات العالمية، داعماً بذلك نمو الاقتصاد الوطني.

قفزات الشحن الجوي والتوسع الجغرافي

لم يقتصر أثر هذا الحراك على الموانئ البحرية فحسب، بل امتد ليشمل وسائط النقل كافة؛ حيث تعكس المؤشرات الميدانية طفرةً في الشحن الجوي الذي قفز بمعدل 34 في المائة سنوياً ليصل إلى 1.2 مليون طن. هذا التكامل وضع المملكة في المركز الرابع بين الأسواق الناشئة في مؤشر «أجيليتي» اللوجيستي لعام 2025، وعزَّز طموحها في دخول قائمة الـ10 الكبار عالمياً. وبالتوازي مع هذا التفوق الدولي، شهد الداخل السعودي توسعاً جغرافياً استراتيجياً بإضافة 30 مركزاً لوجيستياً جديداً، مما أسهم في خلق منظومة توظيف ضخمة تضم اليوم أكثر من 651 ألف موظف.

ميناء الملك عبد الله (الشرق الأوسط)

ممكنات التحوّل وتذليل التحديات

هذه النتائج الملموسة لم تكن وليدة الصدفة، بل هي ثمرة عمل مؤسسي يقوده برنامج «تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجيستية (ندلب)»؛ الذي يمثل منذ انطلاقه في 2019 القاعدة الأساسية لتحسين البنية التحتية ورفع الطاقة الاستيعابية. ويعمل البرنامج كـ«مُمكن هيكلي» يربط الشبكات المحلية بالإقليمية، ويسهِّل حركة البضائع عبر الحدود، مما يضمن تقديم خدمات بتكلفة تنافسية تخدم المستثمر والمستهلك على حد سواء.

ويسعى البرنامج من خلال إشراك القطاع الخاص إلى خفض تكلفة الشحن بالربط بين الشبكات المحلية والإقليمية، وتسهيل إجراءات الفسح وحركة البضائع عبر الحدود، مع ضمان تقديم خدمات التوزيع المحلي بتكلفة تنافسية تخدم المستثمر والمستهلك.

ولضمان استدامة هذا الزخم وتذليل أي عقبات قد تواجه القطاع الخاص، جاء تأسيس «مجلس الشراكة اللوجيستي» ليكون بمثابة حلقة الوصل التفاعلية بين المستثمر وصانع القرار؛ حيث يعمل المجلس على تحويل مرئيات الميدان إلى سياسات وقرارات ترفع كفاءة المنظومة الوطنية وتضمن بقاءها في طليعة التنافسية الدولية.

ختاماً، تتجاوز السعودية اليوم مفهوم «مشغل المرافق» التقليدي لتصيغ فصلاً جديداً في تاريخ الخدمات اللوجيستية العالمية. فالتحول الهيكلي القائم على التخصيص والشراكات الاستراتيجية لا يهدف فقط لتعزيز الكفاءة، بل يرسخ مكانة المملكة يوصفها حلقة وصل عالمية لا غنى عنها في سلاسل الإمداد المستقبلية، محققاً بذلك الجوهر الحقيقي لـ«رؤية 2030» في بناء اقتصاد مزدهر ومستدام.


مقالات ذات صلة

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد مقر «المجموعة السعودية» في مركز الملك عبد الله المالي (الشرق الأوسط)

«السعودية للأبحاث والإعلام»: مواصلة إعادة هيكلة الأصول ودعم التوسع الاستثماري

أعلنت «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG) نتائجها المالية لعام 2025، حيث بلغت إيراداتها 2.673 مليار ريال (712.8 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث في إحدى جلسات قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

وزير المالية السعودي: اضطراب النفط قد يتجاوز أزمة «كوفيد» إذا استمرت الحرب

حذر وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
الاقتصاد الرميان يتحدث خلال مشاركته في قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الرميان: «صندوق الاستثمارات» يرسّخ استراتيجية طويلة الأجل ويستعد لمرحلة جديدة

أكد محافظ صندوق الاستثمارات العامة، ياسر الرميان، أن الاقتصاد السعودي يواصل الحفاظ على متانته واستقراره، مدعوماً بسياسات مالية وهيكلية قوية.

مساعد الزياني (ميامي)
خاص عدد من المركبات تستكمل إجراءات العبور في جسر الملك فهد الرابط بين السعودية والبحرين (واس)

خاص السعودية تكسر حصار مضيق هرمز بمنظومة ربط عابرة للقارات

كشفت السعودية عن تفوق منظومتها للنقل التي تحولت إلى رئة بديلة وشريان حياة يضمن استدامة تدفق التجارة العالمية في مواجهة تعطل مضيق هرمز الحيوي.

ساره بن شمران (الرياض)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.