مشروع «قانون ترمب»... تحول شامل يعيد رسم الاقتصاد والمجتمع الأميركي

إنفاق ضخم لتعزيز الأمن الحدودي ورفع سقف الدين بـ5 تريليونات دولار

دونالد ترمب يتحدث في منشأة احتجاز المهاجرين الجديدة «ألّيجاتور ألكاتراز» بفلوريدا 1 يوليو 2025 (أ.ب)
دونالد ترمب يتحدث في منشأة احتجاز المهاجرين الجديدة «ألّيجاتور ألكاتراز» بفلوريدا 1 يوليو 2025 (أ.ب)
TT

مشروع «قانون ترمب»... تحول شامل يعيد رسم الاقتصاد والمجتمع الأميركي

دونالد ترمب يتحدث في منشأة احتجاز المهاجرين الجديدة «ألّيجاتور ألكاتراز» بفلوريدا 1 يوليو 2025 (أ.ب)
دونالد ترمب يتحدث في منشأة احتجاز المهاجرين الجديدة «ألّيجاتور ألكاتراز» بفلوريدا 1 يوليو 2025 (أ.ب)

يمثّل مشروع قانون الرئيس دونالد ترمب والحزب الجمهوري لخفض الضرائب نقطة تحوّل جوهريّة في هيكل الحكومة الفيدرالية والاقتصاد الأميركي. يتضمن هذا المشروع إعفاءات ضريبية جديدة، وإنفاقاً ضخماً على أمن الحدود، وتخفيضات واسعة في برامج شبكة الأمان الاجتماعي، وتراجعاً ملحوظاً في الاستثمارات الموجهة لمكافحة تغيّر المناخ، بالإضافة إلى قيود جديدة على قروض الطلاب.

وبعد أن أقرّه مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء وأعاده إلى مجلس النواب، يسعى الجمهوريون إلى تمرير التشريع بسرعة قياسية. ويهدفون من خلال ذلك إلى إلغاء كثير من إنجازات الرئيس جو بايدن التشريعية، وترسيخ إرث ترمب في مجالات الضرائب، وأمن الحدود، وبرامج مكافحة الفقر التي امتدت عبر عقود، وفق صحيفة «واشنطن بوست».

خلافات ومفاوضات مستمرة

ولا تزال المفاوضات بين الجمهوريين جارية، حيث أدخل مجلس الشيوخ تعديلات جوهرية على المشروع أثارت بعض الارتباك بين أعضاء مجلس النواب. ويعول ترمب وقيادة الجمهوريين في مجلس الشيوخ على تمرير النواب للنسخة المعدّلة، رغم ازدياد المخاوف بشأن قضايا عدة، منها شبكة الأمان الاجتماعي والدين العام. ويستخدم الجمهوريون آلية «تسوية الموازنة» التي تتيح لهم تجاوز عرقلة الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، والمضي قدماً في المشروع على أساس حزبي بحت.

رؤساء وأعضاء لجان في مجلس النواب يناقشون مشروع قانون ترمب تمهيداً لعرضه على المجلس (أ.ب)

أبرز بنود مشروع القانون

- تمديد تخفيضات الضرائب لعام 2017: أصدر قانون «تخفيضات الضرائب والوظائف» لعام 2017، الذي أقرّه ترمب، خفضاً ضريبياً للأفراد في معظم شرائح الدخل، مع تركيز المكاسب على أصحاب المداخيل المرتفعة والشركات. وقد جُعلت تخفيضات ضرائب الشركات دائمة، بينما تنتهي المزايا الفردية بنهاية العام الحالي، ما قد يرفع الضرائب على معظم الأسر ما لم يتحرك الكونغرس. ويهدف المشروع الجمهوري إلى تمديد هذه التخفيضات بشكل دائم.

- زيادة الخصم القياسي: ضاعف قانون ترمب السابق الخصم القياسي، وهو المبلغ المعفى من الضرائب عند تقديم الإقرار الضريبي. ويحافظ المشروع على هذا الإجراء ويعززه، برفع الخصم بمقدار 2000 دولار للأزواج الذين يقدمون إقرارات ضريبية مشتركة، و1000 دولار للأفراد، ليصل إلى 32 ألف دولار للأزواج و16 ألف دولار للأفراد.

- تخفيضات في برنامج «ميديكيد»: يسعى الجمهوريون إلى تقليص موازنات «ميديكيد»، برنامج التأمين الصحي الفيدرالي لذوي الدخل المحدود وذوي الإعاقة، من خلال فرض قيود على الأهلية، ومتطلبات عمل جديدة، وهياكل لتقاسم التكاليف. كما يقترحون قيوداً على الضرائب التي تفرضها الولايات على مقدمي خدمات «ميديكيد»، بهدف خفض التمويل الفيدرالي، وتشجيع استبعاد بعض المهاجرين من قوائم المستفيدين.

عمال اتحاد موظفي الخدمة الدولية يحتجون ضد تخفيضات «ميديكيد» المقترحة قرب الكابيتول بواشنطن 23 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

- صندوق دعم المستشفيات الريفية: أنشأ مجلس الشيوخ صندوقاً بقيمة 50 مليار دولار لدعم استقرار المستشفيات والمرافق الصحية الريفية، يبدأ العمل به في 2026 وينتهي في 2032. وقد تمت مضاعفة حجمه لإرضاء السيناتورة ليزا موركوفسكي (جمهورية - ألاسكا)، التي كانت من بين آخر الرافضين للمشروع.

- تعديل سقف خصم ضرائب الولايات والهيئات المحلية (SALT): اتفق بعض المشرعين على رفع الحد الأقصى للخصم الضريبي على ضرائب الولايات والهيئات المحلية من 10 آلاف دولار إلى 40 ألف دولار لمدة خمس سنوات، مع زيادة سنوية بنسبة 1 في المائة، على أن يعود السقف إلى 10 آلاف دولار بعد انتهاء هذه الفترة.

- تحميل حكومات الولايات مزيداً من تكاليف برنامج (SNAP): ينص التشريع على وضع سقف لتوسع برنامج المساعدة الغذائية التكميلية (SNAP)، المعروف سابقاً بقسائم الطعام. وبدءاً من عام 2028 ستتحمل حكومات الولايات جزءاً أكبر من تكاليف إدارة البرنامج، ما قد يدفعها إلى تقليص المزايا أو استنزاف ميزانياتها. كما ستُلزم الولايات ذات معدلات المدفوعات الخاطئة بتحمّل ما يصل إلى 15 في المائة من تكاليف المزايا. حالياً، تُقسَّم التكاليف بالتساوي بين الحكومة الفيدرالية والولايات، لكن بدءاً من 2027 ستتحمل الحكومة الفيدرالية ربع التكلفة فقط.

- زيادة الائتمان الضريبي للأطفال - للبعض فقط: يرفع المشروع قيمة الائتمان الضريبي من 2000 إلى 2200 دولار لكل طفل، ويربطه بالتضخم، لكنه يشترط أن يكون الوالدان أو الأوصياء حاملي أرقام ضمان اجتماعي سارية، مما يستثني غالبية الآباء غير المواطنين من الاستفادة.

- إنفاق ضخم على الحدود وقيود جديدة على الهجرة: يخصص المشروع نحو 170 مليار دولار لحملة إدارة ترمب على الحدود والهجرة، تشمل أكثر من 46 مليار دولار لبناء الجدار وتعزيز نقاط العبور، وأكثر من 70 مليار دولار لبناء وصيانة مراكز احتجاز لإيواء ونقل عائلات المرحلين.

زعيم الديمقراطيين تشاك شومر بعد تمرير مشروع قانون يزيد العجز الوطني بـ3.3 تريليون دولار (إ.ب.أ)

- ضرائب جديدة على الجامعات: يفرض المشروع ضرائب تصاعدية على العائدات الناتجة من أوقاف الجامعات، استناداً إلى حجم الوقف لكل طالب مسجّل، بدلاً من المعدل الموحد الحالي البالغ 1.4 في المائة.

- إنشاء حسابات توفير للمواليد الجدد: يستحدث المشروع ما يُعرف بـ«حساب ترمب»، وهو حساب توفير بقيمة 1000 دولار يُمنح لكل مولود جديد، مع إمكانية الإيداع السنوي حتى 5000 دولار حتى يبلغ المستفيد 31 عاماً، في محاولة لمحاكاة مبادرات مثل «سندات الأطفال» التي اقترحها الديمقراطيون سابقاً.

- إعفاء الإكراميات من الضرائب: ركّز ترمب في حملته على إلغاء الضرائب على الإكراميات، وأدرج هذا الإجراء في مشروع القانون. ويسمح التشريع بخصم ضريبي على إجمالي دخل الإكراميات، مع وضع قيود تمنع «ذوي الرواتب العالية» من التحايل، ويقتصر الاستحقاق على مهن مثل خدمات الطعام، والعناية بالشعر والأظافر، وصالونات التجميل، وعلاجات الجسم والمنتجعات الصحية.

- إعفاء أجور العمل الإضافي من الضرائب: يوفر المشروع خصماً ضريبياً على أجور العمل الإضافي، مع استثناء الإكراميات والموظفين ذوي الأجور العالية، ويتطلب استخدام رقم ضمان اجتماعي، ما يستبعد معظم المهاجرين غير المسجلين من الاستفادة.

- إعفاء فوائد قروض السيارات: يسمح المشروع لمشتري السيارات الأميركية الصنع بخصم يصل إلى 10 آلاف دولار من فوائد قروض السيارات على مدى أربع سنوات، مع تقليص هذا الخصم تدريجياً لمن يكسبون أكثر من 100 ألف دولار (أو 200 ألف دولار للأزواج).

- خصم إضافي لكبار السن: على الرغم من استبعاد مشروع القانون لوعد ترمب بإلغاء ضرائب استحقاقات الضمان الاجتماعي، فإنه يمنح من تزيد أعمارهم على 65 عاماً خصماً إضافياً قدره 6 آلاف دولار، يتناقص تدريجياً مع زيادة الدخل.

- إعفاءات ضريبية دائمة للشركات: يجعل التشريع ثلاثة إعفاءات ضريبية طالبت بها الشركات دائمة. تشمل: الإهلاك الإضافي الذي يتيح شطب نفقات المشتريات الجديدة في السنة الأولى، وخصم نفقات البحث والتطوير، وتوسيع خصم نفقات الفوائد. ويُتوقع أن يوافق مجلس الشيوخ عليها بشكل دائم، ما يجعلها من أكثر بنود المشروع تكلفة.

- موازنة ضخمة للبنتاغون تشمل نظام «القبة الذهبية»: تبلغ موازنة وزارة الدفاع 158 مليار دولار، موزعة على أولويات تشمل 25 ملياراً للذخائر، و28 ملياراً لبناء السفن، و24 ملياراً للدفاع الصاروخي والقدرات الفضائية، بما في ذلك نظام الدفاع الصاروخي «القبة الذهبية» الذي اقترحه ترمب.

- إلغاء برنامج بايدن لإعفاء قروض الطلاب: يوفر المشروع 320 مليار دولار خلال 10 سنوات عبر إلغاء برنامج بايدن لإعفاء قروض الطلاب، وإجراء تعديلات على شروط السداد.

- إعفاءات ضريبية للتعليم الخاص والمنزلي: يرصد المشروع ما يصل إلى 4 مليارات دولار سنوياً إعفاءات ضريبية للتبرعات المقدمة للمنظمات التي تساعد الأسر على دفع رسوم التعليم المنزلي أو الخاص.

- إلغاء تمويل مكافحة تغيّر المناخ: يقترح المشروع إلغاء بعض عناصر قانون بايدن المميز للمناخ لعام 2022، المعروف باسم قانون خفض التضخم. ويُلغى بموجب المشروع الإعفاء الضريبي الفيدرالي الذي يصل إلى 7 آلاف و500 دولار للمستهلكين عند شراء سيارة كهربائية، إضافة إلى إلغاء الحوافز المقدمة لإنتاج الطاقة النظيفة، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية، بصورة تدريجية وسريعة.

- دعم إنتاج النفط والغاز والفحم: تلزم لجنة الموارد الطبيعية الحكومة الفيدرالية بالبدء فوراً في بيع عقود إيجار لحفر النفط والغاز في خليج المكسيك والمناطق البرية المحمية في ألاسكا، كما يُجبر المشروع وزارة الداخلية على الموافقة على زيادة إنتاج الفحم وتخفيف اللوائح التنظيمية لتخفيض تكلفة استخراجه.

- تقليص حماية الموظفين الفيدراليين: يشترط التشريع إجراء تدقيق في حسابات كبار الموظفين الفيدراليين المشمولين بالتأمين الصحي الحكومي. وكانت النسخ السابقة تتضمن بنوداً تلزم الموظفين الجدد بالاختيار بين تصنيف «متاح حسب الرغبة» الذي يسهّل فصلهم، أو المساهمة بجزء أكبر من رواتبهم في التقاعد، مع إعادة احتساب الاستحقاقات، لكن هذه الأحكام أُلغيت.

- رفع سقف الدين: يحدد سقف الدين الحد الأقصى لاقتراض الحكومة الفيدرالية لتغطية نفقاتها القائمة. ومع تجاوز هذا الحد تقنياً بنهاية 2024 لجأت وزارة الخزانة إلى «إجراءات استثنائية» لتأجيل الحاجة إلى مزيد من الاقتراض. وقد حذر الوزير سكوت بيسنت من نفاد هذه الإجراءات بحلول منتصف أغسطس (آب)، فيما ينص مشروع القانون على رفع سقف الدين بـ5 تريليونات دولار.


مقالات ذات صلة

ترمب: «قوة عسكرية كبيرة» تتجه نحو إيران 

الولايات المتحدة​ ترمب متحدثا إلى الصحافيين بعيد مغادرته دافوس عائدا إلى واشنطن اليوم (أ.ب)

ترمب: «قوة عسكرية كبيرة» تتجه نحو إيران 

قال ⁠الرئيس ​الأميركي ‌دونالد ترمب يوم ⁠الخميس ‌إن «قوة عسكرية كبيرة» ‍تتجه نحو إيران ​وإنه يراقب الوضع ⁠في البلاد «عن كثب».

«الشرق الأوسط» (على متن الطائرة ​الرئاسية)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل وثيقة إنشاء «مجلس السلام» في دافوس بسويسرا (رويترز)

ألبانيا وبلغاريا وكوسوفو تنضم إلى «مجلس السلام»

انضمت ألبانيا وكوسوفو وبلغاريا إلى مبادرة «مجلس السلام» التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لحل النزاعات في أنحاء العالم.

«الشرق الأوسط» (تيرانا)
أوروبا ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب)

ويتكوف وكوشنر يصلان إلى موسكو لإجراء مباحثات بشأن أوكرانيا

وصل المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى موسكو مساء الخميس لإجراء مباحثات بشأن أوكرانيا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا رئيس الوزراء الهولندي ديك شوف (يسار) ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (يمين) خلال اجتماع غير رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي في بروكسل 22 يناير 2026 (إ.ب.أ) play-circle

زعماء دول الاتحاد الأوروبي يجتمعون لإعادة تقييم العلاقات مع أميركا

قال دبلوماسيون إن زعماء دول الاتحاد الأوروبي سيعيدون النظر في علاقاتهم مع أميركا في قمة طارئة، الخميس، بعد تهديدات الرئيس الأميركي ترمب بفرض رسوم جمركية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية كايا كالاس تصل إلى بروكسل لحضور اجتماع غير رسمي لأعضاء المجلس الأوروبي في 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)

كالاس: قادة الاتحاد الأوروبي قد ينضمون إلى «مجلس السلام» إذا اقتصر عمله على غزة

قالت مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي إن قادة أوروبا قد ينضمون إلى «مجلس ‌السلام» الذي اقترحه ‌الرئيس ‌الأميركي ​ترمب ‌إذا اقتصر نطاق تركيزه على غزة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

السعودية تفتح باب التملك العقاري للأجانب


جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
TT

السعودية تفتح باب التملك العقاري للأجانب


جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

دخلت السعودية، أمس (الخميس)، حقبة اقتصادية تاريخية بدخول نظام تملك غير السعوديين للعقار حيز التنفيذ، مُحوّلة سوقها المحلية إلى منصة استثمارية عالمية.

ويمثل هذا الحدث حجر زاوية في منظومة التشريعات العقارية الهادفة إلى إعادة صياغة ملامح السوق العقارية السعودية.

ويستهدف النظام، المنسجم مع «رؤية 2030»، تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر ورفع جودة الحياة، من خلال تمكين الأفراد والشركات من التملك عبر رحلة رقمية ميسرة من بوابة «عقارات السعودية». ويمنح النظام مرونة واسعة في مختلف المدن كالرياض وجدة، مع وضع ضوابط سيادية خاصة لمكة المكرمة والمدينة المنورة، تحصر التملك فيهما على المسلمين والشركات السعودية.

ومن المتوقع أن يساهم هذا التحوّل في تنشيط القطاعات الرديفة، مع ضمان أعلى مستويات الموثوقية القانونية عبر الربط بنظام التسجيل العيني، ترسيخاً لبيئة استثمارية شفافة وآمنة.


دافوس... «هندسة الأثر» تضع السعودية في قلب الاقتصاد العالمي الجديد

جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
TT

دافوس... «هندسة الأثر» تضع السعودية في قلب الاقتصاد العالمي الجديد

جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

في وقتٍ يبحث فيه العالم عن بوصلة وسط «ضبابية» المشهد الاقتصادي، قدمت السعودية من فوق جبال دافوس السويسرية نموذجاً فريداً في «هندسة الأثر» الاقتصادي. ومن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، رسم وزراء ومسؤولون خريطة طريق لمرحلة قوامها «الذكاء التشغيلي»، حيث لم يعد الطموح مجرد تحقيق النمو، بل جودة هذا النمو وتكلفته المستدامة. وبينما كان العالم يترقب صدمات جديدة، كانت الرياض تعلن انتقالها من مرحلة «التخطيط الهيكلي» إلى مرحلة «تعظيم النتائج»، محولةً الاستقرار من مجرد حالة سياسية إلى «فرصة تنافسية» نادرة تجذب رؤوس الأموال العالمية في زمن التجزؤ.

وقد عُقدت جلسة حوارية خاصة في المنتدى تحت عنوان «نظرة على الاقتصاد السعودي»، بمشاركة وزير المالية محمد الجدعان، ووزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، وعدد من المسؤولين.

الجدعان و«ضريبة الغموض»

أطلق وزير المالية، محمد الجدعان، مصطلحاً جوهرياً بوصفه «ضريبة الغموض» كأكبر تحدٍّ يواجه المستثمرين عالمياً. وأكد أن دور المملكة يتجاوز صياغة التشريعات إلى استئصال آفة هذا الغموض.

وشدد الجدعان على أن «المالية العامة هي مرساة الاقتصاد»، معلناً بوضوح: «لا نساوم على استدامة المالية من أجل الاقتصاد»، في إشارة إلى الموازنة الدقيقة بين تسريع المشاريع والحفاظ على متانة المركز المالي للدولة.

وأوضح أن «إبطاء» بعض المشاريع أحياناً ليس تراجعاً، بل هو إجراء ضروري لمنع «سخونة الاقتصاد» وضمان قدرة القطاع الخاص على المواكبة، وصولاً إلى جعل فلسفة الإصلاح «سلوكاً مؤسسياً» يتجاوز لغة الأرقام والمستهدفات.

البيئة الاستثمارية

وأكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن المشهد الاقتصادي العالمي بات محكوماً بقاعدة «عدم اليقين»، وهو الواقع الذي ترفضه قطاعات الأعمال وتتحاشاه الشركات الكبرى.

وشرح الجدعان فلسفة المملكة في إدارة البيئة الاستثمارية، مشيراً إلى أن الشركات تمتلك القدرة والخبرة لتحديد أسعار تجارتها بناءً على التعريفات الجمركية الواضحة أو الضرائب الإضافية المعلنة، إلا أنها تقف عاجزة أمام غياب الرؤية والتقلبات غير المتوقعة. ومن هنا، شدد على أن الدور الجوهري لصنّاع السياسات يكمن في استئصال شأفة هذا الغموض، وضمان توفير «ملاذ آمن»، وبيئة مستقرة تتيح للأعمال النمو دون مفاجآت تشريعية أو إجرائية.

الجدعان يتحدث خلال جلسة خاصة في منتدى دافوس عن الاقتصاد السعودي (الشرق الأوسط)

القطاع الخاص

وفي سياق تعزيز جاذبية السوق السعودية، أكد الوزير أن المملكة تعمل جاهدةً على بناء «المرونة» في مفاصل اقتصادها الوطني، ومنح القطاع الخاص أهم أداة يحتاج إليها للنجاح، وهي «القدرة على التنبؤ».

وأوضح أن استقرار عملية صنع القرار ووضوح مساراتها يمثلان التزاماً سعودياً لضمان أن تكون العوائد الاستثمارية متسقة ومجزية، ومناسبة لحجم المخاطر التي يتحملها المستثمر، بما يعزز من ثقة الشركاء الدوليين في استدامة النهضة الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وشدد الجدعان على أن مرساة الاقتصاد هي المالية العامة، قائلاً: «لا نساوم عليها من أجل الاقتصاد». وأضاف: «نوازن بين نمو الاقتصاد والتنوع ونحافظ على هذا التوازن بدقة».

العجز والدين

بدوره، قال وزير الاقتصاد والتخطيط، فيصل الإبراهيم، إن الاقتصاد السعودي انتقل إلى مرحلة «التوظيف الأمثل لرأس المال»، موضحاً أن المنظومة الاقتصادية اليوم تمتلك «ذكاءً تشغيلياً» يُمكّنها من التمييز بدقة بين توقيت تسريع النمو وتوقيت ضبط الإيقاع.

وأشار إلى ارتفاع العجز أو الدين وأنه لم يعد مجرد أرقام حسابية، بل أصبح «إنفاقاً استراتيجياً» موجهاً إلى قطاعات ذات قيمة مضافة وعوائد اقتصادية واضحة ومستدامة.

وحسب الإبراهيم، فإن الزخم الاقتصادي قوي في عدد كبير من القطاعات، وإن الأنشطة غير النفطية تمثل اليوم 56 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وذلك للمرة الأولى، وبيَّن أن هذا التحول لم يحدث بشكل مفاجئ، بل جاء نتيجة نمو تدريجي خلال السنوات الماضية، حيث يبلغ معدل نمو الأنشطة غير النفطية نحو 5 في المائة.

وأضاف أن التوقعات تشير إلى نمو الأنشطة غير النفطية خلال السنوات الثلاث المقبلة بمعدل يتراوح بين 4.5 و5.5 في المائة مع وجود حوكمة واضحة لإقرار هذه التقديرات، وذكر أن 74 نشاطاً غير نفطي شهدت نمواً سنوياً بنسبة 5 في المائة أو أكثر خلال السنوات الخمس الماضية، فيما سجل 38 نشاطاً نمواً تجاوز 10 في المائة، مؤكداً أن هذا يعكس جودةً وتنوعاً في الأداء الاقتصادي.

وزير الاقتصاد والتخطيط يتحدث خلال جلسة خاصة عن الاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

الإصلاحات الهيكلية

ولفت إلى أن المؤشرات الداعمة لهذا التوجه تشمل نمو الصادرات غير النفطية، وزيادة عدد المصانع قيد التأسيس أو التشغيل، واتساع مشاريع قطاع السياحة، إضافةً إلى تحول ميزان تجارة الخدمات إلى فائض خلال فترة زمنية قصيرة، مما يعكس فاعلية السياسات الاقتصادية المتبعة.

وواصل الوزير أن السؤال لم يعد مرتبطاً بجدوى النمو أو زخمه بل بتكلفته، مؤكداً أهمية ضمان استمرار الزخم الاقتصادي بأثر أمثل وتكلفة مناسبة، وأن المرحلة السابقة استلزمت إنفاقاً مرتفعاً لتعويض عقود من الإمكانات غير المستغلة، غير أن المرحلة المقبلة ستركز على: لماذا يتم الإنفاق مقروناً بإصلاحات هيكلية مدروسة تحقق النتائج المطلوبة مع ضبط مستويات الصرف؟

وفيما يتعلق بالقطاعات، أوضح الوزير أن مجالات مثل الطاقة بمفهومها الواسع بما في ذلك حلول التحول الطاقي والرعاية الصحية وتقنيات الدفاع والذكاء الاصطناعي والتعدين ستواصل لعب دور محوري في النمو، مشيراً إلى أن الطلب على الرعاية الصحية يزداد، في ظل أن 70 في المائة من السكان دون سن 35 عاماً، مع توقعات ببدء مرحلة الشيخوخة بعد نحو 18 إلى 20 عاماً.

في سياق آخر، أشار الوزير إلى أن العالم يشهد حالة متزايدة من التجزؤ، معتبراً أن الوفاء بالالتزامات أصبح عملة نادرة، وأن الثقة باتت عنصراً أساسياً في استمرارية التجارة وكفاءة الأسواق، وأكد أن الاستقرار في هذا السياق أصبح قيمة نادرة وفرصة تنافسية.

وبيَّن أن السعودية تتعامل مع الاستقرار بوصفه نهجاً مؤسسياً يشمل السياسات والتنظيم والتنفيذ، مشيراً إلى أنه في عام 2024 وبينما انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً بنسبة 11 في المائة، ارتفع في المملكة بنحو 24 في المائة.

سوق العمل

من جانبه، قدّم رئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانغا، خلال الجلسة نفسها، خريطة طريق للفصل بين التقلبات العابرة والأزمات الهيكلية الجسيمة. وبينما أبدى بانغا تفاؤلاً حذراً بقدرة القوى الكبرى على الصمود، أطلق صرخة تحذير تجاه «قنبلة موقوتة» تتعلق بسوق العمل في الدول الناشئة، معتبراً أن العالم اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما صناعة الأمل وإما مواجهة عدم الاستقرار العالمي.

رئيس البنك الدولي يتحدث في جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

وأبدى بانغا دهشته من مرونة الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة والصين والهند حققت معدلات نمو تجاوزت التوقعات. وعزا هذا التفوق إلى الاستثمارات الضخمة في قطاعات الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والبنية التحتية، مؤكداً أن هذه الاقتصادات تمتلك أنظمة مؤسسية مكَّنتها من تجاوز الظروف الصعبة؛ إذ سجلت الصين نمواً بنحو 5 في المائة، فيما لامست الهند حاجز الـ8 في المائة.

في المقابل، لفت بانغا إلى واقع مؤلم يواجه ربع الاقتصادات الناشئة، إذ لا يزال نصيب الفرد من الناتج المحلي أقل بنسبة 10 في المائة ممّا كان عليه قبل «كوفيد-19». وأرجع هذا التعثر إلى مشكلات متراكمة تتعلق بالديون والسيولة وسوء الإدارة المالية، منتقداً الإفراط في الاقتراض خلال حقبة الفائدة المنخفضة التي جعلت الاستدانة تبدو خياراً سهلاً ومغرياً لكنها أصبحت اليوم عبئاً ثقيلاً.

وسلَّط بانغا الضوء على تحدٍّ بشريّ هائل يواجه العالم في السنوات الـ15 المقبلة، إذ سيصل نحو 1.2 مليار شاب في الأسواق الناشئة إلى سن العمل. وحذر من فجوة مرعبة في الفرص، إذ تشير التقديرات إلى توفر 400 مليون وظيفة فقط، مما يترك 800 مليون شاب دون مسار مهني واضح، وهو تحدٍّ يراه بانغا أكثر إلحاحاً من النقاشات الدائرة حول الذكاء الاصطناعي.

وختم رئيس البنك الدولي تصريحاته بتحذير من أن الفشل في خلق فرص عمل لهؤلاء الشباب سيقود العالم إلى دفع ثمن باهظ يشمل الهجرة غير الشرعية، والانقلابات العسكرية، والاضطرابات الاجتماعية، مبيناً أنه في حال إحسان التعامل مع هذا الملف، سيتحول هؤلاء الشباب إلى محرك نمو عالمي يمتد لأربعين عاماً، أما الإخفاق فيعني تقويض الاستقرار العالمي لعقود قادمة.

التكنولوجيا والتعدين

وفي جلسة أخرى من المنتدى، كشف وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريف، عن وجود «علاقة تكافلية» بين التكنولوجيا والتعدين؛ ففي حين يقود الذكاء الاصطناعي الطلب على المعادن، توفر التكنولوجيا الحلول لتأمين هذا الإمداد.

ووفق الخريف، فإن التكنولوجيا تقدم للقطاع التعديني الكفاءة والسلامة، من خلال المساعدة في تسريع استكشاف المعادن، وفهم أنواعها، ومكامن تركيزها، فضلاً عن معالجتها والمساهمة في تصنيع منتجاتها النهائية بطرق كالطباعة ثلاثية الأبعاد.

في المقابل، لفت إلى أن التوسع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يمثل المحرك الأكبر للطلب على المعادن الحرجة.

الخريّف يتحدث خلال جلسة خاصة في دافوس (الشرق الأوسط)

الذكاء الاصطناعي

من ناحية أخرى، أكد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي، المهندس عبد الله السواحه، أن بلاده تتبنى طموحات عالمية لقيادة عصر الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن «الاستراتيجية الوطنية لا تستنسخ تجارب الآخرين، وتهدف إلى المساهمة في إضافة 100 تريليون دولار للقيمة الاقتصادية العالمية المقبلة».

السواحه يتحدث في إحدى الجلسات في دافوس (الشرق الأوسط)

وفي رده على تساؤلات بشأن طبيعة التوجه السعودي مقارنةً بالنموذجين الأميركي والصيني، أوضح السواحه، خلال جلسة حوارية في «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس، أن توجيهات الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، «تدفع دائماً نحو مضاعفة الأهداف 3 مرات سنوياً».


وزير الصناعة السعودي من دافوس: علاقة التكنولوجيا والتعدين «تكافلية»

الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
TT

وزير الصناعة السعودي من دافوس: علاقة التكنولوجيا والتعدين «تكافلية»

الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)

شدد وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريّف، على وجود «علاقة تكافلية» بين التكنولوجيا والتعدين؛ قائلاً إنه في حين يقود الذكاء الاصطناعي الطلب على المعادن، توفر التكنولوجيا الحلول لتأمين هذا الإمداد.

وأوضح الخريّف، خلال جلسة في المنتدى الاقتصادي العالمي، أن التكنولوجيا تقدم للقطاع التعديني الكفاءة والسلامة، من خلال المساعدة في تسريع استكشاف المعادن، وفهم أنواعها، ومكامن تركيزها، فضلاً عن معالجتها والمساهمة في تصنيع منتجاتها النهائية بطرق كالطباعة ثلاثية الأبعاد.

وفي المقابل، أشار إلى أن التوسع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يمثل المحرك الأكبر للطلب على المعادن الحرجة.

وقال الوزير إن عائد التكنولوجيا في الكفاءة والسلامة شجع السعودية للجوء إليها، مضيفاً: «نحن جريئون جداً في السعودية بشكل عام تجاه التكنولوجيا، ليس فقط في التعدين بل في كل شيء».

وأكد الخريّف أنها قدمت إمكانية رؤية مستقبل المناجم، خاصة المناجم تحت الأرض، مما عزز السلامة، وقلل التكلفة، ووفر استهلاك الطاقة، ومكّن من إدارة المناجم عن بُعد.

وعلى صعيد الاستثمار، أكد الخريّف أن نقص الاستثمار يمثل عائقاً رئيسياً أمام نمو القطاع، مشدداً على ضرورة تغيير «المفاهيم القديمة» لدى شركات الاستثمار والمصرفيين حول تخصيص الأصول في التعدين.

وفي هذا الإطار، أوضح الوزير أن «منتدى مستقبل المعادن»، الذي انطلق من الرياض قبل خمس سنوات، تحول إلى آلية دولية لفهم قيود شركات الاستثمار والمصرفيين، سعياً لتعزيز الاستثمار والابتكار في القطاع.