لا يرى إنزو ماريسكا أن الوصول إلى منصب المدير الفني لمانشستر سيتي يمثل مجرد محطة جديدة في مسيرته التدريبية، بل يعده امتيازاً وفرصة للعمل في أفضل وظيفة بكرة القدم، في نادٍ يعرفه جيداً، ويؤمن بقدرته على التطور والمنافسة على الألقاب عاماً بعد عام.
وتولى ماريسكا، البالغ من العمر 46 عاماً، قيادة مانشستر سيتي، هذا الصيف، خلفاً للإسباني بيب غوارديولا، الذي رحل عن النادي بعد 10 أعوام حافلة بـ20 لقباً.
لكن المدرب الإيطالي ليس غريباً عن أجواء النادي، إذ سبق له العمل مع سيتي في فترتين، الأولى مديراً لفريق التطوير، حيث قاده إلى لقب الدوري الإنجليزي الممتاز تحت 23 عاماً، والثانية مساعداً للمدرب في الفريق الأول خلال الموسم التاريخي الذي تُوج فيه النادي بالثلاثية.
وقبل العودة إلى مانشستر، ترك ماريسكا بصمته مع ليستر سيتي وتشيلسي، إذ قاد ليستر للعودة إلى الدوري الإنجليزي الممتاز بعد الفوز بلقب «الشامبيونشيب»، ثم حقق مع تشيلسي لقب دوري المؤتمر الأوروبي وكأس العالم للأندية.
ومع بداية حقبة جديدة في ملعب الاتحاد، يؤكد ماريسكا أن وجوده في مانشستر سيتي يمثل بالنسبة له «أفضل وظيفة في كرة القدم»، لكنه يرى أن قيمة المنصب لا ترتبط فقط بحجم النادي أو عدد البطولات التي حققها، وإنما أيضاً بالطريقة التي يفكر بها المسؤولون عن إدارة الفريق.
وقال ماريسكا في مقابلة مع الموقع الرسمي لمانشستر سيتي: «بالتأكيد نعم، إنها أفضل وظيفة في كرة القدم. إنها وظيفة رائعة وممتعة ومثيرة، وبالنسبة لي هي امتياز».
وأوضح أن أكثر ما أقنعه بالعودة إلى النادي هو التوافق في الرؤية بين رئيس مجلس الإدارة خلدون المبارك والرئيس التنفيذي فيران سوريانو والمدير الرياضي هوغو فيانا، مشيراً إلى أن الجميع يتحدثون باللغة نفسها عندما يتعلق الأمر بأهداف النادي.
وأضاف: «بالتأكيد هذا نادٍ يجب أن يفوز بالمباريات والألقاب وأن ينافس، لكننا نتحدث أيضاً عن كيفية مواصلة جعل هذا النادي أفضل، موسماً بعد موسم. بالنسبة لي، هذا أمر مهم جداً، فعندما يتحدث الجميع باللغة نفسها يكون ذلك مهماً للغاية».
ويؤكد ماريسكا أنه كان مقتنعاً منذ اليوم الأول بقراره العودة إلى مانشستر، مستفيداً من معرفته السابقة بالأشخاص الموجودين داخل النادي، مضيفاً: «كنت مقتنعاً جداً منذ اليوم الأول، والسبب هو أنني أعرف أشخاصاً داخل المؤسسة، وأعرف مدى جديتهم. مرة أخرى، هذا نادٍ يجب أن يفوز، لكن علينا أن نصبح أفضل موسماً بعد موسم».
ولا تنفصل فلسفة ماريسكا التدريبية عن نشأته الأولى، إذ يرى أن أهم الدروس التي تعلمها في حياته لم تأت من كرة القدم، وإنما من والده الذي كان يعمل صياداً في جنوب إيطاليا، ومن الطريقة التي كان يواجه بها مشقة العمل يومياً.
وقال ماريسكا: «نشأت في عائلة كنت أرى فيها والدي يعمل كل يوم، وكان يذهب إلى العمل عندما يكون الظلام لا يزال يحيط بالمكان؛ لذلك، بالنسبة لي شخصياً، العمل الجاد مهم جداً».
وأضاف: «لهذا أكرر كل يوم أن الهدف في النهاية مهم، لكن الأهم هو الثقافة التي نصنعها، وهذا الأمر جاء من عائلتي ومن والدي. لم يعلموني كرة القدم، لكنهم علموني أشياء أهم من كرة القدم».
ويرى المدرب الإيطالي أن التضحية والعمل المتواصل كانا أهم ما تعلمه من والده، خصوصاً أنه لم يره يوماً يشكو من ظروف عمله الشاقة.
وأوضح: «كان الأمر يتعلق بالتضحية، لكن أهم شيء بالنسبة لي أنني لم أر والدي يشكو قط، رغم أنه كان يعمل في أثناء الليل؛ لذلك لم يعلمني أحد كيف أصبح لاعب كرة قدم أو كيف أصبح مدرباً، لكن أهم شيء تعلمته كان ثقافة العمل والتضحية، وهذا ما أعتقد أنه الأهم».
وتشكلت شخصية ماريسكا أيضاً من مسيرته الطويلة كلاعب، والتي امتدت لـ19 عاماً وشملت أندية كبيرة في إيطاليا وإسبانيا وإنجلترا واليونان، من بينها وست بروميتش ألبيون ويوفنتوس وإشبيلية وأولمبياكوس ومالاغا وباليرمو.
وانتقل ماريسكا إلى أكاديمية ميلان عندما كان في الحادية عشرة من عمره، قبل أن يبدأ مسيرته الاحترافية مع وست بروميتش عام 1998. ويعتقد أن اللعب في دول مختلفة لم يطوّر مستواه كلاعب فقط، بل ساعده أيضاً على تكوين شخصيته وفهمه للآخرين، وهو ما انعكس لاحقاً على طريقته في التدريب.
وقال: «عندما تلعب في 4 دول مختلفة، فقد لعبت في إيطاليا وإسبانيا وإنجلترا واليونان، فإن ذلك يشكلك من جميع الجوانب».
وتابع: «كإنسان، تحتاج إلى تعلم لغات مختلفة، والتكيف مع أطعمة مختلفة وثقافات مختلفة. تحتاج إلى أن تنمو. كلاعب، تتشكل رؤيتك، ولا شك لدي في أن الطريقة التي أحاول بها إدارة اللاعبين، والفرق اليوم جاءت بسبب هذه التجربة العامة».
ويؤمن ماريسكا بأن خبرته كلاعب إلى جانب عمله التدريبي السابق تمنحه قدرة خاصة على التعامل مع لاعبيه وفهم احتياجاتهم، وهو ما يفسر اختياره للحارس الأرجنتيني ويلي كاباييرو ضمن جهازه الفني الجديد.
ويعود كاباييرو إلى مانشستر سيتي بعدما خاض 48 مباراة مع النادي، وكان أحد أبطال التتويج بكأس رابطة الأندية الإنجليزية في موسم 2013 - 2014، كما أنه زميل سابق لماريسكا خلال فترة وجودهما معاً في مالاغا تحت قيادة المدرب السابق لسيتي مانويل بيليغريني.
وقال ماريسكا عن كاباييرو: «إنه مهم جداً. لقد كان لاعباً من الطراز الرفيع لمدة 20 عاماً، ولذلك فهو يعرف كيف يفكر اللاعبون، وفي أي لحظة يحتاجون إلى المزيد من الكلمات، وفي أي لحظة يحتاجون إلى كلمات أقل، ومتى يحتاجون إلى عناق... لذلك فهو يعرف بالضبط كيف يتعامل مع اللاعبين».
ويولي ماريسكا أهمية كبيرة لشخصية اللاعبين خارج الملعب، وهو ما ظهر بوضوح في حديثه عن الوافد الجديد إليوت أندرسون، الذي انضم إلى سيتي قادماً من نوتنغهام فورست بعد موسم مميز، شارك خلاله في جميع مباريات فريقه بالدوري الإنجليزي الممتاز، وقطع مسافة أكبر من أي لاعب آخر في المسابقة.
كما قدم أندرسون مستويات مميزة مع منتخب إنجلترا في كأس العالم الأخيرة، وأسهم في وصول الفريق إلى الدور قبل النهائي، لكن ماريسكا يؤكد أن إمكاناته الفنية لم تكن العامل الوحيد وراء قرار النادي بالتعاقد معه.
وقال: «عندما نتخذ قراراً، لا يتعلق الأمر فقط بكيفية أداء اللاعب، وهو أمر مهم بالتأكيد، لكننا ننظر أيضاً إلى السلوك. ننظر إلى الشخص والإنسان، وإليوت لديه كل هذه الأشياء».
وأضاف عن اللاعب البالغ من العمر 23 عاماً: «إنه لاعب رائع، وشخص لطيف ومتواضع ومهذب، وسيكون من دواعي سروري العمل معه».
وبينما يستعد ماريسكا لبداية مهمته الجديدة، يبدو واضحاً أنه لا يريد أن يعتمد فقط على جودة اللاعبين أو التاريخ الكبير للنادي، بل يسعى إلى بناء ثقافة تستند إلى العمل المستمر والتطور، وهي المبادئ التي يرى أنها رافقته منذ طفولته وحتى وصوله إلى قمة التدريب في كرة القدم الإنجليزية.
كما أن مسيرته كلاعب ومدرب منحته فرصة للعمل في بيئات وثقافات مختلفة، وهو ما جعله أكثر انفتاحاً على الأفكار الجديدة وأكثر قدرة على فهم اللاعبين والتعامل معهم. والآن، يجد نفسه أمام واحد من أكبر التحديات في مسيرته، وهو قيادة مانشستر سيتي بعد عقد كامل من هيمنة غوارديولا.
لكن ماريسكا لا يبدو منشغلاً بالمقارنة مع سلفه بقدر اهتمامه باستكمال المسار الذي وضعه النادي لنفسه؛ فبالنسبة إليه، الفوز جزء أساسي من هوية سيتي، لكن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا عندما ينجح الفريق في التطور باستمرار.
ولهذا يلخص المدرب الإيطالي فلسفته في فكرة بسيطة رافقته منذ طفولته: الهدف النهائي مهم، لكن الطريق الذي تسلكه للوصول إليه أكثر أهمية، والثقافة التي تبنيها داخل الفريق هي التي تحدد قدرتك على الاستمرار في القمة.
