لماذا يسرّع الاتحاد الأوروبي شراكاته التجارية في عهد ترمب؟

من الهند إلى «ميركوسور»… اتفاقيات تاريخية تعيد التموضع عالمياً

تُلقي رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خطاب «حال الاتحاد الأوروبي» أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بفرنسا (رويترز)
تُلقي رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خطاب «حال الاتحاد الأوروبي» أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بفرنسا (رويترز)
TT

لماذا يسرّع الاتحاد الأوروبي شراكاته التجارية في عهد ترمب؟

تُلقي رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خطاب «حال الاتحاد الأوروبي» أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بفرنسا (رويترز)
تُلقي رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خطاب «حال الاتحاد الأوروبي» أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بفرنسا (رويترز)

تُبرز اتفاقية التجارة الحرة الطموحة بين الاتحاد الأوروبي والهند مساعي الاتحاد لإبرام شراكات عالمية جديدة في وقت هزّت فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عواصمَ المنطقة، التي لطالما اعتمدت على علاقة مستقرة مع واشنطن في مجالات التجارة والدفاع والدبلوماسية.

وتعكس الاتفاقية التي أُعلنت يوم الثلاثاء، أولوية جديدة للاتحاد الأوروبي المكوَّن من 27 دولة، وهو أكبر تكتل تجاري في العالم، وذلك بعد أن هدّد الرئيس ترمب بفرض رسوم جمركية، بسبب معارضة ما عدّه سيطرة أميركية على غرينلاند، قبل أن يتراجع عن ذلك بعد أيام. وتأتي هذه الاتفاقية في سياق صفقات تجارية أُبرمت أو لا تزال قيد التفاوض خلال العام الماضي مع الهند واليابان وإندونيسيا والمكسيك ودول «ميركوسور» الخمس في أميركا الجنوبية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ووزير الخارجية البرازيلي ومفوّض الاتحاد للتجارة والأمن الاقتصادي يلتقطون صورة بعد اجتماع حول اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي و«ميركوسور» في ريو دي جانيرو (د.ب.أ)

وقال رئيس قبرص نيكوس خريستودوليدس، في خطاب ألقاه الأسبوع الماضي أمام البرلمان الأوروبي، وهو يستعرض أولويات بلاده مع بدء ولايتها التي تمتد ستة أشهر على رأس الاتحاد الأوروبي: «إن النظام الدولي الذي اعتمدنا عليه لعقود لم يعد أمراً مسلماً به».

وأضاف أن «هذه اللحظة تتطلّب تحركاً حاسماً وموثوقاً وموحداً. وتتطلّب اتحاداً أكثر استقلالية وانفتاحاً على العالم»، معبراً عن شعور واسع الانتشار داخل التكتل.

صفقات بروكسل حول العالم

بعد حضوره عرضاً عسكرياً في نيودلهي، وقّعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين اتفاقية التجارة الحرة، لتعميق الروابط الاقتصادية والاستراتيجية مع الهند، ووصفتها بأنها «أمّ الصفقات».

وقد تؤثر هذه الاتفاقية على ما يصل إلى مليارَي شخص، وتُخفّض الرسوم الجمركية على نحو 97 في المائة من صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الهند، مثل السيارات والنبيذ، وعلى 99 في المائة من شحنات السلع الهندية إلى الاتحاد الأوروبي، مثل المنسوجات والأدوية.

وقالت الزميلة البارزة في «صندوق مارشال الألماني»، غاريما موهان: «تحتاج أوروبا والهند إلى بعضهما اليوم أكثر من أي وقت مضى». وأضافت أن بروكسل ونيودلهي سعتا منذ فترة طويلة إلى علاقات أوثق بوصفها قوة موازنة لصعود الصين الاقتصادي، لكن حدة إدارة ترمب في القضايا الاقتصادية والأمنية هي التي حسمت الاتفاق.

وأضافت غاريما موهان: «هذا التوجه نحو التنويع، والبحث عن شركاء جدد، وبناء الاعتماد الذاتي؛ كان كل هذا نتيجة للتوترات مع الصين، وتأكد بشكل حاسم بفعل تصدع الشراكة عبر الأطلسي». وقالت إن الاتفاق «لم يكن ليرى النور إلا في هذا المنعطف الجيوسياسي تحديداً، وهذا بحد ذاته يعكس طبيعة العالم الذي نعيش فيه».

أورسولا فون دير لاين تتابع تحية رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي في نيودلهي (أ.ب)

وأبرم الاتحاد الأوروبي أول اتفاق تجاري له في يوليو (تموز) مع إندونيسيا. وقبل أسبوعين، وقّعت فون دير لاين اتفاقاً مع دول «ميركوسور» في أميركا الجنوبية، استغرق إعداده عقوداً، لإنشاء سوق تجارة حرة تضم أكثر من 700 مليون شخص، وأكدت أن لديها الصلاحية لتنفيذه رغم الاعتراضات التي أثارها البرلمان الأوروبي.

كما عزز الاتحاد الأوروبي علاقاته مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، وهي دول في منطقة المحيط الهادئ تشعر بالقلق من الطموحات الاستراتيجية لبكين ومن التقلبات السياسية في واشنطن.

وقال كبير محللي السياسات في «مركز السياسة الأوروبية»، إيفانو دي كارلو: «هناك أمل في أن تتغير الأمور، نظراً إلى أهمية الولايات المتحدة بالنسبة إلينا... لكن هناك إدراكاً الآن بأننا أصبحنا إلى حد ما أكثر وحدة في هذا العالم».

علما الاتحاد الأوروبي وتكتل «ميركوسور» معروضان على شاشة هاتف ذكي (د.ب.أ)

صناعة دفاعية قارية آخذة في النمو

دفع الغزو الروسي لأوكرانيا الاتحاد الأوروبي إلى إنشاء أدوات مالية لتعزيز صناعة الدفاع والبنى التحتية في التكتل، مثل القطارات والطرق والمواني. غير أن انتقادات إدارة ترمب مستويات الإنفاق الدفاعي المنخفضة في أوروبا سرّعت هذه المبادرات بشكل كبير.

وقالت رئيسة وزراء الدنمارك إن روسيا قد تشكل تهديداً أمنياً موثوقاً للاتحاد الأوروبي بحلول نهاية العقد، وإن الصناعات الدفاعية في أوروبا وأوكرانيا يجب أن تكون قادرة على التصدي لهذا التهديد.

وقادت فرنسا الدعوات إلى بناء «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا، وقد ازداد الدعم لهذا التوجه منذ أن حذّرت إدارة ترمب العام الماضي من أن أولوياتها الأمنية تقع في أماكن أخرى، وأن على الأوروبيين الاعتماد على أنفسهم.

وبعد فترة وجيزة من بدء ترمب ولايته الثانية في البيت الأبيض، اتفق قادة الاتحاد الأوروبي على زيادة ميزانياتهم الدفاعية. وبوصفها أولوية، خُصّصت 150 مليار يورو (162 مليار دولار) على شكل قروض لأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وأنظمة المدفعية والذخائر والطائرات المسيّرة والنقل الجوي، بالإضافة إلى أنظمة الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية.

وقال قادة صناعيون وخبراء في أنحاء أوروبا إن تحقيق قوة عسكرية مكتفية ذاتياً حقاً يتطلّب التغلب على عقود من الاعتماد على الولايات المتحدة، فضلاً عن تجاوز حالة التشرذم الوطني داخل صناعة الدفاع الأوروبية نفسها.

وقد سجلت أسهم كبرى شركات السلاح الأوروبية؛ مثل: «ليوناردو» (إيطاليا)، و«راينميتال» (ألمانيا)، و«ثاليس» (فرنسا)، و«ساب» (السويد)، ارتفاعات ملحوظة.

تبعية في مجال الطاقة

وفي إطار سعيه لقطع علاقاته الطاقية مع روسيا، بدأ الاتحاد الأوروبي شراء المزيد من الطاقة من الولايات المتحدة، وفقاً لمعهد تحليل اقتصادات الطاقة والتمويل. لكن ذلك ينطوي أيضاً على مخاطر بالنسبة إلى التكتل، حسب ما قاله المفوض الأوروبي للطاقة والإسكان دان يورغنسن خلال قمة بحر الشمال في هامبورغ بألمانيا يوم الاثنين.

ويستورد الاتحاد الأوروبي 14.5 في المائة من نفطه، و60 في المائة من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، وفقاً لوكالة الإحصاء الأوروبية (يوروستات).

وقال يورغنسن إن على الاتحاد الأوروبي السعي إلى مزيد من الاستقلالية في مجال الطاقة من خلال الاستثمار في الإنتاج المحلي ومصادر بديلة.

وأضاف: «لا نريد استبدال تبعية بأخرى... نحتاج إلى التنويع».

وقالت موهان إن «فك الارتباط أسهل قولاً منه فعلاً»، لكن بناء علاقات عالمية جديدة يمنح الاتحاد الأوروبي أفضلية في تعامله مع بكين وموسكو وواشنطن.


مقالات ذات صلة

«الخارجية» المصرية لـ«الشرق الأوسط»: لم نلاحظ ما يعيق عمل السفارة الهولندية

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الهولندي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

«الخارجية» المصرية لـ«الشرق الأوسط»: لم نلاحظ ما يعيق عمل السفارة الهولندية

أكد المتحدث الرسمي باسم «الخارجية» المصرية، السفير نادر زكي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن بلاده لم تلاحظ ما يعيق عمل السفارة الهولندية في القاهرة.

محمد الريس (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري ونظيره اليوناني اتفقا على العمل لتوسيع المساحة الاقتصادية الخالصة بين البلدين في البحر المتوسط (الخارجية المصرية)

هل تسبّب التحركات المصرية - اليونانية لتوسيع الحدود الاقتصادية صداماً مع تركيا؟

لا تزال أزمة مصادقة البرلمان الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا، والرفض المصري والأوروبي لها، تتفاعل.

هشام المياني (القاهرة)
الاقتصاد سيارات مُعدَّة للتصدير في ميناء «يانتاي» بمقاطعة شاندونغ الصينية (رويترز)

أوروبا تضع «اتفاق السيارات» نموذجاً في محادثاتها التجارية مع الصين

يعتزم الاتحاد الأوروبي بحث العلاقات التجارية في قطاعات أخرى غير السيارات خلال الجولة الثانية من المحادثات التجارية مع الصين، بهدف تقليص العجز التجاري الكبير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا متظاهرون يسيرون وسط الغاز المسيل للدموع خلال احتجاج على غلاء المعيشة في ليل شمال فرنسا يوم 17 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

جيل كامل من الشباب الأوروبيين يتظاهر لإسماع صوته ومطالبه

«الناس غاضبون للغاية، لم يعد بوسعهم التحمل. يعملون طوال النهار من غير أن يتمكنوا في نهاية المطاف من شراء حاجاتهم».

«الشرق الأوسط» (روما)
شمال افريقيا إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)

إغلاق السفارة الهولندية في القاهرة «حتى إشعار آخر»

أعلنت السفارة الهولندية في القاهرة «إغلاق أبوابها حتى إشعار آخر»، وقالت إن «وزارة الخارجية الهولندية اتخذت هذا القرار في ضوء المظاهرات التي يتم تنظيمها أمامها».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الصين تحث شركات النفط والغاز المحلية على زيادة الإنتاج والإمدادات

صهاريج تخزين النفط في شنغهاي (رويترز)
صهاريج تخزين النفط في شنغهاي (رويترز)
TT

الصين تحث شركات النفط والغاز المحلية على زيادة الإنتاج والإمدادات

صهاريج تخزين النفط في شنغهاي (رويترز)
صهاريج تخزين النفط في شنغهاي (رويترز)

كشفت الإدارة الوطنية للطاقة في الصين عبر موقعها الإلكتروني، الجمعة، عن عقد اجتماع مع ممثلي شركات النفط والغاز الطبيعي العاملة في البلاد يوم الخميس الماضي، حيث طالبتها الإدارة ببذل أقصى جهد ممكن لزيادة إنتاجها وإمداداتها للسوق المحلية، في ظلِّ الموقف الدولي الحاد والمُعقَّد بالنسبة لإمدادات الطاقة.

ونقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن بيان الإدارة القول، إن ممثلي كثير من الشركات منها «سينوبك» و«كنووك» المملوكتان للدولة حضروا الاجتماع الذي شهد مناقشة خطط الشركات لزيادة إنتاجها واحتياطاتها من النفط والغاز الطبيعي.

تأتي تحركات الحكومة الصينية في الوقت الذي يستمر فيه اضطراب إمدادات الطاقة العالمية بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران المستمرة منذ 28 فبراير (شباط) الماضي، والتي أدت إلى إغلاق مضيق «هرمز» على الخليج بدرجة كبيرة، وهو المضيق الذي كانت تمرُّ عبره، قبل اندلاع الحرب، نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، كان يتجه معظمها إلى الأسواق الآسيوية، ومنها السوق الصينية.

وتُعدُّ الصين أكبر دولة مستوردة للنفط في العالم حالياً.


تباطؤ طفيف للنشاط الاقتصادي الأميركي في أكتوبر وسط تصاعد الضغوط التضخمية

يعمل موظفون في أحد المصانع بمدينة لوس أنجليس في كاليفورنيا (رويترز)
يعمل موظفون في أحد المصانع بمدينة لوس أنجليس في كاليفورنيا (رويترز)
TT

تباطؤ طفيف للنشاط الاقتصادي الأميركي في أكتوبر وسط تصاعد الضغوط التضخمية

يعمل موظفون في أحد المصانع بمدينة لوس أنجليس في كاليفورنيا (رويترز)
يعمل موظفون في أحد المصانع بمدينة لوس أنجليس في كاليفورنيا (رويترز)

تباطأ النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة بشكل طفيف خلال أكتوبر (تشرين الأول)، رغم استمرار قوة الطلب التي أتاحت للشركات رفع أسعار السلع والخدمات، في مؤشر على احتمال تفاقم التضخم واستمراره عند مستويات مرتفعة خلال الأشهر المقبلة.

وأعلنت مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال»، الجمعة، أن القراءة الأولية لمؤشر مديري المشتريات المركب للإنتاج في الولايات المتحدة، الذي يقيس أداء قطاعَي الصناعة والخدمات، تراجعت إلى 57.6 نقطة في أكتوبر، من 58.4 نقطة في سبتمبر (أيلول)، حين سجلت أعلى مستوى في خمس سنوات. وتشير القراءة التي تتجاوز 50 نقطة إلى نمو نشاط القطاع الخاص.

وعوّض تحسّن أداء القطاع الصناعي تراجعاً طفيفاً في قطاع الخدمات الذي يمثّل الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي الأميركي.

وأظهرت نتائج المسح أن الاقتصاد الأميركي بدأ الربع الرابع من العام على أساس متين، بعد أداء يُتوقع أن يكون قوياً خلال الربع الثالث، الممتد من يوليو (تموز) إلى سبتمبر. ويتوقع اقتصاديون أن يُظهر التقدير الأولي للناتج المحلي الإجمالي، الذي ستصدره الحكومة الأسبوع المقبل، نمواً بنحو 3 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الثالث، مدفوعاً أساساً بإنفاق المستهلكين واستثمارات الشركات في الذكاء الاصطناعي.

ولم يُظهر الاقتصاد الأميركي حتى الآن مؤشرات واضحة على تضرّره بشدة من صدمة أسعار النفط الناجمة عن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. وأسهمت المدخرات، واستردادات الضرائب السخية خلال الربيع، والمبالغ المستردة من الرسوم الجمركية، والأداء القوي لسوق الأسهم، وأرباح الشركات، في توفير هامش دعم للنشاط الاقتصادي.

غير أن اقتصاديين حذّروا من أن التداعيات التضخمية للصراع المطول في الشرق الأوسط قد تؤدي إلى تباطؤ إنفاق المستهلكين خلال الربع الحالي.

وفي المقابل، ارتفع مؤشر الطلبات الجديدة التي تلقتها الشركات إلى 58.2 نقطة في أكتوبر، من 58.1 نقطة في سبتمبر، مسجلاً أعلى مستوى منذ مارس (آذار) 2022. وجاءت الزيادة مدفوعة بشكل أساسي بقطاع الخدمات، في ظل ارتفاع الطلب المحلي، الذي تعزّز جزئياً بفعل بناء المخزونات تحسباً لاضطرابات محتملة، إلى جانب نمو الصادرات.

الأسعار تسجّل أعلى مستوى منذ أغسطس 2022

وعلى صعيد الأسعار، ارتفع مؤشر أسعار الإنتاج إلى 59.8 نقطة في أكتوبر، من 58.4 نقطة في سبتمبر، مسجلاً أعلى قراءة منذ أغسطس (آب) 2022، مع زيادة الشركات أسعار السلع والخدمات في قطاعي الصناعة والخدمات.

وتزامن ذلك مع تدهور إضافي في أداء الموردين في تسليم مستلزمات الإنتاج إلى المصانع، إذ انخفض مؤشر أوقات تسليم الموردين إلى 38.1 نقطة، من 40.9 نقطة في سبتمبر، مسجلاً أدنى مستوى له منذ أكثر من أربع سنوات. وتشير القراءة المتراجعة إلى إطالة فترات التسليم وتزايد الاختناقات في سلاسل الإمداد.

وقال كبير الاقتصاديين المعنيين بالأعمال في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، كريس ويليامسون، إن ضغوط التكاليف لا تزال مصدر قلق رئيسياً، مضيفاً أن اختناقات سلاسل الإمداد تفاقمت، في وقت تتزايد فيه الطلبات المتراكمة، ما يمنح الشركات قدرة أكبر على تمرير التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين.

وكانت أسعار المستهلكين والمنتجين قد سجلت زيادات قوية في سبتمبر، وفق بيانات حكومية صدرت خلال الشهر الحالي، ما أثار مخاوف من اتساع نطاق التضخم في مختلف قطاعات الاقتصاد.

وفي سبتمبر، رفع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة بمقدار 25 نقطة أساس، إلى نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة.

ويتوقع اقتصاديون أن يُبقي البنك المركزي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه الأسبوع المقبل، قبل أن يستأنف رفع تكاليف الاقتراض في ديسمبر (كانون الأول).

وحول تكاليف الإنتاج، تراجع مؤشر الأسعار التي تدفعها الشركات مقابل مستلزمات الإنتاج إلى 64.9 نقطة في أكتوبر، من 65.9 نقطة في سبتمبر، لكنه ظل عند مستوى مرتفع. وواجهت الشركات الصناعية خصوصاً ارتفاعاً في الأسعار خلال الشهر، مع بقاء المؤشر قريباً من أعلى مستوياته في أربع سنوات.

أما التوظيف فانخفض إجمالاً بعد ارتفاعه الحاد في سبتمبر، في حين زادت المصانع عدد العاملين لديها. وارتفع مؤشر التوظيف في القطاع الصناعي إلى أعلى مستوى منذ مارس 2012.

وأوضح ويليامسون أن الشركات تسعى إلى زيادة طاقتها الإنتاجية لتلبية الطلب الأقوى من العملاء.


«المركزي الروسي» يثبت الفائدة ويرفع توقعات التضخم لعام 2026

العلم الروسي يرفرف فوق مقر البنك المركزي في موسكو (إ.ب.أ)
العلم الروسي يرفرف فوق مقر البنك المركزي في موسكو (إ.ب.أ)
TT

«المركزي الروسي» يثبت الفائدة ويرفع توقعات التضخم لعام 2026

العلم الروسي يرفرف فوق مقر البنك المركزي في موسكو (إ.ب.أ)
العلم الروسي يرفرف فوق مقر البنك المركزي في موسكو (إ.ب.أ)

أبقى البنك المركزي الروسي سعر الفائدة الرئيسي عند 14 في المائة، الجمعة، للمرة الثانية في أقل من شهرين، في ظل استمرار الضغوط التضخمية الناجمة عن الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة على مصافي النفط، وزيادة الإنفاق الحكومي ورسوم الخدمات العامة، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الروسي تباطؤاً حاداً في النمو.

ورفع البنك المركزي توقعاته للتضخم خلال عام 2026 إلى نطاق يتراوح بين 7.1 و7.6 في المائة، مقارنة بتقديرات سابقة تراوحت بين 6 و7 في المائة، كما رفع توقعاته لمتوسط سعر الفائدة في عام 2027، في إشارة إلى استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول مما كان متوقعاً، وفق «رويترز».

وجاء قرار تثبيت الفائدة متوافقاً مع توقعات المحللين العشرين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم هذا الأسبوع. وأظهرت أحدث البيانات ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 6.2 في المائة منذ بداية العام الحالي، مقابل زيادة بلغت 4.8 في المائة خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وقال البنك المركزي، في بيان، إن «ضغوط الأسعار الحالية لا تزال مرتفعة، كما تظل توقعات التضخم عالية»، مؤكداً استمرار التحديات التي تعرقل عودة التضخم إلى مستوياته المستهدفة.

ويستهدف البنك المركزي الروسي خفض التضخم إلى 4 في المائة، وهو المستوى الذي لا يزال يتوقع بلوغه في عام 2027، رغم الضغوط المتزايدة الناجمة عن ارتفاع أسعار الوقود وتراجع القدرات الإنتاجية في بعض القطاعات.

هجمات المسيّرات ترفع أسعار الوقود

وشهدت سوق الوقود الروسية ارتفاعاً حاداً في الأسعار منذ بداية العام، إذ قفزت أسعار البنزين بنسبة 21 في المائة، فيما ارتفعت أسعار الديزل بنسبة 13.4 في المائة، عقب هجمات بالطائرات المسيّرة أدت إلى خروج عدد من مصافي النفط عن الخدمة، وتسببت في تشكل طوابير أمام محطات الوقود في أنحاء البلاد.

ووصف البنك المركزي هذه الهجمات بأنها من «العوامل الاستثنائية» المؤثرة في الأسعار، مشيراً إلى أن نمو الأسعار الأساسي لم يتراجع بعد، ولا يزال يتراوح بين 5 و6 في المائة، وفق المعدلات السنوية المحسوبة على أساس الوتيرة الحالية.

وعزا البنك استمرار هذه الضغوط، بصورة رئيسية، إلى التأثير المؤقت لتراجع القدرات الإنتاجية في بعض القطاعات، محذراً من أن استمرار هذا التراجع لفترة أطول قد يزيد المخاطر التضخمية. وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود بات يؤثر في الاتجاه العام للأسعار.

وفي تعليق على تداعيات التطورات الأخيرة، قالت المحللة صوفيا دونيتس من شركة «تي إنفستمنت» إن أسواق الأسهم والسندات الحكومية شهدت تراجعاً، مضيفة: «هذا ليس مفاجئاً، إذ جرت مراجعة التوقعات المستقبلية بصورة حادة».

عام آخر من الفائدة المرتفعة

وتتزايد الضغوط على الاقتصاد الروسي مع ارتفاع تكاليف المعيشة واتساع الإنفاق العام. فقد زادت فواتير الخدمات العامة بمتوسط 13.4 في المائة، اعتباراً من الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، متجاوزة التوجيهات الصادرة عن الحكومة المركزية بمقدار 3.5 نقطة مئوية، بعدما حددت السلطات الإقليمية الزيادات استناداً إلى تلك التوجيهات.

وفي موازاة ذلك، يُتوقع أن يتسع عجز الموازنة الحكومية إلى 3.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، أي ضعف المستهدف السابق البالغ 1.6 في المائة. كما يُرجح ارتفاع الإنفاق الحكومي بنسبة 13 في المائة خلال العام الحالي، مدفوعاً في معظمه بزيادة النفقات العسكرية.

وتلقي أسعار الفائدة المرتفعة بثقلها على النشاط الاقتصادي، إذ يُتوقع ألا يتجاوز نمو الاقتصاد الروسي 0.6 في المائة هذا العام. كذلك، تزيد الفائدة المرتفعة تكلفة خدمة الدين الحكومي، في وقت تضطر فيه الدولة إلى زيادة الاقتراض لتغطية عجز الموازنة.

وفي مؤشر إلى استمرار النهج النقدي المتشدد، رفع البنك المركزي توقعاته لمتوسط سعر الفائدة الرئيسي في عام 2027 إلى ما بين 12.5 و13.5 في المائة، مقارنة بنطاق سابق تراوح بين 10.5 و12.5 في المائة. وتعني هذه التوقعات أن الاقتصاد الروسي قد يواجه عاماً إضافياً تتجاوز فيه الفائدة مستوى 12 في المائة، وهو مستوى ترى الشركات أن النزول إليه أو دونه ضروري لاستئناف الاستثمار.

ومن المقرر أن يعقد البنك المركزي اجتماعاً واحداً إضافياً لتحديد أسعار الفائدة خلال العام الحالي، في 18 ديسمبر (كانون الأول). وأشار محللون إلى أن التوقعات المحدّثة لمتوسط الفائدة في عام 2027 لا تزال تترك مجالاً لخفضها بمقدار 25 نقطة أساس في الاجتماع المقبل.