منازلة بين ترمب وباول... مَن يربح؟

القلق على استقلالية «الفيدرالي» يضر «وول ستريت» والدولار ويصعد بالذهب

ترمب يُعلن انتهاء مراسم تنصيب باول رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي» في حديقة البيت الأبيض 2 نوفمبر 2017 (أرشيفية - أ.ف.ب)
ترمب يُعلن انتهاء مراسم تنصيب باول رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي» في حديقة البيت الأبيض 2 نوفمبر 2017 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

منازلة بين ترمب وباول... مَن يربح؟

ترمب يُعلن انتهاء مراسم تنصيب باول رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي» في حديقة البيت الأبيض 2 نوفمبر 2017 (أرشيفية - أ.ف.ب)
ترمب يُعلن انتهاء مراسم تنصيب باول رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي» في حديقة البيت الأبيض 2 نوفمبر 2017 (أرشيفية - أ.ف.ب)

هل يفعلها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ويُقيل رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول؟ بالأحرى، هل يستطيع ترمب أن يتخذ إجراء كهذا من دون أن يصطدم بجدار القوانين الأميركية المرعيَّة؟

لا شك أن الأسبوع حافل بالأحداث والتطورات الاقتصادية، ومن أهمها اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن والمعروفة بـ«اجتماعات الربيع» والتي ستكون الرسوم الجمركية وتداعياتها على الاقتصاد العالمي، طبقاً رئيسياً على مائدتها. لكن مسألة استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» وإمكان إقالة رئيسه ستكون هي الغالبة على الأرجح، كون هذا الإجراء سابقة في تاريخ الولايات المتحدة، وله انعكاسات جسيمة على الاقتصادين الأميركي والعالمي.

تولى رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» منصبه لأول مرة عام 2018 بعد تعيين من ترمب، وأعاد الرئيس السابق جو بايدن تعيينه لاحقاً عام 2022. ورغم أنه من المتوقع أن تنتهي ولايته في مايو (أيار) 2026، فإنه يبدو جلياً أن ترمب يريد إقالته قبل انتهاء ولايته.

فيوم الاثنين واصل ترمب استهدافه «الاحتياطي الفيدرالي» ورئيسه من باب أسعار الفائدة، محذراً من أن الاقتصاد قد يتباطأ ما لم تُخفَّض أسعار الفائدة فوراً، مكرراً انتقاده لباول. وكتب ترمب في منشور على موقع «تروث سوشيال»: «مع هذا التوجه التنازلي الواضح للأسعار، وهو ما توقعته تماماً، يكاد من المستحيل أن يكون هناك تضخم، ولكن قد يكون هناك تباطؤ في الاقتصاد ما لم يخفض (السيد متأخراً جدًا) وهو الخاسر الأكبر، أسعار الفائدة فوراً».

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، أكد المستشار الاقتصادي الرئاسي، كيفن هاسيت، أن الإدارة تدرس سبل إقالة باول، وانتقد «الاحتياطي الفيدرالي» لأنه لم يشتكِ علناً بشأن «الإنفاق الجامح الواضح لجو بايدن الذي كان تضخمياً بشكل قياسي». وهو ما يعد رداً على ما قاله باول في ظهور له يوم الأربعاء، من أن إدارة ترمب أدخلت تغييرات جوهرية في السياسات شملت فرض رسوم جمركية شاملة «أكبر بكثير من المتوقع». لم تشهد هذه التغييرات، حسب باول، أي تغيير في التاريخ الحديث، لكنها وضعته في مأزق غير مسبوق وتحدٍّ فريد لعقود. وكأنه يقول: ترمب هو من فعل ذلك وليس بايدن!.

جاء تصريح هاسيت بعد يوم من تصعيد ترمب ضد باول، متهماً إياه بالتصرف لـ«أغراض سياسية» بعدم خفض أسعار الفائدة، مؤكداً أنه يمتلك سلطة إقالة باول من منصبه «سريعاً جداً». كما رفع ترمب من حدة انتقاداته لباول، قائلاً لصحافيين خلال فعالية في المكتب البيضاوي: «لو كان لدينا رئيس لمجلس (الاحتياطي الفيدرالي) يفهم ما يفعل كانت أسعار الفائدة ستنخفض. يجب عليه أن يخفضها». ويوم الخميس، قال ترمب إنه يترقب ترك باول منصبه «بفارغ الصبر».

متداول في بورصة نيويورك خلال جلسة التداول الصباحية متابعاً الأخبار (أ.ف.ب)

وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الخميس، أن ترمب ناقش على مدى أشهر، إقالة باول سراً، لكنه لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن محاولة إقالته قبل انتهاء ولايته في مايو 2026. ووفقاً للصحيفة، تحدث ترمب مع كيفن وارش، المحافظ السابق لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، بشأن استبدال باول، لكن وارش أوصى الرئيس بالانتظار حتى انتهاء ولاية باول. كما نصح وزير الخزانة سكوت بيسنت، ترمب بعدم الإقالة المبكرة، وقال في وقت سابق من الأسبوع الماضي إنه يتوقع بدء مقابلات مع المرشحين لرئاسة مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» في خريف هذا العام.

باول من جهته، صرّح يوم الأربعاء، بأنه ينوي إكمال فترة ولايته كاملةً. كما أكد استقلالية مؤسسته ووظيفته، قائلاً إنها «مسألة قانونية»، وتعهَّد بعدم الاستجابة لأي ضغوط سياسية.

وناقش باول قضيةً معروضةً الآن على المحكمة العليا، تختبر قدرة ترمب على إقالة أعضاء مجالس إدارة وكالات مستقلة أخرى في واشنطن العاصمة، وهي قضيةٌ يخشى بعض مراقبي «الاحتياطي الفيدرالي» من أنها قد تُهدد باول في حال فوز ترمب بإقالة أعضاء في الإدارة. لكن باول، وهو أيضاً محامٍ، قال: «لا أعتقد أن هذه القضية تنطبق على (الاحتياطي الفيدرالي)». ومع ذلك، فإن البنك المركزي «يتابعها بعناية».

رئيس مجلس محافظي «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول يتحدث خلال فعالية استضافها النادي الاقتصادي في شيكاغو (أ.ب)

ولكن هل تستطيع الإدارة إقالة رئيس «الفيدرالي»؟

يحق للرئيس إقالة رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، ولكن فقط «لسبب وجيه»؛ وهو واضح بصريح العبارة في المادة العاشرة من قانون «الاحتياطي الفيدرالي»، ونصها: «يشغل كل عضو من أعضاء المجلس منصبه لمدة 14 عاماً ما لم يُعزله الرئيس قبل ذلك لسبب وجيه». ولا يتضمن القانون أي نص يُحدد رئيس مجلس المحافظين، ولا يُفصّل ما يُمثل «بسبب وجيه» تحديداً. مع العلم أنه لا شيء في الاستقلالية يحمي رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» من المساءلة عن التلاعب بالنفقات أو التداول بناءً على معلومات داخلية، وفق «بلومبرغ». ففي عام 2021، استقال رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» في دالاس، روبرت كابلان، ورئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» في بوسطن، إريك روزنغرين، وكلاهما يحظى باحترام كبير، بعد الكشف عن صفقات أسهم ضخمة خلال اضطرابات «كوفيد» عام 2020. تمت تبرئتهما لاحقاً من سوء السلوك، لكن وُجِّهت إليهما انتقادات لزعزعة الثقة في «الاحتياطي الفيدرالي».

تكمن مشكلة ترمب في أن تعاملات باول المالية كانت فوق الشبهات. ولكونه رجلاً ثرياً مستقلاً قبل توليه المنصب بوقت طويل، فهذا ليس مفاجئاً. فقد باءت محاولة لإلصاق تهمة التداول من الداخل به في عام 2021 بالفشل.

ومن هنا، فإن إقالة باول ستتطلب إما تغييراً في القانون الذي يحكم علاقة «الاحتياطي الفيدرالي» بالسلطة التنفيذية، وإما توسيعاً في مفهوم «السبب الوجيه». كما تنتظر قراراً من المحكمة العليا حول إقالة أعضاء مجالس إدارة وكالات مستقلة.

ماذا عن الأسواق؟

على وقع التوتر بين ترمب وباول، تراجع الدولار يوم الاثنين، إلى أدنى مستوى له منذ 3 سنوات مع تراجع المستثمرين العالميين عن الأصول الأميركية. كما تراجعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت» بأكثر من 1 في المائة لكل منها، وانخفضت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية.

ردة فعل متداول في بورصة نيويورك عند افتتاح أسهم وول ستريت على انخفاض (أ.ف.ب)

وفي المقابل، ارتفع الذهب إلى مستويات قياسية تجاوزت 3400 دولار للأوقية.

غالباً ما يُنظر إلى الدولار على أنه عملة الاحتياطي العالمي، وقد تفوقت الأصول الأميركية بشكل كبير على بقية العالم خلال العقد الماضي، مما حفز الطلب المتزايد على الدولار. ومع ذلك، تراجعت أسواق الأسهم والسندات الأميركية خلال أزمة الرسوم الجمركية بين إدارة ترمب وقادة أجانب آخرين، مما أدى على ما يبدو إلى انخفاض قيمة الدولار.

والتراجع الكبير للدولار يفسَّر بعدم رضا المستثمرين عن فكرة إقالة باول، والذي يمكن أن يتوسع في الأيام المقبلة في حال استمرار التصعيد إلى احتمال سحب مستثمرين عالميين رؤوس أموالهم من الولايات المتحدة، وفق ما يرى محللون.

كانت السيناتورة إليزابيث وارن، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ماساتشوستس، قد حذَّرت من أن إقالة باول قد تُزعزع استقرار الأسواق المالية وتُقوّض الثقة في الاقتصاد الأميركي. وفي مقابلة مع قناة «سي إن بي سي»، جادلت وارن بأن الرئيس الأميركي لا يملك السلطة القانونية لإقالة باول، وأن أي محاولة لفعل ذلك ستُمثّل هجوماً مباشراً على استقلالية السياسة النقدية.

ووفق وارن، فإن مجرد قدرة الرئيس الأميركي على إقالة رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» ستُضعف البنية التحتية المالية للبلاد. وقالت: «إذا استطاع رئيس الولايات المتحدة إقالة الرئيس باول، فسيؤدي ذلك إلى انهيار الأسواق. إن البنية التحتية التي تُحافظ على قوة سوق الأسهم، وبالتالي على جزء كبير من اقتصادنا، وجزء كبير من الاقتصاد العالمي، هي فكرة أن القطاعات الرئيسية تتحرك بشكل مستقل عن السياسة».

كما قالت إن السماح بمثل هذا الإجراء سيُحوّل الولايات المتحدة إلى «ديكتاتورية من الدرجة الثانية»، في إشارة إلى النفوذ السياسي على القرارات الاقتصادية الأساسية مثل أسعار الفائدة. هذه المعدلات، التي تؤثر بشكل مباشر على أسعار الأصول الخطرة، بما في ذلك العملات المشفرة، كانت نقطة توتر بين «الاحتياطي الفيدرالي» وترمب في ولايته الأولى.


مقالات ذات صلة

الذهب يتراجع متأثراً بقفزة «برنت» ومخاوف رفع الفائدة الفيدرالية

الاقتصاد سبائك وعملات ذهبية معروضة على طاولة لدى شركة «برو أوروم» لتجارة المعادن النفيسة في ميونيخ (د.ب.أ)

الذهب يتراجع متأثراً بقفزة «برنت» ومخاوف رفع الفائدة الفيدرالية

واصل الذهب خسائره يوم الجمعة، بعدما هبط بنحو 2 في المائة في الجلسة السابقة، في ظل تجدد صعود خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد تظهر لافتة توظيف تحمل رمز استجابة سريعة (كيو آر) في نافذة أحد المتاجر بمدينة أرلينغتون (رويترز)

طلبات إعانة البطالة الأميركية الأسبوعية تهبط بشكل حاد

انخفض عدد الأميركيين الذين تقدموا بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة بشكل حاد خلال الأسبوع الماضي في مؤشر على استمرار متانة سوق العمل الأميركية

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)

الذهب يتراجع عن أعلى مستوى في أسبوعين مع صعود النفط وترقب اجتماع «الفيدرالي»

استقرت أسعار الذهب، يوم الخميس، بعدما تراجعت قليلاً من أعلى مستوياتها في أسبوعين التي سجلتها في الجلسة السابقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد عينات من الذهب معروضة في برازيليا (رويترز)

الذهب يصعد لأعلى مستوى في أسبوعين مع تصاعد التوترات

ارتفعت أسعار الذهب إلى أعلى مستوياتها في أسبوعين، يوم الأربعاء، مدعومة بعمليات شراء فنية، بينما قيَّم المستثمرون اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)

الذهب يتراجع مع صعود النفط وتزايد الرهانات على رفع الفائدة الأميركية

تراجعت أسعار الذهب يوم الاثنين، مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط ودفع أسعار النفط خام برنت إلى ما فوق 90 دولاراً للبرميل.

«الشرق الأوسط» (لندن)