هل يهدد الدين الأميركي الدولار كعملة احتياطية عالمية؟

وصلت قيمته إلى 36 تريليون دولار

تعرض ساعة الدين الوطني إجمالي الدين الأميركي وحصة كل أسرة منه في مانهاتن بمدينة نيويورك (أ.ب)
تعرض ساعة الدين الوطني إجمالي الدين الأميركي وحصة كل أسرة منه في مانهاتن بمدينة نيويورك (أ.ب)
TT

هل يهدد الدين الأميركي الدولار كعملة احتياطية عالمية؟

تعرض ساعة الدين الوطني إجمالي الدين الأميركي وحصة كل أسرة منه في مانهاتن بمدينة نيويورك (أ.ب)
تعرض ساعة الدين الوطني إجمالي الدين الأميركي وحصة كل أسرة منه في مانهاتن بمدينة نيويورك (أ.ب)

في عالم الاقتصاد، قلّما تُذكر الولايات المتحدة واليونان في جملة واحدة، فالأولى تُعتبر أكبر اقتصاد في العالم ورمز القوة المالية، بينما ارتبطت الثانية بأزمة ديون خانقة هزّت أسواق العالم وأشعلت شوارع أثينا احتجاجاً. ولكن المفارقة المذهلة أن الخبراء يحذرون من احتمال أن تُعيد الولايات المتحدة، في غضون عقد من الزمن، تجربة الديون التي عانت منها اليونان في أوج أزمتها.

ومع تضخم الدين الأميركي إلى مستويات غير مسبوقة وتجاوزه حجم الاقتصاد الوطني، تقف واشنطن عند مفترق طرق. فهل يمكن أن يؤدي هذا التراكم الهائل في الديون إلى أزمة مالية كبرى؟ أم أن «الامتياز الباهظ» الذي تمنحه مكانة الدولار سيمنحها مرونة لا تضاهى؟

بحلول فترة جائحة كوفيد-19، كان الدين العام لليونان قد تجاوز ضعف حجم اقتصادها، وهو وضع يقترب من بعض أفقر وأزمات الدول في العالم، مثل إريتريا والسودان وفنزويلا. لذلك، فهو ليس النادي الذي قد يرغب أحد في الانضمام إليه، بحسب صحيفة «التلغراف».

لكن المثير للدهشة هو أن خبراء الاقتصاد يتوقعون أنه في غضون عقد من الزمن، قد تنضم دولة أخرى إلى هذه القائمة مثل الولايات المتحدة الأميركية. فالجمع بين التعافي الملحوظ في الاقتصاد اليوناني، وأزمة الديون غير المسبوقة التي شهدتها الولايات المتحدة في ظل رئاستي دونالد ترمب وجو بايدن، يشير إلى أنه بحلول أوائل ثلاثينيات القرن الحادي والعشرين، قد يتجاوز الدين الأميركي، إذا تم قياسه بالنسبة لحجم اقتصادها، الدين الوطني للجمهورية اليونانية.

والأرقام المتعلقة بالدين العام الأميركي مثيرة للدهشة. فقد قفز الدين الوطني ليصل إلى 36 تريليون دولار، بعدما كان أقل من 20 تريليون دولار قبل ثماني سنوات فقط. وبذلك، أصبح هذا الدين أكبر من حجم الاقتصاد الأميركي ذاته.

وفي مطلع ثلاثينيات القرن الحالي، من المتوقع أن يبلغ إجمالي ديون أميركا 134 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعادل مستوى ديون إيطاليا ويتجاوز ديون اليونان، التي يُتوقع أن تعود إلى أقل من 130 في المائة بحلول تلك الفترة، وفقاً لتوقعات خبراء الاقتصاد في بنك «يو بي إس».

ويخلق تراكم هذا الدين حلقة مفرغة خطيرة، حيث تجاوزت فاتورة الفائدة السنوية على الدين الحكومي بالفعل 1.1 تريليون دولار، مما يزيد من تعقيد الوضع المالي ويضع ضغوطاً هائلة على الاقتصاد الوطني.

وبالإضافة إلى كون الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم، فإنها تمثل الملاذ الآمن للنظام المالي العالمي. فهي تعمل كحافظ للقيمة في أوقات الركود، وتُعتبر مرجعاً رئيسياً لتحديد أسعار الفائدة والقروض في العديد من أنحاء العالم.

مبنى الكابيتول في واشنطن ليلاً (رويترز)

ويشير ريتشارد فرانسيس من وكالة «فيتش»، التي خفضت تصنيفها الائتماني للولايات المتحدة العام الماضي، إلى أن ديون البلاد «مرتفعة للغاية» بالفعل، حيث تضاعف حجمها مقارنةً بالمستوى المعتاد لدولة ذات تصنيف ائتماني «إيه إيه».

ويضيف قائلاً: «إن عبء الفائدة مرتفع للغاية، وهو أعلى بكثير من معظم نظيراتها، ومن المتوقع أن يظل مرتفعاً للغاية. نحن ننفق بالفعل على الفائدة أكثر مما ننفقه على الدفاع أو الرعاية الصحية، بينما يبقى الضمان الاجتماعي هو البند الوحيد الذي يفوقه».

هل ديون الولايات المتحدة مستدامة؟

تثير هذه الأسئلة تساؤلات حقيقية حول ما إذا كانت ديون الولايات المتحدة قابلة للاستدامة، أو ما إذا كانت البلاد تسير على نفس المسار الذي سلكته إيطاليا واليونان قبل 15 عاماً، نحو أزمة ديون قد تكون لها تداعيات اقتصادية خطيرة.

وتتمتع الولايات المتحدة حالياً بوضع آمن، بفضل مكانتها المميزة كملاذ آمن في النظام المالي العالمي، حيث يتوجه إليها المستثمرون من جميع أنحاء العالم عند أول إشارة إلى وجود مشاكل اقتصادية.

ويقول الخبراء: «الولايات المتحدة تتمتع باقتصاد قوي ومتعدد المصادر، وأيضاً الدولار الأميركي هو العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم، وهو ما يتيح للولايات المتحدة مرونة تمويلية لا مثيل لها في أي مكان آخر في العالم».

وعلى الرغم من ارتفاع تكاليف الاقتراض، فلا تزال هناك إشارات قليلة على أن المستثمرين غير راغبين في تمويل العجز الأميركي. إذ يمكن لوزارة الخزانة الاقتراض لمدة 10 سنوات بمعدل حوالي 4.2 في المائة، وهو ما يعد أعلى بكثير من أدنى مستوياتها خلال فترة الجائحة التي كانت دون 1 في المائة، أو المعدل المعتاد الذي يتراوح بين 2 و3 في المائة بعد الأزمة المالية العالمية.

لكن هذا المعدل يُعتبر مألوفاً لأولئك الذين يتذكرون السنوات التي سبقت أزمة الائتمان، ويعكس النمو القوي للاقتصاد الأميركي، بالإضافة إلى الجهود المستمرة من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم. وبالتالي، لا يُشير هذا المعدل بالضرورة إلى توتر بين المستثمرين، بل يعكس بشكل أكبر الظروف الاقتصادية الحالية والسياسات النقدية المتبعة.

«الامتياز الباهظ» لأميركا

تقول ماريون أميوت، الخبيرة الاقتصادية في «ستاندرد آند بورز»، إن هذا هو «الامتياز الباهظ» الذي تحظى به أميركا.

ويجذب كل من ارتفاع أسعار الفائدة والنمو الاقتصادي الأموال العالمية إلى الولايات المتحدة، وفي أوقات الأزمات، ينظر إليها المستثمرون باعتبارها الملاذ الأكثر أماناً، ما يسمح للسلطات الأميركية بتمويل عجزها سواء في الأوقات الجيدة أو السيئة.

وتقول أميوت: «إن السؤال حول استدامة الديون يطرح نفسه دائماً، ولكن لا يوجد بديل حقيقي للدولار».

«حلقة مفرغة»

ومع ذلك، يخشى المحللون أن ينفد الحيز الذي يسمح للبيت الأبيض بالاقتراض إذا استمر في تراكم الديون بهذه الوتيرة. ويقول أوليفييه بلانشارد، كبير الخبراء الاقتصاديين السابقين في صندوق النقد الدولي، إن أميركا ستصل في مرحلة ما إلى هذه الحدود.

ويضيف: «في مرحلة ما، ولا نعرف متى تحديداً، سيبدأ المستثمرون في التساؤل: هل سنحصل على السداد؟». وستكون النتيجة ارتفاع تكاليف الاقتراض، مما يخلق «حلقة مفرغة قد تؤدي أحياناً إلى التخلف عن السداد».

ويقول بلانشارد: «لقد حدث هذا في العديد من البلدان الأخرى، وهو أمر يصعب تصوره بالنسبة للولايات المتحدة، ولكن هل هو أمر مستحيل حقاً؟».

ويشدد بول دونوفان، من «يو بي إس»، على أن الديون الأميركية ليست على مسار مستدام، ولكن من غير المرجح أن تصبح قضية ملحة خلال فترة ولاية ترمب.

ويضيف قائلاً: «على الصعيد المحلي، تظل الولايات المتحدة دولة غنية، وستكون قادرة على تعبئة الموارد اللازمة لتمويل العجز. ورغم أن المخاوف بشأن استدامة العجز ستزداد، فإنني أعتقد أن الأمر سيصبح حاسماً في العقد المقبل».

ترمب ضد «الاحتياطي الفيدرالي»

من الممكن دائماً أن تكون التوقعات خاطئة، فقد شهدت الاتجاهات تغييرات في الماضي. ويلاحظ جيم ريد من «دويتشه بنك» أنه في بداية الألفية، كان مكتب الموازنة في الكونغرس الأميركي يعتقد أنه إذا اختارت الحكومة الأميركية ذلك، فيمكنها استخدام فوائضها لسداد الدين الوطني بالكامل ثم بناء صندوق ثروة عملاق.

«في عام 2000، كان مكتب الموازنة يتوقع أنه إذا ادخرت الولايات المتحدة فوائضها الإجمالية، فسيتم سداد الدين الوطني - الذي كان يشكل نحو 34 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي آنذاك - في غضون عقد من الزمن، وستتراكم أصول الولايات المتحدة لتصل إلى حوالي 50 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030»، كما يوضح.

اليوم، يعكف ترمب بشكل رئيسي على الاقتراض بكثافة، لكن ثمة تلميحات إلى أن شيئاً مختلفاً قد يحدث. فقد منح الملياردير التكنولوجي إيلون ماسك دوراً في وزارة كفاءة الحكومة الجديدة المقترحة، بهدف خفض تريليوني دولار من الإنفاق الحكومي.

وإذا تمكن ماسك من تحقيق وفورات بهذه القيمة أو حتى جزء منها، فقد يشكل ذلك نقطة تحول خطيرة في توقعات الديون الحكومية.

وفي نفس الوقت الذي يتزايد فيه الاقتراض، يخشى ثانوس فامفاكيديس، من «بنك أوف أميركا»، أن مواقف الرئيس المنتخب تجاه بنك الاحتياطي الفيدرالي قد تؤدي إلى اهتزاز أسواق السندات ودفع المستثمرين بعيداً عن الولايات المتحدة، مما يقوض مكانتها كـ«ملاذ آمن».

ويقول فامفاكيديس: «إذا بدأت الإدارة الجديدة في مواجهة التوجه المتشدد لبنك الاحتياطي الفيدرالي استجابةً للسياسات المالية للإدارة الأميركية الجديدة، فقد يكون ذلك مزيجاً ساماً».

دونالد ترمب يتحدث خلال فعالية «أميركا فيرست 2024» السنوية في فينيكس بولاية أريزونا... 22 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

التهديدات الخارجية

وهناك خطر آخر يتمثل في أن تتخذ دول أخرى إجراءات ضد الولايات المتحدة. ويوضح بول دونوفان من «يو بي إس» أن هناك خطراً خارجياً يتمثل في أن الصين قد ترد على الحرب التجارية بشكل شديد.

وأضاف: «إذا توقفت الصين عن شراء سندات الخزانة الأميركية رداً على الضرائب التجارية - وخاصة إذا تسببت الضرائب في تباطؤ كبير في النمو الأميركي - فقد يؤدي ذلك إلى اضطراب في سوق السندات الحكومية وظهور قلق متزايد بشأن استدامة الدين».

ومن الواضح أن ترمب نفسه يدرك تماماً أن الولايات المتحدة قد تخسر في يوم ما مكانتها كعملة احتياطية عالمية موثوقة.

وقد غرد الرئيس المنتخب قائلاً إنه سيفرض تعريفات جمركية هائلة على الواردات من دول البريكس - البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا - إذا سعت هذه الدول إلى إيجاد بدائل للدولار.

وقال ترمب: «لقد انتهت فكرة أن دول البريكس تحاول الابتعاد عن الدولار بينما نقف مكتوفي الأيدي ونراقب. نطالب هذه الدول بعدم إنشاء عملة جديدة لدول البريكس أو دعم أي عملة أخرى لتحل محل الدولار الأميركي القوي، وإلا فستواجه تعريفات جمركية بنسبة 100 في المائة، وينبغي لها أن تتوقع وداعاً لمبيعاتها في الاقتصاد الأميركي الرائع».

وتظهر مثل هذه التهديدات الإدراك المتزايد بأن الولايات المتحدة تخاطر في النهاية بفقدان قدرتها على الاقتراض بلا نهاية.

لكن في الوقت الحالي، لا توجد إلا دلائل محدودة على وجود تهديد خطير. ففي قمة مجموعة البريكس التي عقدت في أكتوبر (تشرين الأول) في سوتشي، كان الضيوف يُنصحون بإحضار الدولارات أو اليوروات للإنفاق بدلاً من الروبل أو الرنمينبي أو الروبية.

ومع مزيج من الاقتراض الثقيل الذي تعاني منه الولايات المتحدة، إلى جانب التهديدات الموجهة ضد «الفيدرالي» وشركائه التجاريين، قد يجد ترمب نفسه قادراً على تقويض قوة الدولار بنفسه، مما يزيد من تعقيد الوضع المالي العالمي ويؤثر على مكانة العملة الأميركية.


مقالات ذات صلة

طلبات إعانة البطالة الأميركية قرب أدنى مستوياتها في 57 عاماً

الاقتصاد لافتة توظيف معروضة في نورثبروك بولاية إلينوي الأميركية (أ.ب)

طلبات إعانة البطالة الأميركية قرب أدنى مستوياتها في 57 عاماً

انخفض عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة الأسبوع الماضي إلى قرب أدنى مستوياتها في 57 عاماً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يستضيف اجتماع مائدة مستديرة حول الجرائم الإلكترونية التي تستهدف كبار السن في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (د.ب.أ)

ترمب يروّج لمكافحة الاحتيال الإلكتروني وسط تساؤلات عن ثروة عائلته

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأربعاء، إن إدارته ألحقت أضراراً كبيرة بشبكات إجرامية أجنبية تستدرج الأميركيين إلى استثمارات احتيالية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الصورة الظلية لإيلون ماسك وشعار «تسلا» (رويترز)

أرباح «تسلا» تهبط 44 % وسط ترقب اندماج محتمل مع «سبايس إكس»

أعلنت شركة «تسلا» تراجع أرباحها في الربع الثالث، في حين قفز التدفق النقدي الحر الذي حققته أنشطتها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شعار «ميتا» ولوحة مفاتيح (رويترز)

«ميتا» تجني مليارات الإعلانات وتتفوق على توقعات السوق

أعلنت شركة «ميتا بلاتفورمز»، المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب»، ارتفاع صافي أرباحها بأكثر من ثلاثة أضعاف في الربع الثالث.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)

ترمب يستعرض جهود مكافحة عمليات الاحتيال بالعملات المشفرة الآتية من الخارج

يستعرض الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأربعاء، جهود إدارته لمكافحة الشبكات الإجرامية الأجنبية التي تستدرج الأميركيين لاستثمارات احتيالية في العملات المشفرة...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

طلبات إعانة البطالة الأميركية قرب أدنى مستوياتها في 57 عاماً

لافتة توظيف معروضة في نورثبروك بولاية إلينوي الأميركية (أ.ب)
لافتة توظيف معروضة في نورثبروك بولاية إلينوي الأميركية (أ.ب)
TT

طلبات إعانة البطالة الأميركية قرب أدنى مستوياتها في 57 عاماً

لافتة توظيف معروضة في نورثبروك بولاية إلينوي الأميركية (أ.ب)
لافتة توظيف معروضة في نورثبروك بولاية إلينوي الأميركية (أ.ب)

انخفض عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة الأسبوع الماضي إلى قرب أدنى مستوياتها في 57 عاماً، وسط استمرار انخفاض عمليات التسريح؛ مما يشير إلى تحسن نمو الوظائف في أكتوبر (تشرين الأول) الحالي بعد الأداء الضعيف في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وأظهر تقرير أسبوعي صادر عن وزارة العمل الأميركية، الخميس، أن سوق العمل لا تزال متماسكة، وأنها لم تتأثر حتى الآن بصورة ملموسة بصدمة ارتفاع أسعار النفط الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران.

ويعزو اقتصاديون هذه المتانة إلى قوة أرباح الشركات واستمرار الطلب المحلي، إلى جانب تقلص حجم القوى العاملة بفعل التقاعد وتشديد إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، القيود على الهجرة؛ مما يدفع بالشركات إلى الاحتفاظ بموظفيها. لكنهم يحذرون بأن تشديد الأوضاع المالية، وارتفاع أسعار الفائدة؛ نتيجة استمرار الصراع في الشرق الأوسط، قد يضغطان على سوق العمل العام المقبل.

وقال كريستوفر روبكي، كبير الاقتصاديين لدى شركة «إف دبليو دي بوندز» للأبحاث والاستشارات الاقتصادية، إن سياسات إدارة ترمب المتعلقة بالهجرة «ربما زادت من صعوبة العثور على العمالة اللازمة لدى الشركات؛ مما يدفع بها إلى التمسك بموظفيها الحاليين»، مضيفاً أن العمال أصبحوا فجأة «لا يمكن الاستغناء عنهم» في قطاعات كثيرة.

عمال بناء في شيكاغو (أ.ب)

وانخفضت الطلبات الأولية للحصول على الإعانات الحكومية للبطالة بمقدار 6 آلاف طلب إلى 194 ألفاً، بعد التعديل الموسمي، خلال الأسبوع المنتهي في 17 أكتوبر الحالي، مقارنة بتوقعات الاقتصاديين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم عند 200 ألف طلب. وهذه هي سادس مرة على التوالي تبقى فيها الطلبات عند 200 ألف أو أقل.

ويقترب العدد من مستوى 189 ألف طلب المسجل في منتصف يوليو (تموز) الماضي، وهو الأدنى منذ عام 1969.

كما تراجع متوسط الطلبات الجديدة لأربعة أسابيع، الذي يُعد مؤشراً أكبر استقراراً لاتجاهات سوق العمل، بمقدار ألف طلب؛ إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 197 ألفاً و750 طلباً.

وتغطي البيانات المدة التي أجرت فيها الحكومة مسحها للمنشآت بغرض إعداد تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر أكتوبر. ويشير انخفاض متوسط الطلبات بين فترتي المسح لشهري سبتمبر الماضي وأكتوبر الحالي إلى احتمال تحسن نمو الوظائف هذا الشهر.

وكان الاقتصاد الأميركي قد أضاف 29 ألف وظيفة في سبتمبر الماضي، بعد زيادة بلغت 133 ألفاً في أغسطس. ويرى اقتصاديون أن سوق العمل لا تزال تمر بمرحلة تتسم بضعف التوظيف وانخفاض التسريح، فيما حدّت حالةُ عدم اليقين الناجمة عن الحرب والرسوم الجمركية على الواردات من وتيرة التوظيف.

ولم تشهد الأسواق المالية تغيراً يُذكر عقب صدور البيانات.

التوظيف لا يزال ضعيفاً

وأظهر التقرير ارتفاع عدد المستفيدين من إعانات البطالة المستمرة، الذين يواصلون تلقي المساعدات بعد الأسبوع الأول، بمقدار 25 ألفاً إلى 1.728 مليون شخص، بعد التعديل الموسمي، خلال الأسبوع المنتهي في 10 أكتوبر الحالي، رغم بقاء العدد عند مستوى منخفض نسبياً.

ولا يشمل هذا المؤشر الخريجين الجامعيين الجدد وغيرهم ممن لا يستوفون شروط الحصول على الإعانات بسبب محدودية تاريخهم الوظيفي. كما قد يؤدي استنفاد بعض العاطلين مدة استحقاق الإعانة، التي تصل إلى 26 أسبوعاً في معظم الولايات، إلى إبقاء عدد المطالبات المستمرة منخفضاً.

وبلغ متوسط مدة البطالة 11.5 أسبوع في سبتمبر الماضي، مقترباً من أعلى مستوى له في 4 سنوات ونصف السنة. ومع ذلك؛ فإن معدل البطالة البالغ 4.2 في المائة خلال سبتمبر يشير إلى أن سوق العمل لا تمثل حالياً مصدراً رئيسياً للضغوط التضخمية.

وقال اقتصاديون إن هذه الأوضاع تقلل حاجة «مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)» إلى تشديد السياسة النقدية بقوة لمواجهة تداعيات التضخم الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط.

وكان «البنك المركزي الأميركي» قد رفع سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة في سبتمبر الماضي بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة.

ويتوقع الاقتصاديون أن يُبقي «المجلس» أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأسبوع المقبل، قبل أن يعاود رفع تكاليف الاقتراض في ديسمبر المقبل.

وقال كارل واينبرغ، كبير الاقتصاديين لدى شركة الاستشارات «هاي فريكونسي إيكونوميكس»، إن «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» يملك هامشاً للتحرك ورفع أسعار الفائدة الأسبوع المقبل إذا رأى أن تشديد السياسة النقدية ضروري لتهدئة الطلب وإتاحة طاقة فائضة في الاقتصاد، بما يضمن عودة التضخم إلى مستهدفه، مضيفاً أن «المجلس» قد حقق هدفه المتعلق بالتوظيف بوضوح.


الذهب يهبط لأدنى مستوى في أكثر من شهرين... والفضة تتراجع بنحو 5 %

صائغ مجوهرات يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
صائغ مجوهرات يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
TT

الذهب يهبط لأدنى مستوى في أكثر من شهرين... والفضة تتراجع بنحو 5 %

صائغ مجوهرات يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
صائغ مجوهرات يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)

تراجعت أسعار الذهب والفضة، الخميس، مع تصاعد المخاوف من التضخم بفعل ارتفاع أسعار النفط، ما عزّز التوقعات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وسط ترقب المستثمرين اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الأسبوع المقبل.

وفي أحدث التعاملات، تراجع الذهب بنحو 2 في المائة إلى 4063.86 دولار للأوقية، في حين هبطت الفضة بنحو 5 في المائة إلى 55.17 دولار للأوقية.

كان الذهب قد تراجع في المعاملات الفورية 1.4 في المائة إلى 4084.25 دولار للأوقية، بحلول الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش، بعدما سجل أدنى مستوى له منذ الرابع من أغسطس (آب) الماضي، في وقت سابق من الجلسة. كما هبطت العقود الأميركية الآجلة للذهب، تسليم ديسمبر (كانون الأول)، 1.2 في المائة إلى 4100.30 دولار للأوقية.

وجاء تراجع المعدنين النفيسين مع صعود أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ مايو (أيار) الماضي، على أثر هجمات جديدة للحوثيين في السعودية، ما أثار مخاوف من اتساع نطاق التصعيد في الشرق الأوسط وزيادة الضغوط التضخمية.

قال ديفيد ميغر، مدير تداول المعادن لدى «هاي ريدج فيوتشرز»، إن ارتفاع أسعار الطاقة أدى إلى تنامي المخاوف بشأن الضغوط التضخمية، وهو ما عزز القلق من احتمال مواصلة مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي رفع أسعار الفائدة.

وعلى الرغم من أن الذهب يُعد تقليدياً أداة للتحوط من التضخم، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يقلّص جاذبيته؛ نظراً إلى أنه لا يدر عائداً.

وتعززت التوقعات بتشديد السياسة النقدية بعدما جاءت بيانات التضخم الاستهلاكي والإنتاجي في الولايات المتحدة، الأسبوع الماضي، أعلى من المتوقع، رغم استمرار التوقعات بأن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير، خلال اجتماعه المقرر يوميْ 27 و28 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وتُظهر أداة «فيد ووتش»، التابعة لمجموعة «سي إم إي»، أن المتعاملين يُسعّرون احتمالاً يبلغ 86 في المائة لرفع أسعار الفائدة في ديسمبر. كما يترقب المستثمرون بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركية، المقرر صدورها في 29 أكتوبر؛ بحثاً عن مؤشرات إضافية بشأن مسار السياسة النقدية.


الذكاء الاصطناعي يهدد وظائف القطاع المصرفي

أحد فروع بنك «باركليز» أحد أكبر المصارف البريطانية (د.ب.أ)
أحد فروع بنك «باركليز» أحد أكبر المصارف البريطانية (د.ب.أ)
TT

الذكاء الاصطناعي يهدد وظائف القطاع المصرفي

أحد فروع بنك «باركليز» أحد أكبر المصارف البريطانية (د.ب.أ)
أحد فروع بنك «باركليز» أحد أكبر المصارف البريطانية (د.ب.أ)

في خطوة تعكس التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع المصرفي بفعل التطور التكنولوجي المتعلق بالذكاء الاصطناعي، يعتزم مصرف «باركليز» البريطاني الاستغناء عن نحو 5 آلاف موظف، بالتزامن مع توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي في عملياته.

وتأتي هذه الخطوة ضمن خطة أوسع لتحديث أنشطة المصرف وخفض التكاليف التشغيلية، وسط تزايد المخاوف بشأن تأثير التقنيات الجديدة على الوظائف في القطاع المالي.

وأعلن «باركليز» إلغاء نحو ألف وظيفة بالفعل، متوقعاً استكمال خفض 4 آلاف وظيفة إضافية بحلول نهاية العام الحالي، ليصل إجمالي الوظائف المستهدفة إلى نحو 5 آلاف، أي ما يعادل قرابة 5 في المائة من إجمالي قوته العاملة على مستوى العالم.

وتركز إجراءات خفض التكاليف على قطاع الخدمات المصرفية للأفراد في المملكة المتحدة، غير أن بعض الوظائف الإدارية والمساندة الخاصة بالسوق البريطانية تُنفذ من الهند، حيث يُتوقع أن تتحمل نسبة كبيرة من تخفيضات الوظائف.

وأوضح المصرف أن هذه التغييرات تأتي في إطار خطة مستمرة لتحديث عملياته، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل «إضافة مكملة» لاستراتيجيته، وليس الأساس الوحيد لخفض الوظائف.

إعادة تشكيل القطاع المصرفي

«حي المال» قلب العاصمة البريطانية لندن (رويترز)

ومع أن الاستغناء عن الموظفين لا يعود في مجمله إلى استخدام الذكاء الاصطناعي، فإن حجم التخفيضات يعيد تسليط الضوء على التداعيات المحتملة لهذه التكنولوجيا على سوق العمل.

وتتزايد استثمارات الشركات في الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع توقعات بأن تتيح الأدوات الجديدة أتمتة بعض المهام الأساسية التي يؤديها الموظفون حالياً، بما في ذلك الأعمال الإدارية والبرمجة.

ولم يقتصر التوجه على «باركليز»، إذ أشارت مصارف «إتش إس بي سي» و«ستاندرد تشارترد» و«دانسك بنك» أيضاً، خلال العام الحالي، إلى تخفيضات في الوظائف مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وقال روس مولد، محلل الاستثمار لدى شركة «إيه جيه بيل»، لهية الإذاعة البريطانية «بي بي سي» إن الموضوع بات «قضية شديدة الحساسية والاهتمام»، لكنه أشار إلى أن المصارف لم تقدم حتى الآن على خطوات واسعة النطاق في تعميم استخدام الذكاء الاصطناعي، موضحاً أنها ستأخذ في الحسبان تداعياته على أمن العمليات وجودة خدمة العملاء قبل الاعتماد عليه لتحقيق وفورات مالية.

وأضاف مولد أن «أي شركة، في أي وقت، تحتاج إلى مراقبة قاعدة تكاليفها والتحكم فيها»، معرباً عن اهتمامه بما ستعلنه المصارف الأخرى في نتائجها المالية خلال الأسابيع المقبلة.

خطة لخفض التكاليف

يقترب «باركليز» من استكمال برنامج لخفض التكاليف يمتد لثلاث سنوات، ويركز بصورة رئيسية على قطاع الخدمات المصرفية للأفراد في المملكة المتحدة، مع امتداد تأثيره أيضاً إلى أنشطة الخدمات المصرفية الاستثمارية.

وكشف المصرف عن تحقيق أرباح بلغت 2.3 مليار جنيه إسترليني خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في سبتمبر (أيلول)، متجاوزة مستويات الفترة نفسها من العام الماضي، لكنها جاءت أقل قليلاً من توقعات المحللين.

وقال سي إس فينكاتاكريشنان، الرئيس التنفيذي لمجموعة «باركليز»، إن تخفيضات الوظائف تأتي نتيجة الاستثمارات الكبيرة التي يضخها المصرف في التكنولوجيا بهدف تبسيط أعماله وتحسين كفاءتها.

وأضاف لـ «بي بي سي» أن الذكاء الاصطناعي يؤدي دوراً مهماً في هذه العملية، وقد تزداد أهميته مستقبلاً، مشيراً إلى أن المصرف يعتزم توسيع استخدامه على نطاق واسع، لكنه شدد على أن الذكاء الاصطناعي ليس سوى عنصر مكمل للخطة، موضحاً أن الاستفادة الكاملة من إمكاناته تتطلب أولاً بناء البنية التحتية التكنولوجية اللازمة.

وذكر المصرف أن نحو 60 في المائة من الوظائف المستهدفة بالإلغاء ستتركز في وظائف الدعم والمساندة، بما في ذلك بعض وظائف تطوير البرمجيات.

عدد أقل من الموظفين

«بنك إنجلترا» المركزي في الحي المالي بلندن (إ.ب.أ)

من جهته، قال روس مولد إن «باركليز» يتجه إلى توظيف الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لخفض التكاليف، متوقعاً تقليص جزء من قوته العاملة مع توسيع استخدام هذه التكنولوجيا، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن النتائج المالية للمصرف لم ترقَ إلى مستوى توقعات السوق.

وقال ويل هاوليت، محلل القطاع المالي لدى شركة «كويلتر تشيفيوت»، إن تخفيضات الوظائف توضح مدى التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي والأتمتة في إعادة تشكيل الصناعة المصرفية خلال السنوات القليلة المقبلة.

وأضاف أن المصارف أنفقت مبالغ كبيرة على التكنولوجيا على مدى سنوات، لكنها تقترب الآن من مرحلة تتحول فيها هذه الاستثمارات إلى نتائج تشغيلية ملموسة، من بينها انخفاض عدد الموظفين اللازمين لإدارة الأعمال. وفي هذا السياق، أعلن «باركليز» أنه يتوقع تحقيق وفورات إضافية تبلغ 1.1 مليار جنيه إسترليني خلال عام 2027، بفضل إجراءات تحسين الكفاءة وخفض التكاليف.