استراتيجية التخصيص... رافعة تطوير الخدمات اللوجيستية بالسعودية

محللون لـ«الشرق الأوسط»: ترسخ مكانة المملكة منصةً عالميةً تربط 3 قارات

ميناء جدة الإسلامي (واس)
ميناء جدة الإسلامي (واس)
TT

استراتيجية التخصيص... رافعة تطوير الخدمات اللوجيستية بالسعودية

ميناء جدة الإسلامي (واس)
ميناء جدة الإسلامي (واس)

جاء إعلان بدء تنفيذ «الاستراتيجية الوطنية للتخصيص» في نهاية الشهر الماضي ليضع الختم الرسمي على نهج جديد ومستدام في القطاعات كافة، ويصبح رافعةً لتطوير منظومة النقل والخدمات اللوجيستية في السعودية، وليؤكد التزام المملكة بتمكين القطاع الخاص بوصفه شريكاً أصيلاً في التنمية.

هذا الإقرار الاستراتيجي ليس مجرد تنظيم إداري، بل يعدُّ «محركاً تشريعياً» يمنح المنظومة القوة لتعزيز تنافسيتها الدولية، وتحويل مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجيستية من طموحات مستقبلية إلى واقع اقتصادي ملموس، يرسخ مكانة المملكة بوصفها منصةً لوجيستيةً عالميةً تربط 3 قارات وفق «رؤية 2030».

أصل هذا الحراك يعود إلى عام 2018، حين أُطلق برنامج التخصيص بوصفه أحد البرامج الأساسية لتحقيق الرؤية؛ بهدف تسريع التنفيذ وتعزيز التكامل بين الجهات الحكومية. وبحلول نهاية عام 2025، نجح البرنامج في استكمال خطته بنجاح، ليصبح ثاني برامج الرؤية التي تستوفي مستهدفاتها، دافعاً نمو الاقتصاد الوطني عبر تحديد الأصول والموارد القابلة للتخصيص في قطاعات حيوية تشمل المياه، والنقل، والصحة، والتعليم، مما رفع جودة الخدمات المُقدَّمة ووفر فرص عمل واستثمارات نوعية.

وقد تجلَّى أثر البرنامج في تأسيس بنية صلبة تُعظِّم النتائج، أبرزها تأسيس المركز الوطني للتخصيص واعتماد «نظام التخصيص». وقد أسهمت هذه الأطر في تنظيم الإجراءات النظامية، وحصر الأصول والخدمات وتهيئة القطاعات لتكون جاهزة لأعمال الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ومع استكمال البرنامج أعماله رسمياً، تتولى اليوم «الاستراتيجية الوطنية للتخصيص» والمركز الوطني قيادة المرحلة المقبلة لتوسيع نطاق الإنجاز واكتشاف مزيد من الفرص الاستثمارية.

الشراكة... حجر الزاوية في تنويع الاقتصاد

تعتمد الرؤية السعودية في التخصيص على نموذج «الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)»، وهو المسار الهادف إلى تطوير الأداء الاقتصادي من جهة، ورفع مشاركة القطاع الخاص في إدارة وملكية المرافق والخدمات التي تتبع للقطاع العام في السعودية من جهة أخرى. وتهدف المملكة من خلالها إلى رفع مساهمة القطاع اللوجيستي في الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 10 في المائة بحلول عام 2030، مرتكزة على فتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية والمحلية لإدارة المرافق، مما يرفع جودة الخدمة ويُحقِّق ميزةً تنافسيةً للمملكة في خريطة التجارة الدولية.

ولم تكن هذه الطموحات لتقف عند حدود الاستراتيجيات، بل تُرجمت فعلياً على أرض الواقع؛ حيث أعلن وزير النقل والخدمات اللوجيستية صالح الجاسر، أن استثمارات القطاع الخاص، المحلية والدولية، في قطاع النقل والخدمات اللوجيستية بالمملكة قد تجاوزت 280 مليار ريال (74.7 مليار دولار). وقد أسهمت هذه الاستثمارات المليارية في رفع مساهمة النقل والخدمات اللوجيستية لتُشكِّل ما نسبته 6.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة.

وفي أحدث التطورات في هذا الملف، أعلنت شركة «مطارات القابضة» السعودية، بالتعاون مع «المركز الوطني للتخصيص»، طرح مشروع تطوير مطار الأمير نايف بن عبدالعزيز الدولي في القصيم، بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

أمير منطقة القصيم الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود خلال افتتاحه صالة السفر الداخلية بمطار الأمير نايف بن عبد العزيز الدولي (واس)

التخصيص تنعش القطاع اللوجيستي

في قراءة تحليلية لواقع القطاع، أكد المختص في الخدمات اللوجيستية وسلاسل الإمداد، نشمي الحربي، لـ«الشرق الأوسط»، أن سياسات التخصيص باتت المحرك الرئيسي في تحويل القطاع اللوجيستي السعودي إلى بيئة جاذبة للاستثمارات العالمية؛ فـ«ضخ القطاع الخاص لاستثمارات تجاوزت 18 مليار ريال (4.8 مليار دولار) من أجل تطوير الموانئ والمناطق اللوجيستية، بالتوازي مع تقليص زمن فسح البضائع إلى أقل من 24 ساعة عبر منصة (فسح)، قد أسهما في رفع الطاقة الاستيعابية للموانئ لتصل إلى 40 مليون حاوية»، وهو ما أثمر عن قفزة المملكة 17 مرتبة في مؤشر الأداء اللوجيستي للبنك الدولي، معززةً بذلك الثقة العالمية وجاذبية أكبر خطوط الشحن الدولية.

وكان الجاسر أشار في «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص»، إلى أن 80 في المائة من الاستثمارات المستهدفة في قطاع النقل والخدمات اللوجيستية ستأتي من القطاع الخاص، موضحاً أن من ضمن الشراكات الجديدة التي تم توقيعها أخيراً، عقوداً في القطاع البحري والموانئ مع القطاع الخاص بما يتجاوز 18 مليار ريال، مبيّناً أن النسبة العظمى من الاستثمارات في الموانئ تتم عبر القطاع الخاص.

شبكة النقل في السعودية (وزارة النقل)

وشدد الحربي على أن استراتيجية التخصيص في المنظور السعودي ليست مجرد «عامل مساعد»، بل هي «الضمانة الأساسية» لتحويل المملكة إلى مركز لوجيستي عالمي؛ فهي الأداة الفعّالة لجلب التمويل والخبرات التشغيلية العالمية، والمحرك لتبني الابتكارات التقنية مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، مما يخلق بيئةً تنافسيةً تضمَّن تحسين جودة الخدمات وخفض التكاليف، وهو ما يرسخ مكانة المملكة بوصفها وجهةً رائدةً لوجيستياً.

وبناءً على ما ذكره الحربي، استطاع تخصيص الموانئ والمطارات معالجة التحديات التاريخية، والقضاء على فترات التأخير في التخليص الجمركي التي كانت تصل سابقاً إلى 9 أيام. وأكد أن تطبيق أفضل الممارسات العالمية رفع الكفاءة التشغيلية للموانئ بنسبة 71 في المائة، مع تعزيز الربط اللوجيستي المتكامل بين السكك الحديدية والطرق لضمان تدفق سلس للبضائع يواكب تطلعات المستقبل.

التخصيص وجاذبية القطاع اللوجيستي

من جهته، يرى الخبير اللوجيستي، المهندس حسن آل هليل، أن سياسات التخصيص في السعودية لم تكن مجرد إجراء إداري، بل أسهمت بشكل حاسم في تحويل القطاع إلى بيئة جاذبة لكبرى شركات الشحن العالمية عبر إحداث تغييرات استراتيجية شاملة.

ويفصل آل هليل هذه المكتسبات في محاور عدة؛ أولها تحسين الكفاءة التشغيلية، حيث سمح إسناد إدارة الموانئ والمطارات للقطاع الخاص بتقليص زمن الشحن وخفض التكاليف التشغيلية، مما رفع القدرة التنافسية للسوق السعودية. وثانيها تطوير البنية التحتية بضخ استثمارات ضخمة في تحديث الموانئ والمستودعات وأنظمة النقل الذكي، مما أتاح لشركات الشحن العالمية مرافق متقدمة وسهلة الاستخدام.

معالجة التحديات التقليدية والبيروقراطية

واستعرض آل هليل كيف نجح التخصيص في معالجة «التحديات التقليدية» التي واجهت التدفق اللوجيستي تاريخياً، موضحاً أن دخول القطاع الخاص أدى إلى رفع كفاءة العمليات وتقليل الاختناقات، فأصبحت الخدمات أكثر تنظيماً وسرعة في الشحن والتفريغ والتخزين، مما خفَّف من التأخيرات التي كانت تواجهها العمليات سابقاً.

كما أشار إلى دور التخصيص في تسهيل الإجراءات الجمركية عبر إدخال شركات خاصة لإدارة التخليص، مما قلّل من البيروقراطية وسرّع الإجراءات وأوجد شفافية أكبر، وهو عنصر حاسم لجذب اللاعبين الدوليين. وأضاف أن هذا المسار شجَّع الاستثمار الأجنبي عبر وضع أطر قانونية واضحة، عزَّزت ثقة شركات النقل العالمية للمساهمة في مشروعات لوجيستية كبرى.

منطقة لوجيستية تابعة لشركة «ميرسك» بالسعودية (موقع شركة «ميرسك»)

التخصيص و«الربط الثلاثي»

وحول ما إذا كان التخصيص يمثل الضمانة الوحيدة للربط بين القارات الثلاث، يؤكد آل هليل أن التخصيص «عنصر أساسي وقاعدة صلبة»، لكنه يعمل ضمن منظومة متكاملة. ويرى أن التحول إلى مركز لوجيستي عالمي يتطلب استثمارات مستمرة في البنية التقنية والمطارات والمستودعات الذكية، وربطها بشبكات نقل متكاملة براً وبحراً وجواً.

ويشدد آل هليل على أهمية التكامل بين السياسات التنظيمية المرنة وتطوير القوى البشرية المتخصصة في اللوجيستيات الحديثة. وبذلك، يصبح التخصيص في رؤيته «الأساس الضروري» الذي يتكامل مع التكنولوجيا والتنظيم والكوادر البشرية لتحقيق رؤية المملكة بوصفها مركزاً عالمياً يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا بكفاءة وفاعلية.

تحفيز الابتكار والخدمات الرقمية

وأكد آل هليل أن المنافسة الناتجة عن التخصيص حفَّزت على تعزيز الابتكار وتقديم خدمات متميزة مثل التتبع الرقمي والخدمات المتكاملة للنقل والتخزين، مما رفع مستوى جاذبية السوق دولياً. ويخلص إلى أن تحويل إدارة الموانئ والمطارات إلى نموذج مختلط بين القطاعين العام والخاص لم يعالج فقط التحديات التقليدية، بل خلق بيئة أكثر فاعلية ومرونة وجاذبية للاستثمارات العالمية، داعماً بذلك نمو الاقتصاد الوطني.

قفزات الشحن الجوي والتوسع الجغرافي

لم يقتصر أثر هذا الحراك على الموانئ البحرية فحسب، بل امتد ليشمل وسائط النقل كافة؛ حيث تعكس المؤشرات الميدانية طفرةً في الشحن الجوي الذي قفز بمعدل 34 في المائة سنوياً ليصل إلى 1.2 مليون طن. هذا التكامل وضع المملكة في المركز الرابع بين الأسواق الناشئة في مؤشر «أجيليتي» اللوجيستي لعام 2025، وعزَّز طموحها في دخول قائمة الـ10 الكبار عالمياً. وبالتوازي مع هذا التفوق الدولي، شهد الداخل السعودي توسعاً جغرافياً استراتيجياً بإضافة 30 مركزاً لوجيستياً جديداً، مما أسهم في خلق منظومة توظيف ضخمة تضم اليوم أكثر من 651 ألف موظف.

ميناء الملك عبد الله (الشرق الأوسط)

ممكنات التحوّل وتذليل التحديات

هذه النتائج الملموسة لم تكن وليدة الصدفة، بل هي ثمرة عمل مؤسسي يقوده برنامج «تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجيستية (ندلب)»؛ الذي يمثل منذ انطلاقه في 2019 القاعدة الأساسية لتحسين البنية التحتية ورفع الطاقة الاستيعابية. ويعمل البرنامج كـ«مُمكن هيكلي» يربط الشبكات المحلية بالإقليمية، ويسهِّل حركة البضائع عبر الحدود، مما يضمن تقديم خدمات بتكلفة تنافسية تخدم المستثمر والمستهلك على حد سواء.

ويسعى البرنامج من خلال إشراك القطاع الخاص إلى خفض تكلفة الشحن بالربط بين الشبكات المحلية والإقليمية، وتسهيل إجراءات الفسح وحركة البضائع عبر الحدود، مع ضمان تقديم خدمات التوزيع المحلي بتكلفة تنافسية تخدم المستثمر والمستهلك.

ولضمان استدامة هذا الزخم وتذليل أي عقبات قد تواجه القطاع الخاص، جاء تأسيس «مجلس الشراكة اللوجيستي» ليكون بمثابة حلقة الوصل التفاعلية بين المستثمر وصانع القرار؛ حيث يعمل المجلس على تحويل مرئيات الميدان إلى سياسات وقرارات ترفع كفاءة المنظومة الوطنية وتضمن بقاءها في طليعة التنافسية الدولية.

ختاماً، تتجاوز السعودية اليوم مفهوم «مشغل المرافق» التقليدي لتصيغ فصلاً جديداً في تاريخ الخدمات اللوجيستية العالمية. فالتحول الهيكلي القائم على التخصيص والشراكات الاستراتيجية لا يهدف فقط لتعزيز الكفاءة، بل يرسخ مكانة المملكة يوصفها حلقة وصل عالمية لا غنى عنها في سلاسل الإمداد المستقبلية، محققاً بذلك الجوهر الحقيقي لـ«رؤية 2030» في بناء اقتصاد مزدهر ومستدام.


مقالات ذات صلة

«أبواب للذكاء الاصطناعي» تجمع 15 مليون ريال في جولة تمويلية بقيادة «سبيد إنفست»

عالم الاعمال «أبواب للذكاء الاصطناعي» تجمع 15 مليون ريال في جولة تمويلية بقيادة «سبيد إنفست»

«أبواب للذكاء الاصطناعي» تجمع 15 مليون ريال في جولة تمويلية بقيادة «سبيد إنفست»

عت شركة التقنية المالية السعودية «أبواب للذكاء الاصطناعي» 15 مليون ريال في جولة تمويل أولية، قادتها شركة رأس المال الجريء الأوروبية «سبيد إنفست».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص موظف في إحدى المؤسسات المالية يحمل نقوداً من فئة الخمسمائة ريال (رويترز)

خاص كيف يُعيد رفع الفائدة الأميركية ترتيب أولويات القطاع الخاص السعودي؟

لم تعد الفائدة المرتفعة مجرد رقم يظهر في تكلفة القروض التي تدفعها الشركات، بل أصبحت عاملاً يدخل في صميم قراراتها: أي مشروع يستحق التمويل؟

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد جانب من الحضور في النسخة الماضية من المؤتمر والمعرض الدولي لإدارة المرافق (جمعية إدارة المرافق السعودية)

الرياض تستضيف المؤتمر والمعرض الدولي لإدارة المرافق

تستضيف مدينة الرياض، الأحد المقبل، أعمال النسخة الثالثة من المؤتمر والمعرض الدولي لإدارة المرافق (SFMA EXPO 2026).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)

خاص «ستيت ستريت»: السعودية تملك فرصة فريدة لبناء بنية مالية رقمية حديثة

في وقت تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي، يرى رئيس الحلول الرقمية العالمية في «ستيت ستريت» أن الأصول الرقمية تعيد تصميم آليات العمل في الأسواق المالية.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (موانئ)

موانئ السعودية تتعامل مع أكثر من 341 مليون طن من الشحن خلال 2025

تجاوز إجمالي كميات الشحن الصادرة والواردة عبر موانئ السعودية 341 مليون طن خلال عام 2025، مع ارتفاع كل من الصادرات والواردات مقارنة بالعام السابق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الذكاء الاصطناعي يقود بناء «أجياله اللاحقة»

ناشطون يطالبون بوقف سباق الذكاء الاصطناعي في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)
ناشطون يطالبون بوقف سباق الذكاء الاصطناعي في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)
TT

الذكاء الاصطناعي يقود بناء «أجياله اللاحقة»

ناشطون يطالبون بوقف سباق الذكاء الاصطناعي في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)
ناشطون يطالبون بوقف سباق الذكاء الاصطناعي في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

دخل سباق الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة تتجاوز تطوير نماذج أكثر قوة إلى استخدام هذه النماذج نفسها في بناء أجيالها اللاحقة، بعدما كشفت «أنثروبيك» عن أن مساعدها «كلود» بات يقود أكثر من ربع أعمال البحث والتطوير المتعلقة بالذكاء الاصطناعي داخل الشركة، في تطور يعيد فتح أسئلة السلامة والرقابة والاستثمار والتنظيم.

وتأتي هذه القفزة في حين تستعد شركات الذكاء الاصطناعي لجولات تمويل وعمليات طرح عام أولي ضخمة، بالتزامن مع تزايد الحوادث المرتبطة بسلوك النماذج المتقدمة، وتصاعد المنافسة الأميركية - الصينية، حتى إن نموذجاً صينياً وجد طريقه إلى موقع حكومي أميركي في الوقت الذي تتهم فيه واشنطن مطوره بنسخ تكنولوجيا أميركية.

• «كلود» من المساعد إلى القيادة

قالت «أنثروبيك» إن «كلود» كان، حتى أغسطس (آب)، «يقود» 26 في المائة من أعمال البحث والتطوير الخاصة بنماذجها، بعدما كانت النسبة أقل من 1 في المائة في فبراير (شباط)، كما يشارك بالتعاون مع الباحثين البشر في أكثر من 90 في المائة من هذه الأعمال. وتعرّف الشركة مرحلة «القيادة» بأنها قدرة النظام على إنجاز معظم المهمة من بدايتها إلى نهايتها انطلاقاً من توجيه عام، مع بقاء الإنسان في موقع الإشراف.

لكن الشركة تؤكد أن «كلود» لا يعمل بصورة مستقلة بالكامل في أي جزء من أعمال البحث والتطوير التي تقيسها، وهو فارق جوهري بين الوضع الحالي وما يعرف بـ«التحسين الذاتي المتكرر»، أي وصول نموذج إلى القدرة على بناء خليفته بصورة مستقلة.

وتقول «أنثروبيك» إن نشر هذه البيانات يهدف إلى منح الجمهور والحكومات والجهات الخارجية رؤية أوضح لسرعة تقدم التكنولوجيا. كما تقترح وضع منهجيات قياس مشتركة بين المختبرات والاستعانة بجهات مستقلة للتحقق من النتائج، وربما استخدام هذه المؤشرات مستقبلاً لتفعيل متطلبات أكثر صرامة قبل استخدام نموذج جديد في تطوير أجيال أخرى.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية إضافية لأن الشركة تستخدم نحو 30 ألف وكيل للذكاء الاصطناعي في أعمال البحث والهندسة، في وقت تحذّر من أن تسارع مساهمة النماذج في تطوير نفسها قد يجعل فهم سلوكها والسيطرة عليها أكثر تعقيداً.

• من سباق القدرات إلى معضلة السيطرة

لم تعد المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي افتراضية بالكامل. ففي نهاية أغسطس، قالت «أنثروبيك» إنها تحقق في ثلاث وقائع حصلت فيها نماذج «كلود» على وصول غير مصرح به إلى أنظمة حاسوبية حقيقية خلال تقييمات للأمن السيبراني، وأعلنت خططاً للاستعانة بمراجعة مستقلة.

وتزامنت هذه التطورات مع دعوة الرئيس التنفيذي للشركة داريو أمودي إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، وسط مخاوف تشمل فقدان الوظائف والطلب الهائل على الكهرباء والتأثير البيئي لمراكز البيانات، فضلاً عن إمكانية تطور قدرات النماذج بوتيرة تتجاوز قدرة البشر على مراقبتها.

والمعادلة هنا تحمل مفارقة واضحة؛ فالأداة التي تساعد الشركات على تسريع البحث العلمي والبرمجة وبناء النماذج الجديدة هي نفسها التي قد تجعل دورة الابتكار أسرع من قدرة المؤسسات التنظيمية وحتى فرق السلامة الداخلية على مواكبتها.

• البورصة تسعر «مخاطر الذكاء»

الجدل يتزامن مع استعداد «أنثروبيك» لطرح عام أولي مرتقب، في حين اختارت «أوبن إيه آي» تأجيل خطط إدراجها. وقال سام ألتمان إن 2026 ليس توقيتاً مناسباً للطرح في ظل تحديات السلامة والمواءمة، وإن الشركة لديها الكثير من العمل قبل دخول الأسواق العامة.

في المقابل، تشير تقارير إلى أن «أنثروبيك» قد تمضي في إدراجها خلال العام، وسط شهية استثمارية كبيرة تجاه الشركات المتصدرة لسباق الذكاء الاصطناعي. وتضع هذه الخطوة المستثمرين أمام سؤال غير معتاد: كيف يمكن تسعير شركة تحذّر إدارتها نفسها من مخاطر التكنولوجيا التي تمثل مصدر قيمتها الرئيسي؟

وتفرض قواعد الأسواق على الشركات الإفصاح عن المخاطر المعروفة قبل الطرح؛ ما قد يجعل ملفات السلامة والتحكم في النماذج جزءاً من تقييم المستثمرين إلى جانب الإيرادات والنمو وتكاليف الحوسبة.

ولا تقف التداعيات عند «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي». فشركات مثل «مايكروسوفت» و«أمازون» و«غوغل» و«إنفيديا» مرتبطة بدرجات مختلفة بالطفرة الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي، في حين أصبحت مراكز البيانات والرقائق والطاقة اللازمة لتشغيلها مكوناً متزايد الأهمية في دورة الاستثمار الأميركية.

• نموذج صيني داخل موقع حكومي أميركي

وتزداد الصورة تعقيداً مع دخول المنافسة الصينية على الخط. فقد استخدم موقع «السجل الفيدرالي» الأميركي، الذي تديره إدارة المحفوظات والسجلات الوطنية، نموذج «كوين» التابع لـ«علي بابا» ضمن أداة للبحث في اللوائح الفيدرالية المقترحة، قبل إزالة الخيار، الأربعاء، بالتزامن مع انتشار منشورات عنه على وسائل التواصل الاجتماعي.

وجاء ذلك بعدما اتهم مكتب التحقيقات الفيدرالي «علي بابا» بنسخ تقنيات من «أنثروبيك» لتطوير أدواتها، وهي اتهامات وصفتها السفارة الصينية في واشنطن بأنها لا أساس لها. وأثار استخدام النموذج الصيني تساؤلات حول التناقض بين حدة المنافسة التكنولوجية الأميركية - الصينية وبين اعتماد جهة حكومية أميركية على نموذج طورته شركة صينية.

ومع ذلك، قال خبراء إن الاستخدام المحدد لم يظهر أنه يمثل خطراً أمنياً فورياً، خصوصاً أن محتوى «السجل الفيدرالي» متاح للجمهور. كما أن «كوين» نموذج مفتوح الأوزان، بما يسمح بتشغيله داخل البنية التحتية الخاصة بالمؤسسات بدلاً من إرسال البيانات بالضرورة إلى أنظمة خارجية.

• معركة اقتصادية وتنظيمية تتجاوز المختبرات

وتكشف التطورات الثلاثة المتمثلة في مساهمة «كلود» في بناء النماذج، والاستعدادات لطرح شركات الذكاء الاصطناعي في البورصة، واستخدام نموذج صيني في بنية حكومية أميركية، عن أن النقاش لم يعد محصوراً في قدرات روبوتات المحادثة.

فالشركات تدخل مرحلة تستطيع فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي تسريع عملية إنتاج ذكاء اصطناعي أكثر تطوراً، في حين يتعين على المستثمرين تقييم مخاطر يصعب قياسها بالأدوات المالية التقليدية، وعلى الحكومات تحديد مستوى الرقابة المقبول من دون إضعاف شركاتها في المنافسة العالمية.

والتحدي الأكبر سيكون تحديد النقطة التي يتحول عندها الذكاء الاصطناعي من أداة تسرّع عمل الباحثين إلى منظومة تقود جانباً كبيراً من عملية تطوير نفسها. وأرقام «أنثروبيك» تشير إلى أن هذه المسافة تتقلص بسرعة، لكنها تؤكد أيضاً أن الإنسان لا يزال داخل دائرة الإشراف.

ولهذا؛ قد تصبح مؤشرات مثل نسبة الأبحاث التي «يقودها» الذكاء الاصطناعي، ومستوى الاستقلالية المسموح به، وآليات التقييم الخارجي، عناصر لا تقل أهمية للمستثمرين والجهات التنظيمية عن الإيرادات والحصة السوقية. ففي المرحلة المقبلة، لن يكون السؤال الاقتصادي فقط أي شركة تمتلك النموذج الأقوى؟ بل أيضاً أيها تستطيع إثبات أنها قادرة على السيطرة عليه في حين يستخدم في بناء الجيل الذي سيأتي بعده؟


ارتفاع تكاليف الطاقة والفائدة يهدد الأسواق بركود تضخمي وشيك

شاشات تعرض مؤتمراً صحافياً لرئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي كيفين وارش في قاعة التداول ببورصة نيويورك (أ.ب)
شاشات تعرض مؤتمراً صحافياً لرئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي كيفين وارش في قاعة التداول ببورصة نيويورك (أ.ب)
TT

ارتفاع تكاليف الطاقة والفائدة يهدد الأسواق بركود تضخمي وشيك

شاشات تعرض مؤتمراً صحافياً لرئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي كيفين وارش في قاعة التداول ببورصة نيويورك (أ.ب)
شاشات تعرض مؤتمراً صحافياً لرئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي كيفين وارش في قاعة التداول ببورصة نيويورك (أ.ب)

يدفع ارتفاع تكاليف الطاقة والاقتراض العالمية، نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، الاقتصادات والأسواق إلى الاقتراب أكثر من فترة قد تكون ضارة تتسم بارتفاع التضخم وبطء النمو.

وفي الوقت الراهن، لا تزال الأسهم قرب مستويات قياسية مرتفعة، كما ظل النمو الاقتصادي صامداً بفضل موجة الإنفاق الهائلة المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي. وكان ارتفاع أسعار النفط والغاز، وصعود عوائد السندات الحكومية العالمية إلى مستويات لم تشهدها منذ حقبة الأزمة المالية، منظماً حتى الآن.

لكن عدداً متزايداً من المؤشرات يظهر أن الهشاشة قد بدأت تتسلل إلى الأسواق، وفق «رويترز».

وقال كريس جيفري، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي في «إل جي آي إم»، بشأن ارتفاع تكاليف الاقتراض وأسعار الفائدة والطاقة: «حتى الآن، كان الأمر يتعلق فقط بالسلع وأسعار الفائدة. ولم يكن يتعلق بالأسهم والائتمان. بدأنا نشعر بالقلق من أننا قد نصل إلى مرحلة تبدأ فيها هذه التطورات بالتأثير على الأسهم والائتمان».

رفع الأسعار

عادت العقود الآجلة للنفط إلى تجاوز 100 دولار للبرميل، بزيادة 50 في المائة عن مستوياتها قبل الحرب، في وقت تهدد فيه الهجمات المتصاعدة في أنحاء الشرق الأوسط مزيداً من مسارات إمدادات النفط.

ويظهر سوق المشتقات أن المتعاملين لا يتوقعون انخفاضاً في الأسعار على المدى القريب.

ويراهن المستثمرون بأكبر قدر على وصول خام برنت إلى 100 دولار للبرميل بحلول نهاية ديسمبر، تلي ذلك بفارق ضئيل خيارات المراهنة على بيعه عند 60 دولاراً، ما يسلط الضوء على حالة عدم اليقين الشديدة في الوقت الراهن.

شخص أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر «نيكي» الياباني في طوكيو (أ.ب)

ولا يقتصر الأمر على النفط الخام. فقد اقترب الديزل من مستويات قياسية مرتفعة، فيما بلغ سعر وقود الطائرات ضعف مستواه في فبراير، قبل اندلاع الحرب مع إيران، بينما سجل الغاز الطبيعي الأوروبي أعلى مستوى له منذ عام 2022، في وقت تتنافس فيه شركات المرافق الأوروبية مع منافسيها في آسيا على شحنات الغاز.

ويظهر سوق التنبؤات الإلكتروني «بوليماركت» أن المستخدمين يمنحون احتمالاً لا يتجاوز 18 في المائة لإعادة فتح مضيق هرمز بحلول ديسمبر (كانون الأول).

توقعات التضخم

بعد أن تراجع خلال الصيف، بدأ التضخم في الارتفاع مجدداً. ففي الولايات المتحدة، استقر التضخم العام عند 3.4 في المائة في أغسطس (آب)، مع ارتفاع أسعار البنزين 3.9 في المائة.

وتشير أوروبا إلى الاتجاه نفسه. فقد تسارع التضخم السنوي في منطقة اليورو إلى 3.3 في المائة في أغسطس من 2.9 في المائة في يوليو (تموز)، وهو أعلى بكثير من هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة، مدفوعاً بدرجة كبيرة بارتفاع أسعار الطاقة.

ولم يكن الوضع أفضل في بريطانيا، إذ تسارع التضخم إلى أعلى مستوى له في خمسة أشهر، مسجلاً 3.1 في المائة في أغسطس.

ورفع البنك المركزي الأوروبي في وقت سابق من هذا الشهر توقعاته للتضخم إلى متوسط 2.5 في المائة العام المقبل، في حين يُتوقع أن يبلغ التضخم الأساسي 2.6 في المائة في عام 2027، مقابل 2.5 في المائة في التوقعات السابقة.

ويظهر سوق المقايضات أن التضخم في منطقة اليورو من المتوقع أن يبلغ نحو 3.5 في المائة العام المقبل، وأن يظل عند 2.4 في المائة فقط بعد خمس سنوات.

وتقترب توقعات التضخم في الولايات المتحدة لمدة عام واحد من 2.5 في المائة، مع تغير طفيف متوقع خلال السنوات الخمس المقبلة.

الطاقة تدفع رهانات أسعار الفائدة بشكل متزايد

غيّرت الحرب بشكل كامل آفاق أسعار الفائدة العالمية. ففي السابق، كانت الأسواق والاقتصاديون يتوقعون أن تُبقي أكبر البنوك المركزية في العالم أسعار الفائدة دون تغيير أو تخفضها.

لكن المتعاملين يتوقعون الآن زيادات في أسعار الفائدة لدى البنك المركزي الأوروبي بنحو نقطة مئوية كاملة خلال العام المقبل، وزيادتين إضافيتين على الأقل من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بعد رفعه الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس يوم الأربعاء.

ويرون أن الطاقة هي العامل الأكثر تأثيراً في آفاق أسعار الفائدة.

وأبقى بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير يوم الخميس، لكنه قال إنه يتوقع أن يتجاوز التضخم في بريطانيا 4 في المائة، أي ضعف مستواه المستهدف، بحلول أوائل عام 2027، مقارنة بذروة سابقة متوقعة عند 3.2 في المائة بحلول أواخر عام 2026.

ورفع بنك اليابان أسعار الفائدة إلى أعلى مستوى لها في 31 عاماً يوم الجمعة، وأشار إلى استعداده لمواصلة رفع تكاليف الاقتراض.

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

تزايد الضغوط على النمو

حتى الآن هذا العام، تمكنت اقتصادات الدول من تجاوز الضغوط المعاكسة.

وأشارت مؤشرات مديري المشتريات، وهي مقاييس تحظى بمتابعة وثيقة لنشاط القطاع الخاص، إلى توسع قوي في الولايات المتحدة وأوروبا خلال يوليو (تموز) وأغسطس.

وأظهرت بيانات صدرت هذا الأسبوع أن النمو البريطاني تجاوز التوقعات في يوليو، كما تجاوزت مبيعات التجزئة الأميركية التوقعات في أغسطس.

وقد دعم هذا الصمود أسواق الأسهم. ومن المتوقع أن تكون أرباح شركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» في الربع الثاني قد نمت 53 في المائة على أساس سنوي، وفقاً لبيانات «إل إس إي جي».

لكن أسعار الطاقة تبدو مهيأة للبقاء مرتفعة، كما أدت موجة بيع السندات العالمية إلى رفع عوائد الديون الحكومية، التي تحدد بدورها اتجاه أسعار الاقتراض في كل مكان.

ويبلغ متوسط سعر الفائدة على الرهن العقاري الأميركي لمدة 30 عاماً أكثر من 6.7 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ يونيو 2025.

والسؤال بالنسبة إلى المستثمرين هو ما إذا كان النمو قادراً على الصمود أمام ارتفاع تكاليف الطاقة والاقتراض، في وقت بدأت فيه الشكوك تتزايد بشأن استدامة مليارات الدولارات التي تتدفق إلى قطاع الذكاء الاصطناعي.

ضغوط على السيولة لدى المستهلكين

يتزايد تعرض المستهلكين للضغوط. فقد ارتفعت تكلفة الوقود في محطات التعبئة بشدة، ومن المرجح أن ترتفع فواتير الطاقة المنزلية أيضاً هذا الشتاء، خصوصاً في أوروبا، حيث وصلت مستويات التخزين إلى أدنى مستوياتها في 15 عاماً بالنسبة إلى هذا الوقت من العام.

كما ارتفعت معدلات الرهن العقاري والاقتراض، في حين لا يواكب نمو الأجور هذه الزيادات.

ويتوقع المستثمرون تباطؤاً في الاقتصاد. وكانت أسهم شركات السلع والخدمات الاستهلاكية الكمالية في الولايات المتحدة الأسوأ أداءً في «وول ستريت» حتى الآن هذا العام، بانخفاض يقارب 6 في المائة، مقارنة بمكاسب بلغت 10 في المائة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500».

وفي أوروبا، كان التباين أكثر حدة، إذ تراجعت أسهم شركات السلع والخدمات الاستهلاكية الكمالية 17 في المائة هذا العام، لتكون ثاني أسوأ القطاعات أداءً بعد قطاع السلع الفاخرة، مقابل مكاسب بلغت 7.5 في المائة لمؤشر «ستوكس 600».

ومع ارتفاع أسعار الفائدة، سيكون المستهلكون الذين يعانون ضغوطاً مالية أكثر ميلاً إلى الادخار بدلاً من الإنفاق، ما يحرم اقتصاداتهم المحلية من مزيد من الدعم.


اليوان والأسهم الصينية يصعدان قبل لقاء ترمب وشي

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
TT

اليوان والأسهم الصينية يصعدان قبل لقاء ترمب وشي

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

اتجهت الأسهم الصينية، الجمعة، نحو تسجيل أفضل أداء يومي في شهر، بالتزامن مع صعود اليوان في السوق الخارجية إلى أقوى مستوى في أربع سنوات، مدفوعة بتوقعات المستثمرين بانحسار التوترات التجارية مع اقتراب اجتماع الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ في واشنطن الأسبوع المقبل.

وارتفع مؤشرا «سي إس آي 300» للأسهم القيادية وشنغهاي المركب بنحو 1 في المائة بحلول استراحة منتصف الجلسة، ليتجها نحو تحقيق أكبر مكاسب يومية منذ منتصف أغسطس (آب).

وفي هونغ كونغ، صعد مؤشر «هانغ سنغ» 0.7 في المائة، وجاء التحسن مع ترقب الأسواق الاجتماع الثاني بين ترمب وشي هذا العام، وسط آمال في تحقيق تقدم بشأن الملفات التجارية. وكان الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير قد قال إن البلدين سيصدران «بعض الإعلانات بشأن الزراعة والحواجز غير الجمركية»، فيما يراقب المستثمرون إمكانية إحراز تقدم في خفض متبادل للرسوم يغطي سلعاً بقيمة 30 مليار دولار.وقالت «غريت وول سيكيوريتيز» للاستشارات المالية، إن المخاطر الخارجية تراجعت بعد انقضاء قرار رفع الفائدة الأميركية، مشيرة إلى استمرار جاذبية الرهانات على قطاعات الذكاء الاصطناعي وصناعة الرقائق الصينية.

وقادت أسهم التكنولوجيا الارتفاعات، إذ قفز مؤشر الدوائر المتكاملة الصيني 5 في المائة، بينما ارتفع مؤشر الذكاء الاصطناعي 3 في المائة. كما تصدرت أسهم أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي المكاسب في هونغ كونغ، في مقابل ضعف أسهم الطاقة والسلع الاستهلاكية، بما يعكس تفضيل المستثمرين لقطاعات «الاقتصاد الجديد».

وقالت «غولدمان ساكس» إنه رغم الضغوط التي تواجه الاقتصاد الصيني بسبب ضعف الطلب المحلي، لا تزال هناك نقاط قوة، من بينها التوسع العالمي المتزايد للشركات الصينية. بالتوازي مع مكاسب الأسهم، واصل اليوان صعوده. وبلغت العملة في السوق الخارجية 6.6956 مقابل الدولار خلال التعاملات الصباحية، وهو أقوى مستوى منذ يوليو (تموز) 2022.

وفي السوق المحلية، ارتفع اليوان نحو 0.15 في المائة إلى 6.6983 مقابل الدولار، مسجلاً أقوى مستوى منذ يناير (كانون الثاني) 2023، ومتجهاً لتحقيق مكاسب للأسبوع الثالث على التوالي.

ويشير الأداء إلى أن رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة هذا الأسبوع لم يوقف دورة ارتفاع العملة الصينية. وقالت «نان هوا فيوتشرز» للاستشارات المالية إن الولايات المتحدة دخلت دورة لرفع الفائدة، لكن مسار ارتفاع اليوان «لم ينته»، متوقعة استمرار الدعم من قوة الصادرات وتحويل الشركات إيراداتها الدولارية إلى العملة المحلية مع اقتراب نهاية العام.

ويتوقع «بنك أوف أميركا» ارتفاع اليوان 1.6 في المائة إضافية بحلول نهاية العام، مستنداً إلى تحويل حصيلة الصادرات واعتقاده بأن العملة الصينية لا تزال مقومة بأقل من قيمتها، إلى جانب ضغوط متزايدة من مجموعة السبع لمعالجة الاختلالات التجارية. وقال لين سونغ، كبير الاقتصاديين للصين الكبرى لدى بنك «آي إن جي»، إن العلاقة التقليدية بين اليوان وفارق العوائد بين الولايات المتحدة والصين أصبحت أقل وضوحاً خلال العام الماضي، نتيجة الكميات الكبيرة من العملات الأجنبية التي راكمها المصدرون الصينيون وتحول التوقعات نحو ارتفاع اليوان. لكن المخاطر لم تختف. فإذا اتجه «الفيدرالي» إلى تشديد أكبر، فقد تتسع فجوة العوائد إلى مستوى يعيد جذب المستثمرين نحو الدولار ويضغط على العملة الصينية. كما يرى «بنك أوف أميركا» أن مخاطر الانكماش وضعف الطلب المحلي قد تتحول إلى مصدر ضغط على اليوان إذا أدت إلى زيادة تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج.

مع ذلك، تعكس مكاسب الجمعة تحسناً واضحاً في شهية المخاطرة تجاه الأصول الصينية، حيث يجتمع صعود اليوان مع قوة أسهم التكنولوجيا، بينما يترقب المستثمرون نتائج لقاء ترمب وشي بحثاً عن إشارات قد تحدد مسار التجارة والأسواق خلال الفترة المقبلة.